أولاد أبي الوليد الباجي
للقاضي أبي الوليد الباجي عدد من الأولاد عاش بعضهم، وتوفي آخرون في حياته.
* أما أبناء الباجي الذين توفوا في حياته فمنهم: محمد بن أبي الوليد سليمان بن خلف وكنيته: أبو الحسن. كان شابًا يتصف بالذكاء والنبل ويرجى فيه
الصلاح. مات في حياة أبيه (بِسَرَقُسْطة) (٣) سنة ٤٧٢ وبسنتين قل وفاة والده، وكان فراقه قد أثر فيه تأثيرًا بالغًا، فرثاه بمراثي حارَّة وحزينة (٤) منها
_________________
(١) = اللباب لابن الأثير: ٢/ ٩٨. مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: ٢/ ٦٨٨. وصف إفريقيا لليون الأفريقي ١/ ٣١٦ - ٣١٨).
(٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٦٧٤ - ٦٧٦. جذوة المقتبس للحميدي: ٩٢. بغية الملتمس للضبي: ١٣٠. أعمال الأعلام لابن الخطيب: ٥٣. الديباج المذهب لابن فرحون: ٢٧١. شجرة النور لمخلوف: ١/ ١١١.
(٣) سيأتي موجز عن ترجمته عند التعرض لشيخ الباجي.
(٤) وهي مدينة واقعة بشرق إسبانيا وكانت تعرف بالمدينة البيضاء (انظر: معجم البلدان لياقوت: ٣/ ٢١٢ - ٢١٤، الروض المعطار للحميري: ٣١٧. مراصد الإطلاع للصفي البغدادي: ٢/ ٧٠٨. نفخ الطيب للمقري: ١/ ١٥٠).
(٥) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٨.
[ ٣٧ ]
قوله:
أَمُحَمَّدٌ إِنْ كُنْتُ بَعْدَكَ صَابِرًا صَبْرَ السَّلِيم لِمَا بِهِ لا يَسْلَمُ
وَرُزِئْتُ قَبْلَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ولَرُزْؤُهُ أَدْهَى لَدَيَّ وأَعْظَمُ
فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّنِي بِكَ لَاحِقٌ مِنْ بَعْدِ ظَنِّي أَنَّنِي مُتَقَدِّمُ
للهِ ذِكْرٌ لَا يَزَالُ بِخَاطِري مُتَصَرِّفٌ في صَبْرِهِ (١) مُتَحَكِّمُ (٢)
فَإِذَا نَظَرْتُ فَشَخْصُهُ مُتَخَيَّلٌ وإِذَا أَصَخْتُ فَصَوْتُهُ مُتَوَهَّمُ
وبِكُلِّ أَرْضٍ لِي مِنَ اجْلِكَ رَوْعَةٌ وبِكُلِّ قَبْرٍ عَبْرَةٌ وتَرَنُّمُ (٣)
فَإِذَا دَعَوْتُ سِوَاكَ حَادَ عَنِ اسْمِهِ ودَعَاهُ بِاسْمِكَ مُعْوِلٌ (٤) بِكَ مُغْرَمُ
حَكَمُ الرَّدَى ومَنَاهِجٌ قَدْ سَنَّهَا لِأُولِي النُّهَى والْحِذْقِ (٥) قَبْلُ مُتَمِّمُ (٦)
_________________
(١) كذا في قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٦. ونفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٥. وفي الذخيرة لابن بسام: (صفوه).
(٢) وفي نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٥: (مُستحكمُ).
(٣) وفي قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٦. ونفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٥: (لَوْعَةٌ وَقْفَةٌ وَتلوُّمُ).
(٤) وفي الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠١: (مقولٌ).
(٥) وفي قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٦ ونفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٥: (الحزن).
(٦) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠١ - ١٠٢. قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٦. نفع الطيب للمقري: ٢/ ٧٥.
[ ٣٨ ]
فَلَئِنْ جَزِعْتُ فَإِنَّ رَبِّيَ عَاذرٌ ولَئِنْ صَبَرْتُ فَإِنَّ صَبْرِيَ أَكْرَمُ (١)
وله ابنان (٢) ماتا مغتربين ومقتربين رئاهما بعاطفة حارة وبحرقة كبيرة وحزن عميق فقال:
رَعَى اللهُ قَبْرَيْنِ اسْتَكَانَا بِبَلْدَةٍ هُمَا أَسْكَنَاهَا في السَّوَادِ مِنَ الْقَلْبِ
لَئِنْ غُيِّبَا عَنْ نَاظِرِي وتَبَوَّءَا فُؤَادِي لَقَدْ زَادَ التَّبَاعُدُ في الْقُرْبِ
يَقَرُّ بِعَيْنِي أَنْ أَزُورَ ثَرَاهُمَا وأُلْصِقَ مَكْنُونَ التَّرَائِبِ بِالتُّرْبِ (٣)
وَأَبْكِي وأُبْكِي سَاكِنِيهَا لَعَلَّنِي سَأُنْجَدُ مِنْ صَحْبٍ وأُسْعَدُ مِنْ سُحْبِ
وَلَا اسْتَعْذَبَتْ عَيْنَايَ بَعْدَهُمَا (٤) كَرًى وَلَا ظَمِئَتْ نَفْسِي إِلَى الْبَارِدِ الْعَذْبِ
أَحِنُّ ويَثْنِي الْيَأْسُ نَفْسِي عَنِ الأَسَى كَمَا اضْطُرَّ مَحْمُولٌ عَلَى المَرْكَبِ الصَّعْبِ (٥)
_________________
(١) هذا البيت الأخير انفردت به الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ١٠٢.
(٢) كذا في المصادر السابقة: (يرثي ابنيه) وفي ترتيب المدارك للقاضي عياض: (٢/ ٨٠٧): (يرثي ابنه وأخاه).
(٣) لم يرد هذا البيت في الذخيرة لابن بسام.
(٤) وفي خريدة القصر للأصفهاني (٣/ ٤٧٣): بعدكُما.
(٥) أورد هذه القصيدة القاضي عياض في ترتيب المدارك: ٢/ ٨٠٧. وياقوت الحموي في معجم الأدباء: ١١/ ٢٥٠ - ٢٥١. وابن بسام في الذخيرة: ٢/ ١/ ١٠١. والأصفهاني في خريدة القصر: ٣/ ٤٧٣. وابن خاقان في قلائد العقيان: ٢١٦. والمقري في نفح الطيب: ٢/ ٧٥. ومنها بيتان ذكرهما ابن خلكان في وفيات الأعيان: ٢/ ٤٠٨.
[ ٣٩ ]
* أما أولاده الذين عاشوا بعد وفاته، فمن أشهرهم: أحمد بن أبي الوليد سليمان الباجي. وكنيته: أبو القاسم. وهو أحد العلماء البارزين، برع في علم الأصول والكلام حتى أذن له والده في إصلاح كتبه الأصولية.
وقد تفقه أبو القاسم على أبيه، وخلَفه في حلقته بعد وفاته، وجمع ديوانه، وصلَّى عليه يوم وفاته.
وقد كان ديِّنًا ورعًا زاهدًا في الدنيا، تخلى عن تركة أبيه وهي كثيرة لقبوله جوائز السلطان، وارتحل إلى المشرق لطلب العلم، ودخل بغداد والبصرة، واستقر بعدها في بعض جزائر اليمن، ثم قضى مناسك الحج، وعند عودته مات بجدَّة سنة ٤٩٣ هـ.
لأبي القاسم أحمد بن سليمان مؤلفات حسنة تدل على حِذْقِه وذكائه فمنها: (العقيدة في المذاهب السديدة) و(معيار النظر) و(سرُّ النظر) و(البرهان في أنَّ أول الواجبات: الإيمان) ورسالة سماها (الاستعداد للخلاص من الميعاد) (١)، وله نظم وأدب، فمن رقيق شعره ما أنشد لنفسه يقول:
إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ فَاتْرُكِ الْمَيْلَ إلَيْهِ
مَنْ بِأَمْرٍ يَتَعَنَّى يَحْسَبُ النَّاسَ عَلَيْهِ (٢)
- وله ابنة نجيبة (٣) زوَّجها للحافظ المحدث الفقيه أبي العباس أحمد بن عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن أبي حمزة المُرْسِي الأندلسي - أحد طلبة الباجي - المتوفى سنة ٥٣٣ هـ (٤).
_________________
(١) انظر: ترتيب المدارك للقاضى عياض: ٢/ ٨٠٧. بغية الملتمس للضبي: ١٨٠ - ١٨١. الصلة لابن بشكوال: ١/ ٧١. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٥ - ٥٤٦. الديباج المذهب لابن فرحون: ٤٠. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧. كشف الظنون لحاجي: ١/ ٨٣٦. شجرة: النور لمخلوف: ١/ ١٢١.
(٢) بغية الملتمس للضبي: ١٨١.
(٣) دراسة فصول الأحكام لباثول: ٨٤.
(٤) الديباج المذهب لابن فرحون: ٥١. بغية الوعاة للسيوطي: ١٤٣. شذرات الذهب: ٤/ ١٠٢.
[ ٤٠ ]