قد ذكرنا أن الحقيقة على ضربين: مفصل، ومجمل، وقد مر الكلام في المفصل، والكلام هاهنا في المجمل.
وجملته أن المجمل ما لا يفهم المراد به من لفظه، ويفتقر في البيان إلى غيره، نحو قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فلا يفهم المراد بالحق من نفس اللفظ، ولا بد له من بيان يكشف عن جنس الحق وقدره.
فإذا ورد مثل هذا وجب اعتقاد وجوبه إلى أن يرد بيانه، فيجب امتثاله.
وقد اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، و﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
[ ٤٣ ]
الرِّبَا﴾ فذهب قوم من أصحابنا إلى أنها مجملة.
إِلَّا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فهو عام.
وقال محمد بن خويز منداد: كلها عامة، فيجب حملها على عمومها إِلَّا ما خصه الدليل، وهو الصحيح عندي.
والدليل على ذلك أن كل لفظ من هاته الألفاظ تقتضى في اللغة جنسا مخصوصًا، فالصلاة معناها الدعاء، وإذا ورد هذا اللفظ كان امثاله بكل ما يقع عليه هذا الاسم من الدعاء، إِلَّا ما خصه الدليل؛ لأن الشرع قد خص منه دعاء مخصوصًا تقترن به أفعال
[ ٤٤ ]
مخصوصة من ركوع وسجود وغير ذلك، والصوم هو الإمساك، لكن الشرع قد خص منه إمساكًا مخصوصًا عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجهٍ مخصوص، والزكاة هو النماء، والحج هو القصد، وكان ذلك بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الذي يقتضي قتل كل مشرك، وقد خص الشرع من ذلك أنواعًا من المشركين.