إجماع أهل كل عصر حُجَّة، هذا قول جماعة الفقهاء غير دَاوُدَ بْنِ عَليّ الأصْبَهَانِيِّ، فإنَّه قال: إِجماع عصر الصحابة حجة دون إِجماع المُؤْمنين في سائر الأعصار.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: الآية ١١٥].
فإِذا ثبت أن غير الصحابة يشارك الصحابة في هذا الاسم، وجب أن يثبت لهم هذا الحكم إن يدل دليل على اخْتِصَاصِ الصحابة.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِجْمَاع أَهْلِ المدينة، فقد أطلق أصحابنا هذا اللفظ، وإنما عوّل مالك -﵀- ومحققو أصحابه على الاحتجاج بذلك فيما طريقه النَّقل كمسألة الأذان، والصاع، وترك الجهر بسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم في الفريضة، وغير ذَلِكَ من المَسَائِل التي طريقها النقل، واتصل العمل بها في المدينة على وجه لَا يخفي مثله، ونقل نقلًا متواترًا، وإنما خُصَّت المدينة بهذه الحجة دون غيرها من (سائر) البلاد، لأنها كانت موضع النُّبُوَّةِ، ومستقر الخلافة والصحابة بعده -ﷺ- ولو تهيأ مثل ذلك في سائر البلاد لَكَان حكمها كذلك أَيضًا.
فَصْلٌ
وَإِذا قال الصحابي قولًا وحَكَمَ بِحُكْم فظهر ذلك، وانتشر انتشارًا لا يخفي مثله ولم يعلم له مخالف، ولا سمع له منكر، فإنه إِجْمَاع وحجة قاطعة، وبه قال جمهور أصحابنا وأصحاب أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيّ.
وقال القَاضِي أبُو بَكْرٍ: لا يكون إِجْمَاعًا حتى ينقل قول كل واحد من الصحابة في ذلك كلهم وبه قال دَاوُدُ.
[ ٧٣ ]
والدليل على ما نقوله إن العادة جارية بأنه لا يَجوزُ أن يسمع العدد الكثير والجمع الغفير الذين لا يصح عليهم التواطؤ على الكذب والتشاجر قولًا يعتقدون خطأه وبطلانه ثم يمسك جميعهم على إنكاره وإظهار خلافه بل كلهم يُسرع إلى ذلك ويسابق إليه.
فإذا ظهر قول وانتشر، وبلغ أقاصي الأرض، ولم يعلم له مخالف علم أن ذلك السكوت رضا منهم به وإِقرار عليه لما جرت به العادة، ولو لم يصح إجماع، ولا ثبتت به حُجّة إِلا بعد أن يروي الاتفاق على حكم الحادثة عن كل واحد، من أهل العلم في عصر الإجماع، لبطل الإجماع وبطل الاحتجاج به لاستِحَالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول والفروع، كما لا يُعْلَم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث بل أكثر العلماء لا يعلم بوجودهم في العالم.