قد مضى الكلام في ترجيح الأخبار، والكلام هنا في ترجيح العلل، وذلك أن قد تتعارض قياسات في حكم حادثة أو بتردد الفرع بين أصلين يصح حمله على أحدهما بعلة مستنبطة منه، ويصح حمله على الثاني بعلة مستنبطة منه، فيحتاج الناظر إلى ترجيح إحدى العلتين على الأخرى، وذلك على أحد عشر ضربًا:
الأول: أن تكون إحدى العلتين منصوصًا عليها، والأخرى غير منصوص عليها، فيقدم المنصوص عليه؛ لأن نص صاحب الشرع عليها دليل على صحتها.
والثاني: أن تكون إحدى العلتين لا تعود على أصلها
[ ١٥٧ ]
بالتخصيص، والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى؛ لأن التعلق بالعموم أولى استنباطًا ونطقًا.
والثالث: أن تكون إحدى العلتين موافقة للفظ الأصل، والأخرى مخالفة، فتقدم الموافقة؛ لأن الأصل شاهد للفظه.
والرابع: أن تكون إحدى العلتين مطردة منعكسة، والأخرى غير مطردة غير منعكسة، فتقدم المطردة المنعكسة؛ لأن العلة إذا
[ ١٥٨ ]
اطردت وانعكست غلب على الظن تعلق الحكم بها، لوجوده بوجودها وانعدامه بعدمها.
والخامس: أن تكون إحدى العلتين تشهد له أصول كثيرة، والأخرى لا يشهد لها إِلَّا أصل واحد، فما شهد لها أصول كثيرة أولى؛ لأن غلبة الظن إنما تحصل بشهادة الأصول، فكل ما كثر ما يشهد لها من
[ ١٥٩ ]
الأصول غلب على الظن صحتها.
والسادس: أن يكون أحد القياسين رد الفرع إلى الأصل من جنسه، والآخر رد الفرع إلى الأصل من غير جنسه، فيكون من رد إلى جنسه أولى؛ لأن قياس الشيء على جنسه أولى من قياسه على مخالفه.
والسابع: أن تكون إحدى العلتين واقفة والأخرى متعدية، فتقدم المتعدية.
والثامن: أن تكون إحداهما لا تعم فروعها، والأخرى تعم فروعها، فتكون العامة أولى؛
[والتاسع: أن تكون إحدى العلتين عامة، والأخرى خاصة، فتكون العامة أولى؛ لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها.] [*]
والعاشر: أن تكون إحدى العلتين منتزعة من أصل منصوص والأخرى منتزعة من أصل لم ينص عليه، فتكون
_________________
(١) [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس بالمطبوع، واستدركته من تحقيق فركوس، وقد ذكر هناك بالهامش أنه ساقط من الطبعات التونسية
[ ١٦٠ ]
المنتزعة من أصل منصوص عليه أولى.
والحادي عشر: أعم فروعًا، ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل على كثرة الاجتهاد كان أولى.
* * *
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.
تم كتاب الإشارات للشيخ الإمام أبي الوليد الباجي، بعون الله وقوته وتوفيقه وإحسانه وفضله، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين.
[ ١٦١ ]