نشأة أبي الوليد الباجي
نشأ أبو الوليد الباجي وسط أسرة عربية أصيلة، حيث أن مردَّ نسَبه من جهة أبيه وأمه إلى قبيلة: (تُجيب) العربية المشرَّفة بثناء الرسول عليها (١).
واتَّسمت هذه الأسرة بالعلم والنباهة (٢) فكان لبعض أفرادها مساهمة فعالة في الحياة العلمية، فضلًا عما اتصفوا به من مكارم الأخلاق وعرفوا بالتقوى والورع وحسن التديُّن والزهد. فلم يكن في إخوته إلا مشهور بالحج والجهاد، والصلاح والعفاف، وأمِّه وجِهَتِها إلا مشهود له بالعلم والذكاء والفطنة.
وفي كَنَف هذه البيئة العلمية، وتحت الرعاية الأسروية الداخلية، نال أبو الوليد الباجي حظه من التربية الحسنة والأخلاق العالية، وأخذ تعليمه الأوَّلي في سن مبكرة جدًّا، ساعده ذلك على تنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية، الأمر الذي فسح أمامه آفاقًا واسعة تبشِّر بغدٍ مشرق بالعلم والمعرفة.
_________________
(١) انظر معجم قبائل العرب لكحالة: ١/ ١١٦.
(٢) ترتيب المدارك للقاضى عياض: ٢/ ٨٠٨.
[ ٤١ ]
وقد سادت - في عصره وضمن محيط مجتمعه بالأندلس - موجة علمية عالية تقوم على التنافس الجاد في مختلف العلوم وشتى الفنون وسائر المعارف، وفي هذا الجوِّ العلمي العام ترعرع أبو الوليد الباجي وكلُّه إرادة جدِّية، وحزم أكيد، يساعده ذكاؤه الوقاد وتعليمه الأولي، ويدفعه حرصٌ شديدٌ، ورغبةٌ مُلحَّةٌ صادقة في طلب العلم واكتسابه، والتبحُّر في أنواع المعارف المختلفة، متبعًا في ذلك هدي العلماء العاملين، ومقتديًا بهم سلوكًا وأخلاقًا.