فإِذا ثبت أن القياس دليل شرعي، فإنَّه يصح أن يثبت به الحدود والكَفَّارات والمقدَّرات والأبدال.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يجوز أن يثبت شيء من ذلك بالقياس، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن الآية عامّة في الأمر بالاعتبار، فلا يجوز أن تخصَّ إِلا بدليل.
فَصْلٌ
العلة الواقعة عندنا صحيحة نحو علّة منع التفاضل في الدَّنانير والدراهم؛ لأنها أصول الأثمان وَقِيَم المُتْلِفَات.
وقال أصحاب أبي حَنِيفَةَ: ليست بصحيحة.
والدليل على ما نقوله إنَّ القياس أمارة شرعيَّة، فجاز أن تكون خاصَّة وعامَّة كالخبر.
فَصْلٌ
ذكر مُحَمَّدٌ بْنُ خُوَيْز مِنْدَاد أنَّ معنى الاستحسان (^١) الَّذِي ذهب إليه بعض أصحاب مالك -﵀- وهو القول بأقوى الدليلين، مثل تخصيص بَيع العَرَايا من بيع الرُّطَب بالتَّمر للسُنَّة الواردة في ذلك.
_________________
(١) انظر التعريف في الأحكام للآمدي ٤/ ١٣٦، نهاية السول ٤/ ٣٩٨، البحر المحيط للزركشي ٦/ ٨٧.
[ ٧٩ ]
وذلك لأنه لو لم يرد شرع في إباحة بيع العَرَايَا بخَرْصِها تمرًا لما جاز، لأنه من بيع الرُّطب بالتمر، وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل، وإنما سماه استحسانًا على معنى الْموَاضِعَة، ولا يمتنع ذلك في عرف أهل كل صناعة.
والاستحسان الذي يختلف أهل الأصول في إثباته هو اختيار القول من غير دليل ولا تعليل.
وذهب بعض البصريين من أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ، وأصحاب مَالِكٍ إِلى إِثباتِهِ ومنع منه شيوخنا العراقيون، والشافِعِيّ، والدليل على ما نقوله إن هذه معارضة للقياس بغير دليل، فوجب أن يبطل أصل ذلك، إِذا عُورِضَ بمجرد الهَوَى.