وأما الضرب الرابع من معقول الأصل، فهو معنى الخطاب، وهو القياس وحده حمل أحد المعلومين على الآخر في إثبات الحكم أو إسقاطه بأمر جامع بينهما.
وهو دليل شرعي عند جميع العلماء.
وقال داوود: يجوز التعبد به من جهة العقل، إِلَّا أن الشرع منع منه.
والدليل على ما ذهب
[ ٩٥ ]
إليه جماعة أهل العلم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، والاعتبار في اللغة: هو تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه، وكذلك يقال: عبرت الدنانير والدراهم، إذا قايستها بمقاديرها من الأوزان، ويقال لمفسر الرؤيا معبر، وعبرت الرؤيا حكمت لها بحكم ما يماثلها وقستها بما يشاكلها، وعبرت عن كلام فلان إذا جئت بما يطابق معانيه وتقابلها وتقاس بها.
دليل ثان: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ونحن نجد أحكامًا ليس لها ذكر في القرآن ولا في سنة النبي ﷺ، مثل رجل له دينار وقع في محبرة لغيره،
[ ٩٦ ]
فلم يستطع إخراجه، ومثل: ثوب أبيض وقع في قدر لصباغ، فكمل صبغه وحسن وغير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالآية أنه نص على حكم كل حادثة في القرآن، وإنما أراد به أنه نص فيه على بعض الأحكام وأحال على سائر الأدلة فيه، فكان ذلك بمنزلة أن ينص في القرآن على جميعها.
فمن الأدلة التي أحال على الأحكام لها القياس؛ لأنا نجد أحكامًا كثيرة لا طريق لإثباتها إِلَّا بالقياس والرأي، فالأحكام التي ذكرنا وما شاكلها.
ومما يدل على ذلك من جهة السنة قوله ﵇ لعمر حين سأله عن غلبة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت هل كان
[ ٩٧ ]
عليَّ جناح؟) قال: لا، قال (ففيم إذًا!).
وقوله للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟)، قالت: نعم، قال: (فدين
[ ٩٨ ]
الله أحق أن يقضى).
وقوله للذي أنكر لون ابنه: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر، قال: (هل بها من أورق؟) قال: نعم، قال: (فأنى ترى ذلك؟)، قال: عرق نزع، قال: (فلعل هذا عرق نزعه)، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
ومما يدل على ذلك علمنا بأن الصحابة اختلفت في مسائل كثيرة
[ ٩٩ ]
جرت بينهم فيها مناظرات كثيرة ومنازعات مشهورة ومراجعات كثيرة، كاختلافهم في توريث الجد مع الأخوة، واختلافهم في الحرام والقول والظهار، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: إما أن يكون في هذه الأحكام المختلف فيها نص لا يقبل التأويل، أو ظاهر يحتمل التأويل، أو لا يجوز ذكر لحكمها جملة.
ويستحيل أن يكون فيها نص لا يحتمل التأويل، لأنه لو كان لسرع إليه الموافق له فانقطع الخلاف وثبت الاجماع على الحق ويستحيل أن يكون فيها نص فيذهب عن جميعهم لأن ذلك إجماع منهم على الخطأ، ولا يجوز
[ ١٠٠ ]
هذا ولو جاز ذلك لجاز أيضًا أن تذهب عليهم شرائع وصلوات وصيام وعبادات، قد نص عليها صاحب الشرع، وهذا باطل باتفاق المسلمين.
ويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويلين، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقره العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي نطق به، وتبين احتجاجه منه، ولا يحتج بالرأي والقياس؛ لأن المستدل والمحتج إنما يحتج بما ثبت عنده به الحكم، ولا يعدل عند المناظرةِ وقصد إثبات الحق إلى ما ليس بدليل ولا حجة عنده ولا عند
[ ١٠١ ]
خصمه.
ولما رأينا كل واحد منهم احتج في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف، علمنا إجماعهم على القول بصحة القياس والرأي.
كإجماعهم على إمامة أبي بكر بالقياس والرأي، وإجماعهم على إمامة عثمان، وغير ذلك مما أجمعوا عليه.
ومن ذلك خبر عمر بن الخطاب ﵁ إذ ذهب إلى الشام
[ ١٠٢ ]
بأصحاب النبي ﷺ، فلما بلغ سرنج بلغه أن الوباء وقع بها، فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا يفر من قدر الله، ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم، ثم دعا من حضر من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر آية من كتاب الله ولا حديثًا عن رسول الله ﷺ، بل أشار كل واحد منهم برأيه، وبما أداه إليه اجتهاده إليه، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مصبح
[ ١٠٣ ]
على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: فرارًا من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها ، نعم نفر من قدر
[ ١٠٤ ]
الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لرجل إبل في واد له عدوتان: إحداهم خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله، فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي، وجاوبه عمر بالرأي، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ثم شاعت هذه القصة وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر على أحدهم القول بالرأي.
وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع
[ ١٠٦ ]
أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.
(فصل)