الترجيح في أخبار الآحاد يراد لقوة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما.
والدليل على صحة ذلك إجماع السلف على تقديم بعض أخبار الرواة على سائرهم ممن يظن به الضبط والحفظ والاهتمام بالحادثة.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالترجيح يقع في الأخبار التي تتعارض ولا يمكن الجمع
[ ١٣٧ ]
بينها ولا يعرف المتأخر منها -فيحمل على أنه ناسخ-، في موضعين: أحدهما: الإسناد، والثاني: المتن.
فأما الترجيح في الإسناد فعلى أوجه غير وجهه:
الأول: أن يكون أحد الخبرين مرويًا في قصة مشهورة متداولة عند أهل النقل، ويكون المعارض له عاريًا من ذلك، فيقدم الخبر المروي في قصة مشهورة؛ لأن النفس إلى ثبوته أسكن والظن في صحته أغلب.
والثاني: أن يكون راوي أحد الخبرين أضبط وأحفظ، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كانا جميعًا يحتج بحديثهما، فيقدم خبر أحفظهما وأتقنهما؛ لأن النفوس أسكن إلى
[ ١٣٨ ]
روايته وأوثق بحفظه.
والثالث: أن يكون رواة أحد الخبرين
[ ١٤٠ ]
يدخله الصدق والكذب)
بمعنى أنه محتمل لهما لا أنهما يدخلانه جميعا واحتماله لهما بالنظر إلى ذاته أي من حيث انه خبر كقولك قام زيد.
[ ١٤١ ]
أكثر من رواة الخبر الآخر، فيقدم الخبر الكثير الرواة؛ لأن السهو والغلط أبعد عن الجماعة وأقرب إلى الواحد.
والرابع: أن يقول راوي أحد الخبرين: سمعت رسول الله ﷺ؛ لأن السماع من العالم أقوى من الأخذ من الوارد.
والخامس: أن يكون أحد الخبرين متفقًا على رفعه إلى رسول الله ﷺ، والآخر مختلفًا فيه،
[ ١٤٢ ]
فيقدم المتفق عليه؛ لأنه أبعد من الخطأ والسهو.
والسادس: أن يكون أحد الخبرين مختلف الرواية عن راوته، فيروى عنه إثبات الحكم ونفيه، وراوي الآخر لا تختلف الرواية عنه، وإنما يروى عنه أحد الأمرين، فيقدم رواية من لم تختلف عليه؛ لأن ذلك دليل على حفظ الرواية عنه وشدة اهتمامهم بحفظ ما رواه، فكان أولى.
والسابع: أن يكون راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة والمتلبس بها، وراوي الخبر الآخر أجنبيًا، فيقدم خبر صاحب القصة؛ لأنه أعلم بظاهرها وباطنها، وأشد اهتمامًا بحفظ حكمها.
والثامن: إطباق أهل المدينة على العمل بموجب أحد الخبرين، فيكون أولى من خبر من يخالف
[ ١٤٣ ]
عمل أهل المدينة؛ لأنها موضع الرسالة ومجتمع الصحابة، فلا يتصل العمل فيها إِلَّا بأصح الروايات.
والتاسع: أن يكون أحد الراويتن أشد تقصيًا للحديث وأحسن نسقًا له من الآخر، فيقدم حديثه عليه؛ لأن ذلك يدل على شدة اهتمامه بحكمه وبحفظ
[ ١٤٤ ]
وبحفظ جميع أمره.
والعاشر: أن يكون أحد الإسنادين سالمًا عن الاضطراب، والآخر مضطربًا، فيكون السالم أولى؛ لأن ذلك يدل على إتقان رواته وحفظ جملته.
والحادي عشر: أن يكون أحد الحديثين يوافق ظاهر الكتاب، والآخر يخالفه، فيكون الموافق لظاهر الكتاب أولى.