وفاة أبي الوليد الباجي
بعد أن قضى أبو الوليد الباجي حياة جهادية من أجل تحصيل العلم ونشره تعليمًا وتأليفًا ومناظرة، والسعي إلى دعوة حكام الأقطار الأندلسية للالتفاف حول المرابطين لنصرة الإسلام ونبذ أحقادهم وجمع كلمة المسلمين ضد عدوهم المشترك ألفنسو السادس الذي كان يتربص بالإسلام والمسلمين الدوائر، انتهى به السعي والمطاف بمدينة (الْمَرِيَّة) (١) () حيث أدركته المنيَّةُ ليلة الخميس - بين العشائين - في التاسع عشر من رجب (٢) سنة ٤٧٤ هـ.
_________________
(١) الْمَرِيَّةُ: مدينة كبيرة محدثة من أعمال الأندلس، أمر ببنائها أمير المؤمنين الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد سنة ٣٤٤ هـ. وهي أشهر مراسي الأندلس وأعمرها. (انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي: ٥/ ١١٩ - ١٢٠. الروض المعطار للحميري: ٥٣٧ - ٣٨ هـ. نفع الطيب للمقري: ١/ ١٦٢ - ١٦٣. مراصد الاطلاع للصيفي البغدادي: ٣/ ١٢٦٤).
(٢) اختلفوا في تحديد اليوم والشهر لوفاة الباجي، فقيل: يوم الخميس تاسع رجب، وقيل: تاسع عشر صفر، وقيل: إحدى عشر رجب، نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٦ وقيل: سابع عشر من رجب، ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٨. الديباج المذهب لابن فرحون: ١٢٢. وقيل: في التاسع والعشرين من رجب، البداية والنهاية لابن كثير: ١٢/ ١٢٣ وقيل: التاسع عشر من رجب وهو مذهب الجمهور، الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢. وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٤٠٩. سير أعلام النبلاء للذهبي: =
[ ٤٢ ]
وصلى عليه يوم الخميس - بعد العصر - ابنه أبو القاسم، ودفن على ضفة البحر بالرباط. ﵀ وغفر لنا وله.
وتاريخ وفاته المتقدم مثبت لدى جمهور المترجمين والمؤرخين باتفاق (١) ونازع فيه آخرون منهم:
- ابن الأثير الذي انفرد بالقول إلى أن أبا الوليد الباجي توفي في حدود سنة ثمانين وأربعمائة (٢).
- وياقوت الحموي وابن فرحون اللذان ذهبا إلى أنه توفي سنة ٤٩٤ هـ (٣).
وعليه فالمسألة على ثلاثة (٤) أقوال أرجحها - في تقديري - ما استقر عليه الجمهور هو أن سنة وفاته: ٤٧٤ هـ، وذلك للأسباب التالية:
_________________
(١) = ١٨/ ٥٤٤. وتذكرة الحفاظ للذهبي: ٣/ ١١٨٢. طبقات الحفاظ للسيوطي: ٤٤٠. طبقات المفسرين للسيوطي: ٥٤. طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢١٢.
(٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٨. الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢. بغية الملتمس للضبي: ٣٠٣. وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٤٠٩. فوات الوفيات للكتبي: ٢/ ٦٤. مرآة الجنان لليافعي: ٣/ ١٠٨. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٤. تذكرة الحفاظ للذهبي: ٣/ ١١٨٢. دول الإسلام للذهبي: ٢/ ٦. البداية والنهاية لابن كثير: ١٢/ ١٢٢ - ١٢٣. الروض المعطار للحميري: ٧٥. طبقات الحفاظ للسيوطي: ٤٤٠. طبقات المفسرين للسيوطي: ٥٤. طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢١٢. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٧. كشف الظنون للحاجي: ١/ ٢٠. شذرات الذهب لابن العماد: ٣/ ٣٤٤. هدية العارفين للبغدادزي: ٥/ ٣٩٥. الفكر السامي للحجوي: ١/ ٤/ ٢١٧. شجرة النور لمخلوف: ١/ ١٢١.
(٣) اللباب لابن الأثير: ١/ ١٠٣.
(٤) معجم الأدباء لياقوت الحموي: ١١/ ٢٤٩. الديباج المذهب لابن فرحون: ١٢٢.
(٥) هناك رأي آخر ذهب إليه بالنثيا في تاريخ الفكر الأندلسي: ٤٢٤ بأن سنة وفاة الباجي ثلاث وسبعين وأربعمائة ٤٧٣ هـ وهو تحريف ظاهر، ولعل هذا التحريف وقع عند إرادة تحويل التاريخ الميلادي إلى الهجري على نحو ما حدث له في تاريخ ميلاد الباجي.
[ ٤٣ ]
١ - لأن ورود تاريخ وفاته محددًا بالشهر واليوم والساعة يدل على قول الجمهور تأسيسًا على أن: من حفظ حجة على من لم يحفظ، فضلًا عن أن هذا التاريخ مستمد من أبي عليِّ الجيَّاني نفسه وهو أحد تلاميذه (١).
٢ - ولأن جمهور المؤرخين وجلَّ المترجمين على إثبات هذا التاريخ وصحته.
٣ - ولأنه يستبعد أن تكون سنة وفاته في أحد القولين الآخرين، لأن المصادر التاريخية تشير إلى أن الباجي كان سفيرًا بين رؤساء الأندلس يسعى إلى توحيد صفهم ولمِّ شملهم وجمع كلمتهم مع المرابطين ضد عدوهم ألفنسو السادس للذود عن حياض الإسلام وثغوره، وقد توفي الباجي ﵀ قبل تمام سعيه وتحقيق غرضه وإكمال غايته (٢).
ولا يساورنا شك أن انتصار المسلمين في معركة (الزلاقة) (٣) الشهيرة قد وقع في رجب سنة ٤٧٩ هـ، فلو كانت سنة وفاته على ما قرروه لشهد النصر المؤزر ولأدرك بغيته من خلال مساعيه الوحدوية. قال الحجوي: (وفي سنة ٤٩٤ كان ابن تاشفين استأصل
_________________
(١) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٨.
(٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٨. الفكر السامي للحجوي: ٢/ ٤/ ٢١٧.
(٣) انظر تفاصيل معركة الزلاقة في: الكامل في التاريخ لابن الأثير: ١٠/ ١٥١ - ١٥٥. الحلل الموشية: ٣٣ - ٤٦. المُعجب للمراكشي: ١٩٥ - ٢٠٠. دول الطوائف لعنان: ٣٢٠ - ٣٣٢.
[ ٤٤ ]
جل رؤساء الأندلس كما يعلم من مراجعة التاريخ) (١).
٤ - وعلى القولين الآخرين يحتمل حدوث تحريف غير مقصود للاشتباه الحاصل بين الأربِع والسبعين والأربع والتسعين، كما يحتمل اشتباه وفاة أبي الوليد بوفاة ابنه أبي القاسم المتوفى سنة ٤٩٣ هـ.
***
_________________
(١) الفكر السامي للحجوي: ٢/ ٤/ ٢١٧.
[ ٤٥ ]
الفصل الثاني
حياة أبي الوليد الباجي العلمية
المبحث الأول: مساعي أبي الوليد الباجي العلمية.
المبحث الثاني: شخصية أبي الوليد الباجي ونشاطه العام.
المحبث الثالث: آثار أبى الوليد الباجى العلمية.
[ ٤٧ ]