مذهب مَالِك -﵀- المنع من سدّ الذَّرَائع، وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصَّل بها إِلى فِعْل المحظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إِلى أَجل، ثم يشتريها بخمسين نقدًا، ليتوصل بذلك إِلى بَيْع خمسين مثقالًا نقدًا بمائة إِلى أَجل.
وأباح الذَّرائع أبُو حَنِيفَةَ والشافعي:
والدليل على ما نقوله قوله -﷿-: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: الآية ١٦٣].
فوجه الدليل من هذا أنه حرم عليهم الاصطياد يوم السَّبت وأباحه سَائِر الأيام فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت وتغيبت عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحظرون عليها إذا جاء يوم السبت ويسدّون عليها المسالك، ويقولون: إِنما منعنا من الاصطياد يوم السَّبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذَّرَائع، ويدلس على ذلك أَيضًا ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَر (^١) ثم قال: احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، لما رأى من شبهه بعتبه.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: الآية ١٠٤].
فوجه الدليل من هذا أنه منع المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لمَّا كان اليهود يتوصلون بذلك لسَبِّه ﵇ فمنع من ذلك المؤمنين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٨/ ٢٣ - ٢٤.
[ ٨٠ ]
وإن كانوا لا يقصدون به ما منع من أجله، وأيضًا فإن ذلك إجماع الصحابة وذلك أن عُمَر -﵁- قال: "يَأَيُّهَا النَّاس إِن النبي -ﷺ- قُبِضَ ولم يفسر لنا الربَا، فاتركوا الرّيبة والرِّبا".
وقول عَائِشَة ﵂ لما اشترى زَيْدُ بْنُ أرقم جارية من أُمِّ ولده بثمانمائة إِلى العطاء، وباعها منها بستمائة: أبلغوا زَيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول اللَّه -ﷺ- إِن لم يَتُبْ.
وقال ابن عباس لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفي: دراهم بدراهم والطعام مرجأ.