قد مضى الكلام في ترجيح الأخبار، والكلام ها هنا في ترجيح المعاني.
وذلك أنه قد تتعارض قياسات في حكم حادثة، أو يتردّد الفرع بين أصلين يصحّ حمله على أحدهما بعلّة مستنبطة منه، ويصح حمله على الثَّاني بعلَّة مستنبطة منه، فيحتاج الناظر إِلى ترجيح إحدى العِلَّتَيْنِ على الأخرى، وذلك على أحد عشر ضربًا.
الأوَّل: أن تكون إِحدى العلتين منصوصًا عليها، والأخرى غير منصوص عليها، فتُقَدَّم المنصوص عليها، لأن نص صاحب الشرع دليل على صحتها.
والثاني: أن تكون إِحدى العِلَّتين لا تعود على أصلها بالتخصيص والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى، لأن التعليق بالعُمُومِ أولى استنباطًا ونطقًا.
الثالث: أنْ تكون إحدى العِلَّتين موافقة للفظ الأصل، والأخرى مخالفة له فتُقَدَّم الموافقة، لأن الأصل شاهد بلفظها.
الرابع: أن تكون إِحدى العلّتين مُطَّردة منعكسة، والأخرى غير مُطَّردة غير منعكسة، فتُقَدَّم المُطَّردة المنعكسة، لأن العلّة إِذا اطردت، وانعكست غلب على الظن تعلق الحكم بها لوجوده بوجودها، وانعدامه بعدمها.
والخامس: أن تكون إِحدى العِلَّتَيْن يشهد لها أصول كثيرة، والأخرى لا يشهد لها إِلا أصل واحد، فَالَّتِي شهد لها أصول كثيرة أولى، لأن غلبة الظن إنما تحصل بشهادة الأصول لها، فكلما كثر ما شهد لها من الأصول غلب على الظن صحتها.
والسادس: أن يكُون أحد القياسين رد الفرع إِلى الأصل من جنسه، والآخر رد الفرع إِلى الأصل من غير جنسه، فيكون قِيَاسُ مَن رد الفرع إِلى جنسه أولى، لأن قياس الشيء على جنسه أولى من قياسه على مخالفة.
السَّابع: أن تكون إحدى العلّتين واقفة وأخرى متعدية، فَتَقْدِيم المتعدية أولى.
[ ٨٦ ]
الثامن: أن تكون إحداهما لا تعمّ فروعها والأخرى تعمّ فروعها، فتكون العامّة أولى.
التاسع: أن تكون إحدى العلَّتين عامَّة والأخرى خاصة، فتكون العامة أولى، لأن كثرة الفرع تجري مجرى شهادة الأصول لها.
العاشر: أن تكون إحدى العلّتين منتزعة من أصل منصوص عليه، والأخرى منتزعة من أصل لم ينصّ عليه، فتكون المُنْتَزَعَة من أصل منصوص عليه أولى.
الحادي عشر: أن تكون إِحدى العِلَّتَين أقل أوصافًا، والأخرى كثيرة الأوصاف، فتُقَدَّمُ القليلة الأوصاف، لأنها أعم فروعًا، ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إِلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل به على كثرة الاجتهاد كان أولى. .
كملت الإشارة لأبي الوليد الباجي في [أصول الفقه] بحمد اللَّه وحسن عونه، وذلك في يوم السابع من رمضان عام اثنتين وتسعين وسبعمائة، على يد الفقير إلى اللَّه -تعالى- الحسن بن مسعود الحاجيّ الممتكاوي غفر اللَّه له، ولوالديه وللمسلمين آمين، والصلاة والتسليم على سيدنا محمد وصحبه وسلم، تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين ورضي اللَّه تعالى عن الصحابة أجمعين آمين.
[ ٨٧ ]