يرجع سبب هذه المناظرة إلى أن أبا الوليد الباجي قرئ عليه - وهو ب (دانية) (٤) - حديث المقاضاة في صلح الحديبية الذي أخرجه البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخلُ مكةَ حتى قاضاهم على أن يُقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتابَ، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسول الله، قالوا: لا نقرُّ لك بهذا، لو نعلمُ أنكَ رسولُ الله ما مَنَعناك شيئًا، ولكن أنتَ محمَّدُ بن عبد الله، فقال: أنا رسولُ الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثمَّ قال لعليّ: امحُ رسولَ الله، قال عليّ: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسولُ الله ﷺ الكتاب - وليس يُحسِنُ يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمدُ بن عبد الله ) (٥).
_________________
(١) نفح الطيب للمقروي: ٢/ ٧٧.
(٢) انظر منزلة أبي الوليد الباجي بين علماء عصره ص: ١٠٠.
(٣) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٦.
(٤) دانية: مدينة بالأندلس من أعمال (بلنسية) على ضفة البحر شرقًا (انظر معجم البلدان لياقوت: ٢/ ٤٣٤. الروض المعطار للحميري: ٢٣١ - ٢٣٢. مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: ٢/ ٥١٠).
(٥) صحيح البخاري: ٧/ ٤٩٩.
[ ١٠٩ ]
وكان أبو الوليد الباجي يقول بظاهر لفظ الحديث بأنَّ النبي ﷺ كتب بيده: (هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله )، الأمر الذي أثار استياء علماء وفقهاء مدينة (دانية) وعلى رأسهم أبو بكر بن الصائغ (١)، فأنكروا إجازته الكتابة على النبي الأمي، وكفَّروه بتكذيب القرآن الكريم، فهوَّلوا أمره، وأخذت هذه المسألة طابع الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، ورموه بإرادته التمييز عن غيره قصد الإكرام والعطاء تملُّقًا للولاة والأمراء، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث أجازوا لأنفسهم إطلاق اللمعنة عليه والتَّبرُؤ منه كما يظهر ذلك جليًّا في أشعارهم التي تناولها بعض خطبائهم في الجُمع وفوق المنابر، تشنيعًا به، حيث يقول عبد الله بن هند الشاعر:
بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ وقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا (٢)
وإثر ذلك قام الناس بشكايته إلى أمير دانية، حيث جَمَعَ هذا الأخير في مجلسه الخصم المخالف المشكل من فقهاء إمارته بأبي الوليد الباجي لإقامة مناظرة علمية حول هذا الموضوع ليتبيَّن الأمر ويستظهر الحق ويطلع على أدلة كل فريق فاحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣).
على أن النبي ﷺ كان أُمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب (٤)، إذ لو كان ممن يقرأ كتابًا، ويخط حروفًا لارتاب المبطلون من أهل الكتاب لأن في كتبهم
_________________
(١) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٢٧.
(٢) المصدر السابق: ٢/ ٨٠٥. فوات الوفيات للكتبي: ٢/ ٦٥. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٠. المرقبة العليا للنباهي: ٢٠٢. طبقات المفسيرين للداودي: ١/ ٢١١ - ٢١٢. شذرات الذهب لابن العماد: ٣/ ٣٤٥. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٣.
(٣) آية ٤٨ من سورة العنكبوت.
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان: ٢١/ ٤ من حديث ابن عباس، وأخرجه عنه أيضًا ابن أبي حاتم وابن مردويه والإسماعيلي في معجمه (انظر فتح القدير للشوكاني: ٤/ ٢٠٨).
[ ١١٠ ]
أنه أميٌّ لا يكتب ولا يقرأ، كما احتجوا عليه بما رواه عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (إِنا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ) (١)، ووجهه أن المراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقابلة بما فيهم النبي ﷺ (٢). وعليه فإن أي قول يعارض صريح الآية والحديث يجب تأويل ظاهره، والمتمسك بظاهر النصوص في الرواية معرض للزندقة والتكفير.
واستظهر أبو الوليد الباجي للأمير بقوله: لا منافاة ولا تعارض بين ما ذكره القرآن الكريم وما قررته من إجازة كتابة النبي الأميّ، انطلاقًا من مفهوم الآية السابقة، ذلك لأن الله تعالى نفى عنه التلاوة والكتابة بما قبل نزول القرآن الكريم وتقيَّد النفي بذلك، وأما بعد تحقُّقِ أميَّته، وتقرُّرِ معجزته، وأمن ارتياب أهل الكتاب، فليس فيه ما يحول دون معرفته الكتابة من غير تعليم أو معلِّم، فتصير عند ذلك معجزة ثانية (٣)، فأفحمهم بما كان يتمتع به من معرفة بأحكام الكتاب والسنة، وإنزال الأصول والأدلة منازلها.
وللوقوف على أن الأخذ بظاهر الحديث غير قادح في أمِّيَّة النبي ﷺ، بل زيادة في معجزاته، استحسن أمير (دانية) إرسال هذه المسألة إلى جماعة من علماء الأمصار ليطلع على رأيهم ويتعرف على المزيد فيها، وذلك تلبية لرغبة أبي الوليد الباجي لاستظهار صدقه وصحة قوله، وجاءت موافقات العلماء لرأي أبي الوليد الباجي وتصويباتهم لنظره وتأويله، كما كانت أجوبتهم تحمل في طياتها ثناء عليه وإقرارًا بفضله وعلمه، فضلًا عن تقريع من لم يَعِ ما ذهب إليه، وتشنيعٍ لخصمه من معاصريه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٢٦. ومسلم في صحيحه: ٧/ ١٩٢. وأبو داود في سننه: ٢/ ٧٣٩. والنسائي في سننه: ٤/ ١٣٩، ١٤٠، وأحمد في مسنده: ٢/ ٤٣، ٥٢، ١٢٢، ١٢٩.
(٢) انظر شرح النووي لمسلم: ٧/ ١٩٢. فتح الباري لابن حجر: ٤/ ١٢٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٥٢. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٣.
[ ١١١ ]
ومن نماذج هذه الموافقات والتصويبات ما يأتي:
- ما جاء عن الحسن بن علي التميمي المصري:
(وقفت على ما كتبه الفقيه الأجل شيخنا وكبيرنا الذي نفزع إليه في المشكلات، ونعتمد عليه فيما دهمنا من أمور الناس، ومعرفة توحيد خالقنا وصفاته التي بان بها عن جميع المخلوقات، وأدام الله للمسلمين توفيقه وتسديده، وما منَّ به عليهم منه من البصيرة والهداية من خطأ المخطئين، وعمى العامين، فلو نهضوا نحو الفقيه القاضي ليتعلموا منه أوائل المفترضات ومعرفة خالقهم، وما خص به جميع أهل السنة والإيمان لكان بهم أحرى) (١).
- وقال جعفر بن عبد الجبار:
(وما يستبدع ذلك من مثله لما وهبه الله من الفهم، وكيف لا يكون كذلك، وقد ارتحل إلى العراق، فقرأ على شيوخ أجلة من أئمة السنة) (٢).
- وقال فيه عبد الله بن حسين البصري:
(والفقيه القاضي قد انتشرت إمامته، واشتهرت عدالته، فلو سأل من حاول الرد والتضليل للفقيه القاضي من قدم من شرق وغرب لشهد الكل بإمامته وحفظه للحديث، ومعرفته للصحيح منه والسقيم، وسائر علومه، وأصول الدين وفروعه) (٣).
- وأجاب أبو الفضل جعفر بن نصر البغداديُّ قائلًا:
(ولا يحل لأحد أن يعنفه فيما أتى به، إذ هو إمام في المشرق والمغرب لا سيما بالعراق، وإن أكثر البلاد لمُفْتَقِرَة لعلمه بالصحيح من الحديث والسقيم، فلو نهض كل من ردَّ عليه ليتعلموا منه أوائل المفترضات لكان بهم أحرى،
_________________
(١) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران: ٦/ ٢٥٠.
(٢) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران ٦/ ٢٤٩.
(٣) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران ٦/ ٢٥٠.
[ ١١٢ ]
ويزيلوا عن أنفسهم الحسد والبغي، وإنما يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (١).
هذا، وقد كان للباجي فيما ذهب إليه سلف من شيوخه منهم أبو ذر الهروي والسمناني وغيرهم (٢) ممن يقولون بظاهر الحديث ويحتجون بجملة من الأدلة تتمثل فيما يلي:
١ - بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شَبَّة من طريق مجاهد عن عون ابن عبد الله قال: (ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ). قال مجاهد: (فذكرتُه للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك) (٣).
٢ - ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية (أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة، فنظر فيها فقال: (قد كتب لك بما أمر لك)، قال يونس بن ميسرة: (فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعدما أنزل عليه) (٤).
٣ - ورود آثار دالة على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها منها:
- قوله ﷺ لكاتبه: (ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك) (٥).
- وقوله ﷺ لمعاوية: (ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم) (٦).
_________________
(١) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران: ٦/ ٢٥٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٥٢. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٣ - ٥٠٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٥٢. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٥٢. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٤.
(٥) فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٤.
(٦) فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٤.
[ ١١٣ ]
- وقوله ﷺ: (لا تمد: بسم الله) (١).
ورغم هذه الأدلة المساقة، فإن مذهب جمهور العلماء والمحدثين القول بالمنع من أن يكون رسول الله ﷺ قد كتب حرفًا واحدًا بيده، بل له ﷺ كتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم، وأجاب الجمهور عن الأحاديث الواردة في المسألة بأنها ضعيفة لا يحتج بها (٢)، وأنه لو كتب بيده لنقل إلينا لأن الدواعي متوفرة على نقله، وأن لفظ (كتب) في حديث المقاضاة مؤول إلى معنى الأمر بالكتابة، وهو في اللغة كثير كقوله: كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، وقطع السارق، ورجم ماعزًا، وجلد الشارب، فهو ما يعرف بالإسناد المجازي أو المجاز العقلي. وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة ويخرج عن كونه أمِّيًّا (٣). وفي هذا المضمون يقول الحافظ الذهبي: (يجوز على النبي ﷺ أن يكتب اسمه ليس إلَّا، ولا يخرج بذلك عن كونه أُمِّيًّا، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانًا للعلامة يعد كاتبًا، فالحكم للغالب لا لما نَدَر، وقد قال ﵇: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسُب) أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلًا، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ فقوله ﵇: (لا نَحسُب) حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب، وقَسْمَ الفَيْءِ، وقِسْمَةَ المواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القِبط ولا الجَبْر والمُقابلة، بأبي هو ونفسي ﷺ، وقد كان سيد الأذكياء، ويَبْعُد في العادة أن الذكيَّ يملي الوحي وكُتُبَ الملوك وغير ذلك على كتَّابه، ويرى اسمَه الشريف في خاتِمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطُّول، ولا يخرج بذلك عن أُميته، وبعض العلماء عدَّ ما كتبه يوم الحُدَيْبِيَة من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتَبَ، فإن
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٤.
(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤١٧. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٤.
(٣) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣. تفسير ابن كثير: ٣/ ٤١٧. فتح الباري لابن حجر: ٧/ ٥٠٤.
[ ١١٤ ]
فإن قيل: لا يجوز عليه الكتابة، فلو كتب لارتاب مبطل ولقال: كان يحسن الخطَّ، ونظر في كتب الأولين: قلنا: ما كتب خطًّا كثيرًا حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتُب اسمي الذي في خاتِمي، لارتاب المبطلون أيضًا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء، فكيف لا يعرف ذلك؟ بل عرفه، وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره) (١).
وفي هذا الصدد، فقد صنَّف القاضي أبو الوليد الباجي رسالة في هذا الموضوع ينتصر فيها لرأيه ويبيِّن وجوه المسألة ويفنِّد أقوال المخالفين له في الرأي الذين رموه بالكفر والزندقة، وسمى هذه الرسالة: (تحقيق المذهب في أن رسول الله قد كتب) (٢).