الترجيح في أخبار الآحاد يراد لقوّة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما.
والدليل على صحّة ذلك إِجماع السلف على تقديم بعض أخبار الرواة على أخبار سائرهم، ممن يظن به الضبط، والحفظ والاهتمام بالحادثة.
فَصْلٌ
إِذا ثبت ذلك، فالترجيح يقع في الأخبار التي تتعارض، ولا يمكن الجمع بينها، ولا يعرف المتأخّر منها، فيحمل على أنه ناسخ في موضعين: أحدهما: الإسناده والثاني: المتون.
فأما الترجيح بالإسناد، فعلى أوجه: الأول: أن يكون أحد الخبرين مرويًّا في قضية مشهورة متداولة عند أهل النقل، ويكون المعارض له عاريًا عن ذلك، فيقدم الخبر المروي في قضية مشهورة، لأن النفس إِلى ثبوته أسْكن والظن في صحّته أغلب.
والثاني: أن يكون راوي أحد الخبرين أحفظ وأضبط، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كان جميعًا يحتج بحديثهما فيقدم خبر أحفظهما وأتقنهما، لأن النَّفْس أسكن إلى روايته، وأوثق بحفظه.
والثالث: أن يكون رواة أحد الخَبرين أكثر من رواة الخبر الآخر، فيقدّم الخبر الكثير الرواة، لأن السهو والغلط أبعد عن الجماعة، وأقرب إلى الواحد.
[ ٨٣ ]
والرابع: أن يقول راوي أحد الخبرين: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- والآخر يقول: كُتِبَ إلى النبي ﵇فيقدم خبر من سمع النبي -﵇- لأن السماع مِنَ العَالِمِ أقوى من الأخْذ بِكِتَابِهِ الوَارد.
الخامس: أن يكون أحد الخبرين متفقًا على رفعه إلى رسول اللَّه -ﷺ- والآخر مختلفًا فيه فيُقَدَّمُ المتفق عليه، لأنه أبعد من الخَطَأ والسهو.
السادس: أن يكون أحد الخبرين مختلف الرواية، فيروي عنه إثبات الحكم ونفيه، وراوي الآخر لا تختلف الرواية عنه، وإنما يروي عنه أحد الأمرين، فيُقَدَّم رواية من لم تختلف عليه، لأن ذلك دليل على حِفْظ الرواية عنه، وشدّة اهتمامهم بِحِفْظِ ما رواه، فكان أولى.
السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة تَلَبَّسَ بها، وراوي الخبر الآخر أجنبيًّا، فيقدم خبر صاحب القصَّة، لأنه أعلم بظاهرها وباطنها، وأشد إتقانًا بحفظ حكمها.
الثامن: إِطباق أَهْلِ المدينة على العَمَل بموجب أحد الخبرين، فيكون أولى من خبر من يخالف عمل أهل المدينة؛ لأنها موضع الرِّسالة، ومجتمع الصحابة، فلا يتصل العمل فيها إِلا بأصحِّ الروايات.
التاسع: أن يكون أحدُ الراويين أشدّ تقصِّيًا للحديث، وأحسن نسقًا له من الآخر، فيقدم حديثه عليه، لأن ذلك يدل على شدّة اهتمامه بحكمه، وبحفظ جميع أموره.
والعاشر: أن يكون أحد الإسنادين سالمًا من الاضطراب، والآخر مضطربًا، فيكون السَّالم أولى، لأن ذلك دليل على إتقان رواته وحفظ جملته.
الحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين يوافق ظاهر الكتاب، والآخر يخالفه، فيكون الموافق لظاهر الكتاب أولى.