قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٢): قولهم في هذا الباب إنما هو ليتكثروا بالصاحب الذي ذكروا قوله، وليروا مخالفيهم أن لهم سلفًا في تلك المقالة.
وربما أوردنا (^٣) الشيء من ذلك على سبيل قصدهم في الفصل الذي قبل هذا، من أنه توقيف، وربما أوردوا الشيء منه، على سبيل قصدهم في الفصل الذي بعد (^٤) هذا من أنه إجماع.
فاحتجوا لقولهم في الوضوء بالنبيذ برواية من طريق أبي العالية (^٥) أن
_________________
(١) سَقَط لفظُ التَّرضي من (ت).
(٢) سقط لفظُ الترحم من (ت).
(٣) في (ش): أوردوا، وما في (ت) أَوْجَهُ.
(٤) في النسختين: بعدها، وصححتها بما تَرَاه.
(٥) هو رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي مولاهم البصري أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبي - ﷺ - بسنتين روى عن علي وابن مسعود وأبي موسى وطائفة كثيرة من الصحابة، وعنه خالد الحذاء وداود بن أبي هند، ومحمد بن سيرين وجماعة، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم. توفي سنة ٩٠ هـ. وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٦/ ع ١٦٨ - ١٦٩) والتقريب (ع ٦٥٣) والخلاصة (ع ٤٥٣).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - ركبوا البحر، فلم يجدوا ماء غير ماء البحر، ومعهم نبيذ فتوضؤوا به أي بالنبيذ، ولم يتوضؤوا بماء البحر (^١) وهذا خلاف قولهم جهارا، لأنهم لا يجيزون الوضوء بالنبيذ ما دام ماء البحر موجودا. واحتجوا لقولهم في الفأر يموت في البئر برواية عن علي ﵁ (^٢) أن البئر تنزح (^٣)، وهو خلاف قولهم: لأنه لا تنزح عندهم البئر من الفار، إلا أن ينتفخ أو يتفسخ (^٤)، وليس الخبر عن علي ﵁ شيء من هذا.
واحتجوا لقولهم لا يقتل الوالد بالولد بحديث عمر في أمر قتادة
_________________
(١) لم أجده مع كثرة البحث فيما بين يدي من المصادر. وفي السنن عن أبي خلدة قال "سألت أبا عالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا.". وقال المؤلف في المحلى (ج ١ / ص ٢٠٣) في حكايته لأدلة من جوز الوضوء بالنبيذ: "وقال بعضهم: إن جماعة من الصحابة ﵃، ركبوا البحر، فلم يجدوا إلا ماء البحر، ونبيذا فتوضؤوا بالنيذ، ولم يتوضأوا بماء البحر". ثم قال بعد حين (ج ١ / ص ٢٠٤): " وأما الذي رووه من فعل الصحابة ﵃، فهو عليهم لا لهم لأن الأوزاعي والحسن بن حي وأبا حنيفة وأصحابه كلهم مخالفون لما روي عن الصحابة في ذلك، مجيزون للوضوء بماء البحر، ولا يجيزون الوضوء بالنبيذ ما دام يوجد ماء البحر .. .. ".
(٢) سقطت من (ت).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في (ش): يَنْفسخ.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
المدلجي (^١)، ولا عجب أعجب من قول الطحاوي (^٢) فيه في كتابه (اختلاف العلماء) في (باب قتل الوالد بالولد) منه: (هو نقل متواتر تقوم به الحجة، لا يجوز تركه)، وقال في كتاب: (كيفية تغليظ الدية): (هو مرسل لا يؤخذ به، ولا تقوم به حجة)، وخالف الخَبَر المذكور (^٣) في ذلك.
واحتجوا في مخالفتهم أمر الرسول - ﷺ - بغسل الإناء من ولوغ الكلب
سبعًا أولاهن بالتراب (^٤)، برواية عن أبي هريرة أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات (^٥)، وهو خلاف قولهم لأنهم لا يرون غسله إلا مرة واحدة.
_________________
(١) قتادة المدلجي، قال الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة (ص ٣٤٢): "قال أبو القاسم العثماني يقال إن له صحبة ولم يثبت حديثه". وحديثه أخرجه مالك في الموطأ برقم ١٦٢٠ (ص ٥٧٩) عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب "أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فنزي في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له فقال له عمر اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير، حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا قال: خذها فإن رسول الله - ﷺ - قال: ليس لقاتل شيء.
(٢) تقدمت ترجمته (ص ٥٢١).
(٣) في (ش): "المشهور"؛ ثم إنَّ الناسخ لَمَّا قَابَلَ مرة أخرى أَلْحَقَ بالحاشية قوله: "المذكور"؛ فاتفق ما في (ت) مع ما في (ش).
(٤) تقدم تخريج كل ذلك.
(٥) تقدم تخريج كل ذلك.
[ ٢ / ٦٨١ ]
واحتجوا لقولهم في رجوع تزكية الإبل بالغنم بعد عشرين ومائة، برواية عن علي (^١)، وفي ذلك الخبر نفسه عن علي أن في خمس وعشرين من الإبل خمسًا من الغنم، وخالفوا ذلك الخبر نفسه عن علي في عشرة مواضع (^٢). واحتجوا لقولهم أن القارن يطوف طوافين
_________________
(١) تقدم تخريج خبر علي.
(٢) ذكر المؤلف في المحلى (ج ٦/ ص ٣٩) مخالفة الحنفية لخبر علي في اثنَيْ عشر موضعا وهي: قوله في:
(٣) "خمس وعشرين من الإبل خمس شياه".
(٤) وقوله بتعويض لبون مكان ابنة مخاض فقط.
(٥) وقوله فيما زاد على عشرين ومائة: في كل أربعين بنت لبون.
(٦) وإسقاطه ذكر عودة فرائض الغنم، فلم يذكره.
(٧) وقوله فيمن أخذ سنا فوق سن: "رد شاتين أو عشرة دراهم" وبين ذلك فيمن أخذ بنت لبون مكان ابنة مخاض إن لم يوجد ابن لبون.
(٨) وقوله فيمن أخذ سنا دون سن: "أخذ معها شاتين أو عشرة دراهم".
(٩) وقوله: "ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول". ولم يخص كان عنده نصاب من جنسها أو لم يكن.
(١٠) وقوله في مائتين من الورق خمسة دراهم فما زاد فبالحساب، ولم يجعل في ذلك وقصا كما يزعمون برأيهم.
(١١) وقوله: "ليس فيما دون مائتين من الورق زكاة". وهم يزكون ما دون المائتين إذا كان مع مالكها ذهب إذا جمع إلى الورق ساويا جميعا مائتي درهم، أو عشرين دينارا.
(١٢) ومنها: عفوه عن صدقة الخيل.
(١٣) ومنها عَفْوُه عن صدقة الرقيق ولم يستثن تجارة أو غيرها.
(١٤) ومنها قوله: "في أربعين دينارا دينار، فما نقص فبالحساب". ولم يجعل في ذلك وقصا. قال المؤلف: "أفيكون أعجب ممن يحتج برواية عن علي لا بيان فيها لقولهم، لكن بظن كاذب، ويتحيلون في أنها مسندة بالقطع بالظن الكاذب المفترى وهم قد خالفوا تلك الرواية نفسها بتلك الطريق ومعها ما هو أقوى منها في اثني عشر موضعا منها كلها نصوص في غاية البيان؟ هذا أمر ما ندري في أي دين، أَمْ في أي عقل وجدوا ما يسهله عليهم؟ ! ! ".
[ ٢ / ٦٨٢ ]
ويسعى سعيين برواية عن علي بمثل ذلك (^١)، وفي ذلك الخبر نفسه أنه لا يجوز أن يقدم القارن ذكر الحج قبل ذكر العمرة، وهذا خلاف قولهم، لأنهم يجيزون أن يبدأ بأيهما شاء في الإهلال. (^٢). واحتجوا لقولهم أن لا تقتل الرهبان وشيوخ أهل دار الحرب بخبر أبي بكر الصديق، وفي ذلك الخبر نفسه: (ولا تقطعن شجرًا مثمرًا ولا تقتل بعيرًا، ولا شاةً إلا لمأكلة) (^٣) وهذا كله خلاف قولهم (^٤).
واحتجوا لِقَوْلهم أن ما غنمه المشركون من أموال المسلمين فظفرنا به، فإنه قبل القسمة يرد إلى صاحبه بلا تكليف غرامة، وإن كان بعد القسمة فهو أحق بثمنه، ليس له أخذه بلا ثمن، ولا لمن وقع
_________________
(١) تقدم تخريج رواية علي.
(٢) انظر الهداية (ج ١/ ص ١٦٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ١٩٦) والمحلى (ج ٧/ ص ١٧٣) والبحر الزخار (ج ٣/ ص ٣٧٨).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ برقم ٩٨٢ (ص ٢٧٨) وعبد الرزاق في المصنف برقم ٩٣٧٥ (ج ٥/ ص ١٩٩) وابن أبي شيبة في المصنف أيضا رقم ٣٣١١١ (ج ٦/ ص ٤٨٧) كلهم من طريق يحيى ين سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان ثم قال: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فَذَرهم، وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: "لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا، مثمرا، ولا تُخرِّبَنَّ عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلا ولا تفرقنه، ولا تغلل ولا تجبن". هذا سياق مالك.
(٤) انظر: اللُّباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١١٧) والمحلى (ج ٧/ ص ٢٩٥).
[ ٢ / ٦٨٣ ]
في سهمه منعه من ذلك (^١) برواية عن عمر بن الخطاب (^٢)، وأبي عبيدة وزيد بن ثابت، وكلها خلاف قولهم، لأن الرواية عن عمر في ذلك إنما جاءت عن عبد آبق إلى دار الحرب، وهم يقولون الآبق بخلاف ذلك، بل يرد إلى صاحبه بلا ثمن قبل القسمة وبعدها، والرواية عن أبي عبيدة وزيد خلاف قولهم، إنما جاء عنهما أنه لا يرد إلى صاحبه بعد القسمة لا بثمن، ولا بغير ثمن، فاعجبوا لهذه الفضائح! ! .
واحتجوا لقولهم أنَّ السلب لا يقضى به للقاتل جملة، برواية عن عمر أنه خمس سلب مرزبان الزأرة (^٣) وهذه فاحشة جدًّا لأن عمر قضى بأربعة أخماس السلب للبراء (^٤)، وهم لا يقولون بذلك أصلًا إلا أن
_________________
(١) انظر مختصر الطحاوي (ص ٢٨٦).
(٢) سقطت من (ت).
(٣) أخرج ذلك ابن أبي شيبة في المصنف برعم ٣٣٠٧٩ (ج ٦/ ص ٤٨٢) ومن طريقه المؤلف في المحلى (ج ٧/ ص ٣٣٦) وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (ص ٣٢٠) كلهم من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: "كان السلب لا يخمس، فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن مالك وكان حمل على مرزبان الزرأة فطعنه بالرمح حَتَّى دق صلبه، وصرعه ثم نزل إليه وقطع يديه، وأخذ سوارين كانا عليه فقال عمر: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء بلغ مالا فأنا خامسه، قال: فكان أول سلب خمس في الإسلام" والمرزبان بضم الميم والزاي: هو الفارس الشجاع المقدم على القوم وهو معرب معناه حافظ الثغور، والزَّأرة هي الأجمة سمي بها لزئير الأسد فيها، وانظر: النهاية (ج ٢/ ص ٢٩٢).
(٤) هو البراء بن مالك بن النضر الأنصاري أخو أنس لأبيه شهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد إلا بدرا، وله يوم اليمامة أخبار، واستشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر سنة =
[ ٢ / ٦٨٤ ]
يقوله الإمام قبل الحرب، فيكون حينئذ للقاتل ولا يخمس (^١).
واحتجوا لقولهم في إيقاف الأرض المغنومة بفعل عمر في ذلك (^٢)، وهو خلاف قولهم، لأن فيه صفة فرض عمر الخراج على جريب النخل، وجريب العنب، وعير ذلك بصفة لا يقولون بها.
_________________
(١) = عشرين، وقيل قبلها، وقيل سنة ثلاث وعشرين: انظر الثقات لابن حبان (ج ٣/ ص ٢٦) وتجريد أسماء الصحابة (ج ١/ ص ٤٦) والإصابة في تمييز الصحابة (ج ١/ ص ٤١٢).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار (ج ٣/ ص ٢٢٩) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٣٠) والمحلى (ج ٧/ ص ٣٤٠) وذكر فيه المؤلف مذهب الحنفية وأدلتهم ومنها: "أن قالوا: لما كان الغانم ليس أحق بما غنم كان القاتل في السلب كذلك، ولو كان السَّلَبُ حقا للقاتل لكانت الأسلاب إذا لم يعرف قَاتِلُو أهلها موقفة كاللقطة". ثم قال المؤلف: "القياس باطل، وإنما يلزم القياس من صححه، وهم يصححونه، فهو لهم لازم، فليبطلوا بهاتين الأحموقتين قولهم: إن السلب للقاتل إذا قال الإمام قبل الققال: من قتل قتيلا فله سلبه فهذا يلزمهم إذ عدلوا هذا الإلزام على أنفسهم وإذا لم يكن السلب من حق القاتل بقوله ﵊: إنه له إذا قامت له به بينة فمن أين خرج لهم؟ وأين وجدوا ما يوجب قولهم الفاسد؟ في أن الإمام إذا قال: من قتل قتيلا فله سلبه كان السلب حينئذ للقاتل ولا نعمى عين للإمام أن يكون قوله تحريما أو إيجابا فظهر فساد قولهم جلة وَتَعَرِّيهِ من الدليل وهو قول لم يحفظ قط قبلهم لا عن صاحب ولا عن تابع".
(٣) أخرج أبو عيد القاسم بن سلام في الأموال (ص ٦٤) عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما افتتحت مصر بغير عهد قام الزبير فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها فقال عمرو: لا أقسمها فقال الزُّبير: لتقسمنَّها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر، فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر أن دعها حتى يغزو منها.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
واحتجوا لقولهم في إسقاط الحدود في دار الحرب برواية عن عمر وعلي (^١)، وهي خلاف قولهم، لأن في تلك الرواية عنهما أن تُقام عليهم إذا خرجوا إلى دار الإسلام، ما أصابوه في دار الحرب (^٢).
واحتجوا لقولهم: من باع سلعة فلم يقبضها المشتري حتى باعها من البائع بثمن أقل من الذي ابتاعها به، فإن ذلك لا يجوز سواء كان البيع الأول حالا أو إلى أجل، والآخر كذلك، برواية عن عائشة في بيع أم ولد زيد بن أرقم عنه بثمانمائة درهم، من زيد بن أرقم إلى العطاء، ثم اشترته بستمائة نقدًا (^٣).
وهم أول مخالف لهذا الخبر، لأنه ليس فيه أن عائشة فرقت بين بيع العبد قبل قبضه، وبيعه بعد قبضه، وهم يجيزون ذلك بعد القبض،
_________________
(١) أما الرواية عن عمر: فأخرجها الشافعي في الأم (ج ٧/ ص ٣٥٤) من طريق ثور بن يزيد عن حكيم بن عمير "أن عمر كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري وإلى عماله أن لا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة وكيف يقيم أمير سرية حدا وليس هو بقاض ولا أمير يجوز حكمه؟ " وأما الرواية عن علي فأخرجها عبد الرزاق في المصنف برقم ٩٣٧٣ (ج ٥/ ص ١٩٨) عن رجل أنه سمع أبا بكر الهذلي أنه سمع الحسن قال: "سرق رجل من المسلمين فرسا فدخل أرض الروم فرجع مع المسلمين بها فأرادوا قطعه فقال علي بن أبي طالب: لا تقطعوا حتى يخرج من أرض الروم".
(٢) مذهب الحنفية في إسقاط الحدود في دار الحرب ينظر في: مختصر الطحاوي (ص ٢٨٦) وبدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٤٥ - ٤٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٢٩).
(٣) تقدم هذا الأثر مخرجا.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
ولعلها إنما أنكرت البيع إلى العطاء، وهم يجيزون ذلك.
واحتجوا لقولهم في الطافي من السمك برواية عن علي وجابر وابن عباس في أن لا يؤكل ما طفا من السمك (^١)، وهذه خلاف قولهم، لأنهم يقولون: ما قتله حوت أو طائر، أو حجر من السمك، فيطفا فحلال أكله، وإنما يحرم ما مات حتف أنفه فطفا (^٢)، وليس شيء من هذا في شيء من تلك الروايات.
واحتجوا لقولهم في تحريم نبيذ التمر والبسر والرطب والزهو
_________________
(١) أما الرواية عن علي: فأخرجها ابن أبي شيبة برقم ١٩٧٤٣ (ج ٤/ ص ٢٥٣) عن حفص عن جعفر عن أبيه قال: "قال علي: ما مات في البحر فإنه ميتة". وأما الرواية عن جابر فأخرجها ابن أبي شيبة برقم ١٩٧٣٩ (ج ٤/ ص ٢٥٣) من طريق ابن علية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "ما مات فيه فطفا فلا تأكل". وأما الرواية عن ابن عباس: فأخرجها ابن أبي شيبة أيضا برقم ١٩٧٤٢ (ج ٤/ ص ٢٥٣) من طريق علي بن مسهر عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: سأل رجل ابن عباس فقال: "إني آتي إلى البحر فأجده قد جعل سمكا كثيرا فقال كُلْ ما لم تر سمكا طافيا".
(٢) حكى المصنف في المحلى (ج ٧/ ص ٣٩٣) مذهب الحنفية في كراهة أكل السمك الطافي ثم قال: "قالوا فإن ضربه حوت فقتله أو ضربه طائر فقتله أو ضربته صخرة فقتلته أو صاده وثني فقتله فطفا بعد كل هذا فهو حلال أكله". ثم قال بَعْدُ: "قال أبو محمد: هذه أقوالٌ لا نعلم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم وهي مخالفة للقرآن، وللسنن ولأقولا العلماء وللقياس وللمعقول، لأنها تكليف ما لا يطاق مما لا سبيل إلى علمه هل ماتت وهي طافيه فيه، أو ماتت قبل أن تطفو أو ماتت من ضربة حوت أو من صخرة منهدمة أو حتف أنفها؟ ولا يعلم هذا إلا الله أو ملك موكل بذلك الحوت ".
[ ٢ / ٦٨٧ ]
والزبيب قليله وكثيره إذا أسكر كثيره ما لم يطبخ، وإباحته إذا طبخ، وتحريم السكر منه فقط (^١)، بأخبار عن الصحابة ليس فيها شيء من هذا، وإنما فيها إباحة النبيذ الشديد أو المسكر فقط، وهم لا يقولون بهذا.
واحتجوا لقولهم في أن لا يرد ولد المستحقة إلى الذي استحق أمهم برواية عن علي أنها ترد المستحقة إلى سيدها، ويقوم أولادها، فيغرم الذي باع أمهم، وهم لا يقولون بهذا، ولا يغرمون بائع أمهم إلا الثمن الذي أدى فقط.
واحتجوا لقولهم إن المسلم يضمن خمر الذمي إذا أتلفها برواية عن عمر: "لا تبيعوا الخمر ولا الخنازير، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا من الثمن (^٢) ". وليس في هذه الرواية شيء مما احتجوا به، وهي أيضًا ساقطة.
واحتجوا لقولهم في عين الفرس والبغل والحمار، والبقرة والبعير، ربع ثمن المصاب، وليس في عين الشاة والعنز إلا ما
_________________
(١) انظر تفاصيل مذهب الحنفية في: المختصر (ص ٢٧٧) والهداية (ج ٤/ ص ٤٤٨ - ٤٤٩) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢١٣) والزهو: البسر الملون يقال إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل فقد ظهر فيه الزهو انظر: مختار الصحاح مادة زهو (ص ٢٢٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٤٨٥٣ (ج ٨/ ص ١٩٥) عن سويد بن غفلة قال: "بلغ عمر أن عماله يأخذون الخمر في الجراية فناشدهم ثلاثا فقيل: إنهم ليفعلون ذلك قال: فلا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها. وما ذكر المؤلف من ضمان المسلم لخمر الذمي مذكور في بدائع الصنائع (ج ٥/ ص ١١٣).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
نقصها فقط (^١) برواية عن عمر وعلي في عين الدابة ربع ثمنها، وليس في هذا الخبر شيء من تقسيمهم، وفي هذا الخبر نفسه متصلا بهذا الحكم من عهد عمر وقوله: "وأحق ما صدق فيه الرجل عند موته أن ينتفي من ولده، أو أن يدعيه" فخالفوه، ولم يجيزوا لأحد أن ينتفي عند موته من ولده (^٢). (^٣).
واحتجوا لقولهم في تجويز الصلح على الإنكار برواية عن علي أنه يجوز: "ولولا أنه صلح لرددته" وليس في هذا ذكر الصلح على الإنكار، وهم لا يجيزون الجور في الصلح كمن صالح على خمر أو خنزير (^٤). واحتجوا لقولهم: إن من استأجر شيئا فآجَرَهُ بأكثر مما استأجره به، فإنه يتصدق بالربح، برواية عن ابن عمر (^٥) مخالفة لقولهم، لأن ابن عمر إنما قال: فالربح للأول، وهم لا يقولون بهذا.
_________________
(١) في (ش) كَرَّر الناسخ: "نَقط؛ ثم ضَرَبَ على الأولى.
(٢) في (ش) بعده: "أو أن يدعيه"، ثم ضَرَبَ الناسخ عليها، وذلك موافقٌ لِمَا في (ت).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٢٢٩).
(٤) قسم الحنفية الصلح إلى ثلاثة أنواع: صلح عن إقرار المدعي وصلح عن إنْكاره وصلح عن سكوته من غير إقرار ولا إنكار وقالوا كل ما جاز أن يكون مهرا جاز أن يكون بدل الصلح وذلك مثل الأموال المعلومة والمنافع المعلومة وما لا يصلح مهرا لا يصلح بدلا عن القود مثل الخمر والخنزير، وانظر تفاصيل ذلك في المختصر للطحاوي (ص ٩٨) والهداية (ج ٣/ ص ٢١٤) وتبيين الحقائق (ج ٥/ ص ٣٠ - ٣٥) وبدائع الصنائع (ج ٦/ ص ٤٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢/ ص ١٦٣).
(٥) تقدم تخريج هذه الرواية عن ابن عمر.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
واحتجوا لقولهم في جعل الآبق برواية عن ابن مسعود وعمر وعلي (^١)، هي كلها خلاف لقولهم أنه لا يجب ذلك الجعل إلا أن يأتي به من ثلاثة أيام فصاعدًا.
واحتجوا (^٢) لقولهم في كراء الأرض، بروايات عن رافع بن خديج خالفوها كلها (^٣).
واحتجوا لقولهم في رد السنة الثابتة أن كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا أن يكون خيارا (^٤) برواية عن عمر: "البيع عن صَفْقَةٍ أو خيار" (^٥) وليس في هذا اللفظ تجويز البيع قبل التفرق.
واحتجوا في المنع من بيع أمهات الأولاد بحكم عمر (^٦)، وقد جاء عن عمر: "فإن فجرت رقت (^٧) " وهم لا يقولون بهذا.
_________________
(١) تقدم تخريج أثر ابن مسعود وعمر وعلي.
(٢) في النسختين مَعًا: "واحتُجَّ" وَلَها وَجْهٌ؛ وأحسن منْها ما أثبته والله أعلم.
(٣) سبق تخريج حديث رافع بن خديج في كراء الأرض.
(٤) سبق تخريج الحديث المفيد لذلك.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٤٢٧٣ (ج ٨/ ص ٥٢) من طرق الحجاج يرفعه إلى عمر أن عمر قال بمنى حين وضع رجله في الغرز: "إن الناس قائلون غدا ماذا قال عمر؟ ألا وإنما البيع عن صفقة أو خيار والمسلم عند شرطه".
(٦) أخرج أبو داود في العتق باب في عتق أمهات الأولاد برقم ٣٩٥٤ (ج ٤/ ص ٢٤) والحاكم في المستدرك في البيوع برقم ٢١٨٩ عن جابر قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا". قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
(٧) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢١٦٠٦ (ج ٤/ ص ٤١١) عن وكيع قال: حدثنا =
[ ٢ / ٦٩٠ ]
واحتجوا في المنع من بيع المدبرة بالرواية عن جابر وعثمان وعلي وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر في أولاد المدبرة أنهم يعتقون في عتقها، ويرقون في رقها (^١)، وهذا خلاف قولهم جهارا، لأن جابرًا وكل من ذكرنا قضى بأن يعتقوا إن عتقت، وبأن يرقوا إن رقت (^٢)
_________________
(١) = يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين عن مالك بن عامر الهمداني قال: "قال عمر في أم الولد: إن هي أحصنت وأسلمت عتقت، وإن هي فجرت وكفرت وزنت رقت". وأخرجه أيضا عبد الرزاق في المصنف برقم ١٣٢٣٧ (ج ٧/ ص ٢٩٤) بنحوه.
(٢) أما الرواية عن جابر فأخرجها البيهقي في الكبرى في كتاب المدبر باب ما جاء في ولد المدبرة من غير سيدها بعد تدبيرها برقم ٢١٥٨٦ (ج ١٠/ ص ٥٣١) من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: "ما أرى أولاد المدبرة إلا بمنزلة أمهم" وأخرج أيضا برقم ٢١٥٩٥ (ج ١٠/ ٥٣٣) عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير "أنه سمع جابر بن عبد الله قَال في أولاد المدبرة إذا مات السيد فلا نراهم إلا أحرارًا" وذلك المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٣٦) من طريق نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن ابن جريج عن أبي الزبير. وأما الرواية عن زيد بن ثابت: فأخرجها البيهقي في الكبرى في كتاب المدبر باب ما جاء في ولد المدبرة من غير سيدها برقم ٢١٥٩٤ (ج ٥/ ص ٥٣٣) من طريق ابن المبارك عن عثمان بن حكيم عن سليمان بن يسار أن زيد بن ثابت أتاه رجل فقال ابنة عم لي أعتقت جاريتين عن دبر ولا مال لها غيرها. قال: لتأخذ من رحمها. زاد فيه غيره: "ما دامت حية". وأما الرواية عن ابن عمر: فأخرجها ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٠٦٦١ (ج ٤/ ص ٣٣١) والبيهقي في الكبرى في كتاب المدبر باب من قال لا يباع المدبر برقم ٢١٥٧١ (ج ١٠/ ص ٥٢٨) والمؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٣٦) كلهم من طريق حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: قال: "لا يباع المدبر".
(٣) قال المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٣٧) بعد أن ساق مذهب الحنفية في المنع من بيع المدبر - والتدبير لغة: النظر إلى عاقبة الأمور وشرعا: تعليق العتق بموت المولي - وما استدلوا =
[ ٢ / ٦٩١ ]
وهذا نص بين في إباحتهم استرقاقها، وأن لا تعتق، لأنهم جعلوا إرقاقها حالا غير حال عتقها.
واحتجوا لقولهم في الشفعة بأقوال، عن ابن عمر وعمرو بن حريث (^١)، وهي مخالفة لقولهم موجود (^٢) ذلك منها.
واحتجوا لقولهم في المنع من السلم في الحيوان بقول عمر: "السلم في الحيوان ربا (^٣) ". وقد صح عن عمر في ذلك الخبر نفسه قوله:
_________________
(١) = به من حديث جابر وابن عمر: "وأما خبر جابر فلا متعلق لهم فيه أصلا وإنما هو تمويه منهم مجرد لأنه ليس فيه المنع من بيع المدبرة أصلا وإنما فيه حكم ولدها إن عتقت هي فقط ولو كان لهم حياء ما موهوا في الدين بمثل هذا وقد جاء عن جابر خلاف كما روينا من طريق ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: "المدبرة بمزلتها يرقون برقها ويعتقون بعتقها" وذكر ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد ابن ثابت وجابر بن عبد الله وغيرهم مثل قول ابن عمر فهذا جابر يرى إرقاق المدبرة فإن قيل هذا مرسل. قلنا: بالمرسل احتججتم علينا فخذوه أو فلا تحتجوا به وأمَّا حديث ابن عمر فإنما فيه الكراهة فقط وقد صح عن ابن عمر بيان جواز بيع المدبرة كما روينا بأصح سند من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: "لا يطأ الرجل وليدة إلا وليدة إن شاء باعها وإن شاء وهبها وإن شاء صنع بها ما شاء".
(٢) هو عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو القرشي روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم وعنه ابنه جعفر وآخرون من أهل الكوفة توفي سنة ٨٥ هـ وقيل غير ذلك. أخرج له الستة، انظر: طبقات ابن سعد (ج ٦/ ص ٢٣) والإصابة (ج ٤/ ص ٥١٠) والخلاصة (ص ٢٨٨).
(٣) كذا، ولا يظهر الوجه منها، وقد ضبطت في (ش) ضَبْطَ قَلَمٍ هكذا: "مَوْجُودٌ".
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٤١٦١ (ج ٤/ ص ٢٦) وابن أبي شيبة في المصنف أيضا برقم ٢١٦٨٦ (ج ٤/ ص ٤٢٤) والبيهقي في الكبرى (ج ٦/ ص ٢٣) ولفظ عبد =
[ ٢ / ٦٩٢ ]
"بيع الثمرة قبل أن تطيب ربا". فخالفوه وأجازوا بيعها على القطع واحتجوا لقولهم: أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة بخبر أبي بكر إذ قال لعائشة أم المؤمنين عند موته: "إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من مالي بالغابة" (^١) وليس فيه شيء مما ذكروا، لأنه إنما كان
_________________
(١) = الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن محمد قال: "قال عمر بن الخطاب: إنكم تزعمون أنا لا نعلم أبواب الربا ولأن أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل مصر وكورها ومن الأمور أمور لا يكن يخفين على أحد: هو أن يبتاع الذهب بالورق نسيئا وأن يبتاع الثمرة وهي معصفرة لم تطب وأن يسلم في سن". وفقه المسألة عند الحنفية مضى.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ في الأقضية باب ما لا يجوز من النحل برقم ١٤٧٤ (٤٩٣) عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: "والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحْتَزْتِيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة: فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر ذو بطن بنت جارية أراها جارية". وقَوْلُهُ جاد بفتح الجيم والدال المهملة الثقيلة، ويروى جداد: بكسر الجيم وضمها وبذالين معجمتين أو مهملتين أيْضا قال الزرقاني في شرح الموطأ (ج ٤/ ص ٤٤): "هو صفة للثمر من جد: إذا قطع يعني أن ذلك يجد منها، والوسق: عشرون صاعًا). وساق المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ١٢٤) خبر أبي بكر الصديق، دليلا للحنفية في قولهم إن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة ثم قال: "فلا يخلو ضرورة من أحد أمرين لا ثالث لهما إما أن يكون أراد نخلا تجد منها عشرين وسقا، وإمَّا أن يكون أراد تمرا يكون عشرين وسقا مجدودة لا بد من أحدهما، وأي الأمرين كان فإنما هي عدة؟ وَلا يزم هذه القضية عندهم، ولا عندنا لأنها ليست في معين من النخل ولا معين من التمر، وقد =
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وعدها بأن يتصدق عليها من" نَخْله بالغابة بما يجد منه: "عشرون وسقًا وهذا غير معروف ولا معين، فهو غير لازم حتى يعين، ومات - ﵁ - (^١) قبل أن، يتعين (^٢) ذلك، فلذلك لم يصح.
واحتجوا لقولهم أنه إن قبض الموهوب له، أو المتصدق عليه ما وهب له أو تصدق به عليه بغير إذن المتصدق أو الواهب، فليس قبضا، ولا تصح به الهبة ولا الصدقة بأقوال عن عمر (^٣) وعثمان، وليس فيها شيء من هذا (^٤)، إنما فيها أن كل هبة لكبير فلم تجز
_________________
(١) = تجد عشرين وسقا من أربعين نخلة، وقد تجد من مائتي نخلة، وقد لا تجد من نخلة بالغابة عشرون وسقا، لعاهة تصيب الثمرة، فهذا لا يتم إلا حتى يعين النخل، أو الأوساق في نخله فيتم حينئذ الجداد، والحيازة فليست هذه القصة من الهبة المعروفة المحدودة، ولا من الصدقة المعلومة المتميزة في ورد ولا صدر، ولكنهم قوم يوهمون في الأخبار ما ليس فيها ".
(٢) الترضي ساقط من (ت).
(٣) في (ت): "يعين"؛ ثم إنَّ الناسخ أعاد كتابة الكلمة فوقها بِمَا يوافقُ (ش).
(٤) أما قول عمر: فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٠١١٧ (ج ٤/ ص ٢٨٥) عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: قال عمر: "ما بال رجال ينحلون أولادهم نحلا فإذا مات ابن أحدهم قال: مالي وفي يدي وإذا مات هو قال: قد كنت نحلته ولدي، لا نحلة إلا نِحْلة يجوزها الولد دون الوالد". وفي رواية المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ١٢٢) من طريق مالك قال عمر: "ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا، ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدكم قال: مالي بيدي لم أعطه أحدا وإن مات قال: لابني قَدْ كنت أعطيته إياه، مَنَ نَحَلَ نحْلَة لم يَحُزْها الذي نَحَلَهَا حتى تكون لوارثه إن مات، فهي باطل".
(٥) انظر مذهب الحنفية في اشتراط إذن الواهب في: الهداية (ج ٣/ ص ٣٥١) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٧٨)، والبحر الزخار (ج ٥/ ص ٣٣) والمحلى (ج ٩/ ص ١٢١ - ١٢٣) وفيه اعتراض المؤلف على قول الحنفية.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
فهي باطل (^١).
واحتجوا في إباحة الرجوع في الهبة بروايات عن طائفة من الصحابة (^٢)، وليس في شيء منها ما يوافق قولهم أنه لا رجوع فيما وهب لذي رحم محرمة.
ومن عجائب الدنيا احتجاجهم في إبطال هبة المشاع (^٣) بخبر أبي بكر الصديق في نحله عائشة أم المؤمنين - ﵂ - (^٤) جَادَّ عشرين وسقا، من ماله بالغابة وهذا خلاف قولهم جهارا، لأنه إنما نحلها مشاعًا، ولم يبطله من أصل (^٥) الإشاعة بنص الخبر.
واحتجوا في إسْقاطهم فرض الله تعالى غسل يوم الجمعة على لسان رسوله - ﷺ - بالخبر عن عمر إذ قال لعثمان وهو يخطب يوم الجمعة:
_________________
(١) لعل في هذه العبارة شيئا، ويمكن أن تفهم تبعا لخبر عمر الذي أورده المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ١٢٢) من طريق مالك، ونقلته آنفا.
(٢) من هذه الروايات: ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢١٧٠٣ (ج ٤/ ص ٤٢٠) عن علي قال: "الرجل أحق بهبته ما لم يثب فيها". ومنها ما أخرجه أيضا برقم ٧٠٥٢١ (ج ٤/ ص ٤٢٠) عن ابن عمر قال: "هو أحق بها ما لم يرض منها". وانظر المحلى (ج ٩/ ص ١٢٩).
(٣) انظر: إبطال الحنفية لهبة المشاع بخبر أبي بكر الصديق في نحله عائشة جاد عشرين وسقا في: مختصر الطحاوي (ص ١٣٧ - ١٣٩) والهداية (ج ١/ ص ٢٥٢) وبدائع الصنائع (ج ٦/ ص ١٩٩) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢/ ص ١٧٢) والبحر الزخار (ج ٥/ ص ١٣٣) وفتح الباري (ج ٥/ ص ٢٢٦).
(٤) الترضي ساقط من (ت).
(٥) هكذا قرأتها، وتحتمل: "مِنْ أجْل".
[ ٢ / ٦٩٥ ]
"والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - (^١) كان يأمرنا بالغسل" (^٢) وهذا الخبر ضد قولهم جهارا لأنه أنكر ترك الغسل علانية، وخالفوا كل ما فيه من كلامه مع عثمان في الخطبة، ومراجعة عثمان له بالكلام، وهم لا يجيزون شيئا (^٣)، فاعجبوا لعظيم ضلال هؤلاء القوم، وهذا القول، واسألوا الله تعالى (^٤) العافية (^٥).
واحتجوا في ردهم الخبر الصحيح أن عليا غسل فاطمة - ﵂ - (^٦) بأنها اغتسلت في يوم موتها، وعهدت في أنْ لا تمس (^٧)، فنفذ علي ذلك،
_________________
(١) سقط لَفْظُ الصلاة والسلام من (ت).
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء برقم ٨٧٨ ومسلم في الجمعة (ج ٦/ ص ١٣١) وأبو داود في الطهارة باب في الغسل يوم الجمعة برقم ٣٤٠، والدارمي في الصلاة باب الغسل يوم الجمعة برقم ١٥٠٣.
(٣) كذا ولعل في العبارة سقطا تقديره: "وهم لا يجيزون شيئا منه".
(٤) سقطت: "تعالى" من (ت).
(٥) قال الحنفية: من اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن، ومن ترك فلا حرج عليه في تركه، وقالوا أيضا: إذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته وانظر تفاصيل المسألتين في: مختصر الطحاوي (ص ٣٦) والهداية (ج ١/ ص ٩١) والباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ١١٣) والمحلى (ج ٥/ ص ٧٥) ونيل الأوطار (ج ١/ ص ٢٣٣) و(ج ٣/ ص ٢٧٣).
(٦) سقط الترضي من (ت).
(٧) وأما خبر غسل علي فاطمة فأخرجه الدارقطني في سننه (ج ١/ ص ٧٩) والبيهقي في الكبرى في الجنائز باب الرجل يغسل امرأته إذا ماتت برقم ٦٦٦١ (ج ٢/ ص ٥٥٦) =
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وهم لا يجيزون هذا أصلا ولا يبيحون دفن مسلم مات، ولم يغسل بعد موته إلا الشهيد في المعركة خاصة.
واحتجوا لقولهم أنه لا يجوز أن يصلي الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين بأكثر من قامة، وأجازوه في القامة فأقل، بخبر سلمان وحذيفة (^١) وخبر صلاة رسول الله - ﷺ - (^٢) بأصحابه - وهو على المنبر (^٣) - وليس في شيء من هذه الأخبار إشارة إلى تخصيص قدر القامة، ثم ليت شعري أي قامة هي؟ إن هذا لعجب.
_________________
(١) = كلاهما عن محمد بن موسى عن عون بن محمد عن أمه عن أسماء بِنْتِ عميس "أن فاطمة أوصت أن يغسلها زوجها علي وأسماء فغسلاها". قال ابن التركماني في تعليقاته على سنن البيهقي: "في إسناده من يحتاج إلى كشف حاله ثم الحديث مشكل ففي الصحيح أن عليا دفنها ليلا ولم يعلم أبا بكر فكيف يُمكن أن تغسلها زوجه أسماء وهو لا يعلم ؟ ". وأما خبر اغتسال فاطمة يوم موتها: فأخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٦١٢٦ (ج ٣/ ص ٤١١) وأحمد في المسند (ج ٦/ ص ٤٦١) قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٢/ ص ٢٥١): "ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وفي العلل المتناهية ورواه عبد الرزاق في مصنفه بسند ضعيف ومنقطع".
(٢) خبر حذيفة: أخرجه أبو داود في الصلاة باب الإمام يقوم مكانا أرفع من مكان القوم برقم ٥٩٨ (ج ١/ ص ١٦١) عن عدي بن ثابت الأنصاري حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن فأقيمت الصلاة فَتَقَّدَمَ عمار وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ عَمَّار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم .. ".
(٣) سَقَط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٤) تقدم تخريج هذا الحديث.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
واحتجوا لقولهم في منع الجمع بين الصلاتين بقول عمر: "الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر (^١) ". وهم يخالفون هذا القول، فلا يجيزون الجمع بين صلاتين لا لعذر ولا لغير عذر إلا على صفة هي جائزة عندهم لعذر، ولغير عذر (^٢).
واحتجوا لقولهم الفاسد فيمن عجز عن الركوع والسجود - وهو قادر على القيام - أن له أن يصلي قاعدا، برواية عن أم سلمة أم المؤمنين أنها صلت قاعدة من رمد كان بها (^٣) وليس في الخبر أنها كانت قادرة على
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٤٤٢٢ (ج ٢/ ع ٥٥٢) وابن أبي شيبة في المصنف أيضا برقم ٨٢٥٣ (ج ٢/ ع ٢١٢) والبيهقي في الكبرى (ج ٣/ ع ١٦٩) ومعرفة السنن (ج ٢/ ص ٤٥١) عن أبي العالية أنَّ عمر كتب إلى أبي موسى: "واعلم أنَّ جْمَعًا بين الصلاتين من الكبائر إلَّا من عذر". ونَقَل البيهقي في المعرفة (٢/ ٤٥١) عن الشافعي أنه قال: "لا نعرفه عن عمر وقد يكون السفر عذرا وعمر مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك وهو يجمع وعمر أعلم بالله وبرسوله من أن يقول هذا إلا على هذا المعنى". قال البيهقي: "قال أحمد: "رواه أبو العالية عن عمر وأبو العالية لم يسمع من عمر ورواه أبو قتادة العدوي أن عمر كتب إلى عامل له وليس فيه أنه شهد الكتابة فهو مرسل كما قال الشافعي ثم السفر عذر وكذلك المطر".
(٢) منع الحنفية من الجمع بين الصلاتين مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة إلا في صورة واحدة بينها الطحاوي بقوله: "وكيفية الجمع بين الصلاتين في السفر وفي المطر أن يصلي الأولى منهما وهي الظهر أو المغرب في آخر وقتها ثم يدخل وقت الأخرى منهما فيصليهما وهي العصر والعشاء". وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٣٣ - ٣٤) والبحر الزخار (ج ٢/ ص ١٦٩) والمحلى (ج ٣/ ع ١٧٢) ونيل الأوطار (ج ٣/ ع ٢١٢ - ٢١٣).
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (ج ٢/ ص ٣٠٧) والمعرفة (ج ٢/ ع ١٤٠) والشافعي في الأم (ج ١/ ع ٨١) عن الحسن عن أم الحسن "أنها رأت أم سلمة تصلى على وسادة من رمد كان بعينها وأخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٤١٤٥ (ج ٢/ ص ٤٧٧) وزاد: "وهي قاعدة".
[ ٢ / ٦٩٨ ]
القيام، فاعجبوا لاستحلالهم الكذب جهارا.
واحتجوا لقولهم أن الجمعة تصلى في موضعين من المصر، ولا يجوز أن تصلى فيه ثلاثة مواضع بالخبر عن علي أنه صلى العيد في المصلى، وأمر من يصلي بالضعفاء في الجامع (^١)، فهل يرى أحد في هذا الخبر ذكرا لصلاة الجمعة في موضعين، أو منعًا من أن تصلى في ثلاث (^٢)؟ !
واحتجوا لقولهم أن من كان في السفينة - وهو قادر على القيام - فله أن يصلي الفرض قاعدا، بالخبر عن أنس أنه صلى في السفينة قاعدا - وهو يُرِيدُ أرضه بلبق سيرين (^٣) على خمسة فراسخ من البصرة، وأنه صلى العصر ركعتين حينئذ (^٤)، فخالفوه، فلم يجيزوا القصر في هذا المقدار، وصح عن جنادة بن أبي أمية (^٥) بمثل
_________________
(١) تقدم تخريج أثر علي.
(٢) قال الحنفية: لا بأس بأن يجمع الإمام بالناس في المصر في مسجدين ولا يجمع فيما هو أكثر من ذلك، هكذا روي عن محمد بن الحسن وروي عن أي يوسف أنه لا يجوز أن يجمع في مسجدين في مصر واحد إلا أن يكون بينهما نهر فيكون حكمه حكم المصرين وإن لم يكن بينهما نهر فالجمعة لمن سبق منهما. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٣٥) والمحلى (ج ٥/ ص ٥٣) وفيه اعتراض المؤلف.
(٣) كذا ولعلها: "ببني سيرين" كما سيأتي في تخريج الخبر.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة برقم ٦٥٦١ (ج ٢/ ص ٦٨) وعبد الرزاق في المُصَنَّف برقم ٤٥٥٤ (ج ٢/ ص ٥٨٢) وسياق الأول: عن يونس أن ابن سيرين قال: خرجت مع أنس إلى بني سيرين في سفينة عظيمة قال: فَأَمَّنَا فصلى بنا فيها جلوسا ركعتين ثم صلى بنا ركعتين أخراوين".
(٥) جنادة بن أبي أمية الأزدي شهد فتح مصر وروى عنه أهلها انظر: طبقات ابن سعد (ج ٧/ ص ٤٣٩) والإصابة في تمييز الصحابة (ج ١/ ص ٦٠٧).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
ذلك (^١)، وليس ليه أنه كان قادرًا على القيام (^٢).
واحتجوا لقولهم في أن الوتر واجب، برواية عن علي: "ليس الوتر بحتم كصلاة المغرب، ولكن أوتروا يا أهل القرآن (^٣) ". وهذا قولنا لا قولهم، وبخبر عن ابن مسعود: "الوتر واجب على كل مسلم يجب كصلاة المغرب" (^٤) وهو خلاف قولهم لأنه عندهم واجب لا تطوع، ولا فرض، وهذا لا يُعْقَلُ، ولا خلق الله تعالى قط هذه الرتبة في عَالَمِهِ لأنه ليس إلا واجبا يعصى من تركه، فهذا فرض كالخمس، أو غير وجب لا يعصى من تركه.
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٦٥٥٩ (ج ٢/ ص ٦٩) عن مجاهد قال: "كنا نغزو مع جنادة بن أبي أمية البحر فكنا نصلي في السفينة قعودا".
(٢) قال أبو حنيفة من صلى فريضة في سفينة قاعدا وهو يطيق القيام فإن ذلك يجزئه وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصليها في السفينة إلا قائما وإن صلاها قاعدا من غير عذر لم يجزئه وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٣٤) والبحر الزخار (ج ٢/ ص ٢٤٢) ونيل الأوطار (ج ٣/ ص ١٩٩).
(٣) أخرجه الترمذي في الوتر باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم برقم ٤٥٢ والحاكم في الوتر برقم ١١١٨ والبيهقي في الكبرى (ج ٢/ ص ٤٦٨) وابن أبي شيبة برقم ٦٨٥٦ (ج ٢/ ص ٩٢) ولفظ الترمذي: "الوتر ليس بحتم كصلاتِكُم المكتوبة ولكن سن رسول الله ﷺ قال: إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن" قال الترمذي: حديث علي حديث حسن.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٦٨٦٨ (ج ٢/ ص ٩٢) عن إبراهيم قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: "إنما الوتر على أهل القرآن". وأخرج أيضا برقم ٦٧١٤ (ج ٢/ ص ٨٢) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله بن مسعود: "الوتر ثلاث كصلاة المغرب وتر النهار".
[ ٢ / ٧٠٠ ]
واحتجوا في ذلك أيضا بخبر عن أبي أيوب الأنصاري: الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، أو بواحدة (^١) وهم لا يرون الوتر بواحدة (^٢).
واحتجوا لقولهم بوجوب القراءة في ركعتين من كل صلاة فريضة فقط، بالخبر الثابت عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقرأ في الأخيرتين من الفريضة بأم القرآن وتقول "إنما هما دعاء (^٣) " قالوا: إنما كانت تقرأ فيهما أم القرآن على معنى الدعاء.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٤٦٣٣ (ج ٣/ ص ١٩) والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج ١/ ص ١٧٢) وسياق عبد الرزاق: قال أبو أيوب الأنصاري: (الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس ركعات فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل، ومن لم يستطع إلا أن يؤمى إيماء فليفعل".
(٢) ذهب الحنفية والهادوية إلى أنه لا يجوز الإيتار بركعة، وإلى أن المشروع الإيتار بثلاث، واستدلوا بما روي من حديث محمد بن كعب القَرَظي أن النبي - ﷺ - نهى عن البتيراء قال العراقي: "وهذا مرسل ضعيف"؛ قال الشوكاني: "ولكن القائل بعدم صحة الإيتار بركعة من الهادوية والحنفية يَرَى الاحتجاج بالمُرسل، واحتج بعض الحنفية على الاقتصار على ثلاثٍ، وعدم إجْزَاءِ غيرها بأنَّ الصحابة أَجْمَعُوا على أنّ الوتر بثلاثٍ مَوْصُولة حَسَنٌ جائز"، وقال المصنف: "ولم يصح عن النبي - ﷺ - نهيٌ عن البُتَيْرَاء، ولا في الحديث على سُقُوطه بيان ما هي البتيراء". انظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٨) والهداية (ج ١/ ص ٧١) والمحلى (ج ٣/ ص ٤٨) ونصب الراية (ج ١/ ص ٢٧٧ - ٢٧٨) ونيل الأوطار (ج ٣/ ص ٣٢ - ٣٣).
(٣) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٣٧٣٦ (ج ١/ ص ٣٢٦) عن عائشة "أنها كانت تقرأ في صلاة النهار في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخرين بفاتحة الكتاب". وليس فيه قولها: "إنما هما دعاء".
[ ٢ / ٧٠١ ]
وهذا كذب فاحش إذ أخبروا عن ضميرها، بِمَا لم تخبر عن نفسها، فهل يستجيز من فيه خير؟ ثُمَّ أعظم من ذلك وأدهى إخبارهم أنها - ﵄ - (^١) لم تقرأ فيهما على أنها من القرآن لكن على معنى الدعاء بها، وهذا انسلاخ من الإسلام، وإحالة للقرآن وتحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه.
ثم احتجوا في إباحة ترك قراءة أم القرآن في الأخيرتين (^٢) بأنها كانت تقرأها فيهما: فهل في عدم الحياء أكثر من هذا؟ فإن قالوا: إنما عولنا على قولها (إنما هما دعاء) قلنا: كل الصلاة دعاء، وكل الزكاة دعاء، وكل عمل برٍّ في الأرض قصد المسلم في ذلك الرغبة إلى الله تعالى في تقبله منه، وأن يرحمه به فقط، ثم هم أول مخالف لفعل عائشة جملة، لأنهم يجيزون ترك القراءة في الأوليين، إذا قرأ في الأخريين (^٣)؛ وهذا خلاف ما رووا عن عائشة في الاقتصار على الأخريين فقط.
_________________
(١) سقط لفظُ التَّرضي من (ت).
(٢) قال زيد بن علي والناصر: إن الواجب القراءة في الأوليين، وكذا قال أبو حنيفة لكن من غير تخصيص للفاتحة، وأما الأخريان فلا تتعين القراءة فيهما عندهم، بل إن شاء قرأ وإن شاء سبح زاد أبو حنيفة وإن شاء سكت وانظر: المختصر (ص ٢٨) ونيل الأوطار (ج ٢/ ص ٢١٣).
(٣) الذي عند الأحناف أن من قرأ في العشاء في الأوليين السورة: ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يعد في الأخريين وإن قرأ الفاتحة، ولم يزد عليها قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: لا يقضي واحدة منهما، لأن الواجب إذا فات عن وقته لا يقضى إلا بدليل. انظر الهداية (ج ١/ ص ٥٨).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
واحتجوا لمنعهم من الركعتين بعد العصر، بما روي عن عمر من منعه منهما، وقوله (إني لا أضرب عليهما، إلا خوف التمادي على الصلاة، إلى الوقت المكروه) (^١) وهذا خلاف قولهم (^٢). واحتجوا بحكم عمر في ميراث موالي المرأة لولدها دون بني عمها وإخوتها (^٣)، وفي الخبر نفسه أنه إن انقرض ولدها كلهم صار ولاء مواليها لعصبة ولدها، فخالفوه. وقد وافق عمر في ذلك عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعمرو بن العاص، واحتجوا في مخالفتهم القرآن في إيجاب الوصية للأقربين (^٤) بأخبار عن عمر وعائشة وعبد الرحمن بن عوف أنَّهم أوصوا لغير ذي قرابة، وليس في شيء من تلك الأخبار أنهم لم يوصوا مع ذلك للأقارب (^٥).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٣٩٧٢ (ج ٢/ ص ٤٣١) ومن طريقه المصنف في المحلى (ج ٢/ ص ٢٧٥) عن يزيد بن خالد الجهني أنه رآه عُمر بن الخطاب وهو خليفة ركع بعد الحصر ركعتين، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي كما هو، فلما انصرف قال زيد: اضرب يا أمير المؤمنين، فوالله لا أدعهما أبدا بعد إذْ رأيت رسول الله - ﷺ - يصليهما قال فجلس إليه عمر وقال: يا زيد بن خالد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما".
(٢) انظر المحلى (ج ٢/ ص ٢٧٥) و(ج ٣/ ص ٨ و١٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٦١٩٦ (ج ٩/ ص ١٨)
(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ سورة البقرة الآية رقم ١٨٠.
(٥) قال المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٣١٦): "وأعجب شيء احتجهاجهم في هذا بأن عبد الرحمن بن عوف أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف درهم، ولأهل بدر بمائة دينار، مائة دينار، لكلٍّ منهم، وأنَّ عمر أوصى لكل أمِّ ولدٍ لَهُ بأربعة آلاف =
[ ٢ / ٧٠٣ ]
واحتجوا لقولهم أن قاتل الصيد في الحرم مخطئًا أو عامدًا، عليه الجزاء، بخبر عن عمر وابن عمر وابن عباس (^١)، ليس فيها شيء مما قالوا، بل في بعضها: أعمد أصبته، أم خطأ، فقالوا لم يفرقوا بين العمد والخطأ، وهم أول مخالفين لهذه الأخبار عن هؤلاء الصحابة - ﵃ - (^٢)، لأن فيها كلها الحكم بالنظير من النعم أو بشاة حيث لا يرونها إلا بالقيمة أصلًا، وأبو حنيفة لا يرى الجزاء في ذلك إلا بالقيمة لا بالمثل فخالفوهم في نص فتياهم، واحتجوا بهم فيما لم يقولوه في شيء من تلك الأخبار (^٣).
واحتجوا في معصيتهم رسول الله - ﷺ - في نهيه عن الاستنجاء بعظم بخبر ابن أبي ليلى (^٤) أن عمر كان لَهُ مَكَانٌ فيه عظم، أو
_________________
(١) = درهم، وأن عائشة أم المؤمنين أوصت لآل أبي يونس مَوْلَاهَا بمتاعها، قال أبو محمد: "إن هذا لمن قبيح التدليس في الدين، وليت شعري أي شيء في هذا مما يبيح أن لا يوصى لقرابته".
(٢) خبر عمر في ذلك أخرجه البيهقي في الكبرى (ج ٥/ ص ١٨٠) والمعرفة (ج ٤/ ص ١٧٨)، وخبر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ١٥٢٩٥ (ج ٣/ ص ٣٩٦).
(٣) سَقَط التَّرضي من (ت).
(٤) انظر المحلى (ج ٧/ ص ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٥) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة عن أخيه عيسى وابن أخيه ونافع مولى ابن عمر وطائفة وعنه ابنه عمران وابن جريج وشعبة والثوري ووكيع، ضعفه أحمد فقال: "سيئ الحفظ مضطرب الحديث". وقال أبو زرعة: "ليس بالقوي ما يكون". توفي سنة ١٤٨ هـ. أخرج له الأربعة. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٥/ ص ١٩٤ - ١٩٥) والتقريب (ص ٤٩٣) والخلاصة (ص ٣٤٨).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
حجر إذا بال تمسح به (^١)، فجعلوا شك ابن أبي ليلى في الحجر، أو العظم حجة في مخالفة يقين أمر رسول الله - ﷺ - (^٢) في نهيه عن العظم في الاستنجاء. واحتجوا في قولهم: أن الماء ينجس بتوضؤ الطاهر المسلم فيه، برواية ساقطة عن ابن عبّاس، ومما ينجس الماء الحوض يقع فيه، الجنبُ فيغتسل فيه، وليس فيه لوضوء الطاهر ذكرٌ، وبرواية عن ابن عمر: (من اغترف بيده، فاغتسل فالباقي نجس) (^٣) وهو خلاف قولهم. واحتجوا في قولهم فيما ينقض الوضوء من أحوال النوم، بأن الصحابة كانوا ينامون ولا يتوضؤن (^٤)، وليس في هذا الخبر تخصيص ما خصوا من التورك والاتكاء والاستناد. واحتجوا لقولهم: أنّ المستحاضة تتوضأ لدخول وقت كل صلاة، بأخبار ثابتة عن عائشة أم المؤمنين وعلي وابن عباس - ﵃ - فيها إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل
_________________
(١) لم أجده بعد البحث الكثير، وأشار إليه المؤلف في المحلى (ج ١/ ع ٩٧) وقال: "وما نعلم لهم متعلقا إلا أنهم ذكروا أثرا فيه أن عمر ﵁ كان له عظم أو حجر يستنجي به ثم يتوضأ ويصلي وهذا لا حجة فيه، لأنه شك: إما حجر وإما عظم". قلت وفي سنن البيهقي (ج ١/ ع ١٧٩) عن مولى يسار بن نمير قال: كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به، قال: فأناوله العود والحجر ويأتي حائطا يمسح به أو يمس الأرض ولم يكن يغسله".
(٢) سَقَط لفظُ الصلاة والسلام من (ت).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (ج ١/ ص ٨١) برقم ٨٩٢ بلفظ "من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي منه نجس ولا تدخل الملائكة بيتا فيه بول".
(٤) تقدم تخريج الخبر المفيد لذلك.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
صلاة (^١)، وهم لا يوجبون ذلك عليها لكل صلاة، وليس في الأخبار المذكورة نص ولا دليل على قولهم بأن وضوءها لدخول الوقت فقط (^٢).
واحتجوا لقولهم في تبدية العتق على سائر الوصايا برواية ساقطة عن ابن عمر (^٣) وخالفوه في ذلك في الوصية بعتق رقبة غير معينة فلم يروا أن يبدّى على سائر الوصايا (^٤).
واحتجوا لقولهم في أن لا يقضى على غائب (^٥) برواية عن عمر: (لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر) (^٦)، وهذا لا
_________________
(١) تقدم تخريج أثر عائشة وعلي وابن عباس.
(٢) ذهب الحنفية إلى أن المستحاضة ومن به سلس البول، والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضؤون لوقت كل صلاة فَيُصَلُّون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنوافل فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى انظر: الهداية (١/ ٤٦) والمحلى (ج ١/ ص ٢٥٢) والبحر الزخار (ج ٢/ ص ١٤٤) ونيل الأوطار (ج ١/ ص ٢٧٧).
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (ج ٦/ ص ٤٥٢) من حديث أشعث عن نافع عنه به موقوفا قال: "يبدأ في الوصايا بالعتق".
(٤) الحنفية يجيزون الرجوع في العتق في الوصية مع قولهم بتبدية العتق في الوصايا وذلك شيء مذكور في كتبهم وذكره المؤلف في المحلى ثم قال: "وأعجب شيء تبديتهم العتق على سائر الوصايا وتأكيدهم إياه وتغليظهم فيه ثم سووه ههنا بسائر الوصايا فاعجبوا لهذه الآراء وهذه المقاييس". وانظر بدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٣٧٢) والمحلى (ج ٩/ ص ٣٣٩ - ٣٤١).
(٥) انظر بدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٨) والمحلى (ج ٩/ ص ٣٦٦).
(٦) أخرج المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٣٦٨) من طريق الكشوري عن الحذافي عن عبد الملك الذماري عن محمد الغفاري حدثني ابن أبي ذئب الجُهَني عن عمرو بن عثمان بن =
[ ٢ / ٧٠٦ ]
يخالفون فيه، وليس فيه ذكر القضاء [بِالحكم] (^١) على الغائب.
واحتجوا لقولهم في إيجاب الحكم بالنكول بفعل عثمان في ذلك (^٢)، وخالفه في تلك القضية نفسها، لأن عثمان قضى بذلك في إبطاله البيع بالبراءة إلا من عيب لم يعلمه البائع، وهم لا يقولون بذلك (^٣).
_________________
(١) = عفان قال: أتى عمر بن الخطاب رجل قد فقئت عينه فقال عمر: تحضر خصمك فقال له: يا أمير المؤمنين أما بك من الغضب إلا ما أرى فقال له عمر: فلعلك قَدْ فقأت عيني خصمك معا فحضر خصمه قد فقئت عيناه معا، فقال عمر إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء". وقال المولف بعد أَنْ ساق مذهب الحنفية في هذه المسألة (ج ٩/ ص ٣٦٩): "وأما تمويههم بعمر فإنه لا يصح عنه أيضا، لأنه من طريق محمد الغفاري عن ابن أبي ذئب الجهني ولا يدرى من هما في خلق الله تعالى، ثم عن عمرو بن عثمان بن عفان عن عمر ولم يولد عمرو إلا ليلة موت عمر وأيضا فكم قضية لعمر وعلي قد خالفوها حيث لا يجوز خلافها وأيضا فلو صح عن عمر فليس فيه إلا أن لا يقضى على غائب بدعوى خصمه وهذا حق لا ننكره وأيضا فإن الصحيح عن عمر وعثمان القضاء على الغائب إذا صح الحق قبله ولا يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك".
(٢) في (ت) بياض بقدر كلمة، وفي (ش) ما صورته: "باليصر" وأثبتُّ ما تراه، والله أعلم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٠٨٠٨ (ج ٤/ ٣٣٨) والمؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٣٧٣) من طريق والبحر الزخار أبي عبيدة عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أباه عبد الله باع عبد الله عبدا له بثمانمائة درهم بالبراءة، ثم إن صاحب العبد خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: احلف بالله لقد بعته، وما به من داء علمته فأبى عليه ابن عمر من أن يحلف فرد عليه عثمان العبد.
(٤) قال الحنفية إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فإن كان ذلك في دعوى المال يقضى عليه بالمال، وانظر: بدائع الصنائع (ج ٦/ ص ٢٣٠) والبحر الزخار (ج ٥/ ص ٤١٠) =
[ ٢ / ٧٠٧ ]
واحتجوا بالرسالة المكذوبة على عمر في تصحيح قولهم بالقياس (^١)،
_________________
(١) = والمحلى (ج ٩/ ص ٣٧٢) وقال المؤلف هناك في مناقشة طويلة الذيل للحنفية: " وقد خالفوا عثمان في هذه القضية نفسها لأنه لم يجز البيع بالبراءة إلا في عيب لم يعلمه البائع، وهذا خلاف قولكم، ومن العجب أن يكون حكم عثمان بعضه حجة، وبعضه ليس بحجة .. ".
(٢) الرسالة التي أشار اليها المؤلف هي رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء وقد أخرجها الدارقطني في الأقضية (ح ٤/ ص ٢٠٦) عن عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أما بعد فذكرها. وأخرجها أيضا الدارقطني من طريق أحمد حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة (ج ٤/ ص ٢٠٧) وأخرجها البيهقي في الكبرى (ج ١٠/ ص ١١٥ و١٥٥ و١٨٢ و١٩٧) مختصرا ومطولا وفي معرفة السنن من طريق محمد بن إسحاق الصَّغاني بإسناده عن أبي العوام البصري قال: "كتب عمر فذكرها" كما في نصب الراية (ج ٤/ ص ٨٢) وعزا الرسالة إلى أحمد الصنعاني في سبل السلام (ج ٤/ ص ٢٣٩) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "ولم أره في المسند". وأوردها المؤلف في الإحكام في أصول الإحكام (ج ٧/ ص ١٤٦) والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (ج ١/ ص ٢٠٠) وقد حمل المؤلف على هذه الرسالة في أغلب كتبه منها في النبذ (ص ٥١) الذي قال فيه: "واعلموا أنه لا يوحد أبدا عن أحد من الصحابة ﵃ إباحة القول بالقياس إلا في الرسالة الموضوعة على عمر ﵁ ولا تصح البتة لأنها إنما رواها رجلان متروكان وقد جاء عن عمر ﵁ بأشبه من تلك الطرق تحريم القياس" ومنها في المحلى (ج ١/ ص ٥٩) حيث قال المؤلف: "هذه الرسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وهو ساقط بلا خلاف وأبوه أسقط منه أو ممن هو مثله في السقوط" قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقاته على المحلى بعد أن ساق لهذه الرسالة بعض الأسانيد: "وخير هذه الأسانيد فيما نرى إسناد سفيان بن عيية عن إدريس - وهو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - وهو ثقة أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى أراه الكتاب وقرأه لديه، وهذه وجادة جيدة في قوة الإسناد =
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وفيما فيها من: "رددوا الخصوم".
وخالفوا ما فيها من أن (كل المسلمين عدول إلا مجلودًا حدًا)، فقالوا: وإن جلد الحد، وتاب قبلت شهادته إلا المجلود في القذف (^١)، وقد قلد هذه الرسالة الحسن بن حي في ذلك، فرأى أن من جلد حدا في الخمر، فلا تقبل له شهادة وإن تاب (^٢).
_________________
(١) = الصحيح إن لم تكن أقوى منه فالقراءة من الكتاب أوثق من التلقي عن الحافظ" وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٤/ ص ١٩٦) بعد أن أشار إلى بعض طرق الرسالة: " وساقه ابن حزم من طريقين وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف المخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة مكتوبة" وقال ابن القيم في أعلام الموقعين (ج ٢/ ص ١٢٥): "وغاية أمر الوجادة الصحيحة أنه أخذ من كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة وقد كان رسول الله - ﷺ - يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول هذا كتاب فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل والحفظ يخون والكتاب لا يخون". وانظر بحثا نفيسا للدكتور ناصر بن عقيل بن جاسر الطريقي بعنوان: "تحقيق رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري وبيان ما تضمنته من توجيهات للقضاة" في مجلة البحوث الإسلامية العدد ١٤٠٦ - ١٧ - ١٤٠٧ (ص ١٩٦).
(٢) انظر بدائع الصنائع (ج ٦/ ص ٢٧١).
(٣) قال المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٤٣١) أثناء حكاية الخلاف في هذه المسألة: "وقال آخرون: لا تقبل شهادة من حد في خمر أو غير ذلك أصلا فهذا القول قد جاء عن عمر في تلك الرسالة المكذوبة: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا حدا أو مجربا عليه شهادة زور أَوْ ظنينا في ولاء أو قرابة وهو قول الحسن بن حي وقد قلنا: لا حجة في أحد دون رسول الله - ﷺ - ولا نص في رد شهادة من ذكرنا".
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وخالفوها أيضًا فيما فيها من أن نجعل للمدعي بينةً غائبةً أجلًا محدودًا، فلم يروا ذلك أصلًا.
واحتجوا بروايات عن بعض الصحابة لا يحكم الحاكم بعلمه (^١)، وخالفوها فقالوا كل ما علم بعد ولايته، فعليه أن يحكم به (^٢).
واحتجوا لقولهم: إن الشهود في الزنا إن لم يتموا أربعة في مجلس واحد، حُدُّوا حَدَّ القذف، بما روي من فعل عمر في أبي بكرة (^٣)،
وخالفوا عمر في هذه القضية نفسها في موضعين: أحدهما: استجلابهم من البصرة إلى المدينة، وهم لا يرون ذلك، والآخر: أن أبا بكرة لما تمّ جلده، وقام قال: (أشهد أن المغيرة زنى) فلم يحده عمر، وهم لا يجيزون هذا أصلًا، بل يرون إعادة الجلد عليه (^٤)، وهذا تلاعب منهم بالدين.
واحتجوا لقولهم الملعون: أن حكم الحاكم يُحلُّ ما حرم الله تعالى (^٥)، برواية عن علي أنه أتىَ بامرأة ادعى رجل نكاحها، وأنكرت هي، فشهد
_________________
(١) من هذه الروايات ما ذكره المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٤٢٧) من طريق الضحاك أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه فقال للطالب: "إن شئت شهدت ولم أقض وإن شئت قضيت ولم أشهد".
(٢) ذكر المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٤٢٧) عن أبي حنيفة ثم قال: " .. فنظرنا فيمن فرق بين ما علم قبل القضاء وما علم بعد القضاء فوجدناه قولا لا يؤيده قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة ولا قياس ولا أحد قاله قبل أبي حنيفة وما كان كذلك فهو باطل بلا شك".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) انظر: تحفة الفقهاء (ج ٣/ ص ٣٦٧ - ٣٦٨).
(٥) انظر حط المؤلف على الحنفية في قولهم هذا في المحلى (ج ٩/ ص ٤٢٢).
[ ٢ / ٧١٠ ]
شاهدان بصحة نكاحها، فقال لها عليٌّ: (أنكحك الشاهدان)، وليس في هذا من قولهم شيء أصلا، ولم يختلف اثنان في أن ما شهدت به البينة محكوم به على ظاهره، وأن الباطن إن كان بخلاف ذلك، فهو حرام على من علمه.
واحتجوا لقولهم: أن الولد يكون ابن اثنين، كل واحد منهما أبوه بقضية عمر وعلي (^١) في ذلك، وقد خالفوهما في هذه القضية نفسها لأنّ عمر إنما حكم في ذلك بقول القافة، وهم لا يجيزون حكم القافة أصلا (^٢)، ولأن عليًا قال لهما: (وَهُوَ للآخر منكما)، وهم لا يرون ذلك.
واحتجوا لقولهم: بقتل الساحر بأن حفصة قتلت مملوكة لها
_________________
(١) أما أثر عمر فأخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٣٨٣٧ (ج ٧/ ص ٤٤٩) وفيه قول عمر: "إنا نقوف الآثار". ونقوف معناه: نتبع الآثار. وأمَّا أثر علي فأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج ٢/ ص ٢٩٤) عن سماك عن مولى لبني مخزوم قال: وقع رجلان على جارية في طهر واحد فعلقت الجارية لم يدر من أيهما هو فأتيا عليا "فقال: هو بينكما يرثكما وترثانه وهو للباقي منكما" قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٣/ ص ٢٩١): وضعفه البيهقي وقال: يرويه سماك عن رجل مجهول لم يسمه، وقابوس وهو غير محتج به عن أبي ظبيان عن علي".
(٢) أثبت الحكم بالقافة عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وذهبت العترة والحنفية إلى أنه لا يعمل بقول القائف، بل يحكم بالولد الذي ادعاه اثنان لهما. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٣٥٨) ونيل الأوطار (ج ٦/ ص ٢٨٣) وقال المؤلف في المحلى (ج ٩/ ص ٤٣٥) بعد أن ساق مذهب الحنفية: " فمن العجب أن أبا حنيفة يخالف حكم رسول الله - ﷺ - الثابت عنه وينكر علما صحيحا معروف الوجه، ثم يرى أن يلحق الولد بأبوين كل واحد منهما، أبوه وبامرأتين كل واحدة منهما أمه فيأتي من ذلك بِمَا لا يعقل ولا جاء به قط قرآن ولا سنة".
[ ٢ / ٧١١ ]
سحرتها (^١): وخالفوها لأنها فعلت ذلك بغير علم الإمام، وهو حاضر لها ساكن بقربها، وهم لا يجيزون هذا (^٢).
واحتجوا لقولهم في دية المنقلة بأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت، وعلي وابن عمر، وخالفوهم في القضية نفسها، لأن الخبر عن أبي بكر فيه: (في الأذن خمسة عشر بعيرًا، كالمنقلة (^٣)، وهم لا يرون ذلك، وأما عمر وابن عمر، ففي خبرهما: (أن في منقلة الجسد سبع أبعرة، ونصف بعير، نصف منقلة الرأس (^٤)، وهم لا يرون ذلك، وأما علي وزيد، فعنهما في السمحاق أربعة أبعرة (^٥)، وهم لا يرون ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٨٩٨٠ (ج ٥/ ص ٥٦١) عن ابن عمر "أن جارية لحفصة سحرتها ووجدوا سحرها واعترفت به فأمر عبد الرحمن بن زيد فَقَتَلَها فبلغ ذلك عثمان فأنكره واشتد عليه فأتاه ابن عمر فأخبره أنها سحرتها واعترفت به ووجدوا سحرها فكأن عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه".
(٢) انظر المحلى (ج ١١/ ص ٣٩٤ - ٣٩٧) ونيل الأوطار (ج ٧/ ص ١٧٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٦٨٣٧ (ج ٥/ ص ٢٥٤) وفيه قال أبو بكر: "في الأذن خمس عشرة من أجل أنه لم يضر سمعا ويغطيها الشعر والعمامة".
(٤) أما خبر عمر فأخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٣٧٠ (ج ٩/ ص ٣١٨) عن عمرو بن شعيب قال قضى عمر بن الخطاب أن ما كانت من منقولة ينقل عظامها في العضد أو الذراع أو الساق أو الفخذ فهي نصف منقولة الرأس سبع قلائص ونصف". وأما خبر ابن عمر فلم أجده.
(٥) لم أجد خبر علي وزيد فيما بين يدي من مصادر والله أعلم والسمحاق هي التي تصل السمحاق وهي جلدة رقيقة بين اللحم وعظم الرأس انظر النهاية (ج ٢/ ص ٣٥٨) ومذهب الحنفية في المنقلة عشر الدية ونصف عشر الدية وفي السمحاق حكومة عدل وفي الأذن نصف الدية وانظر المختصر (ص ٢٣٨) والهداية (ج ٤/ ص ٥٢٦ - ٥٢٨) =
[ ٢ / ٧١٢ ]
واحتجوا بعمر وزيد وعلي في المأمومة (^١)، وخالفوهم، لأن عليا وزيدا رأيا في السمحاق في الخبر نفسه أربعة من الإبل (^٢)، ولعمري إن عمر يرى في مأمومة الجسد نصف دية مأمومة الرأس.
واحتجوا لقولهم: أنّ البالغ من الأولاد يقتص من قاتل أبيه، ولا ينتظر بلوغ الصغار (^٣) بفعل الحسن بن علي في قتله عبد الرحمن بن ملجم (^٤)، وخالفوه في القصة نفسها، فلم يجيزوا القود من متأول خارجيا كان أو غير خارجي، ولا شك عند أحد في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا، إلا متأولا على مذهب الخوارج.
_________________
(١) = واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٥٨).
(٢) أخرج عبد الرزاق برقم ١٧٣٦٣ (ج ٩/ ص ٣١٦) عن عمرو بن شعيب قال: في المأمومة ثلث العقل .. قال: وقضى عمر بن الخطاب بمثل ذلك وأخرج نحوه البيهقي في الكبرى (ج ٨/ ص ٨٣). وأخرج عبد الرزاق برقم ١٧٣٦٢ (ج ٩/ ص ٣١٦) عن زيد بن ثابت قال "في المأمومة ثلث الدية .. " وأخرج أيضا برقم ١٧٣٥٦ (ج ٩/ ص ٣١٦) عن علي قال: "في المأمومة ثلث الدية.
(٣) لم أجد ذلك متصلا بالخبر السابق، وأخرج عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٣٤٠ (ج ٩/ ص ٣١٢) عن جابر بن عبد الله بن نجي "أن عليا قضى في السمحاق - وهي الملطأة - بأربع من الإبل". وأخرج أيضا برقم ١٧٣٤٢ (ج ٩/ ص ٣١٢) عن زيد بن ثابت: قال: "في الدامية بعير وفي الباضعة بعيران وفي المتلاحمة ثلاث وفي السمحاق أربع".
(٤) انظر بدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٢٤٣).
(٥) خبر الاقتصاص من عبد الرحمن بن ملجم أخرجه ابن سعد في الطبقات (ج ٣/ ص ٢٣).
[ ٢ / ٧١٣ ]
واحتجوا لقولهم أنّ الجاني خطأً يغرم مع عاقلته الدية (^١) بقول عمر للمعترف بقتل الخطأ: (الدية عليك وعلى قومك)، وخالفوه فقالوا: لا تغرم العاقلة (^٢) اعترافًا.
ومثل هذا كثير جدا لو تُتُبِّعَ، لاسْتَوْعَبَ عامة تمويههم بالاحتجاج بالصحابة وبالله تعالى التوفيق، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله تعالى به خيرا وبالله تعالى (^٣) نتأيد.
* * *
_________________
(١) انظر الهداية (ج ٤/ ص ٥٧٦).
(٢) قال الحنفية لا تعقل العاقلة الجناية التي اعترف بها الجاني إلا أن يصدقوه ولا تعقل ما لزم بالصلح وانظر: الباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٨٠).
(٣) سقطت: "تعالى" من (ت).
[ ٢ / ٧١٤ ]