سنتناول نموذجًا من شعره الرصين في أغراض شعرية مختلفة التي تنبئ عن خياله الخصب وشاعريته الرقيقة ومعاناته القاسية وتجربته الحية.
فمن ذلك قوله في الزهد:
تَبَلَّغْ إِلَى الدُّنْيَا بِأَيْسَرِ زَادِ فَإِنَّكَ عَنْهَا رَاحِلٌ لِمَعَادِ
وغُضَّ عَنِ الدُّنْيَا وزُخْرُفِ أَهْلِهَا جُفُونَكَ وَاكْحُلْهَا بِطُولِ سُهَادِ
وجَاهِدْ عَنِ اللَّذَاتِ نَفْسَكَ جَاهِدًا فَإِنَّ جِهَادَ النَّفْسِ خَيْرُ جِهَادِ
فَمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ فَيُعْتَدَّ مِنْ أَغْرَاضِهَا بِعَتَادِ
وَمَا هِيَ إِلَّا دَارُ لَهْوٍ وفِتْنَةٍ وإِنَّ قُصَارَى أَهْلِهَا لِنَفَادِ (١)
***
إِذَا كُنْتُ أَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا (٢) بِأَنَّ جَمِيعَ حَيَاتِي كَسَاعَهْ
فَلِمْ لَا أَكُونُ ضَنِينًا بِهَا وَأَجْعَلُهَا (٣) في صَلَاحٍ وطَاعَهْ (٤)
***
_________________
(١) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٣.
(٢) وفي معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٥٠. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٤: علم اليقين. وفي الخريدة للأصفهاني: ٣/ ٤٧٣: (أعلم مستيقنًا).
(٣) وفي معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٥٠ فأجعلها.
(٤) الإكمال لابن مكولا: ١/ ٤٦٨. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٧. الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢. قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٦. الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٨. بغية الملتمس للضبي: ٣٠٣. المرقبة العليا للنباهي: ٩٥. معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٥٠. وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩. الروض المعطار للحميري: ٧٥. فوات الوفيات ٢/ ٦٥. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٢. الأنساب للمعاني: ٢/ ١٥. خريدة القصر للأصفهاني: ٣/ ٤٧٣. الديبياج المذهب لابن فرحون: ١٢٠. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٤.
[ ٩٣ ]
يَا قَلْبُ إِمَّا تُلْهِنِي كَاذِبًا أَوْ صَادِفًا عَنِ الْهُدَى جَائِرَا
تُشْغِلُنِي عَنْ عَمَلٍ نَافِعٍ في مَوْقِفٍ أَلْقَاكَ لِي ضَائِرَا
أَحْرِ بِأَنْ تُسْلِمَنِي نَادِمًا إِنْ لَمْ أُلَاقِ اللهَ لِي عَاذِرَا
وحَاقَ بِي مَا جَاءَ عَنْ رَبِّنَا (ووَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرَا (١» (٢)
***
وقوله في معنى الحمد والشكر:
الحَمْدُ للهِ ذِي الآلَاءِ والنِّعَمِ ومُبْدِعِ السَّمْعِ والأَبْصَارِ والْكَلِمِ
مَنْ يَحْمَدِ الله يَأْتِيهِ المَزِيدُ ومَنْ يَكْفُرْ فَكَمْ نِعَمٍ آلَتْ إِلَى نِقَمِ (٣)
***
الْحَمْدُ للهِ حَمْدَ مُعْتَرِفٍ بِأَنَّ نُعْمَاهُ لَيْسَ نُحْصِيهَا
وأَنَّ مَا بِالعِبَادِ مِنْ نِعَمٍ فَإِنَّ مَوْلَى الأَنَامِ مُولِيهِا
وأَنَّ شُكْرِي لِبَعْضِ أَنْعُمِهِ مِنْ خَيْرِ مَا نِعْمَةٍ يُوَالِيهَا (٤)
***
وقوله في قيام الليل:
قَدْ أَفْلَحَ الْقَانِتُ في جُنْحِ الدُّجَى يَتْلُو الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ النَّيِّرَا
فَقَائِمًا ورَاكِعًا وسَاجِدًا مُبْتَهِلًا مُسْتَعْبِرًا مُسْتَغْفِرَا
لَهُ حَنِينٌ وشَهِيقٌ وبُكَا يَبُلُّ مِنْ أَدْمُعِهِ تُرْبَ الثَّرَى
إِنَّا لَسَفْرٌ نَبْتَغِي نَيْلَ المَدَى فَفي السُّرَى بُغْيَتُنَا لَا في الْكَرَى
مَنْ يَنْصَبِ اللَّيْلَ يَنَلْ رَاحَتَهُ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمَ السُّرَى (٥)
***
_________________
(١) اقتباس من آية ٤٩ من سورة الكهف.
(٢) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٤.
(٣) الذخيرة بسام: ٢/ ١/ ١٠٤
(٤) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٤
(٥) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٤
[ ٩٤ ]
وقوله في معنى السفر:
إِذَا كُنْتَ رَبِّي في طَرِيقِيَ صَاحِبَا وتَخْلُفُنِي في الأَهْلِ مَا دُمْتُ غَائِبَا
فَسَهِّلْ سَبِيلِي وازْوِ عَنِّيَ شَرَّهَا وشَرَّ الَّذِي أَلْقَاهُ في الأَهْلِ آيِبَا (١)
***
وقوله في معنى الغزل:
أَسَرُّوا عَلَى اللَّيْلِ الْبَهِيمِ سُرَاهُمُ فَنَمَّتْ عَلَيْهِمْ في الشَّمَالِ شَمَائِلُ
مَتَى نَزَلُوا ثَاوِينَ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى بَدَتْ لِلْهَوَى بِالمَأْزِمَيْنِ مَخَايِلُ
فَلِلَّهِ مَا ضَمَّتْ مِنًى وشِعَابُهَا ومَا ضُمِّنَتْ تِلْكَ الرُّبَى والمَنَازِلُ
ولَمَّا الْتَقَيْنَا للْجِمَارِ وأُبْرِزَتْ أَكُفٌّ لِتَقْبِيلِ الْحَصَى وأَنَامِلُ
أَشَارَتْ إِلَيْنَا بِالْغَرَامِ مَحَاجِرٌ وبَاحَتْ بِهِ مِنَّا جُسُومُ نَوَاحِلُ (٢)
***
وقوله في المدح:
في مدح شيخه أبي جعفر السِّمناني:
يَا بُعْدَ صَبْرِكَ أَتْهَمُوا أَمْ أَنْجَدُوا هَيْهَاتَ مِنْكَ تَصَبُّرٌ وتَجَلُّدُ
يَأْبَى سُلُوَّكَ بَارِقٌ مُتَأَلِّقٌ وَشَمِيمُ عَرْفِ عَرَارَةٍ ومُغَرِّدُ
في كُلِّ أُفْقٍ لِي عَلَاقَةُ خَوْلَةٍ تَهْدِي الْهَوَى وبِكُلِّ أَرْضٍ تَهْمَدُ
مَا طَالَ عَهْدِي بِالدِّيَارِ وإِنَّمَا أَنْسى مَعَاهِدَهَا أَسًى وتَبَلُّدُ
ولَقَدْ مَرَرْتُ عَلَى المَعَاهِدِ بَعْدَمَا لَبِسَ الْبَدَاوَةَ رَسْمُهَا المُتَأَبِّدُ
فَاسْتَنْجَدَتْ مَاءَ الدُّمُوعِ لِبَيْنِهِمْ فَتَتَابَعَتْ حَتَّى تَوَارَى المُنْجِدُ
طَفِقَتْ تُسَابِقُنِي إِلَى أَمَدِ الصَّبَا تِلْكَ الرُّبَى ومَنَالُ شَأْوِي يَبْعُدُ
لَوْ كُنْتُ أَنْبَأْتُ الدِّيَارَ صَبَابَتِي رَقَّ (٣) الصَّفَا بِفِنَائِهَا والجَلْمَدُ
_________________
(١) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٤.
(٢) نفح الطيب للمقري: ٢/ ٨٤.
(٣) وفي الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٩: نحل.
[ ٩٥ ]
إلى أن يقول:
هَذَا الشِّهَابُ المُسْتَضَاءُ بِنُورِهِ عَلَمُ الْهُدَى هَذَا الإِمَامُ الأَوْحَدُ
هَذَا الَّذِي قَمَعَ الضَّلَالَةَ بَعْدَمَا كَانَتْ شَيَاطِينُ الضَّلَالِ تَمَرَّدُ (١)
***
* وله في المُعْتَضد بالله عبادٍ وَالد المعتمد:
عَبَّادٌ اسْتَعْبَدَ الْبَرَايَا بِأَنْعُمٍ تَبْلُغُ (٢) النَّعَائِمْ
مَدِيحُهُ ضِمْنَ كُلِّ قَلْبٍ حَتَّى تَغَنَّتْ بِهِ الحَمَائِمْ (٣)
***
* وله في معز الدولة أبي علوان بن أسد الدولة:
لِرَيَّاهُمُ في عَرْفِ رَبْعِكَ عُنْوَانُ ومِنْ حُسْنِهِمْ في حُسْنِ مَغْنَاكَ تِبْيَانُ
وفيكَ مِنَ الْحَيِّ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا مَخَايِلُ أَغْصَانٍ تَمِيسُ وكُثْبَانُ
وكَمْ لَيْلَةٍ فيهَا تَعَسَّفْتُ حَوْلَهَا وكَالِئُهَا مِنِّي مُشِيحٌ ويَقْظَانُ
سَرَيْنَا كَمَا يَسْرِي الْخَيَالُ وغُضِّضَتْ عَلَى رَكْبِنَا مِنْ نَاظِرِ اللَّيْلِ أَجْفَانُ
لَبِسْنَا بُرُودَ اللَّيْلِ حَتَّى تَشَقَّقَتْ جُيُوبٌ تُضِيءُ بِالصَّبَاحِ وأَرْدَانُ
حَوَيْتَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ المُلْكَ فَاعْتَرَى بِذِكْرِكَ في الآفَاقِ مُلْكٌ وسُلْطَانُ
فَلِلْمَجْدِ سِلْكٌ قَدْ أُجِيدَ نِظَامُهُ وأَنْتَ لِذَاكَ السِّلْكِ دُرٌّ ومَرْجَانُ (٤)
***
_________________
(١) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٩ - ١٠٠ .. ومنها بيتان في معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٤٩. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٦.
(٢) وفي معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٥٠: فاقت.
(٣) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٠. معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٥٠. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٦.
(٤) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٣.
[ ٩٦ ]
وقوله في صفة قلم:
وأَسْمَرُ يَنْطُقُ في مَشْيِهِ ويَسْكُتُ مَهْمَا أَمَرَّ القَدَمْ
عَلَى سَاحَةٍ لَيْلُهَا مُشْرِقٌ مُنِيرٌ وأَبْيَضُهَا مُدْلَهِمُ
وشَبَّهْتُهَا بِبَيَاضِ المَشِيبِ يُخَالِطُ نُورَ سَوَادِ اللَّمَمْ (١)
***
قوله في فساد الطبائع والأخلاق:
مَضَى زَمَنُ المَكَارِمِ والْكِرَامِ سَقَاهُ اللهُ مِنْ صَوْبِ الْغَمَامِ
وَكَانَ الْبِرُّ فِعْلًا دُونَ قَوْلٍ فَصَارَ الْبِرُّ نُطْقًا بِالكَلَامِ (٢)
***
وللباجي قصائد في الرثاء تعرضنا لها (٣)، وفي أوصاف شتى أخرى.