اللفظ إذا ورد وجب حمله على الأمر، وإن كان يجوز أن يراد به الإباحة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، والتعجيز نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، والتهديد نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، والتعجب نحو قولك: أحسن بزيد، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، في الأمر أظهر منه في سائر محتملاته، فيجب أن يحمل على أنه أمر إلا أن ترد قرينة تدل على أن المراد به غير الأمر، فيعدل عن ظاهره إلى ما يدل الدليل عليه.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر.
وهو على ضربين: وجوب
[ ٩ ]
وندب فالواجب ما كان في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجهٍ ما، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
والندب ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
[ ١٠ ]
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
إِلَّا أن لفظ الأمر في الوجوب أظهر منه في الندب، فإذا ورد لفظ الأمر عاريًا من القرائن وجب حمله على الوجوب، إِلَّا أن يدل دليل على أن الندب مراد به، فيحمل عليه.
وقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه ولا يحمل على وجوب ولا ندب حتى يدل الدليل على المراد به.
وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على الندب ولا يعدل الوجوب إِلَّا بدليل.
[ ١١ ]
والدليل على ما نقوله: قوله ﷿ لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فوبخه وعاقبه لما لم يمتثل أمره بالسجود لآدم، ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه ولا وبخه على ترك ما لا يجب عليه فعله.
فصل