قد ذكرنا أن أدلّة الشرع ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول الأصل، واستصحاب الحال.
وقد مر الكلام في الأصل، ومعقول الأصل.
[ ٨١ ]
والكلام ها هنا في استصحاب الحال، وهو على ضربين:
أحدهما: استصحاب حال الفعل، وذلك إِذا ادَّعى في المَسْأَلة أحد الخَصْمَيْن حكمًا شرعيًا. وادّعى الآخر البقاء على حكم العقل، وذلك مثل أن يسئل المَالِكِيُّ عن وجوب الوِترِ، فيقول: الأصل بَرَاءَة الذِّمَّة، وطريق اشتغالها الشرع، فمن ادَّعى شرعًا يوجب ذلك، فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة من الاستدلال.
والثاني: استصحاب حال الإجماع، وذلك مثل استدلال دَاوُدَ على أن أم الولد يجوز بيعها لأنَّا قد أجمعنا على جَوَاز بَيْعِهَا، قبل الحَمْل، فمن ادَّعى المنع من ذلك، فعليه الدليل، وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخِلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حُجَّة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يتناوله، كلفظ صاحب الشرع إِذا تناول موضعًا خاصًّا لم يجز الاحتجاج به في الموضع الذي لا يتناوله.