وأما الضرب الرابع من معقول الأصل، فهو معنى الخطاب، وهو القياس، وَحَدُّهُ: حَمْلُ أحد المعلومين على الآخر في إثبات حكم، أو إسقاطه بأمر جامع بينهما، وهو دليل شرعي عند جميع العلماء.
وقال دَاوُدُ: يجوز التعبُّد به من جهة العقل، إِلا أن الشرع منع منه.
والدليل على ما ذهب إِليه جماعة أهل العلم قوله ﷿: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢].
_________________
(١) أخرجه البخاري ١٠/ ٦٠.
[ ٧٦ ]
والاعتبار في اللغة تمثيل الشيء بالشيء، وإِجراء حكمه بحكمه، ولذلك يقال: عَبَّرت الدنانير والدراهم أى: قايستها بمقاديرها من الأوزان، ويقال عن الْمُفَسِّر للرؤيا، مُعَبَّر، وعَبَرْت الرؤيا أى: حكمت لها بحكم ما يماثلها، وقستها بما يُشاكلها، وعبرت عن كلام فلان إِنما جئت بألفاظ تطابق معانيه، وتماثلها، ويقاس بها دليل ثان.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨].
ونحن نجد أحكامًا كثيرة ليس لها ذكر في القرآن، ولا في سنة رسول اللَّه -ﷺ-.
مثل رجل له دينار وَقعت في مَحْبَرة لغيره، فلم يستطيع إِخراجه ومثل ثوب أبيض وقع لرجل في قِدْر لصَبَّاغ فكمل صَبْغُهُ، وحسن، وغير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالآية نص على حكم حادثة القرآن، وإنما أراد به نصًّا فيه على بعض الأحكام، وأحال على سائر الأدلة فيه، فكان ذلك بمنزلة أن ينص في القرآن على جميعها.
فمن الأدلة التي أحال على الأحكام بها القياس، لأنَّا نجد أحكامًا أكثر لا طريق إلى إثباتها إلا بالقياس والرأي كالأحكام التي ذكرناها وما شاكلها، ومما يدلّ على ذلك من السُّنَّة قوله -﵇- لعمر حين سأله عن القُبْلَةَ للصَّائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمضمضت أَكَانَ عَلَيْكَ من جِناح؟ قال: لا ففيم إذًا؟ " (^١).
وقوله ﵇ للخثعميَّة: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ دَيْنُ أَكُنْتِ تَقْضِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضى" (^٢).
وقوله أَيضًا للذي أنكر لون ابْنِهِ: "هَلْ لَكَ من إِبَلٍ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْر قال: هَلْ فِيهَا من أَورْقَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: عِرْقٌ نَزَعَهُ قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ٢/ ٣١١، وأخرجه ابن حبان ٥/ ٢٢٣، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٣١، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٢١٨، وأَحمد في المسند ١/ ٢١ و٥٢.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٤٠، والنسائي ٥/ ١١٨، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٣٩٠، والطبراني في الكبير ١١/ ١٤٩.
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح ١٣/ ٢٩٦، ومسلم في الصحيح ٢/ ١١٣٧.
[ ٧٧ ]
وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، ومما يدل على ذلك علمنا بأن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- اختلفوا في مسائل كثيرة جرت بينهم فيها مناظرات مشهورة، ومراجعات كثيرة كاختلافهم في توريث الجَدّ مع الإخوة واختلافهم في الحرام والقَوْل في الظَّهَار (^١) والعدة، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون في هذه الأحكام المختلف فيها نص لا يحتمل التأويل، أو ظاهر يحتمل التأويل، ولا يرد ذكر لحكمها جملة، وششحيل أن يكون فيها نص لا يحتمل التأويل أو ظاهر يحتمل التأويل، لأنه لو كان لسَارَعَ المخالف إليه الموافق له، وانقطع الخلاف، وثبت الإجماع على الحق، ويستحيل أن فيها نصًّا، فيذهب على جميعهم، لأن ذلك إجماع منهم على الخطأ، ولا يجوز هذا، ولو جاز ذلك لجاز أَيضًا أن يذهب عليهم شرائع وصلوات وصيام وعبادات قد نص عليها صاحب الشرع، وهذا باطل باتفاق المسلمين، ويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويل، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقر العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي تعلق به، وليس احتجاجه عليه، ولا يعدل عند المناظرة، ولا يحتج بالرأي والقياس، لأن المستدلّ والمحتج إنما يحتجّ بما ثبت عنده به الحكم، وقصد إثبات الحق إِلى ما ليس بدليل، ولا حجة عنده، ولا عند خَصْمِهِ ولمَّا رأينا كل واحد منهم احتجّ في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف علمنا إِجماعهم على القول بصحّة القياس والرأي ومما يدل على ذلك إجماع الصحابة على أحكام كثيرة من جهة القياس والرأي، كإجماعهم على إِمامة أَبِي بَكْرٍ بالقياس، وإجماعهم على إمامة عثمان، وغير ذلك مما أجمعوا عليه، ومن ذلك خبر عُمَرَ بْنِ الخَطابِ -﵁- إذ خرج إلى "الشام" بأصحاب النبي -﵇- فَلَمَّا بلغ "سرغ" بلغه أن الوباء نزل بالشام فاستشار الْمهَاجرين الأَوَّلين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال: أرى ألا نفر من قَدَرِ اللَّه، ومنهم من قال: لا تقدَّم ببقية أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- على الوباء، ثم دعا الأنصار، فاختلفوا كاختلاف المهاجرين، ثم دعا مَنْ حضر من مَشْيَخَةِ قريش في مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن أحد منهم ذكر في ذلك آية من كتاب اللَّه -تعالى- ولا حديثًا عن رسول اللَّه -ﷺ- بل أشار كل واحد منهم برأيه، وما أداه إِليه اجتهاده، ولم ينكر عليه أحد فعله، وقال عمر ﵁: إِني مصبح على ظهر
_________________
(١) انظر التعريف في المصباح المنير ٢/ ٥٩٠، واصطلاحًا في المغني ٣/ ٢٥٥، الإنصاف ٩/ ١٩٣.
[ ٧٨ ]
فأصبحوا عليه، فقال أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا من قَدَرِ اللَّه يَا عمر: قال لهُ عُمَرُ: لو غيرك قالها يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نعم نفر من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه، أرأيت لو كان لرجل إِبل في وَادٍ له عدوتان: إِحداهما خِصْبَة، والأخرى جَدْبة، أليس إن رعى الجَدبة رعاها بقدر، وَإن رَعَى الخِصْبَة رعاها بقدر اللَّه فاعترض عليه أَبُو عُبَيْدَة بالرأي وجاوبه عمر بالرأي، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب اللَّه ولا بِسُنَّة رسوله -ﷺ- ولا إِجماع ثم شاعت هذه القصة وذاعت، ولم يكن في المسلمين من أنكر على أحدهم القول بالرأي، وما أعلم أَنَّ مسألة يدعى بالإجماع فيها أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.