قد مضى الكلام في الترجيح من جهة الإخبار، والكلام هاهنا في الترجيح من جهة المتن، وذلك على أوجه:
(أحدهما:
[ ١٤٥ ]
أن يسلم أحد المتنين من الاضطراب والاختلاف، ويكون متن الحديث الثاني المعارض له مضطربًا مختلفًا فيه، فيكون السالم من الاضطراب أولى؛
[ ١٤٦ ]
لأن ذلك دليل للحفظ والإتقان.
والثاني: أن يكون ما تضمنه أحد الخبرين من الحكم منطوقًا به، والآخر محتملًا، فيقدم ما ينطق بحكمه؛ لأن الغرض فيه أبين والمقصود
[ ١٤٩ ]
فيه أجلى.
والثالث: أن يكون أحد الخبرين مستقلًا بنفسه، فيكون المستقل بنفسه متعين، المراد منه بخلاف غير المستقل فإنه لا يتيعين المراد به إِلَّا بعد نظرٍ واستدلال.
والرابع: أن يستعمل الخبران في محل الخلاف فيكون أولى من استعمال أحدهما واطراح أحد الدليلين، واستعمالهما أولى من اطراح أحدهما.
والخامس: أن يكون أحد العمومين متنازعًا في تخصيصه، والآخر متفقًا على تخصيصه، فيكون المتعلق بعموم ما لم يجمع على تخصيصه أولى.
والسادس: أن يكون أحد
[ ١٥١ ]
الخبرين يقصد به بيان الحكم، والآخر لا يقصد به بيان الحكم، فيكون ما قصد به بيان الحكم أولى، لأنه أبعد عن الاحتمال.
والسابع: أن يكون أحد الخبرين مؤثرًا في الحكم، والآخر غير مؤثر فيه، فيكون المؤثر أولى.
الثامن: أن يكون أحدهما ورد على سبب، والآخر ورد على غير سبب، فيقدم ما ورد على غير سبب على الوارد
[ ١٥٢ ]
على سبب؛ لأن معارضته للخبر الآخر تدل على أنه مقصور على سببه.
والتاسع: أن يكون أحد الخبرين قد قضى به على الآخر، في موضع من المواضع، فيكون أولى منه في سائر المواضع.
والعاشر: أن يكون أحد الحديثين وارد بألفاظ متغايرة وعبارات مختلفة، فيكون أولى مما روي أخبار الآحاد بلفظ واحد؛ لأنه أبعد من الغلط والسهو والتحريف.
والحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين ينفي النقص عن أصحاب رسول الله صلى الله
[ ١٥٣ ]
عليه وسلم، والآخر يضيفه إليهم، فيكون النافي أولى؛ لأنه أشبه بفضلهم ودينهم وما وصفهم
[ ١٥٦ ]
الله تعالى به وأثنى عليهم به.