من شيوخ أبي الوليد الباجي الذين كان لهم الفضل في تكوينه علميًا وتربويًا بالأندلس:
* خاله أبو شاكر ابن القبري المتوفى سنة ٤٥٦ هـ:
هو أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي المعروف بابن القبري القرطبي.
ولد سنة ٣٧٧ هـ وسمع من أبيه ومن أبي محمد الأصيلي وأبي حفص بن نابل وأبي عمر بن الحباب، وتفرد في وقته بالإجازة من الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، وله إجازة أيضًا من أبي الحسن القابسي.
أخذ عنه ابن أخته أبو الوليد الباجي علومًا متنوعة وعنه أبو علي الجياني، وأصبغ بن سهل، وغيرهم.
وقد كان أبو شاكر عالمًا بالحديث والفقه والنظر والجدل والكلام على مذهب أهل السنة، عالمًا بالعربية، خطيبًا مفوهًا حاذقًا، وله شعر رائق (١).
_________________
(١) ومن شعره قوله: يَا رَوْضَتِي وَرِيَاضُ النَّاس مُجْدِبَةٌ وَكَوْكَبِي وَظَلَامُ اللَّيْلِ قَدْ رَكَدَا
[ ٦١ ]
ولما انتشرت الفتنة في قرطبة، خرج منها إلى (الشاطبة) (١) وتولى فيها القضاء ورفع المظالم، وبـ (بلنسية) (٢) تولى الخطبة والصلاة.
وبقي على هذه الحال حتى توفي بشاطبة سنة ٤٥٦ هـ ودفن بمدينة بلنسية (٣).
* أبو الوليد ابن الصفار المتوفى ٤٢٩ هـ:
هو أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث المعروف بابن الصفار القرطبي. ولد سنة ٣٣٨ هـ ونشأ في طلب العلم، سمع من ابن ثابت وزكريا بن بطال
وابن أبي زمنين، وابن أبي العرب وغيرهم.
كان ابن الصفار متفننًا في علوم شتى، برع في الحديث ومروياته فكان شيخ الأندلس أعلاهم سندًا وأوسعهم جمعًا للحديث، وكان رجلًا صالحًا يميل
إلى العبادة والنسك، متقدمًا بين الفقهاء ومقدمًا في علم اللسان والأدب.
تولى في دولة بني عامر قضاء الجماعة بقرطبة، فكان خاتمة قضاء بني أمية
_________________
(١) = إِنْ كَانَ صَرْفُ اللَّيَالِي عَنْكَ أَبْعَدَنِي فَإنَّ شَوْقِي وَحُزْنِي عَنْكَ مَا بَعُدَا. (انظر: الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٣٨٤. جذوة المقتبس للحميدي: ٢٩١).
(٢) شاطبة: مدينة قديمة في شرقي الأندلس وشرقي قرطبة كانت مركزًا لصناعة الورق في العهد الإسلامي (معجم البلدان لياقوت: ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠. الروض المعطار للحميري: ٣٣٧. مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: ٢/ ٧٧٤).
(٣) بلنسية: مدينة مشهورة قديمة بالأندلس، تقع شرق الأندلس برية وبحرية تعرف بمدينة التراب (انظر: معجم البلدان لياقوت: ١/ ٤٩٠. الروض المعطار للحميري: ٩٧ - ١٠١. مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: ١/ ٢٢٠).
(٤) انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨١٨ - ٨١٩. الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥. جذوة المقتبس للحميدي: ٢٩٠ - ٢٩١. بغية الملتمس للضبي: ٣٩٢ - ٣٩٣. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ١٧٩ - ١٨٠. شذرات الذهب لابن العماد: ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
[ ٦٢ ]
في الفتنة، كما تولى الصلاة والخطبة والتدريس بجامع قرطبة وفيه أخذ عنه القاضي أبو الوليد الباجي، وقال عنه: (مشهور بالعلم).
من مؤلفاته: كتاب الموعب في تفسير الموطأ، وجمع مسائل بين ندب، وأكثر مؤلفاته في أخبار الزهاد وأرباب الرقائق.
توفي سنة ٤٢٩ هـ عن إحدى وتسعين سنة (١).
* أبو محمد مكي بن أبي طالب المتوفى سنة ٤٣٧ هـ:
هو أبو محمد مكي بن أبي طالب حمُّوش (٢) بن محمد بن مختار القيسي ولد بالقيروان (٣) سنة ٣٥٥ هـ، وبها أخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي، وأبي عبد الله الفراء اللغوي.
ثم توجه صوب مصر سنة ٣٧٧ هـ فلقي أبا الطيب عبد المنعم بن عبيدة بن غَلْبُون الحلبي وولده طاهرًا فأخذ عنه علم القراءات، وأخذ عن ابن عدي
عبد العزيز قراءة ورش، وسمع من أبي بكر محمد بن علي الأدْفَوي، ثم رجع إلى القيروان سنة ٣٨٢ هـ وبقي بها إلى سنة ٣٨٧ هـ.
_________________
(١) انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٧٣٩ - ٧٤١. الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٦٨٤ - ٦٨٦ جذوة المقتبس للحميدي: ٣٨٤ - ٣٨٥. بغية الملتمس للضبي: ٥١٢ - ٥١٣. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٧/ ٥٦٩ - ٥٧٠ مرآة الجنان لليافعي: ٣/ ٥٢. الديباج المذهب لابن فرحون: ٣٦٠. المرقبة العليا للنباهي: ٩٥ - ٩٦. وفيات ابن قنفذ: ٥٤ شذرات الذهب لابن العماد: ٣/ ٢٤٤. شجرة النور لمخلوف: ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) كلمة (حمُّوش) تطلق في المغرب على من اسه محمد من باب التحبب والمداعبة.
(٣) قيروان: مدينة شهيرة بمسجدها في تونس، أنشأها عقبة بن نافع. عاصمة الأغالبة والفاطميين كانت دارًا للصناعة ومحطة للقوافل وسوقًا للتجارة (معجم البلدان لياقوت: ٤/ ٤٢٠ - ٤٢١. الروض المعطار للحميري: ٤٨٦ - ٤٨٧. مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: ٣/ ١١٣٩ وصف أفريقيا لليون الأفريقي: ٢/ ٨٧ - ٩١)
[ ٦٣ ]
وفي تلك السنة سافر إلى الحجاز وبقي بمكة أربعة أعوام وحج فيها أربع حجج متتالية وفيها سمع من أبي القاسم عبيد الله السقطي، وأحمد بن فراس، وأبي الحسن المُطَّوَّعِيِّ وغيرهم، ثم انصرف إلى القيروان سنة ٣٩٢ هـ.
وفي سنة ٣٩٣ هـ سافر إلى الأندلس ودخل قرطبة أيام المظفر بن أبي عامر، وقد تنبه لمكانته القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن ذكوان فأجلسه في المسجد الجامع لنشر علمه بين الناس، ومن ذلك المسجد أخذ عنه أبو الوليد الباجي.
كان أبو محمد من أوعية العلم لم يدع علمًا إلا تبحَّر فيه، فكان إمامًا علامة محققًا عارفًا حافظًا لكثير من العلوم مع الدين والسكينة والفهم. له مؤلفات عديدة منها: الإبانة عن معاني القراءات (١)، التبصرة في القراءات السبع (٢)، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة (٣)، الكشف عن وجوه القراءات السبع (٤) وغيرها.
توفي في ثاني محرم سنة ٤٣٧ هـ (٥).
_________________
(١) طبع بتحقق د. عد الفتاح إسماعل شلبي. مصر.
(٢) طبع بتحقيق المقرئ محمد غوث الندوي، ١٣٩٩ هـ. الهند.
(٣) طبع بتحقيق د. أحمد حسن فرحات، ١١/ ٣٩٣٩٧٣. دمشق.
(٤) طبع بتحقيق د. محيي الدين رمضان ١١/ ٣٩٤٩٧٤. دمشق.
(٥) انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٦٣١ - ٦٣٣. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٧٣٧ - ٧٣٨. جذوة المقتس للحميدي: ٣٥١. بغية الملتمس للضبي: ٤٦٩. وفيات الأعيان، لابن خلكان: ٥/ ٢٧٤ - ٢٧٧. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٧/ ٥٩١ - ٥٩٣. معرفة القراء الكبار للذهبي: ١/ ٣٩٤ - ٣٩٦. دول الإسلام للذهبي ١/ ٢٥٨. مرآة الجنان لليافعي: ٣/ ٥٧ - ٥٨. البلغة للفيروزآبادي: ٢٦٣ - ٢٦٤. طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢، ٣٣٧ - ٣٣٨. الديباج المذهب لابن فرحون: ٣٤٦. بغية الوعاة للسيوطي: ٣٩٦ - ٣٩٧. الفكر السامي للحجوي: ٢/ ٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩. شذرات الذهب لابن العماد: ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١. شجرة النور لمخلوف: ١/ ١٠٧ - ١٠٨. كشف الظنون لحاجي: ١/ ٣٣، ١٢١، ١٧٤. وفيات ابن قنفذ: ٥٥.
[ ٦٤ ]
* أبو بكر الرحوي المتوفى سنة ٤٢٠ هـ:
هو أبو بكر خَلَف بن أحمد بن خلف الأنصاري يعرف بالرحوي الطليطلي الأندلسي.
سافر إلى المشرق وروى عن: أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان، وحدث عنه بكتبه، سمع منه أبو الوليد الباجي وحدث عنه أبو مطرف بن سلمة وأبو القاسم الطرابلسي، وأبو جعفر بن مغيث، وتفقه به الطليطليون.
كان فقيهًا عالمًا، عارفًا بالأحكام والمسائل، ورعًا فاضلًا كثير الصدقة والصوم، دعي إلى قضاء طليطلة فأبى وامتنع.
توفي سنة ٤٢٠ هـ (١).
***