قال أبو محمد:
احتجوا لمذهبهم الفاسد في أنه لا يجوز الوضوء، ولا الغسل بماء قد تَؤَضَّأَ فيه مُسلم، أو اغتسل به مسلم، بالخبر الثابت عن رسول الله في "أن لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (^١). وروي في هذا الخبر زيادة لم يُسَمَّ الذي رواها: "ولا تتوضأ المرأة بفضل طهور الرجل" (^٢)، وهم
_________________
(١) = علينا التوقف عن قبول خبره، وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله، وسواء قال الراوي العدل: حدثنا الثقة أو لم يقل، لا يجب أن يلتفت إلى ذلك إذ قد يكون عنده ثقة مَنْ لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره ". ثم التفت إلى الآخذين بالمرسل فقال: "والمخالفون لنا في قبول المرسل هم أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وهم أترك خلق الله للمرسل إذا خالف مذهب صاحبهم ورأيه ".
(٢) أخرجه الطيالسي في مسنده برقم ١٢٥٢، ومن طريقه: أبو داود في الطهارة، باب الوضوء بفضل وضوء المرأة برقم ٨٢، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة برقم ٦٤ وحسنه، والنسائي في الصغرى كتاب الطهارة، باب النهي عن فضل وضوء المرأة (ج ١/ ص ١٧٩)، وابن ماجه في الطهارة باب النهي عن ذلك برقم ٣٧٣ و٣٧٤، وابن حزم في المحلى (ج ١/ ص ٢١٢) عن الحكم بن عمرو، هو الأقرع. الغفاري. وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في المصنف، حديث رقم ٣٥٤. وأحمد في المسند برقم ٢٠٥٣٣. قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (ج ١/ ص ٤٤): "وإسناده صحيح، وأعله بعض الأئمة بما لا يقدح".
(٣) هذه الزيادة أخرجها أبو داود في الطهارة، باب النهي عن ذلك. يعني عن اغتسال =
[ ١ / ٣٥٤ ]
يجيزون للرجل أن يتوضأ للصلاة، ويغتسل من الجنابة بفضل وضوء المرأة للصلاة: وبفضل غسلها من الجنابة، ويجيزون كل ذلك للمرأة بفضل طهور الرجل، فخالفوا أمر رسول الله في نص هذا الخبر (^١).
قال أبو محمد: وقد أفسدوا (^٢) -ولله الحمد- ما احتجوا به في الباطل الذي ليس منه في الخبر أثر، ولا إشارة، ولا مدخل بوجه من الوجوه، وفضل الطهور بيقين هو غير الطهور، لِأَنَّ، الطهور هو الماء الذي استعمل في الطهور، والفضل هو الذي بقي عَنْه في الإناء، فاعجبوا لهذه العظائم واسألوا الله العافية.
واحتجوا بالخبر الساقط من طريق ابن جريج (^٣) عن
_________________
(١) = الرجل بفضل المرأة. حديث رقم ٨١، قال الحافظ في بلوغ المرام: "وإسناده صحيح" قال الصنعاني في سبل السلام (ج ١/ ص ٢١): " [هذا] إشارة إلى رد قول البيهقي حيث قال: "إنه في معنى المرسل أو إلى قول ابن حزم حيث قال: إن أحد رواته ضعيف، أما الأول وهو كونه في معنى المرسل فلأن إبهام الصحابي لا يضر، لأن الصحابة كلهم عدول عند المحدثين، وأما الثاني: فلأنه أراد ابن حزم بالضعيف داود بن عبد الله الأودي وهو ثقة ".
(٢) في الوضوء بماء مستعمل في الوضوء عن أبي حنيفة روايات: فقد روي عنه أن الماء نجس نجاسة غليظة. وقال أبو يوسف: هو نجس نجاسة خفيفة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وروى محمد عن أبي حنيفة وهو قوله أنه طاهر غير طهور. وانظر: المبسوط (ج ١/ ص ٤٦) والمجموع للنووي (ج ١/ ص ١٥١) والمغني لابن قدامة (ج ١/ ص ١٦) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٤).
(٣) غير واضحة في النُّسخة التونسية واستظهرت منها ما أثبته والله أعلم.
(٤) هو الفقيه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. بضم أوله- أبو الوليد وأبو خالد، عن ابن أبي مليكة مرسلًا وعن طاووس ومجاهد ونافع وخلق، وَرَوَى عنه يحيي بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي والسفيانان، كان فقيها قارئا عالما بالشعر والنسب ثقة، ربما دلس. أخرج =
[ ١ / ٣٥٥ ]
أبيه (^١) أن النبي -ﷺ- قال: "الوضوء من القيء، وإن كان قلسًا يَقْلِسُه أحدكم، فليتوضأ، وأمر بالبناء في الصلاة على ما صلى" (^٢).
ومن طريق إسماعيل بن عياش (^٣) عن ابن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة (^٤) عن عائشة أن رسول الله قال: "إذا قاء أحدكم، أو قلس فليتوضأ، وَلْيَبْنِ على ما مضى، ما لم يتكلم" (^٥).
_________________
(١) = له الستة، توفي سنة ١٥٠ هـ. انظر: تاريخ أبي زرعة (ج ١/ ص ٢٥٢) وتاريخ الذهبي (ص ٢١٠) وفيات سنة ١٤ هـ ١٦٠ هـ، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣٤٤).
(٢) هو عبد العزيز بن جريج المكي، روى عن عائشة، قال العجلي: "لم يسمع منها"، وعنه ابنه عبد الملك، قال البخاري: "لا يتابع في حديثه". وذكره ابن حبان في الثقات. وأخطأ خصيف فصرح بسماعه من عائشة. أخرج له الأربعة. ولم أقف على وفاته. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٤٥٨) وتقريب التهذيب (ص ٣٥٦) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٣٩).
(٣) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن (ج ١/ ص ١٥٤) بلفظ: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس، فلينصرف فليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم".
(٤) هو إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي أبو عتبة الحمصي. روى عن شرحبيل بن مسلم، وتميم بن عطية، وزيد بن أسلم وخلق، وعنه الثوري والأعمش وأبو اليمان وأمم، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في غيرهم. توفي سنة ١٨١ هـ. أخرج له الأربعة. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (ج ١/ ص ٣٦٩) والكامل لابن عدي (ج ١/ ص ٢٨٨) وميزان الاعتدال (ج ١/ ص ٢٤٠).
(٥) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي المكي أبو بكر، روى عن عائشة وأم سلمة وأسماء وابن عباس وأدرك ثلاثين من الصحابة، روى عنه ابنه يحيي وعطاء وعمرو بن دينار وثقه أبو حاتم وأبو زرعة مات سنة ١١٧ هـ. أخرج له الستة. انظر: التاريخ الكبير (ج ٣/ ص ١٣٧) والثقات (ج ٥/ ص ٢) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٢٠٥).
(٦) تقدم تخريجه (ص ٣١٩).
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومن طريق يعيش بن الوليد (^١) عن خالد بن مَعْدان (^٢) عن أبي الدرداء قال: "استقاء رسول الله وأفطر، وأتي بماء فتوضأ" (^٣) فقالوا: لا وضوء من القيء ولا من قَلَسٍ (^٤) إلا أن يكونا ملء الفم (^٥)، وهذا خلافٌ للأخبار التي احتجوا بها على سقوطها كلها. ثم أمروا بالبناء
_________________
(١) هو يعيش بن الوليد بن هشام الأموي المعيطي، نزيل الجزيرة، روى عن أبيه ومعاوية وعنه يحيى بن أبي كثير والأوزاعي، قال العجلي والنسائي: "ثقة". ووثقه أيضا ابن حبان. أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. لم أقف على وفاته. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٦/ ص ٢٥٦) وتقريب التهذيب (ص ٦١٠) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٤٢).
(٢) خالد بن معدان. بفتح أوله وسكون ثانيه. الكلاعي أبو عبد الله الحمصي، عن جماعة من الصحابة مرسلا، وعن معاوية وطائفة. وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، ثقة عابد يدلس كثيرا. أخرج له الستة. توفي سنة ١٠٣ هـ. وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف (ج ١/ ص ٢٠٨) وتقريب التهذيب (ص ١٩٠) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٠٣).
(٣) أخرجه أبو داود في الصوم باب الصائم يستقيء عامدا برقم ٢٣٨١، والترمذي في الوضوء باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف برقم ٨٧، والدارقطني في الطهارة باب في الوضوء من الخارج من البدن (ج ١/ ص ١٥٨)، والبيهقي في الكبرى (ج ١/ ص ١٤٤)، والحاكم في المستدرك في الصوم برقم ١٥٥٣ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". وابن الجارود في المنتقى برقم ٨. عن يعيش عن أبيه عن معدان بن أبي طلحة. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ١/ ص ٤١): " وأعله الخصم باضطراب وقع فيه، فإن معمرا رواه عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي، وأجيب بأن اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره". قلت: ومن هذا الطريق المضطرب ذكره المصنف هنا.
(٤) القلس: ما خرج من الحلق ملء الفم، أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو قيء. وانظر: القاموس المحيط مادة قلس (٧٣١).
(٥) ينقض الوضوء عند الحنفية بالقيء الذي يكون ملء الفم، وإذا لم يكن كذلك لم ينتقض الوضوء، قالوا: ولا فرق بين أن يكون القيء طعاما، أو ماء صافيا، أو مرة صفراء أو =
[ ١ / ٣٥٧ ]
من الحدث -البول والغائط والريح- وإنه قَلَّ كل ذلك في الصلاة، وليس هذا في الخبر أصْلًا، فَخَالَفُوه فيما فيه، واحتجوا به فيما ليس فيه منه أثرٌ.
ثم فرقوا بين سهو الحدث وغلبته، فرأوا البناء في غلبته، لا في سهوه، وكلاهما ينقض الوضوء، وهذا كما ترون، ثم فرقوا بين غلبة الحدث -كما ترى- وبين من نام في صلاته، فأحدث فلم يجيزوا له البناء عليها أصلًا، وفرقوا بين القليل من بعض الأحداث، وبين القليل من بعضها (^١).
واحتجوا أيضًا في مذهبهم الفاسد الذي ذكرناه آنفًا - من أنه لا يجزئ الوضوء بماء قد توضأ به مسلم، أو اغتسل به من الجنابة مسلمٌ طاهر الأعضاء كلها، بالخبر الثابت عن رسول الله -ﷺ- في نهيه الجنب عن أن يغتسل في الماء الدائم (^٢).
_________________
(١) = سوداء أو غيرها. وانظر: تحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ١٩) والمحلى (ج ١/ ص ٢٥٥).
(٢) انظر تفاصيل هذه المسائل في: المبسوط (ج ١/ ص ٧٩ و٨٣)، وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٤٦) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢٢٠) وأسرف المؤلف في المحلى (ج ١/ ص ٢٥٧) في رد قول أبي حنيفة في التفرقة بين قليل بعض هذه الأحداث، وكثيرها، فقال: " مثل هذا لا يقبل -ولا كرامة- إلا من رسول الله -ﷺ- المبلغ عن خالقنا ورازقنا تعالى أمره، ونهيه، وأما من أحد دونه، فهو هذيان وتخليط كتخليط المبرسم، وأقوال مقطوع على أنه لم يقلها أحد قبل أبي حنيفة، ولم يؤيدها معقول، ولا نص، ولا قياس ".
(٣) يشير المؤلف إلى حديث أبي هريرة قال: قال النبي -ﷺ-: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه". أخرجه البخاري في الوضوء. باب البول في الماء الدائم برقم ٢٣٩: ومسلم في الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (ج ١/ ص ١٨٧)، والترمذي في الطهارة باب ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد برقم ٦٨، وابن ماجه في الطهارة باب النهي عن البول في الماء الراكد برقم ٣٤٤، والدارمي في الطهارة باب الوضوء من الماء الراكد برقم ٧٣١.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وكلُّ ذي مسكة من عقلٍ يدري أنه ليس في هذا الخبر من ذلك أثر، ولا دليل.
فقالوا: إنما نهى رسول الله عن ذلك لئلا يصير ماء مستعملًا، فقلنا: وَمَنْ أنباكم هذا، وما قال قَطُّ مسلمٌ أن رسول الله قال إنما نهيت عن ذلك خوف أن يصير الماء مستعملًا، ولا قال ذلك قط أحد من الصحابة، وهذا منكم كذب بَحْتٌ إن قطعتم به على رسول الله، وتقويل له ما لم يقل، وقد أخبر ﵇ أَنَّ مَنْ كذب عليه، أو تَقَوَّلَ عليه ما لم يقل ولج النار (^١).
فإن لم تقطعوا به، فهو حكمُ بالظن منكم، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: من الآية ٢٨] وصح عنه ﵇ من طريق مالك عن أبي الزناد (^٢) عن الأعرج (^٣) عن
_________________
(١) أخرجه البخارى في العلم، باب إثم من كذب على النبي -ﷺ-. برقم ١٠٦. وابن ماجه في مقدمة السنن برقم ٣١، والدارمي في مقدمة السنن برقم ٢٣٥ و٢٣٦، وأحمد في المسند (ج ١/ ص ٦٥) والطيالسي في مسنده حديث رقم ٧٠ و١٠٧.
(٢) هو عبد الله بن ذكوان المدني أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد لقب له، روى عن أنس وابن عمر وعمر بن أبي سلمة مرسلا، وعن الأعرج فأكثر، وابن المسيب، وعنه أمم كثيرون، انعقد الإجماع على توثيقه وجلالته، أخرج له الستة. توفي سنة ١٣١ هـ وقيل في التي قبلها. انظر: الجرح والتعديل (ج ٥/ ص ٤٩) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (ج ٧/ ص ٣٨٥): وتهذيب التهذيب (ج ٥/ ص ٢٠٣) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٩٦).
(٣) هو الحافظ المقرئ عبد الرحمن بن هرمز. والأعرج لقب له. الهاشمي المدني سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري وجماعة، وحدث عنه الزهري وأبو الزناد وآخرون، كان ثقة ثبتا عالما مقرئا نحويا، نسابة، مبرزا في القرآن والسنة، توفي سنة ١١٧ هـ. أخرج له الستة. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٢٨٣)، والتاريخ الكبير (ج ٥/ ص ٣٦٠)، والأنساب (ج ١/ ص ٣١٢)، وتذكرة الحفاظ (ج ١/ ص ٩٧)، وطبقات الحفاظ (ص ٣٨).
[ ١ / ٣٥٩ ]
أبي هريرة قال ﵇: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (^١).
وقد عارضكم الشافعيون بظن كظنكم، فقالوا إنما نهى ﵇ عن ذلك، لئلا يخرج من إحليله شيء يُنَجِّسُ الماء (^٢)، فمن جعل دعواكم أو ظنكم أَوْلَى من دعوى غيركم أو ظنه؟
ثم إنكم في ذلك مُجاهرُون بالمحال البَحْت، لأنه لو كان النهي المذكور خوف أن يصير الماء مستعملًا لَمَا صح لأحد غُسل، ولا وضوء أبدًا، لأنَّه متى أخذ الماء وصبه على ذراعه، أو صدره، أو رأسه صار مستعملًا بيقين المشاهدة في الوقت، فَبَسْطُهُ على باقي العضو، يطهر بماء مُسْتَعْمِلٍ، فظهر بَرْدُ كذبكم، وغثاثةُ ظنكم، وفسادُ قولكم.
ثم تناقضوا من قريب، فقال محمد بن الحسن (^٣)، في الجنب الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾. برقم ٦٠٦٦. ومالك في الموطأ برقم ١٦٨٤ (ص ٦٠٦)، وأبو داود في الأدب، باب الظن برقم ٤٩١٧، والترمذي باب ما جاء في ظن السوء برقم ٢٠٥٥ وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٢) حكى المصنف في المحلى (ج ١/ ص ١٨٦) مذهب الشافعية في هذه المسألة، وفسره بنحو هذا التفسير.
(٣) محمد بن الحسن الشيباني مولاهم الكوفي المنشأ القاضي، ولد بواسط. وسمع أبا حنيفة ومالك ابن مغول، وطائفة، ثم تفقه على أبي يوسف، وصف الكتب الكثيرة، وبث علم أبي حنيفة، وكان فصيحا من أذكياء العالم. توفي سنة ١٨٩ هـ. من تآليفه: الجامع الصغير والكبير. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (ج ٧/ ص ٢٢٧) وسير أعلام النبلاء (ج ٩/ ص ١٣٤) والفوائد البهية (ص ١٦٣).
[ ١ / ٣٦٠ ]
لا نجاسة على شيء من أعضائه ينغمس في البئر، ولا ينوي بذلك غُسل الجنابة أنه قد طهر من الجنابة، ولم يصر بذلك ماء البئر مستعملًا.
وقال أبو يوسف (^١): لا يطْهُرُ بذلك، ولا يصير الماء مستعملًا (^٢).
وهم لا يختلفون في أنَّ مَنْ مس الماءُ جسده كلَّه لا ينوي بذلك طُهْرًا أنه قد طهر وأجزأه (^٣).
فترك أبو يوسف ههنا هذا الأصل تناقضًا منه، ولا يختلفون في أن الماء المتطهر به مستعمل لا يحل الوضوء به ولا الغسل.
_________________
(١) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري أبو يوسف القاضي، سمع أبا إسحاق الشيباني وسليمان التيمي ويحي الأنصاري وتلك الطبقة، وجالس ابن أبي ليلى وأبا حنيفة، وغلب عليه ولزمه، وكان فقيها عالما حافظا، تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء. من تآليفه: "الأمالي". توفي سنة ١٨٢ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (ج ١٤/ ص ٢٤٢ - ٢٤٣) والانتقاء لابن عبد البر (ص ١٧٢) ووفيات الأعيان (ج ٦/ ص ٣٧٨ - ٣٩٠) وتاج التراجم (ص ٣١٥ - ٣١٦).
(٢) تعرف هذه المسألة التي ذكرها المؤلف هُنا بمسألة البئر، والحنفيون يقولون فيها: "ومسألة البئر جحط". يشيرون بالجيم إلى ما قال أبو حنيفة أن الرجل والماء نجسان، وبالحاء إلى ما قال أبو يوسف أنهما بحالهما، وبالطاء إلى ما قال محمد بن الحسن من طهارتهما. وانظر توجيه كل قول ورواية في: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٥) ورد المحتار لابن عابدين (ج ١/ ص ١٣٤). وشفع المؤلف في المحلى (ج ١/ ص ١٨٥) على أقوال أبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة أشد تشنيع وقال: "وهذه أقوال هي إلى الهوس أقرب منها الى ما يعقل" وهذا من إسرافه ﵀.
(٣) انظر: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٣) والمحلى (ج ١/ ص ٧٣ - ٧٤) حيث عد الحنفية النية سنة، في الغسل والوضوء،
[ ١ / ٣٦١ ]
وقد جعل محمد بن الحسن -ههنا- الماء المتطهر به المزيل لحكم الجنابة غير مستعمل، فترك هذا الأصل أيضًا تناقضًا منه.
فإن قالوا: فلأي شيء نهى النبي -ﷺ- عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ولا يسأل مُسْلِمٌ ربه تعالى لِمَ أمرت بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا (^١)، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد.
واحتجوا أيْضا لهذا المذهب الفاسد بما روي عن رسول الله -ﷺ- في تحريمه الصدقة على بني هاشم، وروي أنه قال: "يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غُسالة أيدي الناس" (^٢). يعني الزكوات.
قال أبو محمد: فكان هذا عجبًا. ودليلًا على قلة حياء المحتج بهذا
_________________
(١) وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة الآية رقم ٣: "حرمت عليكم الميتة، والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به".
(٢) أخرجه مسلم في الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله -ﷺ- (ج ٧/ ص ١٨١) في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعا، ولفظه: "إن هذه الصدقات، إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تَحِلُّ لمحمد، ولا لآل محمد". وأخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد عن ابن عباس وفيه: "إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصَّدقات شيء إنما هي غسالة الأيدي، وإن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم". قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٣/ ص ٩١): "وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن".
[ ١ / ٣٦٢ ]
في تحريمه الماء المتوضأ به، أو المغتسل به، وعلى فساد دينه -ونعوذ بالله من البلاء- من وجوه:
أحدها: أنَّهم مقرون بأن هذا الحكم لا يتعدى بني عبد المطلب إلى غيرهم، ثم احتجوا به في مَنْعِ جميع أهل الإسلام من الماء المتوضأ به، أو المغتسل به من الجنابة.
وثانيها: أَنَّ غُسالة (^١) أيدي الناس عندهم حلال لبني عبد المطلب، الوضوء بها للصلاة، والغسل منها للجنابة، وشربها، وهذا خلافٌ مجردٌ للخبر الذي احتجوا به تمويهًا، وإيهامًا وغِشًا للضعفاء المغترين بهم.
وثالثها: أنَّ غُسالة أيدي الناس عندهم حلال لكل مُسْلم شُرْبُه، والوضوءُ به للصلاة، والغُسل به للجنابة، وإنما تحرم عندهم إذا نوى بذلك الوضوء للصلاة أو غسل الجنابة، بعد أن يستوعب بالغُسل جميع بدنه، لا بعضه، وليس في الخبر المذكور من هذا كله أثر، ولا إشارة ولا معنى، ونعوذ بالله من الضلال.
واحتجوا أيضًا في ذلك بما رُوي عن عمر أنه قاله لأسلم (^٢) مولاه: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء، أكنت شاربه". وهذا لا يصح عن
_________________
(١) غسالة كل شيء بالضم: ماؤه الذي يغسل به، وما يخرج منه بالغسل. انظر القاموس المحيط مادة غسل (ص ١٣٤٢).
(٢) أسلم مولى عمر من سبي عين التمر، وقيل حبشي مخضرم، روى عن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وروى عنه ابنه زيد بن مسلم. قال أبو زرعة: "ثقة". توفي سنة ٨٠ هـ. أخرج له الستة. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ١٠) وتاريخ البخاري (ج ٢/ ص ٢٣) وتقريب التهذيب (ص ١٠٤) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣١).
[ ١ / ٣٦٣ ]
عمر أصلًا، وإنما هو خبر رويناه عن مالك عن زيد بن أسلم (^١) عن أبيه قال: "قال لي عبد الله بن الأرقم (^٢): "أدللني على بعير من المطايا، أستحمل عليه أمير المؤمنين". فقلت: نعم، جمل من الصدقة، قال: فقال لي عبد الله بن الأرقم: "أتحب لو أن رجلًا باديًا في يوم حَارٍّ غسل لك ما تحت إزاره، ورُفغه ثم أعطاكه، فشربته إنما الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم" (^٣).
ثم لَوْ صَحَّ عن عمر ما ذُكر، لما كان فيه حجة، وقد خالفوه لأنهم في أحد قَوْلَيْهمْ يبيحون شرب الماء الذي تُوضئ، أو اغتُسل به من جنابة، وهذا خلاف ما ذكروا عن عمر، لأن عمر لم ينه في الخبر المذكور عن الوضوء، مما قد تُوضئ به، ولا عن الغسل للجنابة به، إنما كره شربه، وقد يُتَوضَّأُ بما لا يُشرب كماء البحر، وماءٍ وقع فيه سُم، فيتوضأ الصائم بالماء، ولا يحل له شربه، فظهر فساد ما يأتون
_________________
(١) زيد بن أسلم أبو عبد الله العمري المدني الفقيه، روى عن مولاه ابن عمر، وعطاء بن يسار، وعلي بن الحسين، وعنه مالك، وهشام بن سعد والسفيانان وخلق، وثقه غير واحد، ووصفوه بالإتقان، توفي سنة ١٣٦ هـ. أخرج له الجماعة. انظر: تاريخ البخاري (ج ٣/ ص ٢٨٧) والجرح والتعديل (ج ٣/ ص ٥٥) وطبقات علماء الحديث (ج ١/ ص ٢١٠ - ٢١١).
(٢) عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب الزهري من مسلمة الفتح، كتب للنبي -ﷺ- ولأبي بكر وعمر، له أحاديث، روى عنه أسلم العدوي، وعروة. أخرج له الأربعة. وانظر: تجريد أسماء الصحابة (ج ١/ ص ٢٩٦) وتهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٩٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٩١).
(٣) لم أجده فيما بين يدي من مصادر.
[ ١ / ٣٦٤ ]
به، وما توفيقنا إلا بالله تعالى، وأيضًا فَعُمَرُ وابن الأرقم ليسا ممن تحرم عليهما الصدقة المبتدأة، ولا حظ لهما في سبيل الله تعالى منها لو أُعطياه.
واحتجوا لمذهبهم الفاسد في أن الماء يحرم شربه والتطهر به، وَيَتَنَجَّسُ بما حل فيه من النجاسات، وإن لم يظهر لها فيه أثر - بالآثار الثابتة عن رسول الله -ﷺ-: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، أن يُغسل سَبْعَ مرات، أولاهن بالتراب" (^١)، و"إذا استيقظ أحدكم
_________________
(١) أخرجه البخاري في الوضوء باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان برقم ١٧٢ ومسلم في الطهارة باب حكم ولوغ الكلب (ج ١/ ص ١٨٣) ومالك في الموطأ برقم ٣٥. والنسائي في الصغرى باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب (ج ١/ ص ٥٤) وابن ماجه في الطهارة، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب برقم ٣٦٣، والترمذي في الطهارة باب ما جاء في سؤر الكلب حديث رقم ٩١، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا". قال الحافظ في الفتح (ج ١/ ص ٢٧٥): " واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب فلمسلم وغيره من طريق هشام بن حسان عنه: "أولاهن"، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وكذا في رواية أبي رافع المذكورة، واختلف عن قتادة عن ابن سيرين فقال سعيد بن بشير عنه: "أولاهن" أيضا أخرجه الدارقطني: وقال أبان عن قتادة: "السابعة"، أخرجه أبو داود وللشافعي عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين: "أولاهن أو إحداهن" وفي رواية السدي عن البزار: "إحداهن"، وكذا في رواية هشام بن عروة عن أبي الزناد عنه، فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: إحداهن مبهمة، وأولاهن والسابعة معينة، و"أو" إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير فمقتضى حمل المطلق على المقيد أن يحمل على أحدهما، لأن فيه زيادة على الرواية المعينة وإن كانت "أو شكا من الراوي، فرواية مَنْ عين ومن لم يشك أولى من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن، ورواية السابعة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى أيضا، لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه ".
[ ١ / ٣٦٥ ]
من نومه، فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (^١)، و"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ فيه" (^٢).
وليس في شيء من هذه الآثارأن الماء ينجس بشيء مما حله (^٣)، ثم خالفوها كلها فيما أمر به ﵇ فيها جهارًا، فقالوا: لا معنى لغسل الإناء من وُلُوغ الكلب فيه سبعًا، ولا بالتراب، وهذا لا معنى له (^٤): وليس على القائم من نومه أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخَالها في وضوئه، بل إنْ أدخلها في الوضوء كما هي، فلا حرج في ذلك، ولا يضر ذلك ماء وضوئه شيئًا، فإن تيقن في يده نجاسةً فَغَسْلَةٌ واحدة تكفيه، ولا معنى لغسلها ثلاث مرات، ومن بال في ماء دائم إذا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الوضوء باب الإستجمار وترا برقم ١٦٢، ومسلم في الطهارة باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا (ج ١/ ص ١٧٨) وأبو داود في الطهارة باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها برقم ١٠٣، والترمذي في الطهارة باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها برقم ٢٤ وابن ماجه في الطهارة باب الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يَدَهُ في الإناء قبل أن يغسلها برقم ٣٩٣ من حديث أبي هريرة.
(٢) سبق تخريجه (ص ٣٥٨).
(٣) انظر تفاصيل مذهب الحنفية في هذه المسألة في: تحفة الفقهاء (ج ١/ ص ٥٦ - ٥٨) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢١ - ٢٣) والمحلى (ج ١/ ص ١٤٣ - ١٤٤).
(٤) ولذلك قال الحنفية إن الإناء يطهر بغسله ثلاثا، واحتجوا بأدلة سيذكر المؤلف بعضها فيما يأتي. وانظر: شرح معاني الآثار (ج ١/ ص ٢٣) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣٢) والمحلى (ج ١/ ص ١١٤) وفتح الباري (ج ١/ ص ٢٧٧) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٨٧) والهداية (ج ١/ ص ٢٤ و٣٩).
[ ١ / ٣٦٦ ]
حُرِّكَ أحدُ أطرافه لم يتحرك الآخر، فلا حرج عليه في أن يتوضأ منه ويغتسل (^١)، فكيف ترون؟ !
رحم اللهُ أئمة الحديث، القائلين إن أصحاب أبي حنيفة يكيدون الإسلام (^٢).
واحتجوا أيضًا لهذا المذهب الفاسد، بالمرسل الذي لا يصح من أنه ﵇ أمر بحفر التراب الذي بال فيه الأعرابي في المسجد (^٣)، وهم لا يقولون بهذا، بل يقولون يُترك حتى يَيْبَسَ البولُ
_________________
(١) قال السمرقندي الحنفي في بيان هذه المسألة: "قال أصحاب الظواهر بأن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه كيفما كان لقوله ﵊: "الماء طهور لا ينجسه شيء، وقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلا ينجس، وإن كان كثيرا لا ينجس واختلفوا في الحد الفاصل بينهما وقال علماؤنا: إن كان الماء بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل، وإن كان لا يخلص بعضه إلى بعض فهو كثير، واختلفوا في تفسير الخلوص: اتفقت الروايات عن أصحابنا المتقدمين أنه يعتبر بالتحريك. فإن تحرك طرف منه بتحريك الجانب الآخر، فهذا مما يخلص، وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص". وانظر: تحفة الفقهاء (ج ١ / ص ٥٦ - ٥٧) وشرح معاني الآثار (ج ١ / ص ١٥) والمحلى (ج ١ / ص ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) هذا إفراط من المؤلف وغلو، وما نُقل عن بعض أئمة أصحاب الحديث، فعلى فرض صحته، له محامل يمكن أن يُخرِّج عليها.
(٣) أصل هذا الحديث في الصحيحين، وسيذكره المؤلف بعد حين، وأما المرسل الوارد فيه: فأخرجه أبو داود في الطهارة باب الأرض يعيبها البول برقم ٣٨١ عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي وذكره وفيه: "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء". قال أبو داود: "وهو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي -ﷺ-". وأخرجه من طريقه الدارقطني في الطهارة، باب في طهارة الأرض من البول (ج ١ / ص ١٣٢). وقال ابن الجوزي في التحقيق (ج ١ / ص ٧٨): وقال أحمد: "هذا حديث منكر".
[ ١ / ٣٦٧ ]
فتطهر الأرض بذلك بلا صب ماء ولا حَفْرٍ (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد في البئر تقع فيه الفأرة، أو العصفور الحَيَّانِ، أو يموت أحدهما فيه، ولم ينتفخا، ولا انفسخا أنَّه يُطَهِّرُهَا أنْ يُنزح منها عشرون دَلْوًا، فإن وقعت فيها دجاجة، أو بقرة مَيِّتان أوْ مات أحدهما فيها، ولم ينتفخا ولا انفسخا أنَّهُ يُطَهِّرُهَا أن يُنزح منها أربعون دلوًا، فإن انفسخ شيء من ذلك أو انتفخ، أو وقعت في البئر شاة ميتة، أو ماتت فيها نُزحت البئر حتى يغلبهم الماء - بالرواية عن علي في بئر وقعت فيه فأرة، فماتت قال: "يُنزح ماؤها" (^٢).
_________________
(١) تَعَلَّلَ الأحناف بقولهم أن الأرض من طبعها أن تحيل الأشياء، وتنقلها إلى طبعها، فتطهر بالاستحالة. انظر: تحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٧١) وتبيين الحقائق (ج ١ / ص ٧٢) وبدائع الصنائع (ج ١ / ص ٦٦) والمغني لابن قدامة (ج ١ / ص ٤٩) والتحقيق لابن الجوزي (ج ١ / ص ٧٥). وقال الحافظ في الفتح (ج ١ / ص ٣٢٥) بعدما أشار إلى مذهب الحنفية، وما استدلوا به من الخبر المرسل " وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد مطلقا ".
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج ١ / ص ١٧) عن عطاء عن ميسرة وذاذان عن علي، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٢٧٣ (ج ١ / ص ٨٢) عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال وذكره. ومن هذه الطريق أخرجه البيهقي في الكبرى، كتاب الطهارة باب ما جاء في نزح زمزم برقم ١٢٧٠ (ج ١ / ص ٤٠٤) وفي معرفة السنن (ج ١ / ص ٢٦٨) وقال: "وهذا أيضا منقطع".
[ ١ / ٣٦٨ ]
وبما رواه سفيان عن زكريا (^١) عن الشعبي (^٢) في الطير ونحوه، يقع في البئر قال: "ينزح منها أربعون دلوًا" (^٣).
وبِمَا رَوَاهُ سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة (^٤) عن إبراهيم (^٥) في البئر يقع فيها الجُرذ فتموت فيها: قال: "ينزح منها
_________________
(١) زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي أبو يحيى الكوفي الحافظ روى عن الشعبي وسماك وأبي إسحاق، وعنه: شعبة والقطان وإسحاق الأزرق ووكيع، وثقه أحمد وأبو داود وقال: "يدلس". توفي سنة ١٤٨ هـ. أخرج له الجماعة. انظر: ثقات ابن شاهين (ص ١٣٨) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٩٥) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٢٢).
(٢) هو الحافظ الإمام عامر بن شراحيل الحميري الشعبي أبو عمر الكوفي، روى عن عمر وعلي وابن مسعود ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة وعائشة وجرير وابن عباس وخلق وعنه ابن سيرين والأعمش وشعبة وأمم سواهم، أجمعوا على جلالته وثقته وتقدمه في هذا الشأن. توفي سنة ١٠٤ هـ وقيل غير ذلك. أخرج له الستة. انظر: الثقات لابن حبان (ج ٥/ ص ١٨٥) وتاريخ بغداد (ج ١٢/ ص ١٢٧) وتذكرة الحفاظ (ج ١ / ص ٧٩ و٨٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٨٤).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج ١ / ص ١٧) هكذا. ولعل المؤلف ساقه منه، وعلقه البيهقي في معرفة السنن (ج ١ / ص ٣٣٥).
(٤) المغيرة بن مقسم الضبي مولاهم أبو هاشم الكلبي الفقيه، روى عن أبيه وأبي وائل وإبراهيم النخعي والشعبي ومجاهد وطائفة، وعن سليمان التيمي وشعبة والثوري وآخرون، قال ابن معين: "ثقة مأمون" وقال العجلي: "مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم فإذا وُقف أخبرهم ممن سمعه". توفي سنة ١٣٦ هـ وقيل غير ذلك. أخرج له الستة، انظر: ثقات ابن شاهين (ص ٣٠٢) وميزان الاعتدال (ج ٤/ ص ١٦٥) وتهذيب التهذيب (ج ٥/ ص ٥١٦ - ٥١٧) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣٨٥).
(٥) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي. بفتح أوله والثاني. أبو عمران الكوفي الفقيه روى عن علقمة ومسروق والأسود وطائفة، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسماك بن حرب والأعمش وخلق، وثقه غير واحد. أخرج له الستة. توفي سنة ٩٥ هـ. انظر: =
[ ١ / ٣٦٩ ]
أربعون دلوًا" (^١).
قال أبو محمد: فاعجبوا لهذه الفضائح، عليٌّ يقول في الفأرة تنزح البئر، ولم يشترط انتفاخًا ولا انفساخًا، وإبراهيم يقول: "أربعون دلوًا"، ولا يشترط انتفاخًا، ولا انفساخًا، والشعبيُّ يقول في الطير ونحوه: "أربعون دلوًا"، ولا يشترط انفساخًا ولا انتفاخًا، والعصفور طير، وأبو حنيفة وصاحباه لا يرون في ذلك إلا عشرين دلوًا، والنزح في الانتفاخ والانفساخ (^٢)، فهل ههنا للحياء مدخل، أو للتقوى وُلوجٌ؟ ! اللهم إنا نسألك العافية.
فإن قالوا: إنما أردنا باحتجاجنا بهم أنهم رأوا البئر تطهر بنزح بعضها، قلنا: لئن لم يكن تحديدهم لما ينزح منها حجة عندهم، فما قولكم في أنها تطهر بنزح بعضها إلا كتحديدهم، ولا فَرْقَ، والتَّحكمُ بالباطل لا معنى له.
_________________
(١) = طبقات ابن سعد (ج ٦/ ص ٢٧٠) وتاريخ البخاري (ج ١ / ص ٣٣٣) والجمع بين رجال الصحيحين (ج ١ / ص ١٨) وتذكرة الحفاظ (ج ١ / ص ٧٣ - ٧٤).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج ١ / ص ١٧) بهذا السند، وأخرجه البيهقي في معرفة السنن (ج ١ / ص ٣٣٥) من غير هذه الطريق.
(٣) مذهب أبي حنيفة وصاحبيه في: تحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٦٠ - ٦٢) وتبيين الحقائق (ج ١ / ص ٢٨ و٢٩) والمحلى (ج ١ / ص ١٤٤) وقال المؤلف هناك بعد أن حكى أقوال أبي حنيفة والصاحبين: " وهذه أقوال لو تتبع ما فيها من التخليط لقام في بيان ذلك سفر ضخم، إذ كل فصل منها مصيبة في التحكم والفساد والتناقض، وأنها أقوال لم يَقُلْهَا قط أحد قبلهم، ولا لها حظ من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من قياس يعقل، ولا من رأي سديد ولا من باطل مطرد، ولكن من باطل متخاذل في غاية السخافة ".
[ ١ / ٣٧٠ ]
واحتجوا لتفريقهم بين ما يقع في البئر من الميتات، وأن السمك الطَّافي إن وقع في الماء لم ينجسه بما روي عن النبي -ﷺ- في البحر: "هو الطهور مَاؤُهُ الحل ميتته" (^١)، ثم خالفوا هذا الخبر نفسه فقالوا: لا يحل ما مات في البحر من السمك فَطفَا، ولا يحل أكله، ولا يحل أكل شيء مِمَّا في البحر أصلًا من دوابه كلها حاشا السمك وحده (^٢).
واحتجوا في تحريم ما وَلَغَ فيه الكلبُ، وفي إيجاب غسل الإناء منه ولا بُدَّ، بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات، وليعَفِّرْهُ الثامنة بالتراب"، ثم خالفوه،
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ برقم ٤٣، ومن طريقه أحمد في المسند برقم ١٤٩٥٢، وأبو داود في الطهارة باب الوضوء بماء البحر برقم ٨٣، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ماء البَحْر أنه طهور برقم ٦٩، والنسائي في الصغرى (ج ١ / ص ١٧٦) في المياه، باب الوضوء بماء البحر، وابن ماجه في الطهارة باب الوضوء بماء البحر برقم ٣٨٦ و٣٨٧، والدارمي في الطهارة باب الوضوء من ماء البحر برقم ٧٢٩، والحاكم في الطهارة برقم ٤٩٠ و٤٩١ و٤٩٢ و٤٩٢، والبيهقي في الكبرى في الطهارة، باب التطهير بماء البحر برقم ١ و٢ (ج ١ / ص ١)، وفي السنن الصغرى برقم ١٩٢ ومعرفة السنن (ج ١ / ص ٢) وقد فصل القول فيه الزيلعي في نصب الراية (ج ١ / ص ٩٦ - ٩٩) والحافظ في التلخيص الحبير (ج ١ / ص ٩ - ١٢). وقال الشيخ الألباني في الإرواء (ج ١ / ص ٤٣) بعد أن ساقه من طريق مالك: "قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات. وقد صححه غير الترمذي جماعة منهم: البخاري، والحاكم، وابن حبان، وابن المنذر، والطحاوي، والبغوي، والخطابي".
(٢) انظر: تبيين الحقائق (ج ١ / ص ٢٣) والمحلى (ج ١ / ص ١٤٤).
[ ١ / ٣٧١ ]
فقالوا: لا معنى لسبع مرات، ولا للتراب، ولكن يغسله مرة فقط (^١).
واحتجوا بأنه روي عن أبي هريرة أنه يغسل ثلاث مرات (^٢)، ثم خالفوه فقالوا: لا معنى لثلاث مرات، إنما هي مرة واحدة.
واحتجوا في تصحيح مذهبهم الفاسد في أَنَّ مَنْ صلى، وفي ثوبه أو في جسمه من النجاسات أكثر من قدر الدِّرهم البَغْلي بطلت صلاته، فإن
_________________
(١) مضى تخريج هذا الحديث (ص ٣٦٥).
(٢) رواية أبي هريرة جاءت من طريقين: الأول: أخرجه الدارقطني في الطهارة باب ولوغ الكلب في الإناء (ج ١ / ص ٦٥) عن عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا". قال الدارقطني تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك عن ابن عياش وهو متروك، وغيره يرويه عن ابن عياش بهذا الإسناد: "فاغسلوه سبعا وهو الصحيح". الثاني: أخرجه ابن عدي في الكامل (ج ٢/ ص ١٤٨) من طريق الحسين بن علي الكرابيسي بسنده عن أبي هريرة وذكره. قال ابن عدي: "ولم يرفعه غير الكرابيسي، والكرابيسي لم أجد له حديثا منكرا غير هذا". وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (ج ٢/ ص ٣٣٣) من طريق ابن عدي ثم قال: "هذا حديث لا يصح". ويجب العدد في الولوغ سبعا وبه قال الشافعي ومالك وقال أبو حنيفة: لا يجب العدد. قال الحافظ في الفتح (ج ١ / ص ٢٧٧): "واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور، منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعْتِقَادِهِ ندبية السبع لا بوجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضا، فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر ". وانظر: المجموع (ج ٢/ ص ٥٨٠) والمدونة (ج ١ / ص ٥١١)، والهداية (ج ١ / ص ٢٤) والمغني (ج ١ / ص ٤٥)، وبدائع الصنائع (ج ١ / ص ٨٧).
[ ١ / ٣٧٢ ]
كانت قدر الدرهم فأقل، لم تبطل صلاته، تعمد ذلك أو لم يتعمد (^١) - بالخبر الذي لا يصح أيضًا من طريق ابن غطيف (^٢) عن الزهري عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف (^٣) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "تُعاد الصلاةُ من قَدْرِ الدرهم البَغْلي" (^٤).
_________________
(١) ليس جميع الحنفية يقول بهذا، بل إن زفرا ومعه الشافعي يقولان: قليل النجاسة ككثيرها تمنع من الصلاة، لأن النصوص الواردة بتطهيرها لم تفصل، وانظر: تبيين الحقائق (ج ١ / ص ٧٣) وتحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٥٢)، والمختصر للطحاوي (ص ٣١) والهداية (ج ١ / ص ٣٨٣٧)، وإنما قدروا القليل من النجاسة بالدرهم، لأنهم استقبحوا ذكر المقعدة، فكنوا عنها بالدرهم، واختلفوا فيه: فقيل: يعتبر بالوزن. وهو أن يكون وزنه قدر الدرهم الكبير، المثقال، وقيل بالمساحة وهو قدر عرض الكف، وقال السرخسي: يعتبر بدرهم زمانه وانظر: تبيين الحقائق (ج ١ / ص ٧٣).
(٢) هكذا ذكره المؤلف وهو روح بن غطيف وهاه ابن معين. وقال النسائي: متروك. وقال الذهبي: "عداده في أهل الجزيرة". وانظر: التاريخ الكبير (ج ٣/ ص ٣٠٨) والضعفاء الصغير (ص ٤٨) وميزان الاعتدال (ج ٢/ ص ٦٠).
(٣) هو الحافظ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قيل اسمه كنيته، وقيل اسمه عبد الله، روى عن أبيه قليلا، وعن عثمان وعدة، وعنه سالم أبو النضر، وأبو الزناد وخلق، كان من كبار التابعين ثقة جليل القدر، بحرا لا تكدره الدلاء. توفي سنة ٩٤ هـ وقيل ١٠٢ هـ. أخرج له الستة. انظر: الثقات لابن حبان (ج ٥/ ص ١) وتهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ١١٥) والكاشف (ج ٣/ ص ٣٤٢).
(٤) أخرجه الدارقطني في الصلاة باب قدر النجاسة التي تطل الصلاة (ج ١ / ص ٤٠١) من طريق روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم". قال الدارقطني: "خالفه أسد بن عمر في اسم روح بن غطيف فسماه غطيفا، ووهم فيه". وأخرجه البيهقي في الكبرى في الصلاة باب ما يجب غسله من الدَّم برقم ٤٠٩٥ (ج ٢/ ص ٥٦٦) وفي المعرفة (ج ٢/ ص ٢٢٧) وقال: "إنه لم يثبت، فقد أَنكره عليه عبد الله =
[ ١ / ٣٧٣ ]
فيا للشهرةِ والفَضيحة في الدُّنيا والآخرة، يحتجون بهذا الخبر، ويصححونه وهم يخالفونه فيقولون: لا تُعاد الصلاة من قدر الدرهم، وقال بعضهم: إنما قلنا بذلك للأمر بالاستنجاء من الغائط والبول في الدبر والذَّكر، وهو أكبر من قدر الدرهم، فكان هذا عجبًا جدًا، وتشبيها في غاية البَرْدِ، وما الواجبُ غسله من جوف المخرج إلا أقل من ذلك! !
ثم هَلَّا قاسوه على مخرج البول من الإحْلِيل، فتطهيره وحده فرضٌ عندهم عندنا وإن لم يُبَحْ.
ثم خَالَفُوا كل ذلك، فلم يروا زوال النجاسة من الجسد والثوب بالحجارة المطهرة للدبر والذكر، فهم لا ينفكون من تَلوُّثْ في الباطل كالسكران أو الأعمى بلا عُكَّازٍ (^١) ولا قائد! !
واحتجوا بخبر علي وعمرو بن حزم، وفيهما جميعًا: "فإذا زادت
_________________
(١) = ابن المبارك، ويحيى بن معين. وغيرهما من الحفاظ". وقال البخاري في الضعفاء الصغير (ص ٤٨)، عند ذكر الحديث: "لا أصل له عن النبي -ﷺ-"، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (ج ٢/ ص ٤) وَنَقَلَ عن ابن حبان أنه حديث موضوع لا شك فيه وانما هو اختراع أحدثه أهل الكوفة في الإسلام". وانظر: نصب الراية (ج ١ / ص ٢١٢) والتلخيص الحبير (ج ١ / ص ٢٩٧). وحكى المؤلف في المحلى (ج ١ / ص ١٦٩) مذهب أبي حنيفة في قدر النجاسة التي تبطل الصلاة وقال: "أما قول أبي حنيفة ففي غاية التخليط والتناقض والفساد، لا تعلق له بسنة لا صحيحة ولا سقيمة ولا بقرآن ولا بقياس ولا بدليل إجماع، ولا بقول صاحب، ولا برأي سديد فوجب إطراح هذا القول بيقين".
(٢) يقال عكز على عكازته توكأ كتعكز، والرمح ركزه، وبالشيء اهتدى به، والعكوز كجرول: عصا ذات زج كالعكاز. انظر: القاموس المحيط مادة عكز (ص ٦٦٦).
[ ١ / ٣٧٤ ]
على عشرين ومائة -يعني الإبل- ففي كل خمسين حقة، وتُردُّ إلى أول فرائض الإبل" (^١)، فاحتجوا بهما في قولهم الفاسد: أن ما زاد على عشرين ومائة عاد إلى زكاتها بالغنم، وليس هذا مذكورًا في الخبرين المذكورين، وقد يكون ردها إلى أول الفرائض: الإبلُ أن ترد إلى أن في كل أربعين بنت لبون (^٢)، وخالفوا خبر علي المذكور في اثني عشر حكما فيه منصوصة في لفظه، قَدْ ذكرناها في كتابنا المَوْسُوم بِـ "الإيصال" مع أن خبر علي موقوف عليه (^٣).
_________________
(١) خبر علي أخرجه ابن أبي شيبة برقم ٩٨٨٩ (ج ٢/ ص ٣٥٩)، من طريق أبي إسحاق عن عاصم ابن ضمرة عن علي، وفيه: "فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين من الإبل حقة". وأخرجه من هذا الطريق أيضا البيهقي في الكبرى في الزكاة باب ذكر رواية عاصم بن ضمرة عن علي برقم ٧٢٦١ (ج ٤/ ص ١٥٥) وقال: قال أبو يوسف -يعني يعقوب بن سفيان: بلغ عن عن يحيى بن معين قال: كان يحيى ابن سعيد يحدث بحديث يغلط فيه عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة تستأنف الفريضة"، ويحيى بن سعيد لم يغلط في هذا. وقد تابعه ابن المبارك، وهذا مشهور من رواية سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي، وقد أنكر أهل العلم هذا على عاصم بن ضمرة، لأن رواية عاصم بن ضمرة عن علي ﵇، خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف كتاب أبي بكر وعمر ﵄". قلت: وقد حكم الحافظ ابن حجر في الدارية (ج ١ / ص ٢٥١) على إسناد ابن أبي شيبة بالحسن وقال: "إلا أنه اختلف فيه على أبي إسحاق". وأما خبر عمرو بن حزم فقد سبق تخريجه ص ٣١٨ وسيذكره المؤلف قريبا، وهو في كل مرة يسوق منه طرفا.
(٢) انظر مذهب الحنفية الذي أشار إليه المؤلف هنا في: المبسوط (ج ٢/ ص ١٥٢) وتحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٢٨٢) والمحلى (ج ٦/ ص ٣١).
(٣) هو الخبر الذي سبق تخريجه في هامش (١) من هذه الصفحة. ومخالفة الحنفية لخبر علي في اثني عشر موضعا أَوْرَدَهَا المؤلف في المحلى ج ٦/ ص ٣٩ - ٤٠.
[ ١ / ٣٧٥ ]
واحتجوا بصحيفة عمرو بن حزم: "ما زاد على مائتي درهم، فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين" (^١).
وخالفوها في نصِّ ما فيها مِنْ أنَّ الزكاة في الذهب إنما هي بالقيمة حتى تبلغ أربعين دينارًا (^٢).
واحتجوا بحديث الزهري عن صحيفة عبد آل عمر فيما زاد على مائتي درهم أيضًا (^٣)، وخالفوا نَصَّهَا في أن ما زاد على عشرين ومائة
_________________
(١) مضى تخريجه (ص ٣١٨).
(٢) يعتبر في الذهب والفضة عند الحنفية أن يكون المؤدى قدر الواجب وزنا ولا تعتبر فيه القيمة، وكذا في حق الوجوب يعتبر أن يبلغ وزنها نصابا، ولا تعتبر فيه القيمة. وانظر: حلية العلماء (ج ٣/ ص ٩١) وتبيين الحقائق (ج ١ / ص ٢٧٨) والمحلى (ج ٦/ ص ٦٦) والفتاوى الهندية (ج ١ / ص ١٧٨).
(٣) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة برقم ١٥٦٨، والترمذي في الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم برقم ٦١٧، وابن ماجه في الزكاة باب صدقة الإبل برقم ١٧٩٨، والحاكم في المستدرك برقم ١٤٤٤، والدارقطني في الزكاة (ج ٢/ ص ١١٣)، كلهم عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه "أن رسول الله -ﷺ- كتب كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، وعمر حتى قبض الحديث". قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٢/ ص ٣٣٩): "وسفيان بن حسين روى له مسلم في مقدمة كتابه، وتكلم الحُفَّاظ في روايته عن الزهري قال أحمد بن حنبل: "ليس بذاك في حديثه عن الزهري". وقال ابن معين: "هو ثقة، ولكنه ضعيف في الزهري". وقال النسائي: "ليس به بأس إلا في الزهري". وقال ابن عدي: وقد وافق سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن كثير أخو محمد بن كثير، حدثناه ابن صاعد عن يعقوب الدورقي عن عبد الرحمن بنٍ مهدي عن سليمان بن كثير بذلك، وقد رَوَاهُ جماعةٌ عن الزهري عن سالم عن أبيه فوَقَّفُوهُ، وسُفيان بن حسين وسليمان بن كثير بذلك، وقد رَوَاهُ جماعةٌ عن الزهري عن سالم عن أبيه فوَقَّفُوهُ، وسُفيان بن حسين =
[ ١ / ٣٧٦ ]
من الإبل ثلاث بنات لبون (^١).
واحتجوا بخبر حُجيَّة (^٢) عن علي، وبمراسيل في جواز تقديم الزكاة قبل تمام الحول (^٣)، ثم خالفوها كلها، فقالوا: لا يجوز تقديم الزكاة
_________________
(١) = وسليمان بن كثير رفعاه". قلت: ولذلك علقه البخاري في الصحيح (ج ٣/ ص ٣١٤) قال الحافظ في الفتح (ج ٣/ ص ٣١٤): "لكن أورده شاهدا لحديث أنس الذي وصله البخاري في الباب". وأخرج المؤلف في المحلى (ج ٦/ ص ٤٠) هذا الحديث بسنده، وشدد النكير على الحنفية الآخذين ببعضه دون بعض.
(٢) قال أبو حنيفة والثوري والنخعي: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة في خمس: شاة إلى عشرين، فيجب فيها أربع شياه. وانظر تفاصيل ذلك في: حلية العلماء (ج ٣/ ص ٣٦) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٦٠ - ٢٦١) والفتوى الهندية (ج ١/ ص ١٧٧).
(٣) حجية. كعلية. بن عدي الكدي الكوفي، روى عن علي وجابر، وروى عنه الحكم، وسلمة ابن كهيل، قال أبو حاتم: "شيخ لا يحتج بحديثه". وقال ابن سعد "كان معروفا، وليس بذاك". وقال العجلي: "تابعي ثقة". أخرج له الأربعة. لم أقف على وفاته. انظر تهذيب التهذيب (ج ١/ ص ٤٥٣) وتقريب التهذيب (ص ١٥٤) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٩٧).
(٤) خبر حجية أخرجه أبو داود في الزكاة باب تعجيل الزكاة برقم ١٦٢٤، والترمذي في الزكاة أيضا باب ما جاء في تعجيل الزكاة برقم ٦٧٣، وابن ماجه في الزكاة، باب تعجيل الزكاة قبل محلها برقم ١٧٩٥، والدارقطني في الزكاة (ج ٢/ ص ١٢٣) عن علي: "أن العباس سأل النبي -ﷺ- في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له ذلك". انتهى سياق أبي داود. قال أبو داود: "روى هذا الحديث هشيم عن منصور ابن زاذان عن الحكم عن الحسن بن مسلم عن النبي -ﷺ- وحديث هشيم أصح". وقال الحافظُ في التلخيص الحبير (ج ٢/ ص ١٦٢): "وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم، ورجح رواية منصور عن الحكم عن الحسن بن يناق عن النبي -ﷺ- مرسلا وكذا رجحه أبو داود" ومن الأخبار التي أشار إليها المؤلف: ما أخرجه الطيالسي برقم ١١٦ عن علي أن النبي -ﷺ- قال: "إنا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين". قال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٢/ ص ١٦٢): "رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا ".
[ ١ / ٣٧٧ ]
إلا عن مالٍ يكون عنده مِنْهُ نصابٌ، وليس هذا في شيء من تلك الأخبار لا بنص ولا دليل (^١).
واحتجوا لقولهم: لا يجوز الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام بحديث المُصرَّاة (^٢).
وهذا من عجائب الدنيا، وهم أشد الناس إنكارًا لخبر المصراة،
_________________
(١) قال الحنفية: وإنما يجوز التعجيل بثلاثة شروط: إحداها: أن يكون الحول منعقدا عليه وقت التعجيل. والثاني: أن يكون النصاب الذي أدى عنه كاملا في آخر الحول. والثالث: أن لا يفوت أصله فيما بين ذلك. وانظر: حلية العلماء (ج ٣/ ص ٣١) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٥٢) والفتاوى الهندية (ج ١/ ص ١٧٦).
(٢) المصراة: اسم مفعول من التَّصرية. قال ابن الأثير: "المصراة الناقة أو البقرة أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها أي يجمع ويحبس". وانظر النهاية (ج ٣/ ص ٢٧). وحديث المصراة أخرجه البُخاري في البيوع باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة برقم ٢١٤٨، ومسلم في البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية (ج ١٠/ ص ١٦٠)، وأبو داود في البيوع باب من اشترى مصراة فكرهها برقم ٣٤٤، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في المصراة برقم ١٢٦٩، والنسائي في البيوع، باب النهي عن المصراة (ج ٧/ ص ٢٥٣) وابن ماجه في التجارات، باب بيع المصراة برقم ٢٣٣٩، وعبد الرزاق في المصنف برقم ١٤٨٦٠. عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "لا تصروا الإبل، والغنم، فمن ابتاعها بعدُ، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر" هذا لفظ البخاري، ثم ذكر الخلاف على أبي هريرة "صاع تمر": صاعا من طعام، وهو بالخيار ثلاثا". وقال بعضهم: "صاعا من تمر، ولم يذكر ثلاثا والتمر أكثر". ولا يجوز الخيار أكثر من ثلاثة أيام، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال زفر، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني: يجوز إذا سمى مدة معلومة، لما رُوِىَ عن ابن عمر أنه أجاز الخيار إلى شهرين. وانظر: تبيين الحقائق (ج ٤/ ص ١٤ - ١٥) ورد المختار (ج ٤/ ص ٩٦ - ٩٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٢٣٧) والمجموع للنووي (ج ٩/ ص ٢٢٥) وحلية العلماء (ج ٤/ ص ٢٢٦) والفتاوى الهندية (ج ٣/ ص ٤٠).
[ ١ / ٣٧٨ ]
ويقولون هو مخالف للأصول، وهو مضطرب (^١)، فيخالفون أمر رسول الله فيه جهارًا بلا تقية، ثم يحتجون به فيما ليس فيه منه أثر
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (ج ٤/ ص ٣٦٤): "وقد أخذ بظاهر هذا الحديث. يعني حديث التصرية. جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون، أما الحنفية فقالوا لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر فقال بقول الجمهور إلا أنه قال: يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر، وكذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا: لا يتعين صاع التمر بل قيمته واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتى: فمنهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رَوَاهُ مخالفا للقياس الجلي ومنهم من قال: هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة، وبالإناء أخرى، والجواب: أن الطرق صحيحة لا اختلاف فيها والضعيف لا يُعَلُّ بالصحيح، ومنهم من قال: هو معارض للقرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل، وبغير المثل ومنهم من قال: هو خبر واحد لا يفيد إلا الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به، فلا يلزم العمل به، وتعقب بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول، لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خَالَفَ قياس الأصول بدليل أن الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والكتاب والسنة في الحقيفة هما الأصل. والآخرون مردودان إليهما، فالسنة أصل، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ! بل الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال إن الأصل يخالف نفسه؟ ! ". وانظر رأي الحنفية في المصراة في: رد المحتار (ج ٤/ ص ٩٦ و٩٧) وشرح معاني الآثار (ج ٤/ ص ١٧ - ١٩) والمحلى (ج ٩/ ص ٦٦ - ٧٠) حيث تجد فيه سردا لما تعلل به الأحناف، ورد المؤلف على ذلك علة علة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ولا دليل، لأنه ليس في خبر المصراة ذكرُ خيارٍ في عقد البيع أصلا، فاعجبوا لهذه العظائم! !
واحتجوا أيضًا لهذا القول الفاسد، بخبر الذي كان يُغبنُ في البيع، فأمره رسول الله إذا بايع أحدًا أن يقول: "لا خِلابة"، ثم جعل له الخيار فيما اشترى ثلاثًا (^١)، وهم مخالفون لهذا الخبر كله، فيجيزون الغبن في البيع قَلَّ، أو كَثُر، ولا يُنتفع عندهم بأن يقول البائع: "لا خلابة"، بل سواء عندهم قال ذلك، أو سكت، ولا يجعلون له الخيار أصلا (^٢)، وليس في الخبر أن مُبَايِعَهُ عقد معه البيع على خيار، فاعجبوا، واسألوا الله العافية مما ابتلاهم به.
واحتجوا في قولهم أن مَنْ أصبح في يوم من أيام رمضان ينوي الفطر عامدًا ذاكرًا، لأنه في رمضان إلا أنه لم يأكل ولم يشرب، ولا وَطئ، ولا تعمد القيء، ثم ينوي الصوم قبل زوال الشمس فصومه تام لَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع باب ما يكره من الخداع في البيع برقم ٢١١٧ ومسلم في البيوع، باب من يخدع في البيع (ج ١٠/ ص ١٧٦). عن عبد الله بن عمر أن رجلا ذكر للنبي -ﷺ- الحديث. وقد سمي الرجل خارج الصحيحين وهو: "حبان بن منقذ". أخرج حديثه الحاكم في البيوع برقم ٢٢٠١، والبيهقي في الكبرى (ج ٥/ ص ٢٧٣) ومعرفة السنن (ج ٤/ ص ٢٨٣)، وابن ماجه في الأحكام، باب الحجر على من يفسد ماله برقم ٢٣٥٥. قال الحافظ في الفتح (ج ٤/ ص ٣٣٧): "لا خلابة بكسر المعجمة وتخفيف اللام: أيْ لا خديعة". وانظر كلام المؤلف على هذا الحديث في المحلى (ج ٨/ ص ٤١٠ - ٤١١).
(٢) إنما جوز الحنفية الغبن القليل لا الفاحش الكثير، بل إن السلعة ترد عندهم بالغبن البين الفاحش. وانظر: رد المحتار (ج ٤/ ص ١٥٩).
[ ١ / ٣٨٠ ]
دَاخِلَةَ فيه، فإن لم ينو الصوم، حتى زالت الشمس فلا صوم له (^١) بالخبر الثابت عن رسول الله أنه إذْ فرض الله تعالى صوم يوم عاشوراء بعث إلى قرى الأمصار: "من لم يأكل منكم، فليصم باقي يومه، ومن أكل منكم فليصم أيضًا بقية يومه" (^٢).
وهم أشد الناس خلافًا لهذا الخبر، لأنه إنما أمر ﵇ بذلك قومًا لم يعرفوا وجوب ذلك الحكم، قبل ذلك، فإنما لزمهم مُذْ عرفوه وليس في هذا الخبر شيء مما موهوا به فيه، من قولهم الفاسد، ولا فيه للفرق بين حكم ذلك قبل زوال الشمس: أَوْ بعد زوالها أثر، ولا
_________________
(١) اختلف الفقهاء في النية في الصوم، فقال أبو حنيفة: يصح أداء رمضان بنية من النهار قبل الزوال، وكذلك كل صوم تعلق بزمان بعينه فأما صوم التطوع، فيصح بنية قبل الزوال وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك وداود: لا يصح بنية من النهار أيضا، وهو اختيار المزني. وانظر: شرح معاني الآثار (ج ٢/ ص ٥٥ و٥٦) وحلية العلماء (ج ٣/ ص ١٨٦) وتحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٣٤٩) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣١٤) والمحلى (ج ٦/ ص ١٧٣) والفتاوى الهندية (ج ١/ ص ١٩٥ - ١٩٦).
(٢) أخرجه البخاري في الصيام في عدة مواضع منها: في باب إذا نوى بالنهار صوما برقم ١٩٢٤، ومسلم في الصوم باب صوم يوم عاشوراء (ج ٨/ ص ١٣)، وابن ماجه في الصيام باب صيام يوم عاشوراء برقم ١٧٣٥، والدارمي في الصوم باب في صيام يوم عاشوراء برقم ١٧١٠. والبيهقي في الكبرى كتاب الصيام برقم ٨٤٠٧ (ج ٤/ ص ٤٧٦)، ومعرفة السنن (ج ٣/ ص ٤٣٧) والشافعي في مسنده (ص ٦٥)، عن سلمة بن الأكوع "أن النبي -ﷺ- بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل". انتهى لفظ البخاري.
[ ١ / ٣٨١ ]
دليل ألبتة فاعجبوا لهذا، وزاد بعض الرواة في هذا الخبر الصحيح زيادة موضوعة لم تصح قط وهي: "واقضوا" (^١).
فاحتجوا في إيجاب القضاء على مَنْ تعمد الأكل في نهار رمضان، ذاكرًا لصومه عاصيًا (^٢)، ولو صحت هذه الزيادة، لكانت مخالفة لقولهم، لأنه إنما كان يكون المأمورون بها قوما أكلوا غير عارفين بأن الصوم يلزمهم، وقومًا لم يأكلوا أصلًا، وهم لا يرون القضاء على من هذه صفتهم، فاعجبوا، واسألوا الله العافية.
واحتجوا بالخبر الثابت في كفارة مَنْ جامع في نهار رمضان ذاكرًا لصومه، وقالوا قد جاء بلفظة: "أفطر" (^٣)، وخالفوا هذه اللفظة،
_________________
(١) هذه الزيادة أخرجها أبو داود في الصوم، باب ما في فضل صومه. يعني يوم عاشوراء. برقم ٢٤٤٧ عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمر أن أسلم أتت النبي -ﷺ- فقال: "صمتم يومكم هذا؟ قالوا: "لا". قال: فأتوا بقية يومكم واقضوه". قال البيهقي في معرفة السنن (ج ٣/ ص ٤٣٧). "ورواه. يعني الحديث. أيضا أبو حاتم الرازي عن محمد بن المنهال إلا أنه لم يذكر الأمر بالقضاء ورواه محمد بن بكر عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه دون الأمر بالقضاء، وكذلك قاله عبد الوهاب ابن عطاء وروح بن عبادة، ومكي بن إبراهيم عن سعيد عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه وهو مجهول، ومختلف في اسم أبيه، ولا ندري من عمه؟ ". وانظر: المحلى (ج ٦/ ص ١٦٧) فقد تكلم المؤلف على هذه الزيادة.
(٢) انظر: حلية العلماء (ج ٣/ ص ١٩٨) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣٢٨) وتحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٣٦٠) والمحلى (ج ٦/ ص ١٩٤ - ١٩٥).
(٣) أخرجه البخاري في الصوم باب إذا جامع في رمضان، ولم يكن له شيء فتصدق عليه، فليكفر برقم ١٩٣٦، ومسلم في الصوم، باب تحريم الجماع في نهار رمضان ووجوب الكفارة الكبرى فيه (٧/ ٢٢٦ و٢٢٧)، والترمذي في الصوم، باب مَا جَاءَ في كفَّارة =
[ ١ / ٣٨٢ ]
ولم يوجبوا الكفارة على مَنْ أكل أو بَلَعَ دقيقًا، أو عجينًا أو إِهْلِيلَجًا (^١) أو طينا، إلا أن يكون طينا إرمينيا (^٢)، وأوجبوا القضاء والكفارة على مَنْ بلع أو أكل طينًا إرمينيًا، أو زعفرانا، أو مسكا، وكل هؤلاء عندهم مفطرون يلزمهم القضاء، وكفارةٌ معه، وبعضهم يلزمهم القضاء فقط دون كفارة (^٣)، وهذا عَجَبٌ جدًا.
واحتجوا في إيجاب القضاء على مَنْ تعمد القيء بالخبر الثابت في ذلك (^٤)، ثم خالفوه، فقالوا: إن من تعمد أن يَتَقيَّأ أقل من مِلْءِ فيه،
_________________
(١) = الفطر في رمضان برقم ٧٢٠، وأبو داود في الصوم، باب كفارة من أتى أهله في رمضان برقم ٢٣٩٢: وابن ماجه في الصوم باب كفارة من أفطر يوما من رمضان برقم ١٦٧١: من طريق إسحاق بن عيسى عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: "أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله -ﷺ- أن يكفر بعتق رقبة". هذا سياق مسلم.
(٢) الإهليلج: وقد تكسر اللام الثانية، والواحدة بهاء: إهليلجة ثمر منه أصفر، ومنه أسود وهو البالغ النضيج، وانظر: القاموس المحيط مادة هلج (ص ٢٦٩).
(٣) هكذا في المحلى (ج ٦/ ص ١٩٤) وفتح القدير لابن الهُمام (ج ٢/ ص ٦٨ و٦٩). ولم أجد نسبة الطين إلى أرمينيا فيما بين يدي من معاجم اللغة.
(٤) انظر تفصيل مذهب الحنفية في هذه المسألة في: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣٢٦) والمبسوط (ج ٣/ ص ١٣٩) وفتح القدير (ج ٢/ ص ٦٨ و٦٩) والفتاوى الهندية (ج ١/ ص ٢٠٥) والمحلى (ج ٦/ ص ١٩٤).
(٥) يشير المؤلف إلى حديث أبي هريرة: "من ذرعه القيء، وهو صائم، فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض". أخرجه أبو داود في الصوم، باب الصائم يستقيء عامدا برقم ٢٣٨٠، والترمذي في الصيام، باب ما جاء في من استقاء عمدا برقم ٧١٦، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في الصائم يقيء برقم ١٦٧٦، وابن حبان برقم ٩٠٧ =
[ ١ / ٣٨٣ ]
فلا قضاء عليه (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد أَنَّ الفطر والقصر لا يكونان إلا في سفر ثلاثة أيام بلياليهن فصاعدًا (^٢)، بالخبر الثابت عن رسول الله -ﷺ-: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر أن تسافر ثلاثًا، إلا مع زوج، أو ذي مَحْرم" (^٣).
_________________
(١) = (موارد الضمآن). والبيهقي في الكبرى (ج ٤/ ص ٢١٩)، ومعرفة السنن (ج ٣/ ص ٣٧٠)، والدارمي في الصوم باب الرخصة في القيء برقم ١٦٨٠. قال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٢/ ص ١٨٩): "وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث هشام بن محمد عن أبي هريرة تفرد به عيسى بن يونس، وقال البخاري: لا أراه محفوظا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح إسناده". وقال الدارمي: "زعم أهل البصرة أن هشاما أوهم فيه". وقال أبو داود: "وبعض الحفاظ لا يراه محفوظا".
(٢) احتجاج الحنفية بالحديث الذي أشار إليه المؤلف، في إيجاب القضاء على من تعمد القيء وارد في تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣٢٥)، ولم يفصل السرخسي. في ظاهر الرواية بين ملء الفم، وما دونه، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة فرق بينهما. وهو الصحيح فإن ملء الفم ناقض للطهارة، وأومأ المؤلف في المحلى (ج ٦/ ص ١٧٦) إلى مذهب الحنفية، واعترضه قائلا: "وهذا خلاف لرسول الله -ﷺ-، مع سخافة التحديد".
(٣) انظر في مسافة الفطر والقصر عند الحنفية: مختصر الطحاوي (ص ٥٣) والهداية (ج ٣/ ص ١٣٦) وتبين الحقائق (ج ١/ ص ٢٠٩) والمجموع للنووي (ج ٤/ ص ٣٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة؟ برقم ١٠٨٦ عن نافع عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم". ونحوه عند مسلم في الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (ج ٩/ ص ١٠٢ و١٠٣). * وأخرجه مسلم في الحج أيضا باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (ج ٩/ ص ١٠٣) وفيه: "فوق ثلاث"، وهو عند أبي داود من طريق آخر في المناسك باب في المرأة تحج بغير محرم برقم ١٧٢٦، وابن ماجه في المناسك أيضا باب المرأة تحج بغير ولي برقم ٢٨٩٨، =
[ ١ / ٣٨٤ ]
وليس في هذا الخبر مِنْ حُكم الفطر، وقَصْر الصلاة أثر جليٌّ، ولا خفي، ولا نصٌّ، ولا إشارة، ولا دليل، مع ما قد ذكرنا قبلُ من أنه قد صح فيه أكثر من: "ثلاث"، وصح: "يومين"، وصح: "يومًا"، وصح أن تسافر دون تحديد، فخالفوا كلَّ ذلك (^١).
وخالفوه أيضًا، فقالوا: إن للمملوكة، والمكاتبة، وأم الولد أَنْ تسافر ثلاثًا، وأكثر، دون زوج ولا ذي محرم، وليس هذا في شيء من الخبر المذكور، بل كل مَنْ ذكرنا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر،
_________________
(١) = والدارمي في الاستئذان باب لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم برقم ٢٥٧٨. * وأخرجه مسلم في الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (ج ٩/ ص ١٠٤) من حديث أبي سعيد وفيه: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر". * وأخرجه مسلم في الحج أيضا باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (ج ٩/ ص ١٠٧) وفيه: "مسيرة يوم"، ونحوه عند ابن ماجه برقم ٢٨٩٩.
(٢) بَيَّنَ الإمام النووي في شرح مسلم (ج ٩/ ص ١٠٣) سبب اختلاف هذه الروايات فقال: "قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، قال البيهقي: كأنه -ﷺ- سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال: "لا". وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: "لا" وسئل عن سفرها يوما فقال: "لا". وكذلك: "البريد"، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفا عن رواية واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح ". وذكر المؤلف في المحلى (ج ٦/ ص ٢٤٥) نحوا مما ذكره هنا من اختلاف روايات حديث سفر المرأة وتعقب الحنفية في الاحتجاج به، كما تَعَقَّبَهُمْ الحافظ في الفتح (ج ٢/ ص ٥٦٧) فقال: " وعلى هذا ففي تمسك الحنفية بحديث ابن عمر على أن أقل مسافة القصر ثلاثة أيام إشكال، ولا سيما على قاعدتهم بأن الاعتبار بما رأى الصحابي لا بما روى، فلو كان الحديث عنده لبيان أقل مسافة القصر لما خالفه ".
[ ١ / ٣٨٥ ]
وقد يكون لهن الأزواج وَذَوُوا الرَّحم المحرمة.
واحتجوا بإباحة الصوم في السفر بحديث: "من كان يأوي إلى حَمُولة، وشِبَعٍ فليصم رمضان" (^١)، وخالفوه فقالوا: ليس عليه صيامه فرضًا، وله أن يفطر (^٢).
واحتجوا في ذلك أيضا بخبر حمزة بن عمرو الأسلمي (^٣) إذ قال: "يا رسول الله، إني أسرُد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال له عليه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصوم باب فيمن اختار الفطر. يعني في السفر. برقم ٢٤١٠ بسنده إلى حبيب بن عبد الله قال: سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من كانت له حمولة تأوي إلى شبع، فليصم رمضان، حيث أدركه"، وأحمد في المسند برقم ١٥٨٥٥ (ج ١٢/ ص ٣٦٩). قال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح لجهالة حبيب بن عبد الله الأزدي، فقد قالوا عنه مجهول، ولم يعرفوا حاله، إنما يعرف من طريق ابنه عبد الصمد، وعبد الصمد ضعفه أحمد، ورضيه ابن معين، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه". وقال المؤلف في المحلى (ج ٦/ ص ٢٤٩) في حديث سلمة بن المحبق: "وأما حديث ابن المحبق، من كان يأوي إلى حمولة، أو شبع فليصم". فحديث ساقط لأن راويه عبد الصمد ابن حبيب. وهو بصري. لين الحديث. عن سنان بن سلمة بن المحبق وهو مجهول ".
(٢) انظر مذهب الحنفية في الصوم في السفر في: مختصر الطحاوي (ص ٥٣) والهداية (ج ١/ ص ١٣٦) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣٣٣) والمحلى (ج ٦/ ص ٢٤٧).
(٣) حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي أبو صالح المدني، وي قال أبو محمد المدني، روى عن النبي -ﷺ- وعن أبي بكر وعمر، وعنه ابنه محمد وحنظلة بن علي الأسلمي، وسليمان بن يسار وغيرهم. قال ابن سعد وغيره: مات سنة ٩١ هـ وقيل غير ذلك. أخرج له مسلم وأبو داود. انظر: التجريد (ج ١/ ص ١٣٩) وأسد الغابة (ج ٢/ ص ١٠٦) والإصابة (ج ٢/ ص ١٠٧) وتهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ٢١ - ٢٢).
[ ١ / ٣٨٦ ]
السلام: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر"، وَرُوي. "أي ذلك شئت يا حمزة" (^١)، فخالفوه فقالوا: الصوم أفضل، وليس هذا في هذا الخبر.
واحتجوا في قولهم: لا يُصام عَنْ ميِّت بقول رسول الله: "إذا مات الميت، انقطع عمله إلا من ثلاث" (^٢)، وليس في هذا الخبر لا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصوم، باب الصوم في السفر والإفطار برقم ١٩٤٣، ومسلم في الصوم باب جواز الصوم في السفر في شهر رمضان للمسافر (ج ٨/ ص ٢٣٦)، وأبو داود في الصوم باب الصوم في السفر برقم ٢٤٠٢ و٢٤٠٣، والترمذي في الصيام باب ما جاء في الرخصة في الصوم في السفر برقم ٧٠٦، والنسائي في الصوم باب الصيام في السفر (٤/ ١٨٥)، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في الصَّوم في السفر برقم ١٦٦٢ والدارمي في الصوم، باب الصيام في السفر برقم ١٦٥٩، والطيالسي في مسنده حديث رقم ١١٧٥، والبيهقي في الكبرى (ج ٤/ ص ٢٤٣)، ومعرفة السنن (ج ٣/ ص ٣٩٣). وناقش المؤلف في المحلى (ج ٦/ ص ٢٥٣) الحنفية في الاحتجاج بخبر حمزة بن عمرو الأسلمي وقال: "وأما خبر حمزة، فبيان جلي في أنه إنما سأله ﵇ عن التطوع ". واعترضه الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٢/ ص ٢٠٤) قائلا: "لكن ينتقض عليه بأن عند أبي داود في رواية صحيحة من طريق حمزة بن محمد بن حمزة عن أبيه عن جده: ما يقضي أنه سأله عن الفرض، وصححها الحاكم".
(٢) أخرجه مسلم في الوصايا باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (ج ١١/ ص ٨٥) والنسائي في الوصايا باب فضل الصدقة عن الميت (ج ٦/ ص ٢٥١) وأبو داود في الوصايا باب ما جاء في الصدقة عن الميت برقم ٢٨٨٠، والترمذي في الأحكام باب ما جاء في الوقف برقم ١٣٩٠، وأحمد في المسند (ج ٢/ ص ٣٧٢) عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" هذا سياق مسلم.
[ ١ / ٣٨٧ ]
بنص ولا بدليل، أن عمل غيره عنه ينقطع، وهم يقولون: إن الصدقة عنه جائزة، وإن لم يوصِ بها، وأن الحج عنه جائز وواجب إذا أوصى به، ولا يصام عنه وإن أوصى به (^١).
واحتجوا فى قولهم مَنْ أوصى بزكاة واجبة، أو حجة واجبة، فهي مقدمة في الثلث على ما أوصى به من صدقةٍ لقول رسول الله -ﷺ-: "أرأيتِ لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" (^٢)، وقوله: "فاقضوا الله فهو
_________________
(١) قال الحنفية: لا يصام عن الميت كما لا يصلى عليه، واستدلوا بحديث: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه". وتكلم المؤلف على أدلة الحنفية في هذه المسألة. فقال: "فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التي لا يحل خلافها، وكلهم يقول: يحج عن الميت إن أوصى بذلك، ثم لا يرون أن يصام عنه، وإن أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في إصلاح ما فسد منهما مدخل بالهدي، وبالإطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن أخذوا، ولا القياس عرفوا، وشغبوا في ذلك بأشياء"، ثم ذكر المؤلف أدلة الحنفية وقال: "وأما إخباره ﵇ بأن عمل الميت ينقطع إلا من ثلاث فصحيح، والعجب أنهم لم يخافوا الفضيحة في احتجاجهم به، وليت شعري من قال لهم: إن صوم الولي عن الميت هو عمل الميت حتى يأتوا بهذا الخبر الذي ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلا، ولا المنع من ذلك، فظهر قبح تمويههم في الاحتجاج بهذا الخبر جملة". وانظر: تبيين الحقائق (ج ٢/ ص ٨٤) والمحلى (ج ٧/ ص ٢ - ٤).
(٢) أخرجه البخاري في الصوم، باب من مات وعليه صوم برقم ١٩٥٣، ومسلم في الصوم أيضا، باب قضاء الصوم عن الميت (ج ٢/ ص ٢٣) والنسائي في الكبرى في الصوم باب صوم الحي عن الميت برقم ٢٩١٢، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في الصوم عن الميت برقم ٧١٢، والبيهقي في الصيام، باب من قال يصوم عنه =
[ ١ / ٣٨٨ ]
أحق بالوفاء". ثم [خالفوا] (^١) كلَّ ذلك، فقالوا ديون اليهود والنصارى في خمر كسرها لهم أحق من ديون الله كلها، وهم أحق بالوفاء، وعتقه في مرضه لعبد له نصراني، مقدم على كل ما أوصى به من ذلك، ولا يُقْضَى عنه شيء من ديون الله تعالى، إلا أن يوصي بذلك في الزكاة والحج والكفارات خاصة (^٢).
_________________
(١) = وليه برقم ٤٢٦ (ج ٤/ ص ٤٢٦). كلهم من طريق الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يقضى". وعند بعض هؤلاء: "قالت امرأة للنبي -ﷺ-: إن أختي ماتت"، وعند بعضهم "قالت امرأة للنبي -ﷺ- إن أمي ماتت". وانفرد بعضهم بقوله: "دين الله أحق بالقضاء". قال الحافظ في الفتح (ج ٤/ ص ١٩٥): "وقد ادعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن جبير فمنهم من قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال: رجل، ومنهم من قال: إنَّ السؤال وقع عن نذر، ومنهم من فسره بالصوم، ومنهم من فسره بالحج والذي يظهر أنهما قصتان، ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية كما في رواية أبي حريز المعلقة: والسائلة عن نذر الحج جهنية وأما الاختلاف في كون السائل رجلا، أو امرأة، والمسؤول عنه أختا أو أما فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث". قلت: ويفهم من كلام الحافظ أن المسؤول عنه ليس أبا كما هو ظاهر سياق المؤلف للحديث هنا.
(٢) زيادة لا بد منها والله أعلم.
(٣) انظر مذهب الحنفية فيمن أوصى بزكاة أو حج في: شرح معاني الآثار (ج ٤/ ص ٣٨٠) والمحلى (ج ٧/ ص ٦٢) و(ج ٩/ ص ٢٥٣) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٣٣٥) و(ج ٢/ ص ٨٤) وسبل السلام (ج ٢/ ص ١٨٢). وناقش المؤلف مذهب أبي حنيفة فقال: " أما قول أبي حنيفة فهو أَطْرَدُهَا لخطئه، وأقلها تناقضا لكن يقال له: إن كانت الزكاة المفروضة، وحجة الإسلام، وسائر الفروض، إذا فرط فيها وتبرأ من ذلك عند =
[ ١ / ٣٨٩ ]
واحتجوا في مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله في نهيه أن يَخُصَّ يوم الجمعة بصيام إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده (^١) بخبر ابن مسعود، وابن عباس وابن عمر: "ما رأيتُ رسولَ الله مفطرًا يوم جُمَعَةٍ قط" (^٢)، وليس في هذا الخبر أنه خصه بالصوم، فلم يصم يومًا قبله، ولا يومًا بعده.
_________________
(١) = موته يجري كل ذلك مجرى الوصايا، فلأي شيء قدمتها على سائر الوصايا، فإن قال: لأنها أوكد، قيل له: ومن أين صارت أوكد عندك، وأنت قد أخرجتها عن حكم الفرض الذي لا يحل إضاعته إلى حكم الوصايا، فبطل التأكيد على قولك الفاسد، ووجب أن يكون كسائر الوصايا ولا فرق، ويكون كل ذلك خارجا عن حكم الوصايا، وباقيا على حكم الفرض الذي لا يسع تعطيله فلم جعلتها من الثلث إن أوصى بها أيضا؟ ".
(٢) يشير المؤلف إلى حديث أبي هريرة قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده". أخرجه البخاري في الصوم، باب صوم يوم الجمعة برقم ١٩٨٥، ومسلم في الصيام أيْضا، باب كراهية إفراد يوم الجمعة بصوم (ج ٨/ ص ١٨)، وأبو داود في الصيام، باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم برقم ٢٤٢٠، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الجمعة وحده برقم ٧٤٠، وابن ماجه في الصيام، باب في صيام يوم الجمعة برقم ١٧٢٣، والنسائي في الكبرى في الصوم، باب الرخصة في صام يوم الجمعة برقم ٢٧٥٦.
(٣) أما خبر ابن مسعود: فأخرجه النسائي في الكبرى برقم ٢٧٥٨ في الصوم باب الرخصة في صيام يوم الجمعة برقم ٢٧٥٨، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في صوم يوم الجمعة برقم ٧٣٩ عن زر عن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ-: "كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقل ما رأيته يفطر يوم الجمعة". هذا لفظ النسائي. وأما خبر ابن عباس: فأخرجه البيهقي في الكبرى برقم ٨٤٤٩ (ج ٤/ ص ٤٨٧) في الصيام باب ما جاء في صوم يوم الأربعاء والخميس والجمعة. وأما خبر ابن عمر: فأخرجه النسائي في الصغرى (ج ٤/ ص ٢٢٠) في الصوم، باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. =
[ ١ / ٣٩٠ ]
واحتجوا في قولهم بإسقاط فَرْض الحج عن العبد، بخبر يزيد بن زُرَيْع (^١) عن شعبة عن الأعمش (^٢) عن أبي ظبيان (^٣) عن ابن عباس
_________________
(١) = واشتهر عند الشافعية أن صيام يوم الجمعة مكروه، وبه قال أبو هريرة والزهري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يكره، وذكر المؤلف مذهب هؤلاء، وما احتجوا به وقال: "والقول فيها -يعني في الأدلة- كلها سواء، وهو أن ليس في شيء منها لا عن رسول الله -ﷺ-، ولا عن ابن مسعود ولا عن ابن عمر، ولا عن ابن عباس إباحة تخصيص يوم الجمعة بصيام بدون يوم قبله، أو يوم بعده، ونحن لا ننكر صيامه إذا صام يوما قبله أو يوم بعده، ولا يحل أن نكذب على رسول الله -ﷺ-، فنخبر عنه بما لم يخبر به عنه صاحبه، ولا أن نحمل فعله على مخالفة أمره البتة إلا ببيان نص صحيح فيكون حينئذ نسخا أو تخصيصا ". وانظر: شرح معاني الآثار (ج ٢/ ص ٨١) والمجموع للنووي (ج ٦/ ص ٤٣٨) والمحلى (ج ٧/ ص ٢٠ - ٢١).
(٢) يزيد بن زريع -بزاي- مصغر التميمي العيشي أبو معاوية البصري الحافظ أحد الأعلام روى عن أيوب وسليمان التيمي وابن عون وخلق، وعنه ابن المديني وطائفة، ثقة مأمون، وثقه أبو حاتم وقال أحمد: "ما أتقنه، ما أحفظه". توفي سنة ١٨٢ هـ. أخرج له الستة. انظر: تاريخ ابن معين (ج ٢/ ص ٦٧٠) وثقات ابن شاهين (ص ٣٤٩)، وتذكرة الحفاظ (ج ١/ ص ٢٥٦).
(٣) هو الحافظ الكبير سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمد الأعمش، روى عن ابن أبي أوفى وإبراهيم النخعي ومجاهد وخلق كثير. وقرأ القرآن على يحيى بن وثاب والسفيانين، أجمعوا على جلالته وثقته وصدقه، وعلو شأنه في الحديث والقرآن. توفي سنة ١٦٨ هـ. أخرج له الستة. وانظر: الجرح والتعديل (ج ٤/ ص ١٤٦) وتاريخ بغداد (ج ٩/ ص ٣ - ١٣) وسير أعلام النبلاء (ج ٦/ ص ٢٢٦ - ٢٤٨).
(٤) أبو ظبيان حصين بن جندب بن الحارث الجنبي -بفتح الجيم- الكوفي، روى عن ابن عمر وعلي وابن مسعود. وسلمان وعمار وابن عباس وغيرهم، وعنه ابنه قابوس، وسلمة بن كهيل والأعمش وعدة. وثقه العجلي وأبو زرعة والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: "ولا يثبت له سماع من علي، والذي ثبت له: ابن عباس وجرير" توفي سنة ٨٩ هـ وقيل سنة ٩٠ هـ. أخرج له الستة. انظر: تهذيب التهذيب (ج ١/ ص ٥٤٦ - ٥٤٧) وتقريب التهذيب (ص ١٦٩) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٨٥).
[ ١ / ٣٩١ ]
عن النبي -ﷺ-: "إذا حج العبد ثم عُتق، فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي ثم هاجر، فعليه حجة أخرى" (^١)، فخالفوه في الأعرابي متحكمين بالباطل، فإن ادعوا إجماعًا أَكْذَبَهُمْ الحسن بن حي (^٢) لأنه يقول: إذا حج الأعرابي ثم هاجر فعليه حجة الإسلام إلى اليوم (^٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى كتاب الحج، باب إثبات فرض الحج برقم ٨٦١٣ (ج ٤/ ص ٥٣٣) بالسند الذي ساقه المؤلف ولفظه عنده: "أيما صبي حج، ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر، فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى". ثم ساقه أيضا من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أنه قال: "إذا حج الأعرابي، ثم هاجر، فإن عليه حجة الإسلام". قال البيهقي: "وكذلك العبد والصبي هكذا رواه موقوفا". وساق المؤلف في المحلى (ج ٧/ ص ٤٤) هذا الحديث من طريق محمد بن أبي عدي ومحمد بن المنهال قال: "وأوقفه ابن أبي عدي على ابن عباس من قوله، وأوقفه أيضا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس من قوله ". وقد ساق عبد الحق في الأحكام الوسطى (ج ٤/ ص ١٩٣) هذا الحديث من هذا الموضع. وانظر: تعليق ابن القطان على صنيعه في بيان الوهم والإيهام (ج ٢/ ص ٥٨٤).
(٢) هو الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري عن أبيه وأبي إسحاق وطائفة، وعنه ابن المبارك ووكيع بن الجراح ويحيى بن آدم، وَثَّقَهُ ابن معين، وقال أبو زرعة: "اجتمع فيه إتقان وفقه". أخرج له مسلم والأربعة. توفي سنة ١٦٩ هـ. انظر: تاريخ ابن معين (ج ٢/ ص ١١٤) وطبقات ابن سعد (ج ٦/ ص ٣٧٥) والجرح والتعديل (ج ٣/ ص ١٨) وطبقات الفقهاء (ص ٨٦).
(٣) انظر في إسقاط فرض الحج عن العبد: تحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ٣٨٣) وتبيين الحقائق (ج ٨/ ص ٣) والمحلى (ج ٧/ ص ٤٢ - ٤٣) حيث ذكر المؤلف مذهب الحنفية، وما استدلوا به من حديث ابن عباس وقال: "إن كان هذا الخبر حجة في أن لا يجزئ العبد حجه، فهو حجة في أن لا يجزئ الأعرابي حجه، ولا فرق".
[ ١ / ٣٩٢ ]
واحتجوا في منعهم المُحْرم من تغطية وجهه بالسنة الثابتة من طريق سعيد بن جبير (^١) عن ابن عباس عن رسول الله في المُحْرم إذا مات: "لا يُخَمَّرُ وجهه ولا رأسه" (^٢).
فكان هذا عجبًا جِدًّا خالفوه في نَصّ ما فيه، فقالوا: المُحْرم إذا مات وجب أن يغطى وجهه ورأسه، وأوجبوا به ما ليس فيه منه أثر ولا معنى من منع المُحرم من تغطية وجهه (^٣).
واحتجوا من مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله أنه قال لضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (^٤): "حُجِّي واشترطي أن محلي حيثُ
_________________
(١) هو سعيد بن جبير الوالبي مولاهم الكوفي الفقيه، أحد الأعلام، روى عن ابن عباس وابن عمر وطائفة، وعنه الحكم وسلمة بن كهيل وخلق، ثقة جليل إمام زاهد، وروايته عن عائشة وأبي موسى مرسلة. قتل بين يدي الحجاج بن يوسف الثقفي سنة ٩٥ هـ. أخرج له الجماعة. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٦/ ص ٢٥٦) وتاريخ البخاري (ج ٣/ ص ٤٦١) ومشاهير علماء الأمصار (ص ١٠٦) وتهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ٢٩٢ - ٢٩٤).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣١٣).
(٣) انظر: الهداية (ج ١/ ص ١٥٠)، وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ١٢)، وبدائع الصنائع (ج ٢/ ص ١٨٥).
(٤) ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي -ﷺ-، كانت تحت المقداد بن الأسود، روت عن النبي -ﷺ-، وعن زوجها، وعن ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعروة بن الزبير وغيرهم. قال الزبير بن بكار: "لم يكن للزبير بن عبد المطلب بقية إلا من بنت بضاعة وأم حكيم". أخرج لها أبو داود والنسائي وابن ماجه. انظر: تجريد أسماء الصحابة (ج ٢/ ص ٢٨٤) وطبقات ابن سعد (ج ٣/ ص ٤٥)، وأسد الغابة (ج ٤/ ص ٥٧) والإصابة (ج ٨/ ص ٢٢٠ - ٢٢١).
[ ١ / ٣٩٣ ]
حبَستني" (^١)، بالسنة الثابتة عن رسول الله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (^٢).
قال أبو محمد: أول كذبهم، فهو أن الاشتراط في الحج منصوصٌ في كتاب الله ﷿ في مواضع منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: من الآية ٨٠] ومنها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] ومنها: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ [النحل: ٤٤] ومنها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٦] ومنها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: من الآية ٧٨] ومنها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٥]،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض وغيره (ج ٨/ ص ١٣١)، وأبو داود في المناسك، باب الاشتراط في الحج برقم ١٧٧٦، والترمذي في الحج، باب ما جاء في الاشتراط فى الحج برقم ٩٤٧، والنسائي فى الصغرى فىِ المناسك، باب كيف يقول إذا اشترط (ج ٥/ ص ١٦٨)، وابن حبان في المناسك باب الاشتراط في الإحرام برقم ٩٢٣ (موارد الظمآن)، والشافعي في المسند (ص ١٢٣)، والدارقطني في الحج (ج ٢/ ص ٢١٩)، والبيهقي في الكبرى في الحج باب الاستثناء في الحج برقم ١٠١٠٩ (ج ٥/ ص ٣٦٣)، ومعرفة السنن (ج ٤/ ص ٢٤٧)، وأحمد في المسند (ج ٦/ ص ٣٦٠)، والمؤلف في المحلى (ج ٧/ ص ١١٣) من طريق مسلم. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح الاشتراط وحملوا حديث ضباعة على أنه واقعة عين، وانه مخصوص بها. وانظر: المحلى (ج ٧/ ص ١١٤)، وشرح النووي على مسلم (ج ٨/ ص ١٣٢).
(٢) أخرجه البخاري في الشروط باب الشروط في الولاء برقم ٢٧٢٩، ومسلم في العتق باب بيان أن الولاء لمن أعتق (ج ١٠/ ص ١٤٥ - ١٤٦): والترمذي فى الوصايا برقم ٢٢٠٧، والنسائي في الصغرى في البيوع، باب بيع المكاتب (ج ٧/ ص ٣٠٥) وابن ماجه في العتق باب المكاتب برقم ٢٥١٨، وأحمد في المسند (ج ٣/ ص ٨١ و١٨٣).
[ ١ / ٣٩٤ ]
فعصوا كلَّ هذا وخَالَفُوا، وكلفوا المُحْرم يَمْرَضُ أو يَوْحَلُ (^١)، أو يَعُوقُه عائقٌ، ما ليس في وسعه، وأعظمُ الحرج والعُسْر الشاقِّ من أن يبقى محرمًا حتى يطوف بالبيت، ولعله لا يقدر على ذلك سنين، ثم خالفوا ما احتجوا به حقًا، فأجازوا به شروط الشيطان التي ليست في كتاب الله تعالى حقا، من أن يشترط لامرأته إن تزوج فكل امرأة (^٢) يتزوجها طالق (^٣)، وَإِنْ تسرى فكل مملوكة يشتريها حرة، وهذه عظائم مهلكة (^٤).
واحتجوا في قولهم الخبيث: إن المُحرم إن قتل خنزيرًا بريا، فعليه
_________________
(١) أَوْحَلَ فلانا شرا: أثقله به، وفيه معنى المنع وانظر القاموس (ص ١٣٧٩) مادة وحل.
(٢) في النسخة التونسية كتب فوقها: "زوجة". ورجحت ما أثبته، والله أعلم.
(٣) انظر مذهب الحنفية في هذه المسألة في: تبيين الحقائق (ج ٢/ ص ٢٤١) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٤٦)، والمحلى (ج ١٠/ ص ٢٠٥).
(٤) ناقش المؤلف في المحلى (ج ٧/ ص ١١٥) الحنفية في بطلان الاشتراط في الحج، وقال: "وشغبوا في مخالفة السنن الواردة في هذا الباب بأن قالوا: هذا الخبر. يعني خبر الاشتراط في الحج. خلاف للقرآن، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بل قولهم هو المخالف للقرآن حقا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ولا حرج ولا عسر، ولا تكليف ما ليس في الوسع، أكثر من إيجاب البقاء على حال الإحرام ومنع الثياب، والطيب والنساء لمن قد منعه الله تعالى من الحج والعمرة. فلو لم يكن إلا هذه الآيات لكفت في وجوب إحلال من عاقه عائق عن إتمام الحج والعمرة، فكيف والسنة قد جاءت بذلك نصا؟ ! ". ثم ساق كلاما طويلا من هذا الضرب، وفيه تشنيع، وحط عظيم على الحنفية، وفي بعض ما نقلناه شَبَهٌ بما قاله المؤلف هنا.
[ ١ / ٣٩٥ ]
جزاؤه (^١)، بالسنة الثابتة عن رسول الله -ﷺ- في المُحرم يقتل الضَّبع عليه كبش، وأنها صيدٌ حلال أكلُه، هكذا نُصَّ في حديث جابر عنه ﵇ (^٢).
وخالفوه فقالوا: ليس في الضبع كبش إنما فيه قيمتها، ولو بلغت درهما: فإن زادت قيمتها جدا، فليس عليه إلا شاة فقط، ولا هي صيد، ولا يحل أكلها، بل أكلها حرام (^٣). فهل سُمع بأعجب من هذا يخالفون حكم رسول الله -ﷺ- في الضبع بكبش، وفي أنها صيد حلال أكلُه، ثم يوجبون به نفسه أن يجزئ الخنزير إِنَّ هذا لعظيمٌ جدا! ! ونعوذ بالله من البلاء.
واحتجوا فيمن وجبت عليه في زكاة إبله بنت مخاض، فأعطى ثُلُثَيْ بنت لَبُون تساوي بنت مخاض، فإنه يجزئه ذلك بالسنة الثابتة عن رسول الله من طريق أنس عن أبي بكر الصديق عن رسول الله -ﷺ-: "من وجبت عليه
_________________
(١) انظر المحلي (ج ٧/ ص ٢٢٦).
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (ج ٥/ ص ١٨٣) ومعرفة السنن (ج ٤/ ص ١٨٤)، والشافعي في الأم (ج ٢/ ص ١٩٣)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم ١٥٦٢٢ (ج ٣/ ص ٤٢٥) عن عبد الرحمن بن أبي عامر عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله -ﷺ- سئل عن الضبع فقال: هي صيد. وجعل فيها كبشا إذا أصابها المحرم"، هذا سياق البيهقي في الكبرى، وقال: "قال أحمد: حديث ابن أبي عمار هذا حديث حسن: قال أبو عيسى: سألت عنه البخاري فقال: هو حديث صحيح. قال أحمد: وقد رواه جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بإسناده مرفوعا: هي صيد وجعل فيها كبشا إذا أصابها المحرم".
(٣) انظر: بدائع الصنائع (ج ٢/ ص ١٩٨)، وانظر مناقشة المؤلف لهذا القول في المحلى (ج ٧/ ص ٢٢٥ - ٢٢٧).
[ ١ / ٣٩٦ ]
بنت مخاض، فلم تكن عنده، وكانت عنده بنت لبون، فإنه يؤديها، ويرد إليه الساعي شاتين أو عشرين درهما" (^١).
وهذه الحجة أطلقها الشيطانُ على لسان زعيمهم محمد بن الحسن (^٢)، فهل سُمع بأسْخَفَ من هذا الاحتجاج، وهل فَهمَ أحدٌ من حُكم النبي على من لزمته بنت مخاض لم تكن عنده، وعنده بنت لبون أن يعطيها، ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهما - أن ثلثي بنت لبون يجزئ عن بنت مخاض إذا ساوتها، وهم يخالفون هذا الحكم من رسول الله جِهارا، ولا يقولون بشيء منه ولا يجُيزون إعطاء بنت لبون مكان بنت مخاض، ولا أن يرد عليه الساعي شاتين ولا عشرين درهما.
فخالفوا حكم النبي علانيةً وأبطلوه، واحْتَجوا به في حكمٍ باطلٍ فاسدٍ ليس من دين الله تعالى في شيء، ولا له في الخبر المذكور أثرٌ أصلًا.
والعجبُ كُلُّهُ قولهُ: تساوي بنت مخاض، فليت شعري أيَّ بنت
_________________
(١) أخرجه البخاري في الزكاة، باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض، وليست عنده برقم ١٤٥٣، وأبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة برقم ١٣٦٧، وابن ماجه في الزكاة باب إذا أخذ المصدق سنا دون سن أو فوق سن برقم ١٨٠٠، والبيهقي في الكبرى (ج ٤/ ص ٨٥): ومعرفة السنن (ج ٣/ ص ٢١٥) والمؤلف في المحلى (٦/ ١٩) من طريق البخاري وحكى المؤلف مذاهب الفقهاء في زكاة الإبل، وفيها مذهب أبي حنيفة، وَنَاقَشَ ذلك، وانظر المحلى (٦/ ١٧ - ٢٨).
(٢) هذا من غلو ابن حزم وإفراطه في مناقشة الخصوم، والإنصاف يقتضي حكاية مذهب الخصم وتعقبه بما يقتضي النظر والتحقيق دون حط أو نقد مقذع.
[ ١ / ٣٩٧ ]
مخاض هي؟ ! ! وقد عَلم كلُّ ذي مسكة من تمييز أن في بنات المخاض ما يساوي دينارًا، أو ما يساوي دنانير.
فاعجبوا لهذه العقول، واحمدوا الله تعالى على السلامة، مما ابتلاهم به! ! .
فإن قالوا: إنما أمر رسول الله -ﷺ- بالحكم المذكور على معنى القيمة؟ .
قلنا: هذا الكذب المحضُ على رسول الله، ونسبتهُ لِما قد نزهه الله تعالى عنه من الجُنون الذي لا يُشَاكِل إلا عُقُولَهُمْ! !
وهل فهم أحدٌ قط من تعويض بنت لَبون برَدِّ شاتين، أو عشرين درهما من بنت مخاض أن الحاكم بهذا أراد القيمة؟ ! !
أهكذا يقول من لا يَقْذِفُ بالحجارة، أَنَّه إنما أراد تعويض القيمة التي لا تثبت على حدٍّ واحد؟ !
ما شاء الله كان، اللهم إنا نعوذ بك مما امتحنتَهُمْ به من الضلال.
واحتجوا بخبر كعب بن عجرةَ (^١) في حَلْق رأسه للأذى الذي كان
_________________
(١) كعب بن عجرة بن أمية القضاعي البلوي الأنصاري أبو محمد المدني الصحابي، روى سبعة وأربعين حديثا اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلهما، روى عنه بنوه: محمد وإسحاق وعبد الملك، مات سنة ٥١ هـ. وقيل غير ذلك؛ أخرج له الستة. انظر: تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٣١) والإصابة في تمييز الصحابة (٥/ ٤٤٨ - ٤٤٩) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٩٣).
[ ١ / ٣٩٨ ]
به (^١)، وهو خبر جاء بألفاظ شتى، فرواه الثقات: "أوْ أطعمْ فَرْقًا من تَمْر بين ستة مساكين"، وروى بعضُ الناس: "فَرْقًا من زبيب بين ستة مساكين"؛ ورُوي من طريق واحدة: "فَرْقًا من
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المحصر، باب قول الله تعالى: "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " برقم ١٨١٤ وفيه: "أو أطعم ستة مساكين" وبرقم ١٨١٥: "أو تصدق بفرق بين ستة"؛ وبرقم ١٨١٧: "أن يطعم فرقا بين ستة". وأخرجه مسلم أيضا في الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى .. (٨/ ١١٨). وفيه: "وأطعم فرقا بين ستة مساكين"؛ وقال مسلم: "والفرق: ثلاثة آصع". وأخرجه أبو داود في المناسك، باب في الفدية رقم ١٨٦٠ وفيه: "أو أطعم ستة مساكن فرقا من زبيب". والنسائي في الصغرى (٥/ ١٩٤) في الحج باب في المحرم يؤذيه القمل في رأسه وفيه: "وأطعم ستة مساكين مدين، مدين"؛ وابن ماجه في المناسك برقم ٣٠٧٩، وفيه: "أو أَطْعَمَ ستة مساكين، والترمذي في الحج، باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه في إحرامه، ما عليه؟ برقم ٩٦٠ وفيه: "وأطعم فرقا بين ستة مساكين"؛ والبيهقي في الكبرى (٥/ ١٦٩) وفيه: "أو صدقة ستة مساكين"؛ وقال: وفي حديث الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن: "فرقا من زبيب"؛ وأخرجه في المعرفة (٤/ ١٥٨) وفيه: "أو أطعم ستة مساكين مدين، مدين "؛ والدارقطني في المناسك (٢/ ٢٩٨) وفيه: " أن يطعم فرقا بين ستة مساكين". ورجح المؤلف في المحلى (٧/ ٢١٠ - ٢١١) بين روايات هذا الحديث وقال: "والذي ذكرناه أَوَّلا من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة هو الصحيح المتفق عليه .. ". وقال الحافظ في الفتح (٤/ ١٧) بعد أن وقف على كلام ابن حزم: "قال ابن حزم لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات، لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد قلت: المحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث: "نصف صاع من الطعام"؛ والاختلاف عليه في كونه تمرا أو حنطة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحكم والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم ".
[ ١ / ٣٩٩ ]
حنطة بين ستة مساكين"؛ وهو وَهَمٌ بلا شك، فتعلقوا بها، وقالوا: لا يجزئه من التمر إلا فَرْقَانِ اثنان، ومن الزبيب كذلك، ثم خالفوا الطريق التي تعلقوا بها، وقالوا: من حلق رأسه بغير ضرورة وهو محرم، فلا يجزئه إطعامٌ أصلا؛ ولا يجزئه إلا هدي وَلَا بُدَّ، وليس شيء من هذا في الخبر المذكور أصلا (^١).
واحتجوا في قولهم الفاسد أنه لا يحل لأحد يسكن، بحيث أن يكون الميقات بينه وبين مكة، أن يدخل مكة بغير إحرام، فإن كان ساكنا بين أحد المواقيت، وبينها (^٢)، أو في أحد المواقيت فله أن يدخلها بِغَيْر إحرام (^٣) - بالخبر الثابت عن رسول الله -ﷺ-: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنها لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعةً من نهار، ثم عادت كَحرمتها بالأمس. فإن تَرَخَّصَ أحدٌ لقتال رسول الله فيها، فقولوا إن الله أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم" (^٤).
_________________
(١) انظر وجه إيجاب الهدي -عند الحنفية- في حلق الرأس في: تبيين الحقائق (٢/ ٥٤) وسبل السلام (٢/ ١٩٦).
(٢) الضمير في بينها. يعود على مكة - شرفها الله.
(٣) فقه هذه المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ٦١ و٦٢) والهداية (١/ ١٤٧) والمحلى (٧/ ٧١) وسبل السلام (٢/ ١٨٦).
(٤) خرجه البخاري في جزاء الصيد باب لا يعضد شجر الحرم برقم ١٨٣٢ من طريق الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح العدوي. وأخرجه مسلم في الحج، باب تحريم مكة وتحريم صدها وخلاها وشجرها ولقطتها (٩/ ١٢٧) بهذا السند أيضا. =
[ ١ / ٤٠٠ ]
فتأملوا -هداكم الله- هل في كلامه ﵇ المذكور شيءٌ من الهذيان الذي أَتَوْا به؛ أو أثرٌ للتقسيم السخيف الذي دانوا به؟ ! وقد بين ﵇ ما خصه الله تعالى به من إحلال مكة له ساعةً من نهار فقط؛ وأنه إنما هو في القتال فيها فقط، ليس ههنا لدخولها بإحرام، أو بغير إحرام ذكرٌ ولا أثرٌ.
ولو كان تحريمُ الله تعالى إيَّاها يوجبُ أن لا يدخل إلا بإحرام لوجب بذلك ولا بد؛ أن لا يحل فيها أحد أبدا، ولا ساعةً من الدهر.
وأي فَرْقٍ بين دخولها مُحِلًّا - وهو لا يريد حجا ولا عمرة لكن لحاجته؛ وبين إحلاله فيها دَهْرَه كُلَّهُ؟ !
وَلَوْلَا النَّصُّ الواردُ في أن لا يدخلها يريد الحج والعمرة إلا مُحرما (^١)
_________________
(١) = وأخرجه من هذا الطريق أيضا النسائي في الكبرى في الحج باب تحريم القتال فيه برقم ٣٨٥٩، وبه أيضا أخرجه الترمذي في الحج، باب ما جاء في حرمة مكة برقم ٨٠٦ ولفظه عند البخاري: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دَمًا. ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله -ﷺ- فقولوا له: إن الله أذن لرسوله -ﷺ-، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار؛ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب".
(٢) وذلك فيما بَيَّنَ رسول الله -ﷺ- من مواقيت لأهل كل بلد، وفيه أحاديث: منها: ما أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام برقم (١٨٤٥) عن ابن عباس: "أن النبي -ﷺ- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يَلَمْلَم؛ هن لَهُنَّ ولكل آت أتى عليهن من غيرهم، ممَّن أراد الحج والعمرة فَمَنْ كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
[ ١ / ٤٠١ ]
إما من الميقات، وإما من حيث أَنْشَأَ إنْ كان دون الميقات، لَمَا كان الإحرامُ لذلك فرضا، ولا تطوعا أيضا، فلما جاء النص بذلك سَمِعْنَا وأطعنا، ولَمَّا لم يأت نصٌّ بأن يُحْرم لدخولها من لا يريد حجا ولا عمرة لم يجب ذلك أصلا؛ وبالله تعالى التوفيق.
واحتجوا في إبطال السنة الثابتة عن رسول الله -ﷺ-: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سَلَبُه" (^١)؛ بخبر عوف بن مالك (^٢) مع خالد بن الوليد في غَزَاة مؤتة (^٣)، وبخبر إعطاء رسول الله سَلَب أبي جهل لمُعاذ
_________________
(١) أخرجه الجماعة إلا النسائي: فأخرجه البخاري في الجهاد، باب من لم يخمس الأسلاب برقم (٣١٤١)؛ ومسلم في الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل (١٢/ ٥٧)، وأبو داود في الجهاد، باب في السلب يُعْطَى القاتل برقم (٢٧١٧)، والترمذي في السير، باب من قتل قتيلا فَلَهُ سلبه برقم (١٦٠٨)، وابن ماجه في الجهاد، باب المبارزة والسلب برقم (٢٨٣٨)؛ وفي الحديث قصة.
(٢) عوف بن مالك الأشجعي، كانت معه راية أشجع يوم الفتح، له سبعة وستون حديثا، وعنه جبير بن نفير، وكثير بن مرة، شهد خيبر، مات سنة ٧٣ هـ. أخرج له الجماعة كلهم. انظر: تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٤٢٩) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٢٤) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٩٨).
(٣) أخرجه مسلم في الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل (١٢/ ٦٥)، وأبو داود في الجهاد، باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى والفرس والسلاح من السلب برقم (٢٧١٩) عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن عوف بن مالك قال: "قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله -ﷺ- عوف بن مالك فأخبره فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه، قال: استكثرته يا رسول الله، قال ادفعه إليه، فمر خالد بعوف، فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله -ﷺ-؛ فسمعه رسول الله -ﷺ- فاستغضب، فقال: "لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي إنما مثلكم =
[ ١ / ٤٠٢ ]
ابن عفراء (^١) يوم بدر (^٢).
وهذا نوعٌ من استخفافهم، أَنْ يحتجوا بشيء كان قبلَ الفَتْح بسنين، وبشهور، في إبطال حكم كان بعد الفتح، وإنما قال ﵇: "من قتل قتيلا له عليه بَيِّنة، فله سَلَبُهُ"؛ في غزوة حُنين، فجعلوا الأوَّل
_________________
(١) = ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنما فرعاها، ثم تحين سقيها، فأوردها حوضا، فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره عليكم". انتهى سياق مسلم.
(٢) معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث الأنصاري النجاري ابن عفراء، شهد بدرا والمشاهد، وهو أحد من قتل أبا جهل؛ وبقي إلى أيام عثمان، قيل هو ورافع بن مالك أول من أسلم من الأنصار، أخرج له النسائي. انظر: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٩١) والإصابة (٦/ ١١٠) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣٨٠).
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من لم يخمس الأسلاب برقم (٣١٤١)؛ ومسلم في الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل (١٢/ ٦١). كلاهما من طريق يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده وذكر الحديث وفيه: "أن النبي -ﷺ- قال لمعاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما. أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو ابن الجموح". ويفهم من هذا السياق أن لمؤلف قد وهم في قوله إن سلب أبي جهل كان لمعاذ بن عفراء، ويؤيد هذا أن المؤلف نفسه قال في المحلى (٧/ ٣٣٨) عند ذكر ما استدل به الحنفية لمذهبهم في أن السلب لا يكون للقاتل حتى يأذن الإمام: " ومَوَّهُوا أيضا بخبر قتل أبي جهل يوم بدر، وأن رسول الله -ﷺ- قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وهو أحد قاتليه، والثاني معاذ بن عفراء .. ".
[ ١ / ٤٠٣ ]
ناسخا للثاني الآخِرِ (^١)، وهذا تلاعبٌ سَمْجٌ.! !
واحتجوا في قولهم الفاسد بأن تقتل البهيمة ينكحها الرجل، بأنه قد روي "أن رسول الله أحرق رحل الغال" (^٢)؛ فهل سمع بأقبح من هذه المجاهرة؟ ! ! (^٣).
هم يخالفون هذ الخبر مع ما فيه، ولا يرون إحراق رحل الغال أصلا ثم يحتجون به في قتل بهيمة لا ذنب لها؛ لِأَنْ نَكَحَهَا فاسقٌ، تبارك الله! ! تبارك الله! ! تبارك الله! ! .
واحتجوا لقولهم الفاسد في أحد الزوجين الكافرين، إذا أسلم
_________________
(١) هذا الذي قاله المؤلف هنا، ذكر مثله في المحلى (٧/ ٣٣٨) وقال: " وأين يوم بدر من يوم حنين وبينهما أعوام؟ ! ". وفطن الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٤٢٩) لوهم الحنفيه في ذلك فقال: "واعلم أنه وقع في بعض كتب أصحابنا أن النبي -ﷺ- قال ذلك يوم بدر قال شيخنا علاء الدين: وهو وَهْمٌ وإنما قاله ﵇ يوم حنين كما صرح به في مسلم، وغيره ". وشارك الحنفية في أن سلب القتيل لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك، المالكيةُ والعترةُ. وانظر: البحر الزَّخار (٤/ ١٥٠).
(٢) أخرج أبو داود في الجهاد، باب في عقوبة الغال برقم (٢٧١٣) عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتى برجل قد غل فسأل سالما عنه، فقال سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي -ﷺ- قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه واضربوه ".
(٣) إِنْ كانت الدابة مما لا يؤكل لحمها تُذبح وتُحرق؛ وإن كانت مما يؤكل لحمها تذبح وتؤكل عند أبي حنيفة، وقال محمد وأبو يوسف: تحرق هذه أيضا، هذا إن كانت البهيمة للفاعل، وإن كانت لغيره يطالب صاحبها أن يدفعها إليه بقيمتها، ثم تذبح. انظر: تبيين الحقائق (٣/ ١٨١) والمحلى (١١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الرجل، وبقيت المرأة وهي مجوسية أو وثنية، أو أسلمت هي، وبقي هو على كفره؛ فهما على زوجيتهما حتى يعرض الإسلام على الكافر منهما؛ فإن أسلم بقيا على نكاحهما؛ وإن أبى فحينئذ ينفسخ النكاح لا قبل ذلك، ولو بقيا كذلك سنين - بالخبر الثابت أن رسول الله ردَّ زينب (^١) ابنته -﵂- على أبي العاصي بن الربيع (^٢)، إذ أسلم بالنكاح الأول (^٣)، وبالخبرين المرسلين أنه ﵇ أبقى أبا سفيان (^٤) على
_________________
(١) زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشية الهاشمية، وهي أكبر بناته وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثة، وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع؛ وولدت منه عليا، مات وقد ناهز الاحتلام، توفيت في أول سنة ثمان من الهجرة. انظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٣٠) وتاريخ خليفة (ص ٩٢) والإصابة (٨/ ١٥١ - ١٥٢).
(٢) أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس العبشمي، وكان يلقب جرو البطحاء؛ اختلف في اسمه كثيرا؛ أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ثم رجع إلى مكة، وقال ابن سعد إنه لم يشهد مع النبي -ﷺ- مشهدا. مات في خلافة أبي بكر الصديق في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من الهجرة. انظر: طبقات ابن سعد (٢/ ١٨) والإصابة (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٩).
(٣) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها؟ برقم (٢٢٤٠)؛ والترمذي في النكاح، باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما برقم (١١٥١)، وابن ماجه في النكاح أيضا، باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر برقم (٢٠٠٨ و٢٠٠٩)، والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق برقم (٢٨١٠) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد" وأما الترمذي فقال: "هذا حديث في إسناده مقال". وكلهم أخرجه من حديث ابن عباس قال: "رد رسول الله -ﷺ- ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا". وانظر الكلام على هذا الحديث في نصب الراية (٣/ ٢٠٩ - ٢١١).
(٤) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، مشهور باسمه وكنيته، أسلم عام الفتح وشهد حنينا والطائف. روى عن النبي -ﷺ-، وعنه ابن عباس وقيس بن حازم وابنه معاوية، مات سنة ٣٤ هـ وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه. انظر: تاريخ البخاري (٤/ ٣١٠) والإصابة (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٥) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٧٢).
[ ١ / ٤٠٥ ]
نكاح هند بنت عتبة (^١) -وهو أسلم قبلها- وأبقى صفوان بن أمية بنِ خلف (^٢) على نكاح امرأته، وهي أسلمت قبله (^٣).
قال أبو محمد: وكل هذه الأخبار مخالف لقولهم في هذا المكان: أما زينب ابنة رسول الله فأسلمت في أول مبعثه -ﷺ-، مع أمها خديجة -﵂- وأسر أبو العاص يوم بدر، وَمَنَّ عليه رسول الله على أن يبعث إليه زينب ففعل (^٤)، وعاد أبو العاصي إلى مكة وهي أرض حرب، ودار كفر، وبقي إلى أن أسلم قبل الحديبية بيسير، فردها عليه رسول الله حينئذ بالنكاح الأول، وبين إسلامه، وإسلامها أزيد من ثمانية عشر سنة؛ فكم ترون عرض عليه الإسلام في هذه المدة؟ ! .
وبيان هذا هو ما خفي عنهم، فيكون أعذر لهم، أو علموه فهو أمقت لهم عند الله، وهو أن نكاح المسلمة الوثني، ونكاح الوثنية
_________________
(١) هند بنت عتبة بن ربيعة القرشية، أسلمت يوم الفتح، قيل في خلافة عمر بعد أبي بكر بقليل، وقيل بقيت إلى خلافة عثمان، انظر: الثقات لابن حبان (٣/ ٤٣٩)، وتجريد أسماء الصحابة (٢/ ٣١٠) والإصابة (٨/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٢) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي أبو وهب من مسلمة الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، روى عَنْه ابنه أمية وطاوس وعطاء، مات قبل عثمان، وقيل عاش إلى زمن علي. أخرج له مسلم والأربعة. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٤٩) والتاريخ الكبير (٤/ ٣٠٤) والإصابة (٣/ ٣٤٩ - ٣٥١).
(٣) أخرج ذلك مالك في الموطأ في النكاح، باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجه قبله (ص ٣٤٥) في خبر طويل. منه: " ولم يفرق رسول الله -ﷺ- بينه وبين امرأته، حتى أسلم صفوان، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح".
(٤) ساقه ابن حجر في الإصابة (٧/ ٢٠٨).
[ ١ / ٤٠٦ ]
المسلم، كان حلالا حينئذ حتى حرم الله تعالى ذلك في سورة الممتحنة (^١) التي نزلت بعد الحديبية.
وأما خبر أبي سفيان وصفوان، فلا يستندان أصلا، ولا حجة في مرسل (^٢).
وفيهما أن صفوان عرض عليه النبي الإسلام بعد ذلك، فأبى فَأَجَّلَ له أربعة أشهر؛ وشهد حنينا وهو كافر، وهذا خلاف قولهم (^٣).
وليس في شيء من هذه الأخبار أثر لقولهم؛ وإنما يوافق قول إبراهيم النخعي، وسفيان (^٤)، وفيهما أن أي الزوجين أسلم، فهما
_________________
(١) وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الممتحنة، الآية رقم ١٠].
(٢) وبنحو هذا رد المؤلف في المحلى (٧/ ٣١٥) هذين الخبرين فقال: "فإن قيل: قد روي أن أبا سفيان أسلم قبل هند، وامرأة صفوان أسلمت قبل صفوان، قلنا: ومن أين لكم أنهما بقيا على نكاحهما ولم يجددا عقدا؟ وهل جاء ذلك قط بإسناد صحيح متصل إلى النبي -ﷺ- أنه عرف ذلك فأقره؟ حاشا لله من هذا".
(٣) مذهب الحنفية في هذه المسألة في: تبيين الحقائق (٢/ ١٧٤) وفتح القدير لابن الهمام (٢/ ٥١١) والمحلى (٧/ ٣١٢ - ٣١٧). وقال المؤلف فيه: " أما قول أبي حنيفة، فظاهر الفساد، لأنه لا حجة له لا من قرآن ولا سنة، ولا إجماع، وينبغي لهم أن يحدوا وقت عرض الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلا برأي فاسد، وهو أيضا قول لا يعرف مثل تقسيمه لأحد من أهل الإسلام قبل ".
(٤) قال المؤلف في المحلى (٧/ ٣١٣): "وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد =
[ ١ / ٤٠٧ ]
على نكاحهما أبدا إلا أنه لا يطؤها فقط؛ ولو صح خبر هند؛ وامرأة صفوان؛ لكان قول إبراهيم هو الذي لا يجوز غيره، ولكنهما لا يصحان كما ذكرنا.
واحتجوا لقولهم الفاسد: لا يُقاد مِنْ قاتل مسلم عمدا في جيش المسلمين في دار الحرب، ولا يحد مسلم في زنى في جيش المسلمين في دار الحرب (^١)، بخبر فاسد ساقط: "لا تقطع الأيدي في السفر" (^٢).
فانظروا يا عباد الله، هل في هذا الخبر شيء مما احتجوا به؟ ! !
ثم خالفوه، فقطعوا به السارق في السفر؛ وقطعوا يد المحارب،
_________________
(١) = ابن جعفر غندر قال عبد الرحمن: عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر، والمغيرة بن مقسم، وقال غندر: حدثنا شعبة حدثنا حماد بن أبي سليمان، ثم اتفق المغيرة ومنصور، وحماد كلهم عن إبراهيم النخعي في ذمية أسلمت تحت ذمي قال: تقر عنده".
(٢) انظر في حكاية هذا القول: الهداية (٢/ ٤٤٢) والمختصر للطحاوي (ص ٢٨٦) والمحلى (١٠/ ٣٦٠).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب قطع السارق برقم (٧٤٧٢) من طريق بقية قال حدثني نافع بن يزيد قال حدثني حيوة بن شريح عن عياش بن عباس عن جنادة بن أبي أمية قال: سمعت بسر بن أبي أرطأة وذكره. ثم قال النسائي: ليس هذا الحديث مما يحتج به. وأخرجه أبو داود في الحدود، باب في الرجل يسرق في الغزو أيقطع برقم (٤٤٠٨) من طريق ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن عياش بن عباس القتباني عن شييم بن بيتان ويزيد بن صبح الأصبحي عن جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطأة وذكره. وأخرجه البيهقي في الكبرى في السير، باب من زعم لا تقام الحدود في أرض الحرب حتى يرجع برقم (١٨٢٢٣) (٩/ ١٧٧) من طريق أبي داود وقال: "هذا إسناد شامي، وكان يحيى بن معين يقول: أهل المدينة ينكرون أن يكون بسر بن أبي أرطأة. سمع من النبي -ﷺ-، وقال يحيى: "بسر بن أبي أرطأة رجل سوء".
[ ١ / ٤٠٨ ]
ورجله في السفر! ! وأقادوا بقطع الأيدي في السفر (^١)! ! نعم، وفي العساكر، ما لم يدخل أرض الحرب، فخالفوا نص الخبر فيما فيه؛ واحتجوا به، فيما ليس فيه مِنْهُ أثر؛ وهذا كما ترون! !
واحتجوا في إيجاب الأضحية فرضا بأثر فاسد، من طريق ابن لهيعة (^٢) فيه أنه ﵇ أمر بالأضحية وأن يطعم منها الجار والسائل (^٣)، فقالوا هو حجة في إيجاب الأضحية فرضا، وليس هو حجة في الإطعام منها؛ فرضا، وصححوه في إيجاب الأضحية، وأبطلوه في إيجاب الإطعام (^٤).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٧/ ٦٧ - ٨٠).
(٢) عبد الله بن لهيعة -بفتح أوله- بن عقبة أبو عبد الرحمن قاضي مصر ومفتيها، روى عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وخلق، وعنه الثوري والأوزاعى وشعبة، وحدث عنه ابن المبارك وابن وهب وأبو عبد الرحمن المقرئ قبل الاختلاط واحتراق كتبه سنة ١٧٠ هـ أخرج له أبو داود والترمذي، ومسلم لكنه قرنه بآخر. توفي سنة ١٧٤ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٠٤)؛ وميزان الاعتدال (٣/ ٤٧٥)؛ وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٣٨) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٢٨٨).
(٣) قال المؤلف في المحلى (٧/ ٣٥٦) في سياق ذكر حجج الحنفية: " ومن طريق ابن لهيعة عن ابن أنعم عن عتبة بن حميد الضبي عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن معاذ بن جبل قال: "كان رسول الله -ﷺ- يأمر أن نضحي ويأمر أن نطعم منها الجار والسائل ". ثم قال بعد حين في (٧/ ٣٥٧): " وأما حديث معاذ نفيه ابن لهيعة وابن أنعم وكلاهما في غاية السقوط".
(٤) الأضحية عند الحنفية واجبة وليس مكتوبة، قال الكاساني: "وفرق ما بين الواجب والفرض كفرق ما بين السماء والأرض". وانظر: بدائع الصنائع (٥/ ٦٢). وانظر المحلى (٧/ ٣٥٥) فقد حكى المؤلف مذهب الحنفية وناقشه.
[ ١ / ٤٠٩ ]
واحتجوا بالخبرين الثابتين عن رسول الله: "لا يضحى بالعوراء البين عورها، ولا بالعرجاء البين عرجها، ولا بمقابلة، ولا بمدابرة ولا شرقاء، ولا خرقاء، ولا بتراء" (^١).
ثم خالفوا كل ذلك فقالوا: إن ذهب ثلث العين، وبقي ثلثاه جازت في الأضحية، وإن ذهب أكثر من الثلث لم يجز، وإن ذهب من الأذن
_________________
(١) فَأَمَّا الخبر الأول: فأخرجه أبو داود في الضحايا، باب ما يكره من الضحايا برقم (٢٨٠٢)؛ والنسائى في الصغرى (٧/ ٢١٤) وابن ماجه في الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به برقم (٣١٤٤)، والدارمي في الأضاحى، باب ما لا يجوز في الأضاحي برقم (١٨٨٣). عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله -ﷺ- ما يتقى من الضحايا؟ قال: "العوراء البين عورها، والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي". انتهى سياق الدارمي. وأما الخبر الثاني: فأخرجه أبو داود في الضحايا، باب ما يكره من الضحايا برقم (٢٨٠٤)، وابن ماجه في الأضاحي، بَابُ مَا يكره أن يضحى به برقم (٣١٤٢)، والنسائي في الصغرى (٧/ ٢١٦)، والترمذي في الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي برقم (١٥٣٢)، والدارمي في الأضاحي، باب ما لا يجوز في الأضاحي برقم (١٨٨٦)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤٦١) برقم (١٩١٠٢) في الضحايا، باب ما ورد النهي عن التضحية به، عن شريح ابن النعمان عن علي قال: "أمرنا رسول الله -ﷺ- أن تُسْتَشْرَقَ العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء، ولا خرقاء". انتهى لفظ الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وتفرد النسائي بقوله: "ولا بتراء". والمقابلة بفتح الباء: هي التي قطع مقدم أذنها. والمدابرة: بفتح الباء أيضا: هي التي قطع مؤخر أذنها، والشرقاء: مشقوقة الأذن، والخرقاء: التي في أذنها ثقب مستدير، والبتراء: مقطوعة الذنب. انظر: زهر الربى على المجتبى للسيوطي مع حاثية السندي (٧/ ٢١٦). ويعلم من تخريج هذين الخبرين أن المؤلف ساقهما مساقا واحدا، ولم يميز بينهما.
[ ١ / ٤١٠ ]
الثلث فكذلك، وإن ذهب من الذنب النصف فكذلك؛ وإن بلغت العرجاء المنسك أجزأت؛ وإن كان عرجها بينا، وتجزئ الشرقاء، والخرقاء، والمقابلة، والمدابرة؛ فاحتجوا بهما فيما ليس فيهما شيء من تحديد الثلث في العين، والأذن والذنب؛ وخالفوا كُلُّ مَا نص فيهما، فاعجبوا (^١)! !
واحتجوا بأخبار فيها: "لا يؤكل ما طفا من السمك" (^٢)؛
_________________
(١) انظر فيما يجزئ من الضحايا عند الحنفية: مختصر الطحاوي (ص ٣٠٢ - ٣٠٣) والهداية للمرغيناني (٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، وشرح معاني الآثار (٤/ ١٦٨ - ١٦٩) والمحلى (٧/ ٣٦٠) وقال المؤلف فيه لما حكى مذهب أبي حنيفة: "هذه الأقوال لا دليل على صحة شيء منها، ولا يعرف التحديد المذكور بالثلث أو النصف في كل ذلك عن أحد قبل أبي حنيفة ".
(٢) من هذه الأخبار: ما أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب في أكل الطافي من السمك برقم (٣٨١٥) ومن طريقه البيهقي في الكبرى في الصيد والذبائح، باب من كره أكل الطافي برقم (١٨٩٩٠) (٩/ ٤٢٩)، وأخرجه ابن ماجه في الذبائح، باب الطافي من صيد البحر برقم (٣٢٤٧) كلهم عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله -ﷺ- قال: "ما ألقى البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، فطفا فلا تأكلوه"، قال أبو داود: "روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب وحماد عن أبي الزبير وقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي -ﷺ-، وقال البيهقي: "يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم، سَيِّئُ الحفظ، وقد رَوَاهُ غَيْرُهُ عن إسماعيل ابن أمية موقوفا". وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٠٣) بعد أن ساق كلام البيهقي: "وفيه نظر: فإن يحيى بن سليم أخرج له الشيخان فهو ثقة، وزاد فيه الرفع، ونقل ابن القطان في كتابه عن ابن معين قال: "هو ثقة ولكن في حفظه شيء، ومن أجل ذلك تكلم الناس فيه".
[ ١ / ٤١١ ]
وصححوها، ثم خالفوها، فقالوا: إن قتل السمكة حوت؛ أو طائر، أو إنسان، فَمَاتَ فطفا فأكله حلال؛ وإنما يحرم إذا مات حتف أنفه فطفا؛ وليس في تلك الأخبار على ضعفها شيء من هذا (^١).
واحتجوا في تحريم الضبع، ورد السنة الصحيحة في إباحة أكلها (^٢) بخبر فاسد فيه: "ومن يأكل الضبع؟ " (^٣).
_________________
(١) انظر مذهب الحنفية في كراهة أكل السمك الطافي في الهداية؛ (٤/ ٤٠١) والتحقيق في أحاديث الخلاف (٢/ ٣٦١).
(٢) أخرج أبو داود في الأطعمة، باب في أكل الضبع برقم (٣٨٠١)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في أكل الضبع برقم (١٨٥١)، وابن ماجه في الصيد، باب الضبع برقم (٣٢٣٦) عن جابر بن عبد الله "أنه سئل عن الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، فقيل: آكلها؟ قال: نعم، فقيل له: أقاله رسول الله -ﷺ-؟ قال: نعم". هذا سياق الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ١٥٢): "وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي، وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن أبي عمار فوهم، لأنه وثقه أبو زرعة والنسائي، ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به".
(٣) أخرجه الترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في الضبع برقم (١٨٥٢) وابن ماجه في الصيد، باب الضبع برقم (٣٢٣٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبي أمية عن حبان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء قال: "قلت يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: ومن يأكل الضبع؟ ". هذا لفظ ابن ماجه. قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبي أمية، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية وهو عبد الكريم بن قيس هو ابن أبي المخارق، وعبد الكريم بن مالك الجزري ثقة". وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٩٣) في هذا الحديث: "وضعفه ابن حزم بأن إسماعيل ابن مسلم ضعيف، وابن أبي المخارق ساقط، وحبان بن جزء مجهول". وقال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ١٥٢): " وأما ما رواه الترمذي من حديث خزيمة بن =
[ ١ / ٤١٢ ]
قال أبو محمد: وهذا لفظٌ -لو صح- لما أوجب تحريمها أصلا؛ وإنما كان يكون فيه تقذرها فقط، فاحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء.
واحتجوا في إباحة أكل ما ذبحه غاصب، أو سارق، بخبر لا يصح فيه أن رسول الله دعي إلى طعام مع رهط من الأنصار من أصحابه، فَلَمَّا أخذ اللقمة قال: "إني لأجد لحم شاة أخذت بغير حق"، فقالت له المرأة: "بلى يا رسول الله إني أخذتها من امرأة فلان بغير علم زوجها؛ والشاة لزوجها". قال: "فأمر ﵇ بأن تطعم الأسرى" (^١).
قال أبو محمد: وليس في هذا الخبر إباحة أكلها أصلا؛ بل فيه المنع من أكلها؛ لأنه لو صح ذلك الخبر - لكان فى منعه ﵇ كل
_________________
(١) = جزء فضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الكريم أبي أمية والراوي عنه إسماعيل بن مسلم". وقد ذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى كراهية أكل الضبع، واستدلوا بحديث جابر، وبنهيه -ﷺ- عن أكل كل ذي ناب من السباع. قال الطحاوي: "فلا يجوز أنْ يخرج من ذلك الضبع، إذا كانت ذات ناب من السباع، إلا بما يقوم عينا به الحجة بإخراجها من ذلك". وانظر: شرح معاني الآثار (٤/ ١٩٠ - ١٩١) والهداية للمرغيناني (٤/ ٤٠٠) والتحقيق في أحاديث الخلاف (٢/ ٣٦٤).
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع، باب اجتناب الشبهات برقم (٣٣٣٢) من طريق محمد بن العلاء عن ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار وفيه: قال النبي -ﷺ- "أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها" فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله -ﷺ-: "أطعميه الأسارى".
[ ١ / ٤١٣ ]
مسلم بحضرته من أكلها؛ وإعطائها الأسرى الكفار الذين يأكلون الميتة ولعلهم كانوا في ضرورة، وهذا أبين دليل على تحريم أكلها على أهل الإسلام، فكيف وهو خبر لا يصح؟ ! .
فاحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء، وخالفوا فيما فيه، وهم لا يكرهون ما ذبح السارق والغاصب أصلا؛ ولا يحبون لأحد تركه تورعا؛ بل هو عندهم وما ذكاه مالكه سواء.
واحتجوا في إباحة الخمر المسكرة بأخبار واهية، ثم ليس فيها شيء مما ذهبوا إليه، وخالفوا نص ما فيها، لأن نصها أنه ﵇ دعا بماء فصبه على ذلك النبيذ الشديد من الزبيب وشربه، ثم قال: "ما اغتلم عليكم منها، فاكسروا متونها بالماء" (^١).
وهم لا يقولون بهذا أصلا، بل هو حرام عندهم ما لم يطبخ، وإن صُبَّ عليه الماء، وأحلوا المسكر من نبيذ التمر إذا طبخ، وليس هذا
_________________
(١) أخرجه النسائي في الأشربة (٢/ ٣٣٢)، عن عبد الملك بن نافع قال: قال ابن عمر: رأيت رجلا جاء الى رسول الله -ﷺ-، فدفع اليه قدحا فيه نبيذ، فوجده شديدا، فرده عليه فقال رجل من القوم: يا رسول الله أحرام هو؟ فعاد، فأخذ منه القدح، ثم دعا بماء، فصبه عليه، ثم رفعه إلى فيه، فقطب، ثم دعا بماء آخر، فصبه عليه ثم قال: "إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية، فاكسروا متونها بالماء". قال النسائي: وعبد الملك ابن نافع غير مشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف هذا. قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٣٠٨): "وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بعبد الملك ابن نافع، وهو رجل مجهول، اختلفوا في اسمه، واسم أبيه، فقيل هكذا، وقيل، عبد الملك بن القدقاع؛ وقيل: مالك بن القعقاع". وانظر: المحلى (٧/ ٤٨٣ - ٤٨٤) فقد ساق المؤلف هذا الحديث وتكلم عليه بكلام فصل.
[ ١ / ٤١٤ ]
في شيء من تلك الأخبار أصلا (^١).
واحتجوا لقولهم إن من قال: "أنا كافر إن دخلت دار زيد" أنها يمين، وعليه (^٢) كفارة يمين إن دخلها بخبر لا يصح فيه لا نذر في معصية الله تعالى، وكفارته كفارة يمين (^٣).
وليس في هذا اللفظ شيء مما احتجوا له به، وخالفوا حكمه أيضا، فقالوا: من نذر أن يكفر أو أن يعصي الله تعالى، فلا شيء عليه لا كفارة ولا غيرها (^٤).
واحتجوا بخبر- لا يصح فيه: "إن طعام الكفَّارة إن كان خبزا يابسا: فغذاء وعشاء" (^٥)، وخالفوه قالوا: يجزئ غذاء وعشاء، وعشاء وسحور، سواء كان مأدوما، أو يابسا؛ وليس هذا في شيء من هذا الخبر (^٦).
_________________
(١) نبيذ التمر، ونقيع الزبيب إذا طبخا أدنى طبخة يحل شربه، ولا يحرم إلا السكر منه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد في رواية عنه: لا يحل شربه، لكن لا يجب الحد إلا بالسكر وانظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٢١٤ - ٢١٥) وبدائع الصنائع (٥/ ١٦٦) ورد المحتار (٥/ ٢٩١ - ٢٩٢) والمحلى (٧/ ٤٨٠).
(٢) في النسخة التونسية: "عليها"، وله وجه، لكن رجحت ما أثبته والله أعلم.
(٣) أخرجه النسائي في الصغرى (٧/ ٢٧) كتاب الأيمان والنذور، باب كَفَّارة النذر من طريق سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير الذي كان يسكن اليمامة حدثه أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا نذر في معصية، وكفارتها، كفارة يمين". قال النسائي: "أبو عبد الرحمن سليمان بن أرقم: متروك الحديث".
(٤) انظر: مختصر الطحاوي (ص ٣٠٥) والمحلى (٨/ ٥٥) وبدائع الصنائع (٥/ ٨٢).
(٥) أجده.
(٦) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٠٢ - ١٠٣) ففيه تفاصيل في صفة كفارة الإطعام، منها ما ذكره المؤلف هنا.
[ ١ / ٤١٥ ]
واحتجوا في إباحة أخذ الدنانير من الدَّراهم، والدراهم من الدنانير بخبر ساقط من طريق سماك بن حرب (^١) فيه: "لا بأس إذا كان بسعر يومكما، ولم تفترقا، وبينكما شيء" (^٢)، فخالفوه في شرطه
_________________
(١) سماك بن حرب بن أوس البكري الذهلي أبو المغيرة الكوفي، روى عن جابر والنعمان ابن بشير وطائفة، وعنه: الأعمش وشعبة وأبو عوانة، وثقه أبو حاتم وابن معين، وقال أحمد: مضطرب الحديث. قال الخزرجي: عن عكرمة فقط. توفي سنة ١٢٣ هـ. أخرج له مسلم والأربعة. انظر: التاريخ الكبير (٢/ ١٧٣) وثقات ابن شاهين (ص ١٥٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٣٠ - ٤٣١) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٥٥).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى في البيوع، باب أخذ الورق من الذهب برقم (٦١٨١) وأبو داود في البيوع، باب في اقتضاء الذهب من الورق برقم (٣٣٥٤)؛ وابن ماجه في التجارات، باب اقتضاء الذهب من الورق، والورق من الذهب برقم (٢٢٦٢) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: أتيت النبي -ﷺ- فقلت رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع بدنانير، وآخذ الدراهم قال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا، وبينكما شيء". هذا لفظ النسائي. وأخرجه المؤلف في المحلى (٨/ ٥٠٣) بسنده من طريق قاسم بن أصبغ. وقال: وهذا خبر لا حجة فيه لوجوه: أحدها أن سماك بن حرب ضعيف، يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وأنه كان يقول له: حدثك فلان عن فُلان؟ فيقول: نعم، فيم سئل عنه، وثانيها: أنه قد جاء هذا الخبر بهذا السند ببيان غير ما ذكروا كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا قتيبة نَا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب فأتيت رسول الله -ﷺ- فأخبرته بذلك فقال: "إذا بايعت صاحبك، فلا تفارقه وبينك وبينه لبس". وهذا معنى صحيح وهو كله خبر واحد، وثالثها "أنه لو صح لهم كما يريدون لَكَانُوا مخالفين له، لأن فيه اشتراط أخذها بسعر يومها، وهم يجيزون أخذها بغير سعر يومها فقد أطرحوا ما يحتجون به ".
[ ١ / ٤١٦ ]
بسعر يومكما، وقالوا: لا معنى لمراعاة سعر يَوْمِهِمَا.
واحتجوا لقولهم في الرهن يتلف بخبر من طريق سعيد بن المسيب: "لا يغلق الرهن من راهنه، له غُنمه وعليه غُرمه" (^١)، والآخر من طريق عطاء (^٢) لا يصح أن رجلا رهن فرسا، فمات، فقال له رسول الله: "ذهب حقك" (^٣). وصححوهما، وأبطلوا الحق إذا
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك في البيوع برقم (٢٣١٧)، وابن حبان برقم (١١٢٣) (موارد الظمآن)؛ والدراقطني في البيوع (٣/ ٣٢) عن سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله -ﷺ-: "لا يغلق الرهن ممن رَهَنَه، له غنمه وعليه غرمه". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه". وقال الدارقطني: "هذا إسناد حسن متصل". وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٣٢٠ - ٣٢١): "وصححه عبد الحق في أحكامه من هذه الطريق وقد روي هذا الحديث متصلا أيضا من طرق أخرى عديدة، ذكرها الدارقطني وأجود طرقه المتصلة ما ذكرناه، قال صاحب التنقيح: وقد صحح اتصال هذا الحديث الدارقطني وابن عبد البر وعبد الحق". ويقال غلق الرهن يغلق غلوقا: إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه". انظر: النهاية لابن الأثر (٣/ ٣٧٩). قلت: وروي هذا الخبر مرسلا أخرجه أبو داود في مراسيله (ص ١٣٤). وذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٠٠) من قول ابن المسيب.
(٢) هو عطاء بن أبي رباح كما جاء مصرحا بذلك في سند الحديث وقد مرت ترجمته (ص ٣٤٨).
(٣) أخرجه أبو داود في مراسيله (ص ١٣٤ - ١٣٥) من طريق مصعب بن ثابت قال: سمعت عطاء يحدث "أن رجلا رهن فرسا، فنفق في يده، فقال رسول الله -ﷺ- للمرتهن: ذهب حقك". قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٣٢١): قال عبد الحق في أحكامه: "هو مرسل وضعيف". قال ابن القطان في كتابه: "ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ضعيف، كثير الغلط وإن كان صدوقا". وأورده المؤلف في المحلى (٨/ ٩٨) من هذه الطريق وقال: "هذا مرسل، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي".
[ ١ / ٤١٧ ]
كان بمقدار الرهن فأكثر؛ ثم خالفوهما، فقالوا: إن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين، فما زاد على قيمة الرهن فهو باق على الراهن، لم يذهب ذلك من حق المرتهن، وهذا خلاف ما في الخبرين المذكورين (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد: إنَّ من أقر بأحد ثلاثة أولاد لأمته، ولم يبين أيهم هو، ثم مات، فإن الأصغر حر؛ ولا يكلف غرامة، ولا يرث، ولا يلحق نسبه، وأن الأوسط يعتق نصفه بلا سعاية ويكلف السعاية عن قيمة نصفه ويعتق، وأن الأكبر يعتق ثلثه بلا سعاية، وثلثاه بالسعاية في قيمتها، بالخبر الذي فيه أن رسول الله بعث خالد ابن الوليد إلى حي من العرب فاعتصموا بالسجود، فقتلهم، فأمر لهم رسول الله بنصف الديات (^٢)، فاحتجوا به فيما ليس فيه أثر، ولا
_________________
(١) ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة في: شرح معاني الآثار (٤/ ١٠٠ - ١٠٣) والمختصر للطحاوي (ص ٩٣) والهداية (٤/ ٤٦٨) وتبيين الحقائق (٦/ ٦٤) والبحر الزخار (٥/ ١١٣) والمحلى (٨/ ٩٦) حيث ساق المؤلف أدلة الحنفية وردها وقال فيما استدلوا به من خبر ابن المسيب: "وأما الحديث الذي ذكروا فمرسل ولا حجة في مرسل؛ ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة أصلا، لأنه لا يدل على شيء من قولهم، ولا تقسيمهم، وإنما مقتضاه لو صح هو أن قوله: لا يغلق الرهن ممن رهنه -بضم الراء وكسر الهاء- له غنمه وعليه غرمه فوجب ضمان الرهن على المرتهن وقوله: "لا يُغلق الرهن من صاحبه لَهُ غُنْمُهُ وعليه غُرْمه" إن كان أراد بصاحبه مالكه، وهو الأظهر، فهو يوجب أن خسارته منه، ولا يضمنه له المرتهن، وإن كان أراد بصاحبه المرتهن فهو يوجب ضمانه له بكل حال، فصار حجة عليهم بكل وجه، وبطل قولهم ".
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى في القسامة، باب القود بغير حديدة برقم (٦٩٨٢)، وأبو داود في الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود برقم (٢٦٤٥)، والترمذي =
[ ١ / ٤١٨ ]
شَبَهٌ ولا مماثلة، ثم خالفوه جهارا فقالوا: لو أن مسلما قتل حربيا قد اعتصم بالسجود لم يلزمه شيء لا دية، ولا نصف دية، ولا غرامة أصلا، لا عليه، ولا على عاقلته، ولا على بيت المال.
فإن قال قائل: فما وجه أمره ﵇ لهم بنصف الدية؟ قلت: تَفَضَّلَ رسول الله -ﷺ- عليهم بذلك، دون أن يجب في ذلك شيء، ولم يقل ﵇ إن نصف الدية واجب لهم، فيلزمنا الطاعة لذلك، إنما هو فَعَلَهُ ﵇، فمن فعله من الأمراء فحسن، ومن لا فلا حرج.
واحتجوا بالخبر الثابت: "جرح العجماء جبار" (^١)؛ في إبطال
_________________
(١) = في السير، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين برقم (١٦٥٤)؛ والبيهقي في الكبرى رقم ١٨٤١٩ (٩/ ٢٤٠) في السير، باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب. كلهم من حديث أبي معاوية إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله. قال الترمذي: "حدثنا هناد حدثنا عبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبد الله. قال الترمذي: "حدثنا هناد حدثنا عبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم مثل حديث أبي معاوية ولم يذكر فيه عن جرير وهذا أصح".
(٢) أخرجه البخاري في الديات، باب المعدن جبار والبئر جبار برقم (٦٩١٢)؛ ومسلم في الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار أي هدر (١١/ ٢٢٤)، وأبو داود في الديات، باب العجماء والمعدن والبئر جبار برقم (٤٥٩٣)؛ والنسائي في الزكاة، باب المعدن (٥/ ٤٥)؛ والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في العجماء أن جرحها جبار برقم (١٣٩١)، وابن ماجه في الديات، باب الجبار برقم (٢٦٧٣) عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار وفي الركاز الخمس". هذا لفظ البخاري.
[ ١ / ٤١٩ ]
الأخبار فيما جنت المواشي ليلا (^١)، وصححوه وأوجبوا الأخذ به، ثم خالفوه أيضا فقالوا: من ركب دابة أو قادها أو ساقها، من ورائها فهو ضامن لما عضت بفمها، ولا ضمان عليه فيما أتلفت بِدَوْسِ (^٢) رجليها، أو بركضه بهما، أو بأحدهما، وسواء في كل ذلك كَبَحَهَا أو ضربها، أو لم يفعل شيئا من ذلك (^٣).
واحتجوا بالخبر المشهور -وإن كان لا يصح- أن رجلا طعن آخر في ركبته بَقْرنٍ، فطلب القود، فقال له رسول الله: "دع حتى تبرأ، فأبى، فأقاده ﵇ قبل أن يبرأ" (^٤)، فصححوه واحتجوا به في تأخير القود، وخالفوا ما فيه من تعجيل القود إِن
_________________
(١) تقدم تخريج ما يفيد ذلك (ص ٣٠٩).
(٢) الدوس: الوطء بالرجل كالدياس والدياسة. انظر القاموس مادة دوس (ص ٧٠٤).
(٣) انظر مذهب الأحناف في جناية الراكب والسائق والقائد في: مختصر الطحاوي (ص ٢٥٠ - ٢٥٣) والهداية (٤/ ٥٤٤ - ٥٥٠) وتبيين الحقائق (٦/ ١٤٩) والمحلى (١١/ ٤ - ٦).
(٤) أخرجه الدارقطني في الحدود (٣/ ٨٩) من طريق عمرو بن دينار عن جابر: أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فأتى النبي -ﷺ- يستقيد، فقيل له: حتى تبرأ، فأبى وعجل، فاستقاد. قال: فعنتت رجله، وبرئت رجل المستقاد منه، فأتى النبي -ﷺ-، فقال له: "ليس لك شيء، إنك أبيت". قال أبو أحمد بن عبدوس: ما جاء بهذا إلا أبو بكر وعثمان، قال الدارقطني: "أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره عن ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلا، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه، وهو المحفوظ مرسلا"، وأخرجه من طريق الدارقطني، البيهقي في الكبرى في الجراح، باب ما جاء في الاستثناء بالقصاص من الجرح والقطع برقم ١٦١٠٩ (٨/ ١١٦).
[ ١ / ٤٢٠ ]
أَبَى المَجْنِيُّ عليه من التأخير (^١).
واحتجوا بالخبر الوارد: "أنت ومالك لأبيك" (^٢) في إسقاط الحد عن الزاني بأم ولد ابنه، وألحقوا الولد في ذلك بالزاني، وأسقطوا القطع به عن الوالد يسرق مال ولده، والحد إن قذفه؛ أو قذف أمه، ثم خَالَفُوا في نص ما فيه، فلم يبيحوا للأب من مال ابنه فلسا فما فوقه؛ وقضوا عليه بدله بالسجن أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، وبضمان ما أتلف،
_________________
(١) ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أن من جرح رجلا جراحة لم يقتص منه حتى يبرأ، قال الحازمي: "وأخذوا في ذلك بحديث جابر". وقال الشافعي: يقتص منه في الحال اعتبارا بالقصاص في النفس، واحتج بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الرجل الذي طعن رجلا بقرن فقال يا رسول الله أقدني قال: لا تعجل حتى يبرأ جرحك، قال: فأبى فأقاده رسول الله -ﷺ-؛ قال الحازمي: "وقد ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما يدل على أنه منسوخ، ثم ساقه بسند أحمد ومتنه، قال: وقد روى هذا الحديث عن ابن جريج من غير وجه، فإن صح سماع ابن جريج من عمرو بن شعيب، فهو حديث حسن يقوى الاحتجاج به لمن يدعي النسخ". وانظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص ١٩٤ - ١٩٥) والهداية (٤/ ٥٣٣).
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده برقم (٣٥٣٠)؛ وابن ماجه في التجارات، باب ما للرجل من مال ولده برقم (٢٢٩٢)، وأحمد في المسند برقم (٦٦٧٨ - ٦/ ٢٣٢) والبيهقي في الكبرى، كتاب النفقات، باب نفقة الأبوين برقم (١٥٧٤٨ - ٧/ ٧٨٩) كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "أتى أعرابي رسول الله -ﷺ-، فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي؟ قال: "أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئا". وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ١٨٩) و(٤/ ٩) بعض طرق هذا الحديث وتكلم عليها فانظره إِنْ شئتَ.
[ ١ / ٤٢١ ]
وهذا عجب جدا.
ويقال لهم لا تخلو أَمَةُ الولد من أن تكون له، أو لأبيه، أو لهما معا؛ أو لا لواحد منهما؛ ولا سبيل إلى قسم خامس، فإن كانت لا للأب، ولا للابن فحدوا كل من وطئها منهما؛ لأنه وطئ ما لا ملك له فيه؛ ولا تلحقوا ولدها بواحد منهما؛ لا بد من ذلك؛ وإن كانت لهما جميعا فامنعوا الابن من وطئها كما تمنعون الأب؛ وكما تنهون الشريكين عن وطء أمة بينهما، وأنتم لا تفعلون به ذلك؛ وإن كانت للابن لا للأب، فحدوا الأب إن زنى بها، ولا تلحقوا به ولدها؛ لأنه وطئ ما ليست له زوجة، ولا ملك يمين ولا بد من أحد هذه الوجوه (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد أن الإمام يكبر إذا قال المقيم: قد
_________________
(١) ذكر المؤلف هنا مسائل كثيرة عن الحنفية منها: - إسقاط الحد عن الزاني بأم ولد ابنه، وهذه المسألة مفصلة في الهداية (٢/ ٣٨٨) واستدل المرغيناني بالحديث الذي أورده المؤلف، وانظر أيضا: اللباب في شرح الكتاب (٣/ ١٩٠) والمحلى (١١/ ٣٤٤). - إسقاط القطع عن الوالد يسرق مال ولده: وانظر في تفاصيل هذه المسألة: حلية العلماء (٨/ ٦٣) والمحلى (١١/ ٣٤٤) وفيه رد مستفيض على الحنفية. - إسقاط الحد عن الأب إن قذف ابنه: وانظر المسألة بجلاء في: حلية العلماء (٨/ ٣٤) وبدائع الصنائع (٧/ ٤٢)، وقال المؤلف في المحلى (١١/ ٣٤٥): " وأما قولهم: لو قتل ابنه لم يقتل به، ولو قطع لَهُ عُضْوًا وكسره لم يقتص منه، ولو قذفه لم يحد به ولو زنى بأمته لم يحد فكذلك إذا سرق من ماله لم يُحد، فكلام باطل واحتجاج للخطأ بالخطأ بل لو قتل ابنه لقتل به، ولو قطع له عضوا، أو كسره لاقتص منه، ولو قذفه لحد به، ولو زنى بأمته لحد كما يحد الزاني ".
[ ١ / ٤٢٢ ]
قامت الصلاة - بالخبر الذي فيه أن بلالا قَال لرسول الله: لا تسبقني بآمين (^١) وبقول أبي هريرة لمروان (^٢): "لا تسبقني بآمين" (^٣).
قال أبو محمد: وليس في هذا الخبر شيء مما قالوا، لأن المقيم إذا قال: قد قامت الصلاة، فلم يبق عليه من الإقامة إلا قول: "قد
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى في الصلاة، باب من زعم أنه يكبر قَبْلَ فراغ المؤذن من الإقامة برقم (٢٢٩٨ - ٢/ ٣٥) من طريق عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن بلال -﵁- أنه سأل النبي -ﷺ- فقال: "لا تسبقني بآمين". ثم أورده برقم (٢٢٩٩) من طريق عبد الواحد بن زياد عن عاصم عن أبي عثمان ثم قال: "كذا رواه عبد الواحد ابن زياد عن عاصم مرسلا، وروي بإسناد ضعيف عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: "قال بلال ". وليس بشيء إنما رواية الجماعة الثقات عن عاصم دون ذكر سلمان؛ ورواه محمد بن فضيل عن عاصم بلفظ آخر". وقال ابن التركماني تعليقا على قول البيهقي: "أبو عثمان أسلم على عهد النبي ﵇ وسمع جمعا كثيرا من أصحابه ﵇ كعمر بن الخطاب وغيره، فإذا روى عن بلال بلفظ عن أو قال فهو محمول على الاتصال على ما هو المشهور عندهم".
(٢) كذا استظهرته وهو مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو عبد الملك الأموي القرشي يعد في أهل المدينة، سمع عثمان بن عفان وبسرة، روى عنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين، استولى على مصر والشام، مات بدمشق سنة ٦٥ هـ أخرج له البخاري والأربعة. انظر: تاريخ البخاري (٤/ ٣٨٧) والجرح والتعديل (٨/ ٢٧١) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٣٧٣).
(٣) أَخرج عبد الرزاق في المصنف برقم (٢٦٣٧ - ٢/ ٩٦) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه بِأَنْ لا يسبقه بآمين". وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف أيضا برقم (٧٩٦٢ - ٢/ ١٨٩) من طريق كثير بن يزيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة أنه كان مؤذنا بالبحرين فقال للإمام: "لا تسبقني بآمين". ويعلم من هذا أَنْ ليس الإمام مروان بن الحكم؛ ولعل ذلك في قصة أخرى والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٣ ]
قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم يكبر للصلاة (^١).
وبضرورة المشاهدة يدري كل ذي حس سليم، أنه لا سبيل إلى إتمام الإمام ثلاث آيات من أم القرآن؛ فكيف أن يتم جميعها؟ فكيف يسبقه الإمام بآمين؟ ! إن هذا لعجب لا نظير له! ! !
فإن قيل: فما معنى قول بلال لرسول الله: "لا تسبقني بآمين"؛ قلنا: معناه واضح، وهو أن المأموم يقرأ أم القرآن كما يقرأها الإمام؛ فربما كان في قراءة المأموم إبطاء فيسبقه الإمام بآمين، فأراد بلال أن يتمهل رسول الله في قول آمين حتى يتم بلال قراءته وهذا معنى قول أبي هريرة.
لا يحتمل هذان الخبران شيئا غير هذا أصلا، وهو خلاف قولهم جهارا.
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المتوضئ لا يجزئه من مسح رأسه إلا الربع فأكثر؛ ومرة قالوا: إلا ثلاثة أصابع فأكثر؛ لا يبالي من أي جوانب رأسه مسح مقدار ذلك، بالخبر الثابت المشهور من طريق المغيرة بن شعبة (^٢) أن رسول الله توضأ فمسح بناصيته
_________________
(١) قال أبو حنيفة ومحمد: "يكبر الإمام إذا قال المقيم قد قامت الصلاة". وقال أبو يوسف: "لا يكبر الإمام حتى يفرغ المقيم من الإقامة". وانظر تفاصيل كل قول وأدلته في: المبسوط (١/ ٣٩) وحلية العلماء (٢/ ٨١) وتبيين الحقائق (١/ ١٠٩) والفتاوى الهندية (١/ ٦٨) والدليل الذي ساقه المؤلف هنا في المبسوط.
(٢) المغيرة بن شعبة -بالضم في أوله- بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبو عبد الله وقيل أبو عيسى أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، وشارك في معركة اليرموك، توفي سنة ٥٠ هـ. وحديثه في الكتب الستة. انظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٢٨٤)؛ وثقات ابن حبان (٣/ ٣٧٢) والإصابة (٦/ ١٣١ - ١٣٢).
[ ١ / ٤٢٤ ]
وعمامته (^١).
وبالضرورة يدري كلُّ ذي فَهْم أنه ليس في هذا الخبر شيء من المقدارين السخيفين اللذين حدوًا لا بدليل ولا بنص، ويحتاج في حديهما المذكورين إلى خيط يُذرع (^٢) به الرأس، ثم خالفوا هذا الخبر الصحيح فيما فيه من مسح العمامة، فرأوه لا معنى له، وهذا قول تقشعر منه جلود المؤمنين، نعوذ بالله منه (^٣).
وليس في هذا الخبر إلا قولنا في أن المسح على العمامة سنة تجزئ،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الوضوء، باب المسح على الخفين، ومقدم الرأس (١/ ١٧٣ - ١٧٤) والترمذي في الطهارة باب ما جاء في المسح على العمامة برقم (١٠٠)، وأبو داود في الطهارة، باب المسح على الخفين برقم (١٥٠) وابن ماجه في الطهارة، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين برقم (٥٥٩)، والبيهقي في الكبرى في الطهارة، باب مسح بعض الرأس برقم (٢٦٧ - ١/ ٩٦) ومعرفة السنن (١/ ١٦٠) والشافعي في مسنده (ص ١٤). من رواية حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه "أن رسول الله -ﷺ- مسح على الخفين، ومقدم رأسه وعلى عمامته". هذا لفظ مسلم، وفي رواية له أيضا: "ومسح بناصيته وعلى العمامة". قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٥٨): "ولم يخرجه البخاري، ووهم المنذري فيه فعزاه إلى المتفق، وتبع في ذلك ابن الجوزي".
(٢) ذرع الثوب: قاسه انظر مادة الذراع في القاموس (ص ٩٢٥).
(٣) قال أبو حنيفة وأبو يوسف: الواجب من مسح الرأس الربع، وقال محمد: الواجب قدر ثلاثة أصابع اعتبارا لآلة المسح وهي اليد. وانظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣١) وتبيين الحقائق (١/ ٣)؛ وذكر المؤلف في المحلى (٢/ ٥٢) مذهب أبي حنيفة ودليله واعترضه بقوله: "وأما تخصيص أبي حنيفة لربع الرأس أو لمقدار ثلاثة أصابع ففاسد لأنه قول لا دليل عليه ". ثم أفاض في الرد. وناقش المؤلف أبا حنيفة ومالكا في قولهما: لا يمسح على عمامة ولا خمار في المحلى (٢/ ٦١).
[ ١ / ٤٢٥ ]
وأن مسح بعض الرأس دون تحديد يجزئ، أو قول الأوزاعي (^١) والليث (^٢) وهو أن مسح الناصية فقط - وهو مقدم الرأس يجزئ وبالله التوفيق (^٣).
واحتجوا لقولهم الفاسد أن المأموم يكبر مع الإمام لا بعده، ويركع معه لا بعده، ويسجد معه لا بعده، ويرفع معه لا بعده (^٤) بالخبر الثابت المشهور عن رسول الله -ﷺ-: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا
_________________
(١) هو إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو، روى عن عطاء وابن سيرين ومكحول وخلق وعنه أبو حنيفة وقتادة، ويحيى بن أبي كثير وطائفة، قال ابن سعد: "كان ثقة مأمونا صدوقا، فاضلًا". توفي سنة ١٥٧ هـ. وحديثه في الكتب الستة. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٨)؛ والجرح والتعديل (١/ ١٨٤)؛ وثقات ابن شاهين (ص ٢١٨) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٢٣٢).
(٢) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث الإمام، روى عن سعيد المقبري، وعطاء ونافع، وقتادة والزهري وخلق سواهم، وعنه ابن عجلان وابن لهيعة وهشيم وطائفة، وثقه غير واحد كابن معين وأحمد. توفي سنة ١٧٥ هـ. أخرج له الستة. انظر: التاريخ الكبير (٤/ ٢٤٦) والثقات لابن حبان (٧/ ٣٦٠) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٩) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٣٢٣).
(٣) قول الأوزاعي والليث في: المحلى (٢/ ٥٢)، والمغني لابن قدامة (١/ ١١٠).
(٤) قال مالك وأبو يوسف: لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير، وقال أبو حنيفة وسفيان ومحمد: يكبر مع الإمام، واستدل أبو حنيفة بالحديث الذي أورده المؤلف هنا وقال: "إن "إذا" للوقت حقيقة كالحين، فيكون تقديره، فكبروا في زمان فيه يكبر الإمام، والفاء وإن كانت للتعقيب فقد تستعمل للقِرَانِ". وانظر تفصيل ذلك في: تبيين الحقائق (١/ ١٢٥) وحلية العلماء (٢/ ٨٢)؛ والمغني لابن قدامة (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦) والفتاوى الهندية (١/ ٦٨ - ٦٩) والمحلى (٣/ ٢٥٩). فقد اعترض المؤلف على الحنفية وقال: "وهذا تحكم عجيب! ".
[ ١ / ٤٢٦ ]
كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا" (^١).
قال أبو محمد: وليس في البرهان على قلة الحياء أكثر من احتجاجهم بالحديث المذكور، لأنه ضد قولهم لا يحتمل غير ذلك؛ لأن الفاء في اللغة التي خاطبنا بها رسول الله توجب التعقيب في الرتبة بلا مهلة ولا بد؛ ولا تأتي البتة لكون الأمرين معا، وأيضا، فلا يقال: كبر أو ركع؛ أو رفع أو سجد إلا حتى يكبر، ويركع ويسجد، ويرفع، فإذا تم ذلك من فعل الإمام فحينئذ أمرنا نحن بابتداء عمل التكبير، والركوع والسجود والرفع، فاعجبوا، فهذا مكان العجب! ! ونسأل الله العافية.
واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله أنه كان يطيل الركعة الأولى من الصبح، ومن الظهر أكثر من التي بعدها (^٢)، لقولهم أن الركعة
_________________
(١) أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها: في الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة برقم (٧٢٢)، ومسلم في الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (٢/ ١٣٣) وأبو داود في الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود برقم (٦٠١) والنسائي في الصغرى في الصلاة، باب تأويل قوله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ..﴾. (٢/ ١٤١)؛ والترمذي في الصلاة، باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا برقم (٣٥٨)، والدارمي في الصلاة، باب فيمن يصلي خلف الإمام برقم (١٢٣٦)، والحميدي في مسنده برقم (١١٨٩)، والشافعي في مسنده أيضا (ص ٢١١) والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٦١) والمعرفة (١/ ٥٧٧). وفي بعض طرق هذا الحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه".
(٢) أخرجه البخاري في الأذان، باب القراءة في الظهر برقم (٧٥٩)، وباب القراءة في الفجر برقم (٧٧١)، ومسلم في الصلاة باب القراءة في الظهر والعصر (٤/ ١٧١) =
[ ١ / ٤٢٧ ]
الأولى من صلاة الصبح تُطَوَّلُ أكثر من التي بعدها، ولم يروا ذلك في الأولى من الظهر، فإن قالوا قد روي استواء القراءة في الأوليين من الظهر (^١)؛ قلنا: وقد روي استواء القراءة في الركعتين معا من صلاة الصبح (^٢).
واحتجوا لقولهم في النهي عن السدل في الصلاة، بالخبر الثابت عن رسول الله في النهي عن الإسبال (^٣).
_________________
(١) = وأبو داود في الصلاة، باب ما جاء في القراءة في الظهر برقم (٢١١)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في القراءة في الصبح برقم (٣٠٥، ٣٠٦)، وابن ماجه في الإقامة، باب القراءة في صلاة الفجر برقم (٨١٩). وساق مسلم الحديث من طريق أبي قتادة قال: "كان رسول الله -ﷺ-، يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح".
(٢) في حديث أبي سعيد الخدري "أن النبي -ﷺ- كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كُلِّ ركعة قدر ثلاثين آية ". أخرجه مسلم في الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر (٤/ ١٧٢) وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر برقم (٨٢٨).
(٣) وذلك في حديث أبي ذر الأسلمي الذي فيه: "وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة". يعني في صلاة الصبح، أخرجه البخاري في الأذان، باب القراءة في الفجر برقم (٧٧١) ومسلم في الصلاة، باب القراءة في الصبح (٤/ ١٧٩) وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب القراءة في صلاة الفجر برقم (٨١٨)، والسياق الذي مضى سياق البخاري. وانظر: مذهب الحنفية في هذه المسألة في: الهداية (١/ ٥٩) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٣٧٣).
(٤) وردت أحاديث في النهي عن الإسبال منها: ما أخرجه البخاري في اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء برقم (٥٧٩١) ومسلم في اللباس أيضا، باب تحريم جر الثوب =
[ ١ / ٤٢٨ ]
وهذه مجاهرةٌ سَمْجَةٌ، لأن الإسبال شيء آخر غير السدل، السدل: هو (^١) في الرداء على الصدر بغير قميص، والإسبال: هُوَ جَرُّ ذيل الثوب؛ فاعجبوا لإقدامهم على الباطل جهارا، واحتجوا في قولهم بإسقاط وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة، والاقتصار على ما تيسر من القرآن - بالخبر الثابت عن رسول الله -ﷺ- من طريق أبي هريرة، ورفاعة ابن رافع (^٢) إِذْ عَلَّمَ الرجل الصلاة فقال: "واقرأ ما تيسر معك من القرآن" (^٣).
_________________
(١) = خيلاء (١٤/ ٦٠) وأبو داود في اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار برقم (٥٠٨٥) والترمذي في اللباس، باب ما جاء في كراهية جر الإزار برقم (١٧٨٤) والنسائي في الصغرى (٨/ ٢٠٨) في الزينة، باب إسبال الإزار؛ وابن ماجه في اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء برقم (٣٥٦٩). كلهم عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". هذا لفظ البخاري.
(٢) هنا كلمة لم أستطع قراءتها.
(٣) رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري الخزرجي الزرقي أبو معاذ، روى عن النبي -ﷺ- وعن أبي بكر الصديق وعبادة بن الصامت، وعنه ابناه: عبيد، ومعاذ، شهد العقبة، وبدرا وبقية المشاهد. توفي سنة ٤١ هـ أو في التي تليها. أخرج له البخاري والأربعة. انظر ترجمته في: تاريخ البخاري (٣/ ٣١٩) وتجريد أسماء الصحابة (١/ ١٨٤) والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
(٤) أما طريق أبي هريرة: فأخرجها البخاري في الأذان، باب أمر النبي -ﷺ- الذي لا يتم ركوعه بالإعادة برقم (٧٩٣)، ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وأنه إذا لم يحسن الفاتحة، ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٤/ ١٠٦)، وأبو داود في الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود برقم (٨٥٦)، والترمذي في الصلاة، باب في وصف الصلاة برقم (٣٠٢)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب إتمام الصلاة برقم (١٠٦٠). =
[ ١ / ٤٢٩ ]
وهذا خبر خالفوه كله أوله عن آخره، لأن فيه الأمر بالتكبير في كل خفض ورفع، وبالطمأنينة، والاعتدال في القيام والركوع، والرفع والسجود، والجلوس وهم لا يوجبون الطمأنينة في شيء من ذلك (^١).
ثم خالفوا ما أَفْهَمُوا أنهم متعلقون به من قوله ﵇: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"؛ فقالوا: لا يجزئ ذلك، ولا يجزئ إلا ثلاث آيات، أو آية طويلة كآية الدَّيْن (^٢).
واحتجوا لقولهم الفاسد في مخالقة الخبر الثابت عن رسول الله -ﷺ- من طريق مالك بن الحويرث (^٣) في الجلسة التي بين السجدة والقيام إلى
_________________
(١) = وأما طريق رفاعة بن رافع: فأخرجها: أبو داود في الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود برقم (٨٥٥)، والترمذي في الصلاة، باب ما جَاءَ في وصف الصلاة برقم (٣٠١) والدارمي في الصلاة، باب في الذي لا يتم الركوع والسجود برقم (١٣٠١).
(٢) أجمع الحنفية على أن الاعتدال في قَوْمَةِ الركوع ليس بواجب عند أبي حنيفة ومحمد، وكذا الطمأنينة في الجلسة، وأما الاعتدال في الركوع والسجود وكل ركن فقد ذكر الكرخي أنه واجب على قولهما. وانظر: حلية العلماء (٢/ ١٢٣) والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٥) والفتاوى الهندية (١/ ٧١) والمحلى للمؤلف (٣/ ٢٥٣) وبداية المجتهد (١/ ١٣٥).
(٣) هي أطول آية في كتاب الله ﷿، وذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. سورة البقرة، رقم ٢٨٢. وانظر مذهب الحنفية الذي حكاه المؤلف هنا في: الهداية (١/ ٥٨) والمختصر للطحاوي (ص ٢٨) وبدائع الصنائع (١/ ١١٠).
(٤) مالك بن الحويرث الليثي أبو سليمان الصحابي، روى عنه نصر بن عاصم وابنه الحسن بن مالك؛ سكن البصرة، وله خمسة عشر حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث، وأخرج له الأربعة أيضا. مات سنة ٧٤ هـ. انظر: تاريخ البخاري (٧/ ٣٠١) وتجريد أسماء الصحابة (٢/ ٤٢) والإصابة (٥/ ٥٣٢ - ٥٣٣) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٣٦٧).
[ ١ / ٤٣٠ ]
الركعة الثانية؛ والرابعة (^١) بالخبرين المذكورين آنفا من طريق رفاعة بن رافع وأبي هريرة، وقالوا: لم يَذْكُرَا فيه تلك الجلسة، فاحتجوا بالأخبار المذكورة في إسقاط ما ليس مذكورا فيها، وهم قد أسقطوا ما أوجب رَسُولُ الله في تلك الأخبار مما ذَكَرْنَاه في الفصل الذي قبل هذا (^٢).
وأسقطوا ما في خبر أبي حميد (^٣) من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه (^٤)؛ فخالفوا ما فيها، واحتجوا بِها في إسقاط ما ليس فيها؛ وهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان، باب من صلى بالناس، وهو لا يريد إلا أن يُعَلِّمهم صلاة النبي -ﷺ- برقم (٦٧٧)، وأبو داود في الصلاة، باب النهوض في الفرد -كذا- برقم (٧٤٢ و٨٤٣) عن أبي قلابة قال: جاء مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت النبي -ﷺ- يصلي، قيل لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل شيخنا هذا، قال: وكان شيخا يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى.
(٢) المشهور عند الشافعية أن جلسة الاستراحة مستحبة، وبذلك قال داود وأحمد في رواية عنه؛ وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد في رواية وإسحاق بأنها غير مستحبة. واستدل الطحاوي على عدم مشروعيتها بقوله إنها لو كانت مشروعة لسن لها ذكر كغيرها. وقال الزيلعي صاحب تبيين الحقائق: إنها تشغل عن الصلاة ولذلك لا تشرع، انظر: حلية العلماء (٢/ ١٢٣) والمجموع (٣/ ٤٤٣) وتبيين الحقائق (١/ ١١٩).
(٣) هو أبو حميد الساعدي الصحابي اسمه عبد الرحمن بن سعد، ويقال عبد الرحمن بن عمرو ابن سعيد وقيل المنذر بن سعد، روى عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، وروى عنه ولد ولده سعيد بن المنذر وجابر الصحابي وطائفة. شهد أحدا وما بعدها توفي في خلافة معاوية. أخرج له الستة. انظر: طبقات خليفة (ص ٩٨) ومشاهير علماء الأمصار (ص ٢٠) والإصابة (٧/ ٨٠ - ٨١) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٤٨).
(٤) أخرجه البخاري في الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد برقم (٨٢٨) وأبو داود في الصلاة، باب افتتاح الصلاة برقم (٧٣٠). في صفة صلاة رسول الله -ﷺ-. وقال =
[ ١ / ٤٣١ ]
قد قالوا بالتوجيه (^١) وليس مذكورا في شيء من هذه الأخبار.
واحتجوا لقولهم الفاسد في إسقاط فرض السلام، والتشهد، وإيجاب فرض الجلوس ساكتا إن شاء مقدار التشهد ولا بد (^٢)؛ بالخبر الثابت عن رسول الله من طريق ابن مسعود أنه ﵇ علمه التشهد وأمره أن يقوله في آخر صلاته، ثم قال له ﵇: "فإذا قلت ذلك، فقد قضيت صلاتك؛ فإن شئت فقم وإن شئت فاقعد" (^٣).
_________________
(١) = الثوري وأبو حنيفة لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح، وهو قول إبراهيم النخعي واحتجوا بحديث: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن من افتتاح الصلاة، وفي استقبال القبلة، وعلى الصفا والمروة ". وبأدلة أخرى انظر بَسْطَ القول عنها في: المبسوط (١/ ١٤) والمغني لابن قدامة (١/ ٣٥٨) والمجموع للنووي (٣/ ٣٩٩) وتبيين الحقائق (١/ ١٠٩) والفتاوى الهندية (١/ ٧٢) والمحلى للمؤلف (٤/ ٨٧).
(٢) من الوجيهة وهي من الخيل: الذي تخرج يداه عند النتاج. انظر القاموس مادة وجه (ص ١٦٢٠).
(٣) قال الحنفية: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة، بل إذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل أو حدث أو غير ذلك جاز. وقالوا: السلام مسنون وليس بواجب، وقالوا: من فرائض الصلاة القعود الأخير بمقدار التشهد، حتى لو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام فتكلم فصلاته تامة. وانظر حكاية مذهبهم في هذه المسألة وأدلتهم والجواب عَنْهَا في: حلية العلماء (٢/ ١٣٢) والمغني لابن قدامة (١/ ٣٩٥) والمجموع للنووي (٣/ ٤٦٢) وتبيين الحقائق (١/ ١٢٥) والفتاوى الهندية (١/ ٧٠) والمحلى (٣/ ٢٧٦) وسيكرر المؤلف هذه المسألة مرارا.
(٤) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب التشهد برقم (٩٧٠) والبيهقي في الكبرى في الصلاة، باب تحليل الصلاة بالتسليم برقم (٢٩٦٥ - ٢/ ٢٤٩) ومعرفة السنن (٢/ ٣٨) من طريق الحسن بن حر قال حدثني القاسم بن مخيمرة قال أخذ علقمة يدي وحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله -ﷺ- أخذ بيده، فعلمه التشهد ثم ذكره =
[ ١ / ٤٣٢ ]
فاعجبوا لهذه الفضائح أن يحتجوا بأمره ﵇، أن يقال التشهد في أنه لا يجب أن يقال ذلك فرضا ويحتجون به في إيجاب الجلوس الذي ليس في هذا الخبر، ولا في غيره أمر به أصلا.
وإنما وجب بوجوب التشهد فيه فقط، ولولا وجوب القول للتشهد في حال الجلوس، ما كان الجلوس فعكسوا الحقائق عكسا.
ثم خالفوا هذا الخبر الذي احتجوا به في إسقاط فرض السلام، عند تمام الصلاة في عشر مسائل أوجبوا فيها السلام فرضا لا تتم الصلاة إلا به، بل تبطل بما حدث فيها ما لم يسلم منها؛ وإن كان ذلك الحادث بعد قعوده في آخر الصلاة بمقدار التشهد، منها: طلوع الشمس، ومنها خروج وقت الجمعة، وانقضاء وقت المسح على الخفين في باقي
_________________
(١) = إلى أن قال: "إذا فعلت هذا، أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم؛ وإن شئت أن تقعد فاقعد". قال الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٢٩): "وقد اختلفوا في هذه الزيادة هل هي من كلام النبي -ﷺ-، أو من كلام ابن مسعود، وأدرجت في الحديث؟ فإن صح مرفرعا إلى النبي -ﷺ-، ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد ليست بواجبة". وقال البيهقي: "هذا حديث قد رواه جماعة عن أبي خيثمة -زهير بن معاوية- وأدرجوا آخر الحديث في أوله، وقد أشار يحيى بن يحيى إلى ذهاب بعض الحديث عن زهير في حفظه عن الحسن بن الحر، ورواه أحمد بن يونس عن زهير، وزعم أن بعض الحديث انمحى من كتابه أو خرق، ورواه شبابة بن سوار عن زهير، وفصل آخر الحديث من أوله، وجعله من قول عبد الله بن مسعود وكأنه أخذه عَنْهُ قبل ذهابه من حفظه، أو من كتابه". قلت: وصوب الدارقطني أن القدر المدرج من كلام ابن مسعود قال: "وهو أشبه بالصواب". وانظر: نصب الراية (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
[ ١ / ٤٣٣ ]
تلك المسائل، وقد ذكرناها في غير هذا المكان (^١)، وعند ذكرنا في هذا الديوان إن شاء الله تعالى مسائلهم الفاسدة المخالفة للقرآن والسنن وأقوال الصحابة والمعقول والقياس.
واحتجوا لقولهم الفاسد في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان صلاة المأمومين بقامة، وبطلان صلاته وصلاتهم إن كان وقوفه في موضع أرفع من مكان صلاة المأمومين بأكثر من قامة (^٢) - بالخبر
_________________
(١) ذكر المصنف في المحلى (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧) هذه المسائل العشرة: ومنها -مما لم يذكره هنا-:
(٢) من صلى بتيمم فرأى الماء بعد أن قعد في آخرها مقدار التشهد ولم يسلم.
(٣) ومن صلى وهو عريان ثم وجد ما يغطي به عورته بعد أن قعد مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم.
(٤) والمستحاضة خرج وقت الصلاة التي هي فيها بعد أن قعدت في آخرها مقدار التشهد إلا أنها لم تسلم.
(٥) ومن صلى وهو لا يحسن شيئا من القرآن، فتعلم سورة بعد أن قعد في آخر صلاته مقدرا التشهد إلا أنه لم يسلم.
(٦) ومن مسح على جراحة فبرئت بعد أن جلس في آخر صلاته مقدار التشهد.
(٧) ومن صلى وهو مسافر، فلما جلس في آخر الركعتين مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم فنوى الإقامة.
(٨) ومن صلى وهو مريض نائما لا يقدر على أكثر من ذلك، ثم صح بعد أن قعد في نيته مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم، ومن افتتح الصلاة وهو صحيح، ثمَّ عَرَضَ له مرض نقله إلى الجلوس، أو الإيماء بعد أن قعد في آخر صلاته مقدار التشهد ولم يسلم. وذكر غير المصنف اثنتي عشرة مسألة من هذه المسائل. وانظرها والكلام عليها بتفصيل في: حلية العلماء (٢/ ١٣٢) والمغني لابن قدامة (١/ ٣٩٥) والمجموع النَّووي (٣/ ٤٨١) وتبيين الحقائق (١/ ١٢٥) والفتاوى الهندية (١/ ١٤٨).
(٩) لم أر في كتب الحنفية من صرح ببطلان صلاة الإمام الواقف في موضع أرفع من مكان صلاة المأمومين بأكثر من قامة، وفيها أن ذلك مكروه حَسْبُ قال الكاساني: "وقليل الارتفاع عفو، والكثير ليس بعفو، فجعلنا الحد الفاضل ما يجاوز القامة"، وما استدل به الحنفية وَأَوْرَدَهُ المؤلف هنا في: المبسوط (١/ ٣٩)؛ ومختصر الطحاوي =
[ ١ / ٤٣٤ ]
الثابت من صلاة رسول الله بالناس - وهو قائم على المنبر، ثم ينزل فيسجد على الأرض، ثم يرجع فيقوم على المنبر (^١).
فتأملوا -رحمنا الله تَعالى وإياكم- هل في هذا الخبر منع مما منعوا، أو إباحة ما أباحوا؛ أو التحديد بما حدوا من القامة؟ ! .
فليت شعري أي قامة هي؟ وقد رأينا بعض الناس أكثر من تسعة أشبار بالشبر التام الكبير! ! ورأينا قامة بعضهم لا تتجاوز ستة أشبار إلا بأقل من شبر! ! فاعجبوا لهذه الفضائح! !
واحتجوا في معصيتهم الخبر الثابت أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله -ﷺ- في مسجده، ثم يرجع، فيؤم قومه بني سلمة في تلك الصلاة، وَعَلِمَ رسول الله بذلك (^٢) - بالخبر عن ابن
_________________
(١) = (ص ٣٣)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥) والهداية (١/ ٦٩) وبدائع الصنائع (١/ ٢١٦) وحلية العلماء (٢/ ٢١٤) والفتاوى الهندية (١/ ٨٩).
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة، باب الخطبة على المنبر برقم (٩١٧)، وأبو داود في الصلاة، باب في اتخاذ المنبر برقم (١٠٨٠)، والنسائي في الصغرى (٢/ ٥٧) في المساجد، باب الصلاة على المنبر. كلهم من حديث سهل بن سعد الساعدي وذكر عمل المنبر وفيه قال سهل بن سعد: "ثم رأيت رسول الله -ﷺ- صلى عليها -يعني على أعود المنبر- وكبر وهو عليها ثم ركع وهو عليها؛ ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي".
(٣) أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها: فى الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى برقم (٧٠٠، ٧٠١)؛ ومسلم في باب ائتمام المأموم بالإمام (٢/ ١٧٧)، وأبو داود في الصلاة، باب إمامة من يصلي بقوم، وقد صلى تلك الصلاة برقم (٥٩٩)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء فى الذي يصلي الفريضة، ثم يؤم الناس بعد ذلك برقم (٥٨٠). عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن =
[ ١ / ٤٣٥ ]
عمر: "نهانا رسول الله أن نصلي صلاةً في يوم مرتين" (^١).
وقد علم كل ذي فهم وإنصاف، أنه ليس في خبر معاذ صلاة في يوم مرتين، لأن الثانية التي كان يصلي بقومه إنما كانت تطوعا، وليس في خبر ابن عمر نهي عن صلاة الفرض خلف المتطوع.
ثم خالفوا خبر ابن عمر هذا، وأجازوا لمن صلى الظهر والعتمة في جماعة أو وحده، ثم وجد جماعة أخرى تصلي تلك الصلاة، أن يصليها معهم، فإن قالوا: إنَّما هي له تطوع، قلنا: وصلاة معاذ بقومه إنما كانت تطوعا، ولا فرق.
وقد صح أن رسول الله صلى بأصحابه بطائفة صلاة فرض ركعتين، ثم سلم وسلموا؛ ثم صلى تلك الصلاة بالطائفة الثانية ركعتين، ثم سلم وسلموا (^٢).
_________________
(١) = جبل كان يصلي مع النبي -ﷺ- ثم يرجع فيؤم قومه. هذا لفظ البخاري.
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب إذا صلى ثم أدرك جماعة يعيد برقم (٥٧٩)؛ والنسائي في الإمامة، باب سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة (١/ ١١٤) وأحمد في المسند (٢/ ١٩) عن سُلَيمان بن يسار قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. انتهى سياق أبي داود.
(٣) يشير المؤلف إلى صلاة النبي -ﷺ- بأصحابه صلاة الخوف، وما ذكره أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع برقم (٤١٢٥)؛ مختصرا، وفي المغازي أيضا برقم (٤١٣٦) مطولا، ومسلم في صلاة الخوف (٦/ ١٦٩) وأبو داود في الصلاة، باب من قال يصلي بكل طائفة ركعتين برقم (١٢٤٨) والنسائي في الصغرى (٣/ ١٧٦) في كتاب صلاة الخوف، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٦٤) وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٢).
[ ١ / ٤٣٦ ]
وهذا هو فعل معاذ نفسه وبالله التوفيق، فاعجبوا لعظيم تخليطهم، واحمدوا الله تعالى على السلامة.
واحتجوا في مخالفتهم الخبرَ الصحيحَ في تسليم الأنصار على رسول الله وهو يصلي، فكان ﵇ يرد عليهم بالإشارة بيده (^١)، فقالوا: لعل تلك الإشارة كانت نهيا لهم عن السَّلام عليه في حال الصلاة فقلنا: وما علمكم بذلك؟ وهذا لا يعقل من الإشارة أصلا (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب رد السلام في الصلاة برقم (٩٢٧)، والنسائي في الصلاة، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة (٣/ ٥)، والترمذي في الصلاة، باب الإشارة في الصَّلاة برقم (٣٦٦)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في الصلاة، باب المصلي يسلم عليه كيف يرد برقم (١٠٤٧). عن ابن عمر قال: خرج رسول الله -ﷺ- إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار، فسلموا عليه وهو يصلي قال -القائل نافع- فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله -ﷺ- يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه. هذا سياق أبي داود.
(٢) يستحب للمصلي أن يرد السلام بالإشارة وإلا فبعد السلام لفظا وبهذا قال ابن عمر وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء، وحكى ابن المنذر والخطابى عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة أنهم أباحوا رد السلام في الصلاة باللفظ، وقال أبو حنيفة لا لفظ ولا إشارة، قال ابن المنذر: "هذا خلاف الأحاديث". وعند بعض حنيفة رد السلام في الصلاة بالإشارة من المكروهات، قال: "ولا يفسد الصلاة". واستدل المانعون بحديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله -ﷺ-: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعدها يعني الصلاة". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٢/ ٣٦٤): "والجواب أن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، فإن في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس، ورواه عن يعقوب بن عتبة بالعنعنة ". وانظر تفاصيل المسألة في: المبسوط (١/ ١٧٠) والمجموع للنووي (٤/ ١٠٤) وحلية العلماء (٢/ ١٥٦) والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٥) وتبيين الحقائق (١/ ١٥٧ - ١٦٣) والفتاوى الهندية (١/ ٩٨).
[ ١ / ٤٣٧ ]
ثم هبكم أنه كَما قلتم -ومعاذ الله أن يكون كذلك- أتجوز عندكم الإشارة في الصلاة على معنى النهي عن شيء ما؟ فَمِنْ قولهم لا يجوز ذلك، فقلنا: فكيف تعرفون فعله عن المفهوم منه بالظن الكاذب؟ وتتأولون فيه تأويلا أنتم أول من يخالف ذلك التأويل، ويبطله؟ أيكون في التسكع في ظلمات الجهل أكثر من هذا؟ !
واحتجوا في رَدِّ السنة الثابتة عن رسول الله في أن يركع من دخل المسجد في يوم الجمعة والإمام يخطب - ركعتين قبل أن يجلس من طريق أبي سعيد وجابر، وأنه ﵇ أمر بذلك (^١).
_________________
(١) أما حديث أبي سعيد الخدري: فأخرجه الترمذي في الجمعة، باب في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب برقم (٥٠٩)، والدارمي فى الصلاة، باب فيمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب برقم (١٥١٥). والشافعي فى مسنده (ص ٦٤) والبيهقي في الكبرى باب من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر ولم يركع ركع ركعتين برقم (٥٦٩٣)، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح أن أبا سعيد الخدري دخل يوم الجمعة ومروان يخطب فذكره إلى قول أبي سعيد: ما كنت لأتركهما بعد شيء رأيته من رسول الله -ﷺ-، ثم ذكر أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئة بذة والنبي يخطب يوم الجمعة فأمره فصلى ركعتين، والنبي -ﷺ- يخطب. هكذا ساقه الترمذي وقال: "حديث أبي سعيد الخدري حديث حسن صحيح". وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه البخاري فى الجمعة، باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين برقم (٩٣٠) ومسلم في الجمعة، باب التحية والإمام يخطب (٦/ ١٦٢)، وأبو داود في الصلاة، باب إذا دخل الرجل والإمام يخطب برقم (١١١٥)، والنسائي فى الصغرى، في الجمعة، باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب (٣/ ١٠٣)؛ والترمذي في الجمعة، باب في الركعتين إذا جاء الرجل، والإمام يخطب برقم (٥٠٨) والدارمي في الصلاة، باب فيمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب برقم ١٥١٤، والشافعي في المسند (ص ٦٣) والبيهقي =
[ ١ / ٤٣٨ ]
فاحتجوا في معصيته ﵇ مع أمره بذلك، بخبر لا يصح فيه أن رسول الله رأى رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، فتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله: "اجلس فقد آذيت وآنيت" (^١)، وبالخبر الذي فيه: "أن أبا ذر سمع رسول الله يخطب يوم الجمعة، فقرأ سورة، فقال أبو ذر لأبي بن كعب: متى نزلت هذه؟ فلم يُجِبْهُ أبي، فلما قضى رسول الله صلاته، قال أُبيٌّ لأبي ذر: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فقال رسول الله: "صدق أُبَيٌّ" (^٢).
_________________
(١) = في الكبرى في الجمعة، باب مَنْ دَخْل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر برقم (٥٦٩٠)، ومعرفة السنن (٢/ ٤٧٨)، والطيالسي في مسنده برقم (١٦٩٥) عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل والنبي -ﷺ- يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع.
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة برقم (١١١٨)، والنسائي في الكبرى في الجمعة، باب النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام يخطب برقم (١٧٠٦)، وابن خزيمة في صحيحه، برقم (١٨١١)، والبيهقي في الكبرى كتاب الجمعة، باب لا يتخطى رقاب الناس برقم (٥٨٨٦ - ٣/ ٣٢٦) ومعرفة السنن (٢/ ٥١٧). كلهم عن أبي الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي -ﷺ- يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له النبي -ﷺ-: "اجلس فقد آذيت". وفي رواية: "وآنيت". ومعناها: أبطأت وتأخرت. وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة برقم (١١١٥) عن جابر بن عبد الله فذكره وفيه: "اجلس فقد آذيت وآنيت". قال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٩٢): "والأحاديث الواردة في الزجر عن التخطي مخرجة في المسند والسنن، وفي غالبها ضعف، وأقوى ما ورد فيه ". ثم ذكر ما أخرجه أبو داود والنسائي.
(٣) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها =
[ ١ / ٤٣٩ ]
وبالخبر الثابت من طريق أبي هريرة عن النبي أنه قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت" (^١).
فاعجبوا أيها السامعون لهذه الجهالة والتمويه! ! هل في شيء من هذه الأحاديث نهي عما أمر به ﵇ الداخل في المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب - بأن يصلي ركعتين قبل أن يجلس وهل في الخبر (^٢) -لو صح وهو لا يصح- أن النبي كان يخطب إذ دخل ذلك الرجل، فهل إقحام أنه "كان يخطب". في ذلك الخبر إلا كذب ومجاهرة بالزور؟ !
_________________
(١) = برقم (١١١١)، والبيهقي في الكبرى كتاب الجمعة، باب الإنصات للخطبة برقم (٥٨٣٢ - ٣/ ٣١١)، ومعرفة السنن (٢/ ٥٠٢) وأحمد في المسند برقم (٧٦٧٢)، والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٥) وجعل القصة بين أبي الدرداء وأبي ابن كعب. قال الهيثمي: "ورجاله مُوَثَّقُون".
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب برقم (٩٩٤)، ومسلم في الجمعة (٥/ ١٣٧) وأبو داود في الصلاة، باب الكلام والإمام يخطب برقم (١١١٢)، والترمذي في الجمعة، باب ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب برقم (٥١١)، والنسائي في الصغرى في الجمعة، باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة (٣/ ١٠٣ - ١٠٤) وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها برقم (١١١٠)، والدارمي في الصلاة، باب الاستماع يوم الجمعة عند الخطبة والإنصات برقم (١٥١٢)، والبيهقي في الكبرى كتاب الجمعة، باب الإنصات للخطبة برقم (٥٨٢٤ و٥٢٢٥ و٥٥٢٦ و٥٨٢٧ - ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠).
(٣) يعني المؤلف خبر: "اجلس فقد آذيت وآنيت". وأورده المؤلف في المحلى (٥/ ٧٠) وزعم أنه لا حجة لمن تعلق به لوجوه أربعة وبينها، ومنها: أنه لا يصح لأنه من طريق معاوية بن صالح، لم يروه غيره، وهو ضعيف، كذا قال، ومعاوية بن صالح الحضرمي وثقه غير واحد: كابن معين وأحمد والنسائي والعجلي وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث؛ حسن الحديث، وانظر: "خلاصة تذهيب التهذيب" (ص ٣٨١).
[ ١ / ٤٤٠ ]
وهل فيه القطع بأن ذلك الداخل لم يكن ركع قبل أن يتخطى رقاب الناس؟ ! وهل فيه أن ذلك كان بعد أمره ﵇ الداخل في المسجد، والإمام يخطب بأن يصلي ركعتين؟ فاعجبوا لسهولة الباطل على ألسنة هؤلاء القوم وقلوبهم (^١)! !
وأما خبر أبي هريرة، فإنما فيه نهي للكلام (^٢) في حال خطبة الإمام وكذلك خبر أبي ذر، وليس في شيء منها نهي عن الركعتين، ولا خلاف لخبر أبي سعيد وجابر، ولا موافقة لقولهم أصلا.
واحتجوا في إيجابهم الخطبة يوم الجمعة فرضا بأنه عمل رسول الله المروي عنه (^٣)، فقلنا لهم ذلك العمل المروي عنه، لم يختلف فيه أنه
_________________
(١) اختلف أهل العلم فيمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب هل يصلي ركعتين؟ فقال الحسن البصري ومكحول وابن عيينة، وأبو ثور والحميدي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود: يستحب له أن يصلي الركعتين، وقال عطاء بن أبي رباح وشريح وابن سيرين والنخعي وقتادة ومالك والليث؛ والثوري وأبو حنيفة: لا يصلي شيئا. ولكل فريق أدلة وأجوبة على حجم الخصم، لكن قال النووي عند حديث: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيها -: "هذا نص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحا فيخالفه"؛ وانظر الخلاف في هذه المسألة في: المبسوط (٢/ ٢٩) وحلية العلماء (٢/ ٢٧٦) والمجموع للنووي (٤/ ٥٥٢) والمغني لابن قدامة (٢/ ٢٣٦) وتبيين الحقائق (١/ ٢٢٣) والفتح لابن حجر (٢/ ٤٠٨ - ٤١١) وجود الحافظ الكلام على هذه المسألة.
(٢) كذا وأحسن منها: "نهي عن الكلام".
(٣) أخرج ذلك البخاري في الجمعة، باب الخطبة قائما برقم (٩٢٠)، ومسلم في الجمعة باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة والجلسة بينهما (٦/ ١٤٩)، وأبو داود في الصلاة، باب الخطبة قائما برقم (١٠٩٤) والترمذي في الجمعة، باب ما جاء في الجلوس بين الخطبتين برقم (٥٠٤)، وابن ماجه فى إقامة الصلاة، باب ما جاء فى الخطبة يوم الجمعة برقم (١١٠٣)، من حديث ابن عمر وجابر -﵄-.
[ ١ / ٤٤١ ]
كان خطبتين، وهو قائم يجلس بينهما، فلم يروا هذه الصفة فرضا؛ فاعجبوا لهذا التلاعب أن يكون بعض عمله ﵇ في قصة واحدة فرضا، وبعضه ليس فرضا بلا دليل أصلا لا من قرآن ولا سنة صحيحة؛ ولا سقيمة، ولا قول صاحب؛ ولا قياس؛ ولا معقول (^١).
واحتجوا في قولهم أنه لا يدخل وقت العصر إلا إذا زاد الظل بعد طرح ظل الزوال على المثلين من كل قائم (^٢) - بالخبر الثابت عن رسول الله في تمثيل عمل اليهود والنصارى بالأُجَرَاء الذين عملوا من أول النهار إلى صلاة الظهر، ثم الأُجَرَاء الذين عملوا من الظهر إلى
_________________
(١) قال الحنفية: لو خطب الإمام خطبة واحدة، أو لم يجلس بينهما، أو غير قائم جاز كل ذلك، لحصول المقصود وهو الذكر والوعظ إلا أن ذلك يكره واتفق مالك وأحمد مع أبى حنيفة في هذا فقالا: تصح الخطبة قاعدا مع القدرة، والقيام سنة وكذا الجلوس. وبه قال جمهور العلماء حتى أن الطحاوي قال: "لم يقل أحد غير الشافعي باشتراط الجلوس بينهما". وانظر الخلاف في هذه المسألة وأدلة ذلك في: المبسوط (٢/ ٢٦) وحلية العلماء (٢/ ٢٧٦) والمجموع (٢/ ٢٢٤) والمغني (٢/ ٢٢٤) والمحلى للمؤلف (٥/ ٥٨ - ٥٩) وقوله هناك قريب من هذا الذي ذكره هنا فإنه قال: "من الباطل أن يكون بعض فعله ﵇ فرضا، وبعضه غير فرض".
(٢) مذهب الحنيفة في أول وقت العصر في: المبسوط (١/ ١٤٢) والهداية (١/ ٤١) ومختصر الطحاوي (ص ٢٣) وحلية العلماء (٢/ ١٦) والمغني لابن قدامة (١/ ٢٧٢). وقال ابن قدامة تعليقا على ما استدل به أبو حنيفة هنا من حديث الأجراء: "وما احتج به أبو حنيفة لا حجة فيه، لأنه قال إلى صلاة العصر، وفعلها يكون بعد دخول الوقت، وتكامل الشروط على أن أحاديثنا قصد بها بيان الوقت وخبرهم قُصِدَ به ضرب المثل، فالأخذ بأحاديثنا أولى، قال ابن عبد البر: خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس وخالفه أصحابه".
[ ١ / ٤٤٢ ]
صلاة العصر، وشبه عملنا بِعَمَلِ الذين عملوا من العصر إلى الليل، وضوعف لهم الأجر، فكانوا أقل عملا وأكثر أجرا (^١).
وليس في الخبر شيء مما ذكروا، لأن الزيادة على المثلين لكل قائم بعد طرح ظل الزوال في كل أوان ومكان، إنما تبدأ بعد مضي أربعة أخماس النهار، غير عشر سدس النهار، والزيادة على مثل كل قائم، بعد طرح ظِلِّ الزوال في كل زمان ومكان، إنما تبدأ بعد مضي ثلاثة أرباع النهار غير عشر سدس النهار، فأي الأمرين كان فهو أقل مِنْ عَمَلِ الطائفتين معا، ولم يقل ﵇ في الخبر المذكور: إننا أقل عملا من كل طائفة على انفرادها، فخالفوا بهذه الظنون الفاضحة نص كلام رسول الله: أن وقت العصر يبدأ إذا زاد الظل على مثل القائم؛ وهذا بيان لا يحتمل تأويلا أصلا.
واحتجوا لأقوالهم الفاسدة فيما أجازوه من الصلوات، بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر؛ وما منعوا منها في الوقتين المذكورين، بالأخبار الصحيحة الثابتة في نهي رسول الله عن الصلاة بعد الصبح
_________________
(١) أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها: في مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب برقم (٥٥٧، ٥٥٨) والترمذي في الأمثال، باب ما جاء مثل ابن آدم وأجله وأمله برقم (٣٠٣٥)، والطيالسي في مسنده حديث رقم (١٨٢٠). عن أبي موس عن النبي -ﷺ-: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل فعملوا إلى نصف النار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر آخرين فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر، قالوا: لك ما عملنا، فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين". هذا سياق البخاري.
[ ١ / ٤٤٣ ]
حتى تَصْفَرَّ الشمس؛ وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس (^١)، ثم خالفوا هذا النهي فأجازوا قضاء الفرائض بعد صلاة الصبح ما لم تأخذ الشمس في الطلوع؛ وبعد صلاة العصر حتى تأخذ الشمس في الغروب (^٢)، وليس هذا في الأخبار المذكورة، وأبطلوا صلاة الصبح إن لم يسلم منها قبل أَوَّلِ طلوع حاجب الشمس (^٣)، وأجازوا صلاة العصر، وإن أخذت الشمس في الغروب (^٤)، وهو خلاف الآثار كلها التي احتجوا بها في ذلك.
_________________
(١) من هذه الأخبار ما أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس برقم (٥٨١)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها (٦/ ١١٠)؛ والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها برقم (١٠٣٥)، والنسائي في الصغرى في الجنائز، باب الساعات التي نهي عن إقبار الموتى فيهن (٤/ ٨٣)، وابن ماجه في إقامة لصلاة، باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة برقم (١٢٥١)، والدارمي في الصلاة، باب أي ساعة يكره فيها الصلاة برقم (١٤٠٤)، عن ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
(٢) انظر حكاية مذهب الحنفية في هذه القضية في: مختصر الطحاوي (ص ٢٤) والهداية (١/ ٤٣)؛ والمبسوط (١/ ١٥٠) والتحقيق لابن الجوزي (١/ ٤٤٢) وتبيين الحقائق (١/ ٨٦) والمحلى (٣/ ٨).
(٣) انظر المبسوط (١/ ١٤٢) وحلية العلماء (٢/ ٢٠) والمحلى (٣/ ٩) وشدد المؤلف فيه النكير على أبي حنيفة، وانظر ما مر في المسائل الإِثْنَيْ عشر التي أسقط فيها الحنفية فرض السلام (ص ٣٤٨).
(٤) انظر: المبسوط (١/ ١٤٤) وحلية العلماء (٢/ ١٦) والمجموع (٣/ ٢٦) وتبيين الحقائق (١/ ٨٥ - ٨٦) والمحلى (١/ ٨) والفتاوى الهندية (١/ ٥١ - ٥٣).
[ ١ / ٤٤٤ ]
واحتجوا لقولهم في اختيار تأخير صلاة الصبح بالخبر عن ابن مسعود في تعجيل صلاة الصبح بمزدلفة أنها صلاة حولت عن وقتها في ذلك المكان (^١)؛ ثم خالفوا هذا الخبر في نص ما فيه فقالوا: ليس كما قال: أنها حولت عن وقتها، بل ما تصلى إلا في وقتها المعهود (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحج، باب متى يصلي الفجر بجمع برقم (١٦٨٢) مختصرا وبرقم (١٦٨٣) مطولا؛ ومسلم في الحج، باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر (٩/ ٣٦) وأبو داود في الحج، باب الصلاة بجمع برقم (١٩٣٤) والنسائي في الكبرى كتاب الحج، باب الوقت الذي يصلي فيه الصبح بالمزدلفة برقم (٤٠٤٣، ٤٠٤٤). وسياق البخاري له: "عن عبد الرحمن بن يزيد قال خرجنا مع عبد الله -﵁- إلى مكة، ثم قدمنا جمعا فصلى الصلاتين: كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر ثم قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة ".
(٢) قال أبو حنيفة: وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر المعترض إلى أن تطلع الشمس، وتأخيرها أحب من التغليس بها، وقال مالك وأحمد وأبو ثور وداود: الأفضل في صلاة الصبح تقديمها في أول وقتها. واستدل الأحناف بحديث ابن مسعود الذي أورده المؤلف هنا، قال النووي معترضا: "وأما الجواب عن حديث ابن مسعود، فمعناه أن النبي -ﷺ- صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم في أول طلوع الفجر ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم، كان يؤخر عن طلوع الفجر، قدر ما يتوضأ المحدث ويغتسل الجنب ونحوه، ". وقال المؤلف في المحلى (٣/ ١٨٩): " وَمَا نَدْرِيهِمْ تعلقوا في هذا إلا برواية عن ابن مسعود في التغليس بصلاة الصبح حين انشق الفجر يوم النحر؛ وهذا خبر مسقط لقولهم جملة، لأنهم مخالفون له جملة، إذ قولهم الذي لا خلاف عنهم فيه أن التغليس بها في أول الفجر ليس صلاة لها في غير وقتها، بل هو وقتها عندهم، فمن أضل ممن =
[ ١ / ٤٤٥ ]
واحتجوا لقولهم أن الصبي لا تلزمه زكاة، وكذلك المجنون بالخبر الثابت عن رسول الله: "رفع القلم عن ثلاث، فذكر الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق" (^١)؛ ثم خالفوه في ذلك، فأوجبوا الزكاة فيما أخرجت أرضهما (^٢).
_________________
(١) = يموه بحديث هو مخالف له، ويوهم خصمه أنه حجة له". وانظر المسألة في: المبسوط (١/ ١٤٥) وحلية العلماء (٢/ ٢٣) والمغني لابن قدامة (١/ ٢٨٦) والمجموع للنووي (٣/ ٥١) والفتاوى الهندية (١/ ٥١ - ٥٢).
(٢) أخرجه أبو داود في الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا برقم (٤٤٠٢)، والنسائي في الصغرى في الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (٦/ ١٥٦)؛ والترمذي في الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد برقم (١٤٤٣)، وابن ماجه في الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم برقم (٢٠٤١)، وابن الجارود في المنتقى برقم (١٤٨، ١٨٠٨) والبيهقي في الكبرى كتاب السرقة، باب المجنون يصيب حدا برقم (١٧٢١٠، ١٧٢١١ - ٨/ ٤٦٠)؛ ومعرفة السنن (٤/ ٤٧٠) وأحمد في المسند (١/ ١٤٠) وابن خزيمة في الصحيح برقم (٣٠٤٨)، والطبراني في الكبير والأوسط كما في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥١). عن أبي ظبيان قال هناد الجنبي قال: أتي عمر بامرأة قد فجرت فأمر برجمها، فمر علي فأخذها فخلى سبيلها فأخبر عمر قال لقد علمت أن رسول الله -ﷺ- قال: رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المعتوه حتى يبرأ، هذا لفظ أبي داود. قال البيهقي: "ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظبيان مرسلا مرفوعا. قُلْتُ: وفي الباب عن علي وعائشة. قال الترمذي في حديث علي: "حديث علي حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي".
(٣) قال أبو حنيفة لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون ويجب العشر في زرعهما. وانظر: حلية العلماء (٣/ ١٠) والمجموع (٥/ ٣٢٩) وتبيين الحقائق (١/ ٢٥٣) والفتاوى الهندية (١/ ١٧٣). وَحَكَى المؤلف في المحلى (٥/ ٢٠٥) مذهب أبي حنيفة على هذا الوجه فقال: "وقال أبو حنيفة: "لا زكاة في أموالهما من الناض. والماشية خاصة، والزكاة واجبة =
[ ١ / ٤٤٦ ]
واحتجوا في رد السنن الثابتة عن رسول الله في رفع اليدين عند الركوع، والرفع من الركوع، وعند السجود، والقيام من الجلسة (^١) بالخبر الذي فيه: "ما لي أراكم رافعي أيديكم في الصلاة كَأنَّها أذناب خيل شُمَّسٍ، اسكنوا في الصلاة" (^٢) ثم خالفوه فرأوا رفع الأيدي
_________________
(١) = في ثمارهما وزروعهما". ثم قال بعد: " فَلَوْ أن عاكسا عكس قولهم، فأوجب الزكاة في ذهبهما وفضتهما وماشيتهما؟ وأسقطها عن زرعهما وثمرتهما، أكان يكون بين التحكمين فرق في الفساد! !؟ ".
(٢) أما خبر رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه: فأخرجه البخاري في الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع برقم (٧٣٦، ٧٣٩)، ومسلم في الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين (٤/ ٩٣)؛ وأبو داود في الصلاة، باب افتتاح الصلاة برقم (٧٤٥)، والترمذي في الصلاة، باب رفع اليدين عند الركوع برقم (٢٥٥)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب رفع اليدين إذا رفع، وإذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٥٨)، وأما عند السجود: فأخرج دليلَه: النسائي في الصغرى (٢/ ٢٠٦) عَنْ مالك بن الحويرث أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه في صلاته وفيه: "إذا سجد"؛ وأخرج نحوه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب رفع اليدين إذا ركع برقم (٨٦٠)، عن أبي هريرة. وأما عند القيام من الجلسة - يعني التشهد - فأخرج دليله: البخاري في الأذان، باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين؛ وفيه: "وإذا قام من الركعتين رفع يديه"؛ وأبو داود في الصلاة، باب افتتاح الصلاة برقم (٧٣٨)؛ وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب رفع اليدين إذا رفع برقم (٨٦٢).
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد (٣/ ١٥٣)، وأبو داود في الصلاة، باب في السلام برقم (١٥٠٠) والنسائي في الكبرى في السهو، باب الأمر بالسكون في الصلاة برقم (٥٥٢)، والبيهقي في الكبرى كتاب الصلاة، باب جماع أبواب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها برقم (٣٥٢٠، ٣٥٢١ - ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، عن جابر بن سمرة قال: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: "ما لي أراكم الحديث". وقوله: خيل شمس، قال النووي في شرح =
[ ١ / ٤٤٧ ]
في تكبيرة الإحرام، وعند كل تكبيرة في صلاة العيدين؛ وعند كل تكبيرة على الجنازة.
ورأيت الإباضية (^١) يحتجون بهذا الخبر في المنع من رفع الأيدي للإحرام وغيره، فكانوا أَطْرَدَ منهم لباطلهم! !
وهذا الخبر منسوخ بفعل رسول الله في رفعه يديه المقدستين في الصلاة في كل خفض ورفع؛ وبرهان ذلك أن من المحال الممتنع أن يكون ﵇ ينهاهم فيه عن الاقتداء به في ذلك؛ فصح أنه كان قبل أن يفعله ﵇ بلا شك، وجاء مبينا أنهم كانوا يرفعون عند السلام.
واحتجوا لقولهم في إسقاط فَرْضِ التشهد بالخبر الذي فيه: "إذا
_________________
(١) = مسلم (٣/ ١٥٣): "هو بإسكان الميم وضمها، وهي التي لا تستقر بل تضطرب وتتحرك بأذناها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهي عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين كما صرح به في الرواية الثانية". قلت: يشير النووي إلى ما أخرجه مسلم عقب الحديث الأول من قول جابر بن سمرة: كنا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين ". وهذا الذي قاله النووي ذكره من قبل البخاري في: "جزء رفع اليدين"، (ص ١٣) وقال: وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام". وأما قول المؤلف هنا إن هذا الخبر منسوخ، فلم أقف على سلف له في هذا القول، وانظر: نصب الراية (١/ ٣٩٣) والدراية (١/ ١٤٩) وفتح الباري (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) هم أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد، والإباضية تقول: إن المخالفين من أهل القبلة كفار غير مشركين ومناكحتهم جائزة وهم جماعة متفرقون في مذاهبهم فمنهم الحفصية والحارثية واليزيدية. انظر آراءهم ومذاهبهم في: مقالات الإسلاميين (١/ ١٠٢) والملل والنحل (ص ١٣٤).
[ ١ / ٤٤٨ ]
رفع أحدكم رأسه من آخر السجدة، فقد تمت صلاته" (^١)، وهم لا يقولون بهذا، بل يوجبون الجلوس بمقدار التشهد فرضا؛ واحتجوا لذلك بخبر ساقط فيه: "إذا قعد الإمام قبل أن يسلم فأحدث فقد تمت صلاته" (^٢)؛ فخالفوه أيضا، وزادوا مقدار التشهد ولا بد.
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٤) من طريق عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو ولفظه: "إذا رفع رأسه من آخر السجود، فقد مضت صلاته إذا هو أحدث".
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه برقم (٦١٧)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الرجل يحدث بعد التشهد برقم (٤٠٦) وقال: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده". والدارقطني في الصلاة، باب من أحدث قبل التسليم في آخر صلاته أو احدث قبل تسليم الإمام فقد تمت صلاته (١/ ٣٧٩)، والبيهقي في الكبرى في الصلاة، باب تحليل الصلاة بالتسليم (٢/ ٢٥٠) برقم (٢٩٧٠) ومعرفة السنن (٢/ ٦٥). والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٤) كلهم من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الإمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة". هذا لفظ أبي داود. قال البيهقي: "وعبد الرحمن الإفريقي قد ضعفه أهل العلم بالحديث: يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم، واختلف عليه في لفظ الحديث". وقال القاري: "لهذا الحديث طرق ذكرها الطحاوي، وتعدد الطرق يبلغ الحديث الضعيف إلى حد الحسن". كذا قال القاري وتعقبه المباركفوري بقوله: "فيه أن تَعَدُّدَ طرق الحديث إنما يبلغه إلى حد الحسن إذا كانت تلك الطرق متباينة، ولم يكن مدار كلها على ضعيف لا يحتج به، وطرق هذا الحديث التي ذكرها الطحاوي ليست متباينة، بل مدار كلها على عبد الرحمن بن زياد الإفريقي". وانظر: نصب الراية (٢/ ٦٣) وتحفة الأحوذي (٢/ ٤٤٩).
[ ١ / ٤٤٩ ]
واحتجوا لقولهم مَنْ نام خلف إمام حتى فاتته ركعة فأكثر، فإنه يقضي الذي فاته حتى يلحق بالإمام بما روي - مما لا يصح - "إن الناس كانوا إذا جاؤوا ووجدوا النبي يصلي، صلوا ما سبقهم حتى يلحقوه" (^١)، ثم هم أول مخالف لهذا العمل، وأول عاصي له، ومبطل لما فيه، ولصلاة من عمل به، فاعجبوا لهذه الفضائح! ! (٣٤ / ت)
واحتجوا في إيجاب الوتر بخبر روي فيه أن رسول الله قال: "أوتروا"؛ فقال له أعرابي: "ما قلت يا رسول الله؟ فقال ﵇: "ليس لك ولا لأصحابك" (^٢)؛ وهم لا يقولون بهذا بل هو عندهم على الأعرابي كما هو على غيرهم.
_________________
(١) أخرج البيهقي في معرفة السنن (٢/ ٣٧٤)؛ وعبد الرزاق في المصنف برقم (٣١٧٦ - ٢/ ٢٢٩) كلاهما عن عطاء بن أبي رباح قال: كان الرجل إذا جاء وقد صلى رسول الله - ﷺ - شيئا من صلاته، سأل فإذا أخبركم سبق به صلى الذي سبق به، ثم دخل مع رسول الله - ﷺ - في صلاته؛ فأتى ابن مسعود، فدخل مع النبي - ﷺ - ولم يصل، فلما صلى النبي ﷺ قام فقضى ما بقي عليه، فقال النبي - ﷺ -: إن ابن مسعود قد بين لكم سنة فاتبعوها. وأخرجه عبد الرزاق برقم (٣١٧٥) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا وفيه أن الداخل معاذ بن جبل، وما حكاه المؤلف عن الحنفية هنا في الفتاوى الهندية (١/ ١٢١).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب استحباب الوتر برقم (١٤١٧)؛ وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر برقم (١١٧٠). والبيهقي في الكبرى (٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨) في الصلاة، باب ذكر البيان أن لا فرض في اليوم والليلة برقم (٤٤٥٧) عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر، فقال أعرابي: ما تقول؟ فقال: "ليس لك ولا لأصحابك"؛ هذا لفظ أبي داود. وقال البيهقي بعد أن ذكره من طرق مختلفة: "والحديث مع ذكر عبد الله بن مسعود فيه منقطع، لأن أبا عبيدة لم يدرك أباه".
[ ١ / ٤٥٠ ]
تأليف
الإمام الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري
(٣٨٤ هـ- ٤٥٦ هـ)
دراسة وتحقيق
الدكتور محمد بن زين العابدين رستم
تقديم
الدكتور زين العابدين بن محمد بلافريج
أستاذ التعليم العالي بجامعة الدار البيضاء بالمغرب
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٤٤١ ]
ثم احتجوا في ذلك أيضا بأخبار لا تصح: "من لم يوتر، فليس منا" (^١).
وهم لا يقولون بهذا، بل يقولون: ليس فرضا ولا تطوعا، بل هو واجب، فكان هذا عجبا: حكمٌ لا واجبٌ ولا تطوعٌ، ولا حرامٌ، هذا ما لا يعقل (^٢)! ! !
واحتجوا لقولهم: أن من شك فلم يدر كم صلى أن ذلك إن كان في أول مرة، فإنه يبتدئ صلاته تلك، فإن كان ذلك بعد مرار تحرى أغلب ظنه؛ فإن لم يكن له ظن غالب بنى على اليقين بالخبر الذي فيه:
_________________
(١) من هذه الأخبار: ما أخرجه أبو داود في الصلاة، باب فيمن لم يوتر برقم (١٤١٩)؛ والحاكم في المستدرك في الوتر برقم (١١٤٦) وصححه، والبيهقي في الكبرى في الصلاة، باب تأكيد صلاة الوتر برقم (٤٤٦٤ - ٢/ ٦٦٠) من طريق أبي المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا". قال البيهقي بعد أن ساقه: "قال البخاري: عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب عن ابن بريدة سمع منه زيد بن الحباب عنده مناكير". وقال: قال أبو أحمد - يعني ابن عدي -: "لا بأس به" وكان يحيى بن معين أيضا يوثقه". وقال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١١٢): "ورواه الحاكم في المستدرك وصححه وقال: أبو المنيب ثقة"، ووثقه ابن معين أيضا، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء وتكلم فيه النسائي وابن حبان والعقيلي".
(٢) قال أبو حنيفة: الوتر واجب وليس بفرض، وخالفه الصاحبان فقالا كما قال جمهور العلماء: هو سنة وليس بواجب. قال ابن المنذر: "لا أعلم أحدا وافق أبا حنيفة في هذا". ونُقل عن أبي حنيفة في الوتر أقوال ثلاثة: الأول: الوتر فريضة. الثاني: سنة مؤكدة. الثالث: واجب وهو الصحيح. وانظر الهداية: للمرغيناني (١/ ٧٠) والمجموع للنووي (٤/ ١١١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١١٧)، وتبيين الحقائق للزيلعي (١/ ١٦٨ - ١٦٩) والفتاوى الهندية (١/ ١١٠ - ١١١).
[ ٢ / ٤٥١ ]
"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (^١)، وبالخبر الذي فيه: "لا غرار في صلاة، ولا في تسليم" (^٢).
فليتأمل كُلُّ مَنْ له أقل نظر هل في هذين الخبرين شيء مِمَّا قالوه بوجه من الوجوه؟ أو هل فيهما فرق بين أن يَعْرض ذلك في أول مرة؛ أو أن يعرض ذلك مرتين فأكثر (^٣)؟
_________________
(١) ورد هذا الحديث من طرق منها: ما أخرجه النسائي في الكبرى في الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات برقم (٥٢٢٠)، والبيهقي في الكبرى في البيوع، باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا برقم (١٠٨١٩ - ٥/ ٥٤٦) وأحمد في المسند برقم (١٧٢٧ - ٢/ ٣٤٧) كلهم عن شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي ما حفظت من رسول الله - ﷺ -؟ قال: ثم ذكره ". هذا لفظ النسائي وزاد غيره: "فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة". ورمز له السيوطي في الجامع بالصحة ووافقه المناوي، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقاته على المسند: "إسناده صحيح". وانظر: فيض القدير (٣/ ٥٢٨ - ٥٢٩) وجامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ١٠١).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب رد السلام في الصلاة برقم (٩٢٨)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى في الصلاة، باب من لم ير التسليم على المصلي برقم (٣٤١١ - ٢/ ٣٦٩)؛ وأحمد في المسند (٢/ ٤٦١)؛ والحاكم في المستدرك رقم (٩٧٢) كلهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا غرار في صلاة ولا تسليم". قال أحمد: "يعني فيما أرى أن لا تسلم، ولا يسلم عليك، ويغرر الرجل بصلاته فينصرف، وهو فيها شاك". وقال الحاكم بعد أن ساقه: "على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ورمز إليه السيوطي بالصحة، وسكت المناوي عن ذلك، فكأنه أقره. وقوله: "لا غرار"، قال: الزمخشري: الغرار: النقصان. وغرار الصلاة أن لا تقيم أركانها معدلة كاملة وفي التسليم أن يقول: السلام عليك، وأن يقتصر في رد السلام علي وعليك وانظر: فيض القدير (٦/ ٤٣٥).
(٣) انظر مذهب الحنفية في هذه المسألة في: المبسوط (١/ ٢١٩) وحلية العلماء (٢/ ١٦٢) والمغني (٢/ ١٤) وناقش ابن قدامة الحنفية فيما استدلوا به من حديث: "لا غرار في صلاة ولا في تسليم"، والمجموع للنووي (٤/ ١١١) وتبيين الحقائق (١/ ١٩٩).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
واحتجوا بإسقاطهم سجود السهو عن المأموم بقول رسول الله: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (^١)، وليس في سجود المأموم بعد تمام صلاة الإمام، وتمام صلاته أيضا اختلاف على الإمام (^٢).
ثم أجازوا الاختلاف على الإمام حقا، في إباحتهم للمأموم تفوته بعض صلاة الإمام إذا قعد إمامه مقدار التشهد في آخر صلاته، ولم يسلم، أن يقوم المأموم إلى قضاء ما فاته ويجزئه.
ثم قالوا فإن طلعت الشمس كذلك على الإمام قبل أن يسلم، بطلت صلاته، ثم إن قهقه بعد ذلك انتقض وضوءه، فهذا هو الاختلاف على الإمام بالهوس حقا لا سجود الساهي لسهوه بعد تمام صلاة إمامه (^٣)! !
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٤٢٧).
(٢) قال الحنفية: سهو المؤتم لا يوجب شيئا لأنه لو سجد وحده كان مخالفا لإمامه، لكنه لو كان مسبوقا فسها بعدما قام لقضاء ما سُبِقَ بِه يلزمه السهو، لأنه منفرد فيما يقضيه، وانظر فقه المسألة في: المبسوط (١/ ٢٢٢) والمجموع (٤/ ١٤٣) والمغني (٢/ ٣٢) وتبيين الحقائق (١/ ١٩٥) والفتاوى الهندية (١/ ١٢٨)، ومذهب المؤلف في المحلى (٤/ ١٦٧).
(٣) مضى الكلام على أغلب هذه المسائل، وَبَقِيَ منها مذهب الحنفية في نقض الوضوء بالقهقهة؛ فقد ذهب الحنفية إلى أن القهقهة من نواقض الوضوء؛ وسواء أكانت من المصلي على جهة العمد أم على جهة النسيان؛ فالكل ناقض؛ وفرقوا بين القهقهة داخل الصلاة وخارجها فقالوا: تنتقض الطهارة داخل الصلاة لا خارجها، واستدلوا بأدلة منها: أن القهقهة أفحش من الكلام عند المناجاة، ولهذا جعلت ناقضة للوضوء، ومنها: حديث أبي العالية أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي، فجاء ضرير، فتردى في بئر فضحك طوائف، فأمر النبي ﷺ الذين ضحكوا أن يعيدوا الوضوء والصلاة. قال ابن قدامة: "وروي من غير طريق أبي العالية بأسانيد ضعاف، وحاصله يرجع إلى أبي
[ ٢ / ٤٥٣ ]
واحتجوا لقولهم السخيف المتناهي في الحماقة في أن من قام على نجاسة في صلاته، بطلت صلاته عَمدًا كان، أو غير عالم بها، فإن جلس عليها، أو وضع عليها يديه، أو ركبتيه عمدا، عالما بها؛ لم يضر ذلك صلاته شيئا (^١).
واختلف قولهم في السجود عليها، فمرة أبطلوا الصلاة بذلك، ومرة لم يبطلوا الصلاة (^٢) بذلك.
فإن قالوا وضعه يديه وركبتيه على النجاسة بمنزلة ترك وضعه يديه وركبتيه عليها؛ لأن وضعه يديه وركبتيه على الأرض ليس فرضا، ولا عليه أن يضع شيئا من ذلك على الأرض في سجوده. فلما سئلوا: من أين قلتم هذه الفضيحة؟ وأجزتم صلاةً لا يضع المرء فيها يديه ولا ركبتيه، ولا جبهته على الأرض في السجود؟ ! ويجزئه وضع أنفه على الأرض فقط (^٣)؟ ! وهذه صلاة العبث واللعب والهزل والاستخفاف
_________________
(١) = العالية، كذلك قال عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد والدارقطني .. ". والمسألة طويلة الذيل وفيها بحث مستفيض ينظر في: المبسوط (١/ ١٧١) وحلية العلماء (٢/ ١٦٨) وتحفة الفقهاء (٢/ ٢٤) والمجموع (٤/ ٨٨). والمغني لابن قدامة (١/ ١٣١) وبدائع الصنائع (١/ ٣٢) وتبيين الحقائق (١/ ١٤٨) والفتاوي الهندية (١/ ١٢) والمحلى (١/ ٢٦٥) للمؤلف، على أنه ﵀ سيذكر هذه المسألة مرارا.
(٢) انظر: المختصر (ص ٣١) والهداية (١/ ٤٧ - ٤٨).
(٣) في النسخة التي بين يدي: "واختلف قوله في السجود عليها، فَمَرَّة أبطل الصلاة بذلك، ومرة لم يبطل الصلاة"، وصححتها بما تراه والله أعلم.
(٤) من سنن الصلاة - عند الحنفية. وضع اليدين والركبتين على الأرض حالة السجود، قالوا: لقوله - ﷺ -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم" وعد منها اليدين والركبتين =
[ ٢ / ٤٥٤ ]
بالديانة - قالوا: إنما قلنا هذا لما روي عن رسول الله: "من صلى عاقصا رأسه كمن صلى وهو مكتوف" (^١)، فكان هذا الاحتجاج عجبا في الحماقة! !
أترى أن أحدا في العالم يجهل أن من صلى - وهو مكتوف. فإنه لا يقدر على أكثر من ذلك؛ وأن الله تعالى لم يكلفه قط ما أعجزه عنه! !
أفيجوز أن يُشَبَّه عامِدٌ لاعبٌ عابثٌ مستهزيءٌ عَيَّارٌ (^٢) يصلي فرضه، فلا يضع في سجوده فيها يدا، ولا ركبة ولا جبهة على الأرض،
_________________
(١) = ولأن السجود يتحقق بدون وَضْعِهِمَا؛ والذي يجزئ في السجود وضع بعض الوجه على الأرض، واختلف في ذلك البعض، فقيل: هو الجبهة أو الأنف، وقيل: هما معا. وانظر: الهداية (١/ ٥٤) وبدائع الصنائع (١/ ١٠٥) وتبيين الحقائق (١/ ١٠٧) والفتاوى الهندية (١/ ٧٢) والمحلى (٣/ ٢٥٨) وأكثر المؤلف ﵀ من التشنيع فيه على الحنفية، وسيذكر المؤلف المسألة من وجه آخر فيما يأتي.
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر، والثوب، وعقص الرأس في الصلاة (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨) وأبو داود في الصلاة، باب الرجل يصلي عاقصا شعره حديث رقم (٦٤٧)، والدارمي في الصلاة، باب في عقص الشعر برقم (١٣٥٤) عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه أن كريبا مولى ابن عباس حدثه عن عبد الله بن عباس أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس، فقال: مالك ورأسي، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف"، هذا لفظ مسلم، وعقص الشعر جمع وسط الرأس، أو لف ذوائبه حول الرأس كفعل النساء.
(٣) العيار: الكثير المجيئ والذهاب، والذكي: الكثير التَّطواف. انظر القاموس مادة عير (ص ٥٧٤).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
بمنزلة الزامر (^١) يُخرج اللُّعب في العرس، بمغلوب مَكْتُوفٍ يؤدي فرضه كما يقدر، وكما كلفه الله تعالى ولا مزيد؟ ! !
ثم قبل كل شيء وبعده أي مدخل لمن لم يضع يديه وركبتيه في سجوده فيما في الخبر المذكور، من أن من صلى عاقصا رأسه كمن صلى وهو مكتوف؟ !
وهذا نهي عن الصلاة عاقصا، وهم يجيزون صلاة من لم يضع يديه ولا ركبتيه في السجود على الأرض؟ !
ولو أن قليل المبالاة مثلهم يحتج في إبطال فرض القيام في الصلاة، بسقوطه عن المريض؛ وعن الراكب الخائف، لكان أقل إبهاما منهم في إسقاطهم فرض وضع الركبتين والجبهة بتمثيل صلاة من عقص شعره بصلاة من صلى وهو مكتوف؟ ! !
واحتجوا في استنجاس البول بخبر ساقط فيه: "إنما تغسل ثوبك من البول" (^٢)، ثم خالفوه، فقالوا: لا يغسل الثوب من بول ما لا
_________________
(١) يقال زمر زمر زمرا وزميرا وهو زمار وزامر: غني في القصب. انظر القاموس مادة زمر (ص ٥١٣).
(٢) لم أجده هكذا؛ ولعل المؤلف يشير إلى حديث "إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر"، أخرجه أبو داود في الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب برقم (٣٧٥)، وابن ماجة في الطهارة وسنها، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم برقم (٥٢٢) من حديث لبابة بنت الحارث؛ قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٣٨) بعد أن ذكر بعض طرقه: "إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني ". . وانظر أيضا: فتح الباري (١/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
يحل أكل لحمه، ومن بول الإنسان إلا أن يكون أكثر من قدر الدرهم البغلي، ولا يغسل ثوبٌ من بول ما يؤكل لحمه، إلا أن يكون كثيرا فاحشا (^١).
وحد أبو يوسف الكثير الفاحش بشبر في شبر (^٢). فَيَا عَجَبًا لهذا التحديد! ! ثم عجبٌ ثانٍ أي شبر هو؟ ! !
واحتجوا في صفة تطهير الخف بالخبر المشهور: "إن طهوره مسحه بالتراب" (^٣)، ثم خالفوه فقالوا: أما من العذرة اليابسة فنعم، وأما من
_________________
(١) انظر حكاية مذهب الحنفية في ذلك في: تحفة الفقهاء (٢/ ٦٤ - ٦٥) وتبيين الحقائق (١/ ٧٣) والمجموع للنووي (٢/ ٥٤٨) والفتاوى الهندية (١/ ٤٦).
(٢) وعن أبي يوسف رواية ثانية وهي: "ذراع في ذراع"، ومثلها عن محمد بن الحسن، وروي عنه أيضا: أن الكثير الفاحش أن يستوعب القدمين، وروي عن أبي حنيفة أنه كره أن يجد لذلك حدا وقال: إن الفاحش يختلف باختلاف طباع الناس، فوقف الأمر فيه على العادة، وانظر: الفتاوي الهندية (١/ ٤٥ - ٤٦). وحكى المصنف في المحلى (١/ ١٦٨ - ١٦٩) مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ثم قال: " أما قول أبي حنيفة ففي غاية التخليط والتناقض والفساد، لا تعلق له بسنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا بقرآن ولا بقياس ولا بدليل إجماع، ولا بقول صاحب، ولا برأي سديد، وما نعلم أحدا قسم النجاسات قبل أبي حنيفة هذا التقسيم، بل نقطع على أنه لم يقل بهذا الترتيب فيها أحد قبله، فوجب اطراح هذا القول بيقين".
(٣) روي ذلك من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعائشة، فأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أبو داود في الوضوء، باب في الأذى يصيب النعل برقم (٣٨٦)، وابن حبان في صحيحه (ص ٨٥) (موارد الظمآن)، والحاكم في المستدرك في الطهارة برقم (١٤٥) وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". وساقه أبو داود من طريق محمد بن كثير بسنده عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب"، قال ابن القطان: "هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة، فإنه =
[ ٢ / ٤٥٧ ]
البول يابسه ورطبه، ومن العذرة الرطبة فلا، ولا بد من غسله (^١).
واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث، بالخبر الثابت المشهور بأن رسول الله خَرَجَ، فَأمَّ المسلمين في باقي صلاتهم (^٢)؛ وليس في هذا الخبر حدث من الإمام أصلا؛ وهم يقولون إنه مَنْ فَعَلَ كفعل النبي وأبي بكر وجميع من حضر تلك الصلاة من الصحابة، فصلاتهم كلهم باطلة؛ وفعلهم خطأ.
قال أبو محمد: هذا الضلال المبين، والقول الذي تأباه نفوس المؤمنين! ! .
وأضافوا إلى ذلك مخالفة الخبر في نص ما فيه، والاحتجاج به فيما
_________________
(١) = رواه من حديث محمد بن كثير عن الأوزاعي به، ومحمد بن كثير الصنعاني الأصل المصيصي الدار أبو يوسف: ضعيف، وأضعف ما هو عن الأوزاعي"، وانظر: نصب الراية (١/ ٢٠٨).
(٢) وانظر: تبيين الحقائق (١/ ٧٠ - ٧١) وساق المؤلف في المحلى (١/ ٩٤ - ٩٥) مذهب أبي حنيفة في إزالة النجاسة ثم قال: "وهذه أقوال ينبغي حمد الله تعالى على السلامة عند سماعها وأعجب من ذلك أنهم لم يتعلقوا بالنصوص الواردة في ذلك البتة، ولا قاسوا على شيء من النصوص في ذلك، ولا قاسوا النجاسة في الجسد على النجاسة في الجسد ..، ولا قاسوا النجاسة في الثياب على الجسد، ولا تعلقوا في أقوالهم في ذلك بقول أحد من الأُمَّةِ قبلهم! ويُسألون قبل كل شيء، أَيْنَ وَجَدُوا تغليظ بعض النجاسات، وتخفيف بعضها؟ أفي قرآن، أو سنة أو قياس ".
(٣) أخرجه البخاري في الأذان، باب حد المريض أن يشهد الجماعة برقم (٦٦٤)، ومسلم في الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر (٢/ ١٣٥ - ١٣٨)، والنسائي في الإمامة، باب استخلاف الإمام إذا غاب (٢/ ٨٢)؛ والدارمي في الصلاة، باب فيمن يصلي خلف الإمام، والإمامُ جالسٌ برقم (١٢٣٧)، وأحمد في المسند (١/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
ليس فيه منه أثر وخالفوا إجماع الصحابة، وآخر فعل رسول الله، فما صلى ﵇ بالمسلمين في مسجده صلاة بعدها (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد: أنه لا فطر ولا قصر إلا في سفر ثلاثة أيام بلياليهن بالخبر الثابت عن رسول الله: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" (^٢) وليس في هذا الخبر للفطر والقصر أثر لا بنص، ولا بدليل ولا بإشارة ولا بوجه من الوجوه، ثم خالفوا نص هذا الخبر فيما فيه، وفيما قصد به، لأن نصه وحكمه أن يَمْسَحَ المسافر ثلاثا من الليالي، فقالوا هم: لا يجوز له هذا، ولا يحل له المسح ثلاثا من الليالي بأيامهن لمن (^٣) يصلي بالمسح ثلاث ليال بأيامهن فقط، ولا مزيد.
_________________
(١) انظر شروط استخلاف الإمام عند الحنفية في: تبيين الحقائق (١/ ١٤٧) والفتاوى الهندية (١/ ١٠١) والمحلى (٤/ ٢٢١) حيث تعقب المؤلف أقوال أبي حنيفة.
(٢) أخرجه مسلم في الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين (٣/ ١٧٥) والنسائي في الكبرى في الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمقيم والمسافر برقم (١٣١)، وابن ماجة في الطهارة وسننها، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر برقم (٥٥٢)، والدارمي في الطهارة، باب التوقيت في المسح برقم (٧١٥)، والبيهقي في الكبرى في الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين برقم (١٣٠٥ - ١/ ٤١٤) كلهم عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت عليك بابن أبي طالب فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -، فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم".
(٣) كذا والعبارة فيها شيء، ومذهب الحنفية موافق لنص حديث المسح، وأن للمسافر أن يمسح على الخف ثلاثة أيام ولياليهن، وحكاه المصنف نفسه عنهم في المحلى (٢/ ٨٩) قال: "وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي والحسن بن حي، وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، وداود بن علي وجميع أصحابهم، وهو قول إسحاق بن راهويه وجملة =
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وليس هذا في الخبر أصلا، فاعجبوا لهذه الفضائح! !
واحتجوا لقولهم الفاسد أن الجمعة لا تجزئ إلا بسلطان بالخبر الثابت عن رسول الله من طريق مالك بن الحويرث (^١): "صلوا كما تروني أصلي" (^٢). فكان هذا من عجائب الدهر، وهل رأي مَن لا يرمي الناسَ بالحجارة في هذا الكلام تخصيصا للجمعة دون سائر الصلوات (^٣)! !
_________________
(١) = أصحاب الحديث". وانظر فقه المسألة في كتب الحنفية: مختصر الطحاوي (ص ٢١) والهداية (١/ ٣٠) وشرح معاني الآثار (ي/) وتحفة الفقهاء (٢/ ٨٤) وتبيين الحقائق (١/ ٤٥) والله أعلم وأحكم.
(٢) تقدمت ترجمته (ص ٤٣٠).
(٣) أخرجه من طريق مالك بن الحويرث: البخاريُّ في الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة برقم ٦٣١، ومسلم في الصلاة من أحق بالإمامة (٥/ ١٧٤)، والدارمي في الصلاة، باب من أحق بالإمامة برقم (١٢٣٣)، والشافعي في مسنده (ص ٥٥) والدارقطني في سننه في الصلاة (١/ ٢٧٣) والبيهقي في الكبرى في الصلاة، باب من سها فترك ركنا عاد إلى ما ترك برقم (٣٨٥٦ - ٢/ ٤٨٧)؛ ومعرفة السنن (٢/ ١٧١) وانظر إرواء الغليل برقم (٢٦٢٢)، وجود الحديث عنه وطرقه الشيخ ناصر الدين الألباني في رسالة له مشهورة. وسياقه عند البخاري: "وصلوا كما رأيتموني أصلي".
(٤) قال مالك والشافعي وأبو ثور: ليس من شرط إقامة الجمعة وجود السلطان، وقال الحسن والأوزاعي وأبو حنيفة: هو شرط في إقامتها، واستدل هؤلاء بأدلة منها: ما روي: "من تركها - يعني الجمعة - استخفافا وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله"، وفي المسألة اعتراضات وأجوبة تنظر في: المبسوط (٢/ ٢٣) وتحفة الفقهاء (٢/ ١٦٢) والهداية (١/ ٨٨) والمغني لابن قدامة (٢/ ٢٤٥) وتبيين الحقائق (١/ ٢١٩ - ٢٢٠) والمحلى (٥/ ٤٩) وسيذكر المؤلف هذه المسألة في موضع آخر.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
أليس هذا من الحُمق الذي لا دواء له؟ ! ومن الاستخفاف في الدين؟ ! ! ثم خالفوه في نصه، فقالوا: إن صلى الإمام جالسا، لم يصل من يصلي خلفه كما يرونه يصلي، بل بخلاف ما يرونه يصلي.
واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلى بالناس جالسا لمرض به، فإن الناس لا يصلون وراءه إلا قياما بالخبر الثابت عن رسول الله إذ خرج فوجد أبا بكر قائما يصلي بالناس، فتأخر أبو بكر، وصلى رسول الله بالناس قاعدا (^١).
قال أبو محمد: فخالفوا هذا الخبر فيما فيه، وقالوا: إن تأخر إمام الغير حدث، وتقدم الآخر الخليفة كان، أو غيره، بطلت صلاة الإمامين، وصلاة جميع المأمومين (^٢)، ثم أقحموا فيه جرأة، وتمويها بالباطل، وغرورا لضعفاء المسلمين المقتدين بهم ما ليس فيه، من أن المسلمين صلوا وراءه ﵇ قياما (^٣).
_________________
(١) مرَّ تخريج هذا الحديث (ص ٤٥٨).
(٢) تقدم الكلام على مذهب الحنفية في هذه المسألة (ص ٤٥٨).
(٣) هذا الذي ادعى المؤلف أنه إقحام في الحديث، قد أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (٤٠٧٤ - ٢/ ٤٥٨)؛ عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: اشتكى النبي - ﷺ -، فأمر أبو بكر أن يصلي بالناس، فصلى النبي ﷺ قاعدا وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس قال: وصلى الناس وراءه قياما. قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٧٧): "وهذا مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدوا الصلاة مع أبي بكر قياما بلا نزاع، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان"، وأول كلام الحافظ هنا فيه حكاية منازعة ابن حزم في كون الناس صلوا قياما، قال الحافظ: " ثم نازع - يعني ابن حزم - في ثبوت كون الصحابة صلوا خلفه - ﷺ - وهو قاعد قياما غير أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرد صريحا، وأطال في ذلك بما لا =
[ ٢ / ٤٦١ ]
وليس في شيء من الخبر شيءٌ من هذا أصلا، حاشا أن أبا بكر كان قائما يُؤْذِنُ النَّاسَ بصلاة رسول الله ﷺ فقط (^١).
واحتجوا لقوله في بطلان صيام من تسحر يظنه ليلا، فوافق ذلك إثر طلوع الفجر، وقبل أن يتبين بياض الفجر بالخبر الثابت عن رسول الله: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ، أصبحتَ" (^٢).
فكان هذا التمويه منهم عجبا من عجائب الدنيا. وعدم حياء بالجملة، لأن نص هذا الخبر موافق لنص القرآن الذي خالفوه بآرائهم الفاسدة،
_________________
(١) = طائل فيه، والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي وقال: إنه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة". ثم نقل الحافظ رواية عبد الرزاق عن عطاء التي سبقت آنفا.
(٢) يفهم من كلام المؤلف أن أبا بكر صلي مأموما بصلاة النبي - ﷺ -، وهو الحق الذي لا محيد عنه، قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٥٤): "وعين أبو معاوية عن الأعمش في إسناد حديث الباب - يعني صلاة النبي - ﷺ - بالناس في مرض موته. مكان الجلوس فقال في روايته: "حتى يجلس عن يسار أبي بكر"، وهذا هو مقام الإمام وأغرب القرطبي شارح مسلم لما حكي الخلاف، هل كان أبو بكر إماما أو مأموما؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيان جلوسه - ﷺ -، هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره، انتهى، ورواية أبي معاوية هذه عند مسلم أيضا؛ فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له".
(٣) أخرجه البخاري في الصوم، باب قول النبي ﷺ: لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال برقم (١٩١٨) ومسلم في الصوم، باب صفة الفجر الذي يتعلق به أحكام الصوم (٧/ ٢٠٣) والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الأذان بالليل رقم (٢٠٣)، والنسائي في الصغرى في الأذان، باب المؤذنان للمسجد الواحد (٢/ ١٠) والدارمي في الصلاة، باب في وقت أذان الفجر برقم (١١٧٢).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
إذ يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^١).
فلم يحرم الله تعالى قط الجماع، ولا الأكل، ولا الشرب بطلوع الفجر، بل كل ذلك مباح حلال طَلْقٌ وإن طلع الفجر الثاني، ما لم يتبين بياضه للمجامع. والآكل، والشارب، وإنما يحرم عليه كل ذلك بعد تبينه بياض الفجر بأول الآية، وبآخرها إذ يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٢).
فإنما ألزمنا تعالى الصيام بعد أن يتبين لنا بياض الفجر، لا بطلوع الفجر أصلا، والخبر المذكور بالآية سواء بسواء في هذا الحكم؛ لأنه ﵇ أمر بالأكل والشرب حتى ينادي ابن أم مكتوم (^٣)؛ وهو
_________________
(١) من سورة البقرة، الآية رقم (١٨٧).
(٢) قال الحنفية: إذا تسحر وهو يظن أنه ليل، فإذا الفجر طالع، فإنه يجب عليه القضاء، قال الزيلعي الحنفي: "لأنه مضمون عليه بالمثل، كما في المريض والمسافر، ولا تجب عليه الكفارة لقصور الجناية لعدم القصد". فإذا لم يستبن الأمر، لا يجب عليه القضاء، لأن الأصل هو الليل فلا يخرج بالشك. وانظر: تبيين الحقائق (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) والمجموع للنووي (٦/ ٣٠٩) والفتاوى الهندية (١/ ١٩٤) والمحلى للمؤلف (٦/ ٢٢٩).
(٣) هو عمرو بن أم مكتوم القرشي، ويقال اسمه عبد الله، وعمرو أكثر وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم، واسم أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله، أسلم قديما بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، قدم المدينة قبل أن يهاجر النبي - ﷺ -، وكان يستخلفه النبي - ﷺ - على المدينة في عامة غزواته، يصلي بالناس، روى عَنْه عبد الله بن الهاد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو رزين الأسدي وآخرون. مات في القادسية وقيل بعدها. وحديثه عند أبي داود والنسائي وابن ماجة. انظر: تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤١٦) والإصابة (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٢٨٩).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت، وإنما ينادي بعد تبين الفجر للناس، وبندائه يحرم الأكل والشرب، لا قبل ندائه أصلا؛ فأعجبوا لقلة حياء هؤلاء القوم إذ يدعون في هذا الخبر ضد ما فيه جهارًا، ويخالفون القرآن بكذبهم ورأيهم الفاسد، ولا يهابون فضيحة عاجلة وآجلة؛ نعوذ بالله مما ابتلاهم به.
ثم زاد بعضهم كذبا وجرأة، فقالوا معنى قولهم له: "أصبحتَ، أصبحتَ" أي قاربت الصباح وهذا أراد رسولُ الله - ﷺ - (^١).
فحصَّلوا من هذا التأويل الكاذب على رسول الله، على عظيمتين من الكبائر: إحداهما: الكذب بما لا دليل عليه، والثانية: الكذب على رسول الله بدعواهم أنه هذا أراد، ولا برهان لهم بذلك.
ثم الطامة أن يقال لهم: إن كان كما تقولون، فإنما كان يؤذن ابن أم مكتوم أيضا بليل لا بعد طلوع الفجر، وأنتم لا تقولون هذا.
وأيضا فيلزمكم أنه يحرم الأكل حينئذ؛ وهو قبل الفجر، وما قال مسلم قط: إن الأكل يحرم قبل طلوع الفجر! ! فاعجبوا لتلوثهم (^٢) في وضر (^٣) الكذب والباطل! ! واسألوا الله العافية.
_________________
(١) قال النووي في شرح مسلم (٧/ ٢٠٤) في معنى هذا الحديث: "قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ثم يرقب الفَجْرَ، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن مكتوم بالطهارة وغيرها ثم يرقى، ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر".
(٢) اللوث: القوة وتمراغ اللقمة في الإهالة، ولوك الشيء في الفم، والأقرب هنا هو هذا المعني وانظر القاموس مادة لوث (ص ٢٢٥).
(٣) الوَضَر: محركة: وسخ الدسم واللبن أو غسالة السقاء والقصعة ونَحْوهما انظر القاموس مادة وضر (ص ٦٣٤).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
واحتجوا لقولهم: لا يؤذن لصلاة الصبح إلا بعد طلوع الفجر، بالخبر الصحيح المشهور عن رسول الله: "إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم" (^١).
وهم لا يجيزون هذا أصلا؛ ولا يبيحون لأحد أن يؤذن قبل الصبح، لإرجاع القائم؛ وإيقاظ النائم، واعجبوا لتخليطهم وتلاعبهم، واحمدوا الله على السلامة (^٢)! !
واحتجوا لقولهم الفاسد: لا يجوز التمادي في صلاة الصبح، ولا ابتداؤها من أول ما يبدو حاجب الشمس إلى أن يتم طلوعها؛ فإذا تم طلوع القرص جاز قضاء جميع الصلوات الفائتات وإن لم ترتفع الشمس،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان، باب الأذان قبل الفجر برقم (٦٢١)، ومسلم في الصوم، باب صفة الفجر الذي تتعلق به أحكام الصوم (٧/ ٢٠٤) وأحمد في المسند برقم (٣٦٥٤)؛ والبيهقي في الكبرى في الصيام، باب من طلع الفجر، وفي فيه شيء لفظه وأتم صومه برقم (٨٠٢١)، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "لا يمنعن أحدكم - أو أحدا منكم - أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل، ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم ". هذا لفظ البخاري.
(٢) قال مالك وأحمد وداود وأبو يوسف: يجوز الأذان للصبح قبل دخول وقتها بعد نصف الليل، وقال أبو حنيفة ومحمد والثوري: لا يجوز الأذان لها قبل طلوع الفجر، واستدلوا بحديث ابن عمر أن بلالا أذن قبل الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: "ألا إن العبد نام ثلاثا". وقاس أبو حنيفة ومحمد الأذان الفجر بالأذان لسائر الصلوات، قالا: وفي الأذان للفجر قبل الوقت إضرار للناس لأنه وقت نومهم، فيلتبس عليهم، وذلك مكروه، وفيما استدل به هؤلاء نظر واعتراضات وأجوبة تنظر في: المبسوط (١/ ١٣٤) وحلية العلماء (٢/ ٣٨) والمجموع للنَّووي (٣/ ٨٧ - ٨٩) والمغني لابن قدامة (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨) والمحلى (٣/ ١١٩ - ١٢٢).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
ولا ابيضت ولا صفت، بالخبر الثابت عن رسول الله المشهور إذ نام عن صلاة الصبح، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، وفي بعض ألفاظه: "فما أيقظهم إلا حر الشمس، فأمرهم ﵇ أن يقتادوا رواحلهم، حتى ارتفعت الشمس ثم صلى بهم الصبح" (^١).
قال أبو محمد: وهذا عجب ما مثله عَجَبٌ: أن يموهوا بهذا الخبر، وجميع ألفاظه من جميع طرق رواته مخالفة لمذهبهم في ذلك، لأنهم يأمرون بقضائها إثر تمام طلوع القرص، قبل ارتفاع الشمس، وقبل ابيضاضها، وقبل أن تَصْفُوَ، ويبيحون حينئذ الصلاة على الجنازة، وسجود التلاوة بخلاف نص الخبر المذكور، فخالفوا الخبر في نص ما فيه، ومَوَّهُوا به فيما ليس فيه منه شيء، ولا أثر ولا إشارة، وإني لأَعْجَبُ من جواز تمويههم هذا مُذْ أزيدَ من مائتي عام، وغَفْلَةِ خصومهم عن التنبه له؛ والتنبيه عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء برقم (٣٤٤) عن عمران في قصة طويلة، ومسلم في الصلاة، باب قضاء الفائتة واستحباب تعجيله (٥/ ١٨١ - ١٨٢) وأبو داود في الصلاة، باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها برقم (٤٣٥) وابن ماجة في الصلاة، باب من نام عن الصلاة ونسيها برقم (٦٩٧) عن أبي هريرة، والنسائي في الصغرى في المواقيت، باب كيف يقضي الفائت من الصلاة (١/ ٢٩٧) عن بريد بن أبي مريم عن أبيه.
(٢) انظر المحلى (٣/ ٨ - ٩) فقد حكى المؤلف هذا عن أبي حنيفة وناقشه وختم ذلك بقوله: "قال علي: أما تقاسيم أبي حنيفة فدعاوٍ فاسدة متناقضة، لا دليل على شيء منها، لا من قرآن ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا من إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس، ولا رأي سديد".
[ ٢ / ٤٦٦ ]
واحتجوا لقولهم الفاسد: أنَّه من طلع له أوَّلُ حاجب الشمس، وقد صلى صلاة الصبح كلها، وقعد مقدار التشهد وأكثر، إلا أنه لم يسلم بعد، فإن صلاته قد بطلت وفسدت، وعليه أن يبتدئها بعد تمام طلوع الشمس، بالخبر المشهور عن رسول الله من نهيه عن الصلاة حين طلوع الشمس حتى تبرز، وحين استوائها حتى تميل، وحين غروبها حتى تغيب (^١).
وادعوا أنهم يعولون على هذا الخبر، وعصوا له [بجهلهم] (^٢) الأخبار الثابتة: "من أدرك ركعة من الصبح، قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح" (^٣). و"من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها حين ذكرها، لا كفارة لَهَا إلا ذلك" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المواقيت، باب لا يتحرى الصلاة قبل طلوع الشمس برقم (٥٨٨)؛ والنسائي في المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح (١/ ٢٧٦)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر برقم (١٨٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب النهي عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر برقم (١٢٥٠)، والدارمي في الصلاة، باب أي ساعة يكره فيها الصلاة برقم (١٤٠٤).
(٢) النسخة لا تكاد تُبِينُ واستظهرت منْها ما أثبته.
(٣) أخرجه البخاري في المواقيت، باب من أدرك من الفجر ركعة برقم (٥٧٩)، ومسلم في المساجد، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (٥/ ١٠٤ - ١٠٥) وأبو داود في الصلاة، باب في وقت صلاة العصر برقم (٤١٢) وابن ماجه في الصلاة، باب وقت الصلاة في العذر والضرورة برقم (٦٩٩)، والدارمي في الصلاة، باب من أدرك ركعة من صلاة فقد أدرك برقم (١٢٠٢).
(٤) أخرجه البخاري في المواقيت، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة برقم (٥٩٧)، ومسلم في الصلاة، باب قضاء الفائتة واستحباب تعجيله =
[ ٢ / ٤٦٧ ]
ثم خالفوه في بعض ما فيه، فأجازوا صلاة العصر حين غروب الشمس بيسير وبعده، ولم يكرهوا ذلك، وكرهوا صلاة الجنازة في الأوقات المذكورة فيه، وأجازوها إن صليت في الأوقات المذكورة، ولم يروا إعادتها بخلاف الصلوات الخمس المفروضات.
فإن قالوا قد روي: "من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس، فقد أدرك العصر" (^١)؛ قلنا: نعم، وفي هذا الخبر نفسه: "ومن أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح" فمرة يحتجون بالخبر ويصححونه إذا وافق فاسد رأي أبي حنيفة؛ ومرة يخالفونه إذا خالف فاسد رأيه! ! نعوذ بالله من هذا التحكم بالباطل.
واحتجوا في أن من سَلَّم في الصَّلاة سهوا، أن صلاته لا تبطل، بل يبني على ما صلى ويسجد للسَّهو بعد السلام بخبر أبي هريرة في أمر ذي
_________________
(١) = (٥/ ١٩٣)؛ وأبو داود في الصلاة، باب من نام عن الصلاة أو نسيها برقم (٤٣٥)، والنسائي في الصغرى في المواقيت، باب إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد (١/ ٢٩٦)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة برقم (١٧٨)، وابن ماجه في الصلاة، باب من نام عن الصلاة ونسيها برقم (٦٩٥). والدارمي في الصلاة، باب مَنْ نام عن الصلاة أو نسيها برقم (١٢٠٩).
(٢) سبق تخريج طرف منه (ص ٤٦٧)، وهذا الطرف أخرجه البخاري في المواقيت، باب من أدرك مِنَ الفجر ركعة برقم (٥٧٩)، ومسلم في المساجد، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (٥/ ١٠٤ - ١٠٥)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس برقم (١٨٦)، وابن ماجه في الصلاة، باب وقت الصلاة في العذر والضرورة برقم (٦٩٩)، والدارمي في الصلاة باب من أدرك ركعة من صلاة فقد أدرك برقم (١٢٠٢).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
اليدين (^١)، وخبر عمران بن الحصين (^٢) في أمر الخرباق (^٣)، ثم
_________________
(١) أخرجه البخاري في السهو، باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث فسجد برقم (١٢٢٧)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (٥/ ٦٨)، وأبو داود في الصلاة، باب السهو في السجدتين برقم (١٠٠٨)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر برقم (٣٩٧)، والنسائي في الصغرى (٣/ ٢٠) في السهو، باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيا وتكلم، والدارمي في الصلاة، باب سجدتي السهو من الزيادة برقم (١٤٦٧). عن أبي هريرة قال: "صلى بنا النبي - ﷺ - الظهر أو العصر فسلم فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ قال النبي - ﷺ - لأصحابه: أحق ما يقول؟ قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين".
(٢) عمران بن الحصين - بالتصغير - بن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نجيد - بضم النون - أسلم أيام خيبر، وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، روى عنه ابنه محمد والحسن، وكان ممن اعتزل الفتنة. مات سنة ٥٢ هـ أخرج له الستة، انظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٢٨٧) والإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٥٨٤ - ٤٨٦) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٩٥).
(٣) أخرجه مسلم في المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (٥/ ٧٠)، وأبو داود في الصلاة، باب السهو في السجدتين برقم (١٠١٠)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب فيمن سلم من ثنتين أو ثلاث ساهيا برقم (١٢١٥)، والبيهقي في الكبرى كتاب الصلاة، باب الكلام في الصلاة برقم (٣٩١٢ - ٢/ ٥٠٥)، ومعرفة السنن (٢/ ١٢٨). عن عمران بن حصين أن رسول الله - ﷺ - صلى العصر فسلم في ثَلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال يا رسول الله، فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال أصدق هذا، قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين". هذا لفظ مسلم. قال الحافظ في الفتح (٣/ ١٠٠): " .. وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين =
[ ٢ / ٤٦٩ ]
خالفوا هذين الخبرين في نص ما فيهما، وقالوا: من تكلم في صلاته ساهيا؛ أو مشى ساهيا بطلت صلاته (^١)، وعللوا الخبرين الثابتين بالكذب البحت، وادعوا أن أبا هريرة وعمران لم يشهدا ما رويا،
_________________
(١) = الخرباق - بكسر المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف - اعتمادا على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم ولفظه: "فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يده طول"؛ وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه - ﷺ - قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفى فيها بأدنى مناسبة وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي - ﷺ - عن ذلك، واستفهم النبي - ﷺ - الصحابة عن صحة قوله، وأما الثاني، فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه وقد تقدم في باب تشبيك الأصابع ما يدل على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما ". واحتجاج الحنفية بحديث ذي اليدين في عدم بطلان صلاة من سلم في الصلاة سهوا وارد في: تبيين الحقائق (١/ ١٩٩)، وانظر أيضا: المحلى (٤/ ٣).
(٢) قال مالك والشافعي من تكلم في صلاته ناسيا لا تبطل صلاته، وقال النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي: تفسد صلاته، وانظر تفاصيل الأدلة والرد عليها في: المبسوط (١/ ١٧٠) والمغني (٢/ ٣٥) وتبيين الحقائق (١/ ١٥٤) والفتاوى الهندية (١/ ٩٨) وحلية العلماء (٢/ ١٥٢).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وكذبوا في ذلك، كلاهما ذكر أنه شاهد القضية (^١)؛ وهم مع هذا يأمرون بالبناء بعد البول والغائط ولا يبطلون الصلاة بهما (^٢)! !
واحتجوا لقولهم الفاسد: أن لا تستقبل القبلة للغائط، بالأخبار التي فيها: "لا تستقبل القبلة ولا تستدبر لغائط، ولا بول" (^٣)؛ ولم ينه
_________________
(١) يشير المؤلف إلى قول الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٥٠) أثناء الكلام على حديث ذي اليدين فإنه قال: " مع أن أبا هريرة - ﵁ - لم يحضر تلك الصلاة مع رسول الله - ﷺ - أصلا، لأن ذا اليدين قتل يوم بدر مع رسول الله - ﷺ -، وهو أحد الشهداء ". قال المؤلف في المحلى (٤/ ٣) رادا لذلك: "وأما قولهم: إن الرجل المذكور قتل يوم بدر فتمويه بارد لوجوه: أحدها أن أعلى من ذكر ذلك فابن المسيب، ولم يولد إلا بعد بدر ببضعة عشر عاما. والثاني: أن المقتول يوم بدر إنما هو ذو الشمالين واسمه عبد عمرو، ونسبه الخزاعي والمكلم لرسول الله - ﷺ - هو ذو اليدين واسمه الخرباق، ونسبه سلمي وأما قولهم: إن قول أبي هريرة: "صلى لنا رسول الله - ﷺ -". إنما هو إخبار عن صلاته بالمسلمين الذين أبو هريرة معهم - فباطل، يبين ذلك قول أبي هريرة الذي ذكرناه آنفا: "بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -". فظهر فساد قولهم". وانظر: فتح الباري (٣/ ٩٦) فقد دفع الحافظ في صدر الطحاوي ونقض قوله.
(٢) تقدم فقه المسألة عند الأحناف.
(٣) من هذه الأخبار ما أخرجه البخاري في الوضوء، باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول برقم (١٤٤)، ومسلم في الطهارة، باب الاستطابة (٣/ ١٥٢)، وأبو داود في الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة برقم (٩) والترمذي في الطهارة باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول برقم (٨) والنسائي في الكبرى، كتاب الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة وعن استدبارها برقم (٢٠ - ١/ ٦٧) وابن ماجه في الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول برقم (٣١٨)، كلهم عن أي أيوب الأنصاري أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا " هذا سياق مسلم. =
[ ٢ / ٤٧١ ]
أبو حنيفة عن استقبالها للبول، ولا عن استدبارها بغائط أو بول، والخبر واحد.
واحتجوا لقولهم: إن الرجل لا يغسل امرأته إذا ماتت، بأثر لا يصح (^١)؛ وردوا به الخبر الصحيح أن عليا غَسَّلَ فاطمة (^٢) ﵂ وفي ذلك الخبر الذي مَوَّهُوا به أنها - ﵂ - اغتسلت قبل موتها، ونهت أن تغسل بعد موتها، فدفنت بغير أن تغسل، وهم لا يرون هذا ولا يجيزونه، فردوا به الخبر الصحيح، ثم خالفوه.
_________________
(١) = ويكره عند أبي حنيفة استقبال القبلة بالفرج في الخلاء، والاستدبار يكره في رواية لما فيه من ترك التعظيم، ولا يكره في رواية؛ لأن المستدبر فرجه غير مواز للقبلة .. وانظر: الهداية (١/ ٧٠) وتبيين الحقائق (١/ ١٦٧) وشرح النووي لمسلم (٣/ ١٥٥) وفتح الباري (١/ ٢٤٦).
(٢) هو ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (٦١٢٦ - ٣/ ٤١١)، من طريق محمد بن راشد قال: "أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أن فاطمة لما حضرتها الوفاة أمرت عليا، فوضع لها غسلا، فاغتسلت وتطهرت، ودعت ثياب أكفانها، فأتيت بثياب غلاظ فلبستها، ومست من الحنوط ثم أمرت عليا أن لا تكشف إذا قضت، وأن تدرج كلما هي في ثيابها ". قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٥١): "ورواه عبد الرزاق في مصنفه بسند ضعيف ومنقطع". قلت وأخرج أحمد في المسند (٦/ ٤٦١) نحو هذا الحديث عن أم سلمى: قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٥٠): "ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وفي العلل المتناهية".
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى في الجنائز، باب الرجل يغسل امرأته إذا ماتت برقم (٦٦٦٠) من طريق محمد بن موسى المخزومي عن عون بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أمه جعفر بنت محمد بن جعفر وعن عمارة بن المهاجر عن أم المهاجر أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - قالت: يا أسماء إذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي بن أبي طالب فَغَسّلها علي وأسماء - ﵄ -. وأخرج نحوه عبد الرزاق في المصنف برقم (٦١٢٢ - ٣/ ٤٠٩) =
[ ٢ / ٤٧٢ ]
واحتجوا في إيجاب النية للصلاة والصوم والزكاة، بالسنة الثابتة عن رسول الله: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" (^١)؛ ثم
_________________
(١) = قال ابن التركماني في الجوهر النقي تعليقا على إسناد البيهقي: "في إسناده من يحتاج إلى كشف حاله؛ ثم الحديث شكل، ففي الصحيح أن عيا دفنها ليلا ولم يعلم أبا بكر، فكيف يمكن أن تغسلها زوجته أسماء وهو لا يعلم، وورع أسماء يمنعها أن لا تستأذنه، ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات، واعتذر عنه بما ملخصه أنه يحتمل أن أبا بكر علم ذلك؛ وأحب أن لا يرد غرض عَلِيٍّ في كتمانه منه". انتهى كلامه. وعلى تقدير ثبوت هذا الحديث، فهي كانت زوجته في الدنيا والآخرة لقوله ﵇: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي". فالسبب الذي كان بينهما لم يقطعه الموت، ومذهب أي حنيفة والثوري والشعبي أن الرجل لا يغسل امرأته". ولما كان ابن التركماني حنفيا قال ما قال، ومذهب أبي حنيفة أن الزوج لا يغسل زوجته، لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها، ورد السرخسي حديث علي بقوله: "وحديث علي غسلها، فقد ورد أن فاطمة غسلتها أم أيمن، ولو ثبت أن عليا غسلها، فقد أنكر عليه ابن مسعود حتى قال له علي: أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قال فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة". وانظر: المبسوط (٢/ ٧٠ - ٧١) والمجموع للنووي (٥/ ١٤٩ - ١٥٠) والمغني (٢/ ٣٩٠) وتحفة الفقهاء (٢/ ٢٤١) والفتاوى الهندية (١/ ١٦٠) والمحلى (٥/ ١٧٥) وناقش المؤلف هناك الحنفية.
(٢) أخرجه البخاري في عدة مواضع منها في بدء الوحي برقم (١)، ومسلم في الإماة، باب قول - ﷺ - إنما الأعمال بالنية (١٣/ ٥٣)، وأبو داود في الطلاق، باب فيما عنى به الطلاق والنيات برقم (٢٢٠١)، والنسائي في الكبرى (١/ ٧٩) برقم (٧٨) في الطهارة، باب النية في الوضوء، والترمذي في الجهاد، باب ما جاء من يقاتل رياء وللدنيا برقم (١٦٩٨)، وابن ماجه في الزهد، باب النية برقم (٤٢٢٧)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٦٨) برقم (١٨١)، في الطهارة، باب النية في الطهارة الحكمية، وأحمد في المسند (١/ ٢٥) وابن خزيمة في الصحيح برقم (١٤٢) كلهم عن عمر بن الخطاب.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
خالفوه، فأجازوا الوضوء، وغسل الجنابة بنية التبرد لا بالنية لهما (^١).
واحتجوا في قولهم: إن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، بخبر ضعيف فيه عبد الله بن بديل - وهو مجهول - (^٢) أن رجلا نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة، فسأل رسول الله عن ذلك فقال له: "اعتكف وصم" (^٣)؛
_________________
(١) قال الحنفية: النية من سنن الوضوء والغسل، وتجزئ فيهما نية التبرد والتنظف وانظر: تفاصيل المسألة في: تحفة الفقهاء (٢/ ٢٤١) وتبيين الحقائق (١/ ٥) والمجموع للنووي (١/ ٣١٣ و٤٢٥) والفتاوى الهندية (١/ ١٤) والمحلى (١/ ٧٣) و(٣/ ٢٣٢).
(٢) عبد الله بن بديل - بالتصغير - بن ورقاء ويقال ابن بشر الخزاعي ويقال الليثي المكي، روى عن الزهري وعمرو بن دينار، وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي وزيد بن الحباب، وعمرو بن محمد العنقري وأبو داود الطيالسي وغيرهم. قال ابن معين صالح، وقال ابن عدي: له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو إسناد. ووثقه ابن حبان أخرج له أبو داود والنسائي، وما غمزه به المؤلف هنا فيه غلو. وانظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٣٩٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٠٤) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٩٢).
(٣) أخرجه أبو داود في الصوم باب المعتكف يعود المريض برقم (٢٤٧٤ و٢٤٧٥)، والنسائي في الأيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي (٧/ ٢١)؛ والدارقطني في السنن (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، والحاكم في المستدرك في الصوم برقم (١٦٠٤ - ١/ ٦٠٦) والبيهقي في الكبرى (٤/ ٥٢٠) برقم (٨٥٧٦) في الصيام، باب المعتكف يصوم، ونقل البيهقي بسنده عن الدارقطني أنه قال: "تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث، سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وغيرهم، وابن بديل ضعيف الحديث". وقال ابن التركماني تعليقا على كلام الدارقطني: "إنما ضعفه هذان الرجلان وهما متأخران وذكره ابن حبان أيضا في كتاب الثقات، وزيادة الثقة مقبولة، ومن لم يذكر الشيء ليس بحجة على من ذكره". وانظر: نصب الراية (٢/ ٤٨٨). وانظر في اشتراط الحنفية الصوم في الاعتكاف: مختصر الطحاوي (ص ٥٧) والهداية (١/ ١٤٢) وتبيين الحقائق (١/ ٣٤٧).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وخالفوا هذا الخبر في الأمر بالوفاء باعتكاف منذور في الكفر؛ وقد جاءت به الآثار الصحاح (^١).
واحتجوا على من قال بقول معاذ ومعاوية بأن يرث المسلم الكافر (^٢)، ثم خالفوه فورثوا من المرتد ورثته من المسلمين خاصة.
واحتجوا في إبطال نص القرآن في إيجاب الوصية للأقربين، بالخبر
_________________
(١) من هذه الأخبار الصحاح: ما أخرجه البخاري في الاعتكاف، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم برقم (٢٠٤٣) عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنَّ عمر - ﵁ - نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام - قال: أراه قال ليلة - فقال له رسول الله - ﷺ -: "أوف بنذرك". وما ذكره المؤلف من مخالفة الحنفية لنص هذا الحديث، صرح به الكاساني فقال في شرائط الوفاء بالنذر: "الإسلام، فلا يصح نذر الكافر، حنى لو نذر ثم أسلم لا يلزمه الوفاء به". وانظر: بدائع الصنائع (٥/ ٨٢)، واقتصر المؤلف في المحلى (٨/ ٢٥) على ذكر مخالفة مالك في هذا ولم يحك عن أبي حنيفة فيه خلافا.
(٢) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٣١٤٤١ - ٦/ ٢٨٧) بسنده عن أبي الأسود الدؤلي قال: كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخاه مسلما فقال معاذ: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الإسلام يزيد ولا ينقص" فورثه. وأخرج ابن أبي شيبة أيضا في المصنف برقم (٣١٤٤٢ - ٦/ ٢٨٧) بسنده عن عبد الله بن معقل قال: "ما رأيت قضاء بعد قضاء أصحاب رسول الله - ﷺ - أحسن من قضاء قضى به معاوية في أهل الكتاب، قال: نرثهم، ولا يرثوننا، كما يحل لنا النكاح فيهم، ولا يحل لهم النكاح فينا". وحكى المؤلف في المحلى (٩/ ٣٠٤) مذهب معاذ ومعاوية. ومذهب الحنفية في توريث المسلمين خاصَّة من المرتد في: المختصر (ص ٢٦٠) وشرح معاني الآثار (٢/ ٢٦٥) والهداية (٢/ ٤٥٩) واللباب في شرح الكتاب (٤/ ١٥٠) والمحلى (٩/ ٣٠٤ - ٣٠٦).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
الثابت عن رسول الله في الذي أوصى بعتق الستة الأعبد بالقرعة (^١)، وليس فيه حجة لهم، لأنه ليس فيه بيان أن ذلك كان بعد نزول الآية، ثم خالفوه في نص ما فيه من عتق الثلث، وإرقاق الثلثين، وفي نصه أيضا بالقرعة، وقالوا: هذا قمار، وهذا كما ترون (^٢)! !
واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: "الخال وارثُ مَنْ لا وارث له" (^٣). ثم خالفوه فورثوا الجد للأم، وابن الأخت
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأيمان، باب صحبة المماليك (١١/ ١٣٩)، وأبو داود في العتق، باب فيمن أعتق عبيدا له لم يبلغهم الثلث برقم (٣٩٥٨ و٣٩٦٠)، والنسائي في الكبرى في الجنائز باب الصلاة على من جنف في وصيته برقم (٢٠٨٥)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء فيمن يعتق مماليكه عند موته، وليس له مال غيرهم برقم (١٣٧٥) كلهم عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ - فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا.
(٢) ما حكاه المؤلف عن الحنفية في: الهداية (٤/ ٥٩٦) وبدائع الصنائع (٤/ ٨٦) و(٧/ ٢١) والمحلى (٩/ ٣٥٠) وقال الترمذي في الجامع (٤/ ٦٠٢) بعد تخريج حديث عمران: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول مالك بن أنس والشَّافعي وأحمد وإسحاق يرون القرعة في هذا وفي غيره، وأمَّا بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم فلم يروا القرعة، وقالوا: يعتق من كل عبد الثلث، ويستسعى في ثلثي قيمته". وفي قول المؤلف إن القرعة عند الحنفية قمار مبالغة، وأحسن منه قول النووي في شرح مسلم (١١/ ١٤٠) عند حكاية مذهب أبي حنيفة في القرعة: " وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة لا مدخل لها في ذلك، بل يعتق من كل واحد قسطه، ويستسعى في الباقى لأنها خطر ".
(٣) أخرجه الترمذي في الفرائض، باب ما جاء في ميراث الخال برقم (٢١٨٥) من حديث =
[ ٢ / ٤٧٦ ]
للأم، وبنت الأخ للأب، وابن البنت دون الخال، ومنعوا الخال مع وجود أحد ممن ذكرنا، فاعجبوا لفساد أقوال هؤلاء (^١)! ! !
واحتجوا في توريث المرأة جميع مال ولدها، إذا لم يكن له وارث سواها بالخبر الساقط: "تحُرزُ المرأة ميراث عتيقها ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه" (^٢)، وخالفوه فيما فيه، فلم يجعلوا لها شيئا من ميراث لقيطها، وقد أوجبه لها عمر بن الخطاب وغيره (^٣).
واحتجوا في هذا أيضا بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
_________________
(١) = عائشة وحسنه، وأخرجه أبو داود في الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام برقم (٢٨٩٩)، والحاكم في الفرائض برقم (٨٠٠٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن حبان برقم (١٢٢٥ "موارد الظمآن ص ٣٠٠") ثلاثتهم من حديث المقدام الكندي.
(٢) تفاصيل مواريث هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف في: مختصر الطحاوي (ص ١٤٤ - ١٤٦) والباب في شرح الكتاب (٤/ ١٨٩ - ١٩١).
(٣) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب ميراث ابن الملاعنة برقم (٢٩٠٦)؛ والترمذي في الفرائض، باب من يرث الولاء برقم (٢١٩٨) وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب على هذا الوجه"؛ والحاكم في الفرائض برقم (٦٩٨٦) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٥٩) ومعرفة السنن (٥/ ٧٤) عن واثلة بن الأسقع عن النبي - ﷺ - قال: "المرأة تحرز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه". هذا سياق أبي داود. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٢٩٩): "قال الحافظ في الفتح، حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وليس فيه سوى عمرو بن رؤبة مختلف فيه، قال البخاري: "فيه نظر، ووثقه جماعة".
(٤) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٣١٥٦٥ - ٦/ ٢٩٨): عن الزهري أن عمر بن الخطاب أعطى ميراث المنبوذ للذي كَفَلَهُ. ثم أخرج برقم ٣١٥٦٦ - ٦/ ٢٩٩) عن واثلة بن الأسقع قال: "ترث المرأة ثلاثة: لقيطها، وعتيقها والملاعنة ابنها".
[ ٢ / ٤٧٧ ]
النبي جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها بعدها (^١)، ثم خالفوه فلم يجعلوا منه شيئا لزوجها، وله الحظ الأوفر من ميراث أمه (^٢).
واحتجوا أيضا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: "التمسوا له وارثا، أو ذا رحم". فلم يجدوا فقال: "أعطوه الكبير من خزاعة" (^٣)، ثم خالفوه فلم يروا أن يُعطى ميراثه الكبير من قبيلته (^٤).
واحتجوا في توريثهم الجد للأم دون الأخ للأم، ودون ابن الأخت، بالخبر الثابت عن رسول الله: "ألحقوا الفرائض بأصحابها، فما أبقت الفرائض فَلِأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب ميراث ابن الملاعنة برقم (٢٩٥٨) بلفظ المؤلف إلا أنه قال: "ولورثتها من بعدها".
(٢) انظر فقه هذه المسألة والتي قبلها في: مختصر الطحاوي (ص ١٤٩) واللباب في شرح الكتاب (٤/ ١٩٨) والبحر الزخار (٦/ ٣٦٥).
(٣) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام برقم (٢٩٠٤) عن ابن أبي بريدة عن أبيه قال: مات رجل من خزاعة، فأتي النبي - ﷺ - بميراثه فقال: "التمسوا له وارثا"، أو ذا رحم فلم يجدوا له وارثا، ولا ذا رحم، فقال رسول الله - ﷺ -: "أعطوه الكبير من خزاعة".
(٤) انظر أقوال الحنفية في هذه المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ١٥١) واللباب في شرح الكتاب (٤/ ٢٠٠) والبحر الزَّخار (٦/ ٣٥٢).
(٥) أخرجه البخاري في الفرائض، باب ميراث ابن الابن، إذا لم يكن ابن برقم (٦٧٣٥)؛ ومسلم في الفرائض (١١/ ٥٢)، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في ميراث العصبة برقم (٢١٧٩)؛ والدارقطني في الفرائض (٤/ ٧١) والبيهقي في الكبرى في الفرائض، باب ميراث الأب برقم (١٢٣٣٦ - ٦/ ٣٨٤) ومعرفة السنن (٥/ ٦١). كلهم من حديث ابن عباس، وَلَفْظُه عند البخاري: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر".
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وهم أول مَنْ خالفوا هذا الخبر، فردوا ما أبقت الفرائض على الأم، والبنت والأخت، ولا يورثون معهن أحدا من رجال ذوي الأرحام، نعم، ويورثون جميع المال بنت البنت، ولا يورثون معها عما لأم ولا خالا ولا ابن أخت (^١).
واحتجوا في قولهم أن الإنسان من العجم لا ولاء عليه لأحد: أن يوالي من يشاء، ويرثه ميراث المعتق لمن أعتق، بالخبر الذي لا يصح: "من أسلم على يد رجل، فهو أحق بمحياه ومماته" (^٢) وله ولاؤه؛
_________________
(١) انظر في توريث الجد للأم دون الأخ للأم ودون ابن الأخت المختصر (ص ١٤٤) واللباب (٤/ ١٩١). وانظر تفاصل رد الفاضل عن ذوي السهام في: مختصر الطحاوي (ص ١٥١) واللباب في شرح الكتاب (٤/ ١٩٧).
(٢) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب في الرجل يسلم على يدي الرجل برقم (١٢٧)، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في الرجل يسلم على يد الرجل برقم (٢١٩٥)، والنسائي في الكبرى في الفرائض، باب ميراث موالي الموالاة برقم (٦٤١١ و٦٤١٢)، وابن ماجه في الفرائض، باب الرجل يسلم على يدي الرجل برقم (٢٧٥٢)، وساقه أبو داود عن يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال: "يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يد رجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته" وساقه الترمذي عن أبي أسامة وابن نمير ووكيع ثلاثتهم عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري وقال: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن وهب، ويقال ابن موهب عن تميم الداري، وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن مَوْهب، وبين تميم الداري، قبيصة بن ذؤيب، ورواه يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر، وزاد فيه عن قبيصة بن ذؤيب، وهو عندي ليس بمتصل". قلت: وعلقه البخاري في الفرائض، باب إذا أسلم على يديه وقال: "واختلفوا في صحة هذا الخبر". وانظر الجامع الصحيح مع الفتح (١٢/ ٤٥)، وقال الحافظ في =
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وليس في شيء من هذا الخبر شئ مما ذكروا من الموالاة، ومن أن له أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه، وخالفوا هذا الخبر في نص ما فيه مِنْ أن مَنْ أَسْلَمَ على يدي آخر فله ولاؤه (^١).
واحتجوا في منعهم القاتلَ الميراثَ، بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "لا يرث قاتل" (^٢)، و"لا يقتل مؤمن بكافر" (^٣)؛ ثم
_________________
(١) = الفتح (١٢/ ٤٦): " وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت، إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن مرهب، وابن موهب ليس بمعروف، ولا نعلمه لقي تميما، ومثل هذا لا يثبت" وقال ابن المنذر: "هذا الحديث مضطرب: هل هو عن ابن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة؟ " وصحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقي وقال: هو حديث حسن المخرج متصل وجزم - يعني البخاري - في التاريخ بأنه لا يصح".
(٢) ما ذكره المؤلف أولا أن الإنسان من العجم لا ولاء عليه لأحد في مختصر الطحاوي (ص ٣٩٨) والهداية (٣/ ٣٠٥). ونص مخالفة الأحناف للحديث في بدائع الصنائع (٤/ ١٧٠).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب الفرائض، باب توريث القاتل برقم (٦٣٦٧ و٦٣٦٨)، والدارقطني في الفرائض (٤/ ٩٦) والبيهقي في الكبرى في الفرائض، باب لا يرث القاتل برقم (١٢٢٤٠ و١٢٢٤١ - ٦/ ٣٦٠ - ٣٦١) عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج ويحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليس للقاتل من الميراث شيء". هكذا ساقه النسائي، ثم أورده من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليس لقاتل شيء". قال محمد شمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على الدارقطني: "قال النسائي: "وهو الصواب، وحديث ابن عياش خطأ"، وضعف ابن القطان الأول بأنه من رواية إسماعيل بن عياش من غير الشاميين، وهي ضعيفة عند البخاري وغيره".
(٤) أخرجه أبو داود في الديات، باب أيقاد المسلم بالكافر برقم (٤٥٣١)؛ والترمذي في الحدود باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر برقم (١٤٣٢) وابن ماجه في الديات، باب =
[ ٢ / ٤٨٠ ]
خالفوهما، فورثوا القاتل من مقتوله الباغي، وقتلوا المؤمن بالكافر المعاهد.
واحتجوا في منعهم أن يقاد المؤمن بالكافر المستأمن، بالخبر الثابت عن رسول الله: "لا يقتل مؤمن بكافر" (^١)؛ ثم خالفوه فقتلوا المؤمن بالكافر الذمي (^٢).
واحتجوا في قولهم: لا يمس القرآن إلا طاهر، بصحيفة عمرو بن حزم (^٣)، وخالفوها فيما فيها من صفة زكاة الإبل، وغير ذلك.
_________________
(١) = لا يقتل مسلم بكافر برقم (٢٦٥٩)، والبيهقي في الكبرى في الجراح، باب فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدينين برقم (١٥٩١٢ - ٨/ ٥٤)، وساقه الترمذي من طريق ابن وهب عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: "حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب حديث حسن". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٦٧١): "وصححه ابن الجارود".
(٢) هو المخرج في سابقه.
(٣) مَذهَبُ الحنفية في قتل المؤمن بالكافر الذمي في: شرح معاني الآثار (٣/ ١٩٢) والهداية (٢/ ٤٤٨) وبدائع الصنائع (٧/ ٢٣٧). واستدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. قالوا: من غير فصل بين قتيل وقتيل ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فعله بالدليل، وأجابوا عن الحديث الذي ذكره المؤلف بأن المراد من الكافر المستأمن، لأنه - ﷺ - قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"؛ فقد عطف قوله: "ولا ذو عهد في عهده على مسلم". وانظر المحلى (١/ ٢٤٧٠ - ٢٥٧) فقد ناقش المؤلف الحنفية في الذي قالوه، وبالغ في ذلك حتى أطال.
(٤) مضى تخريج صحيفة عمرو بن حزم ص (٣١٨)، كما مضت ترجمته (ص ٣١٧).
[ ٢ / ٤٨١ ]
واحتجوا لقولهم في جواز صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر والمصر، بخبر أبي جهيم (^١) في تيمم رسول الله لرد السلام (^٢)، وليس في هذا من حكم صلاة الجنازة أثر (^٣)؛ وخالفوا نص هذا الخبر، فلم يكرهوا رد السلام على غير طهارة، ولم يروا للتيمم لذلك معنى ولا وجها، وخالفوه في نص ما فيه من التيمم للكفين دون المرافق (^٤).
_________________
(١) أبو جهيم - بالتصغير - بن الحارث بن الصمة بن عمرو الأنصاري، روى عنه بشر بن سعيد، وعبد الله بن يسار، له أحاديث اتفقا على حديثين، أخرج له الستة، وترجمته عزيزة وانظر: الإصابة (٧/ ٦٢) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٢٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٤٧).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى في الطهارة، باب التمم في الحضر برقم (٣٠٧)، وأبو داود في الطهارة، باب التيمم في الحضر برقم (٣٢٩) كلاهما من طريق الأعرج عن عمير مولى ابن عباس قال: "أقبلت وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي جهيم فقال: أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇". هذا لفظ النسائي.
(٣) قال الأحناف: يتيمم لصلاة الجنازة في المصر إذا خاف فوتها، لأنها تفوت لا إلى خلف واستدلوا بالحديث الذي ذكره المؤلف هنا، قال السرخسي: "فصار هذا أصلا إلى أن كل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء". وانظر: المبسوط (١/ ١١٨) وتحفة الفقهاء (٢/ ٣٩) وشرح معاني الآثار (١/ ٨٦) وتبيين الحقائق (١/ ٤٢) والفتاوى الهندية (١/ ٢٧).
(٤) قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في القديم: التيمم: مسح الوجه واليدين مع المرفقين بالتراب بضربتين أو أكثر، وقال أحمد وداود ومالك في رواية عنه؛ والشافعي في المشهور عنه: إن التيمم في الوجه والكفين، واستدل الحنفية بحديث عمار في صفة التيمم، وقالوا: ولأن الله تعالى أوجب غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس في =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
واحتجوا لإجازتهم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار خلافا للسنة الثابتة في ذلك (^١)، بخبر ابن مسعود الذي فيه أن رسول الله ذهب لحاجته، وقال: "ائتني بأحجار"، فأتاه بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثه، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذه ركس" (^٢).
وليس في الخبر أنه ﵇ اكتفى بالحجرين، فاحتجوا به فيما ليس فيه منه أثر (^٣)، ثم خالفوه في نص ما فيه، فأجازوا الاستنجاء
_________________
(١) = الوضوء في صدر الآية، وأسقط منها عضوين في التيمم، فبقي العضوان فيه على ما كانا عليه في الوضوء. وانظر بسط الكلام في هذه المسألة في: المبسوط (١/ ١٠٧) وحلية العلماء (١/ ٢٣٠) وتحفة الفقهاء (٢/ ٣٥) والمجموع للنووي (٢/ ٢١١) والمغني لابن قدامة (١/ ١٨٠) وتبيين الحقائق (١/ ٣٨) والفتاوى الهندية (١/ ٢٦).
(٢) أخرج مسلم في الاستطابة (١/ ١٥٢) وأبو داود في الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة برقم (٧) والنسائي في الصغرى في الطهارة، باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار (١/ ٣٨) وابن ماجه في الصلاة، باب الاستنجاء بالحجارة برقم (٣١٣)، والبيهقي في الطهارة، باب وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار (١/ ١٠٢). عن سلمان قال: "قيل له قد علمكم نبيكم - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة قال: فقال أجل: لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أَنْ نستنجي باليمين؛ أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ". هذا سياق مسلم ولفظه.
(٣) أخرجه البخاري في الوضوء، باب لا يستنجى بروث برقم (١٥٦)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين برقم (١٧)، والنسائي في الصغرى في الطهارة، باب الرخصة في الاستطابة بحجرين (١/ ٣٩ - ٤٠) وابن ماجه في الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة برقم (٣١٤)، وأحمد في المسند (٤/ ١٠٢) حديث رقم (٣٩٦٦).
(٤) قال الأحناف: لم يسن في الاستنجاء عدد معين ومما استدلوا به حديث ابن مسعود الذي أورده المؤلف، قالوا فقوله "وألقى الروثة". موجب لعدم اشتراط الثلاثة، قال =
[ ٢ / ٤٨٣ ]
بالروث، وهذا أَعْجَبُ جِدًّا (^١)! ! !
واحتجوا في استنجاس المني بالخبرين الصحيحين اللَّذَيْنِ في أحدهما أنه ﵇ غسله (^٢)؛ وفي الآخر أن عائشة كانت تفركه من
_________________
(١) = الطحاوي: لأنه لو كان مشترطا لطلب ثالثا، وقالوا أيضا: إن الإنقاء حاصل بأقل من ثلاثة أحجار، فإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لاشتراط الزيادة بالثلاث، وقالوا: ولعل ذِكْرَ الثلاثة في الحديث خرج مخرج الغالب، أو يحمل ذلك على الاستحباب. قال الحافظ في الفتح (١/ ٢٥٧): "واستدل به - أي بحديث ابن مسعود - الطحاوي على عدم اشْتِرَاطِ الثلاثة .. كذا قال وغفل ﵀ عما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن مسعود في هذا الحديث فإن فيه: "فألقى الروثة وقال: إنها ركس، ائتني بحجر ". واستدلال الطحاوي فيه نظر بعد ذلك، لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث؛ أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث، لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد، والدليل على صحته، أنه لو مسح بطرف واحد ورماه ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف". وانظر مذهب الأحناف في هذه المسألة في: شرح معاني الآثار (١/ ١٢١) والهداية (١/ ٣٩) وتبيين الحقائق (١/ ٧٧ - ٨٧) وناقش المؤلف الحنفية بنحو ما ذكره هنا في المحلى (١/ ٩٧ - ١٠٠).
(٢) قال الحنفية يكره الاستنجاء بالروث، لكن لو استنجى شخص بالروث أجزأه لحصول المقصود، وانظر: الهداية (١/ ٤٠) وتبيين الحقائق (١/ ٧٨).
(٣) أخرجه البخاري في الوضوء، باب غسل المني وفركه، وغسل ما يصيب من المرأة برقم (٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣١)، ومسلم في الطهارة، باب حكم المني (٣/ ١٩٧)؛ والترمذي في الطهارة، باب غسل المني من الثوب برقم (١١٧)، وابن ماجه في الطهارة، باب المني يصيب الثوب برقم (٥٣٦)، وساقه البخاري من حديث عائشة قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي - ﷺ - فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه".
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ثوبه (^١)؛ ثم تحكموا، فقالوا: يفرك اليابس ولا يجزئ في الرَّطْبِ إلا الغسل تحكما بلا دليل (^٢).
واحتجوا في الماء ينجس بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا بلغ الماء
_________________
(١) أخرجه مسلم في الطهارة، باب حكم المني (٣/ ١٩٦)، وأبو داود في الطهارة، باب المني يصيب الثوب برقم (٣٧١ و٣٧٢)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في المني يصيب الثوب برقم (١٦٦)، وابن ماجه في الطهارة، باب في فرك المني من الثوب برقم (٥٣٧ و٥٣٨ و٥٣٩)، والدارقطني في الطهارة، باب ما ورد في طهارة المني (١/ ١٢٥) عن عائشة في المني قالت: "كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ -". هذا لفظ مسلم.
(٢) ذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسة المني إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بد من غسله رطبا ويابسا، وانظر تفاصيل المذاهب والأدلة وما لها وما عليها في: شرح معاني الآثار (١/ ٥٣) وتحفة الفقهاء (٢/ ٧٠) والمجموع (١/ ٥٥٤) والهداية (١/ ٣٧) وبدائع الصنائع (١/ ٦٠ - ٦١) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ١٠٦) وتبيين الحقائق (١/ ٧١) وحكى المؤلف في المحلى (١/ ١٢٨) تفرقة الحنفية بين المني الرطب واليابس وقال: "وقال بعضهم: يغسله رطبا على حديث سليمان بن يسار - يشير إلى حديث عائشة في غسل المني - ويحكه يابسا على سائر الأحاديث، قال علي: وهذا باطل. لأنه ليس في حديث سُلَيمان أنه كان رطبا، ولا في سائر الأحاديث أنه كان يابسا، إلا في حديث الخولاني وحده، فحصل هذا القائل على الكذب؛ والتحكم إذ زاد في الأخبار ما ليس فيها. قال علي: وقد قال بعضهم: معنى: "فكنت أفركه". أي بالماء؛ قال علي: وهذا كذب آخر، وزيادة في الخبر، فكيف، وفي بعض الأخبار - كما أوردنا -: "يابسا بظفري"؛ قال علي: ولو كان نجسا لما ترك الله تعالى رسوله - ﷺ - يُصَلِّي به؛ ولا خَبَّرَهُ كما أخبره إذ صلى بنعليه، وفيهما قذر فخلعهما ".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قُلَّتَيْن لم ينجس" (^١)؛ وهم أول مخالف لهذا الخبر وموهن له (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب ما ينجس الماء برقم (٦٣ و٦٥)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء برقم (٦٧) والنسائي في الصغرى في المياه، باب التوقيت في الماء (١/ ١٧٥)؛ وابن ماجه في الطهارة، باب مقدار الماء الذي لا ينجس برقم (٥١٧ و٥١٨)؛ والدارمي في الطهارة، باب قدر الماء الذي لا ينجس برقم (٧٣٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥) ومشكل الآثار (٣/ ٢٦٦)؛ والدارقطني في السنن (١/ ١٩ - ٢١) والحاكم في المستدرك في الطهارة برقم (٤٥٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". وساقه أبو داود من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "سئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال - ﷺ -: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". وأخرجه غيره من طرق تكلم عليها كلاما طويلا الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٠٤ - ١١٢) والحافظ في الدراية (١/ ٥٥) والمناوي في فيض القدير (١/ ٣١٢ - ٣١٣). قال الألباني في الإرواء (١/ ٦٠): "وقد صححه الطحاوي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي والنووي والعسقلاني وإعلال بعضهم إياه بالاضطراب مردود".
(٢) قال أبو حنيفة: ينجس كل ما غلب على الظن وصول النجاسة إليه، فإن كان دون القلتين نجس بكل حال، واختلفوا في حده، فقال بعضهم: ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر، وقال بعضهم: ما بلغ عشرة أذرع في عشرة أذرع، وما دون ذلك ينجس وإن بلغ ألف قلة، وعلى الأول فالتحريك عند أبي حنيفة بالاغتسال وهو قول أبي يوسف، وعنه التحريك باليد، وعن محمد بالتوضؤ، وانظر: بدائع الصنائع (١/ ٧١) والهداية (١/ ١٩ - ٢٠) والمغني (١/ ٢٦) والمجموع (١/ ١١٣) والتحقيق لابن الجوزي (١/ ٣٣) والمحلى (١/ ١٥١) وسبل السلام (١/ ١٩) وما أشار إليه المؤلف من مخالفة الحنفية للخبر وتوهينهم له ذكره البيهقي في المعرفة (٢/ ٩٢) ونقله الزيلعي في نصب الراية (١/ ١١٢) قال: "وقال البيهقي في كتاب المعرفة: "وقلال هجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز، ولشهرتها عندهم شبه رسول الله - ﷺ - ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر قال: واعتذار الطحاوي في ترك الحديث أصلا، بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذرا عند من علمه، وكذلك ترك القول ببعض الحديث =
[ ٢ / ٤٨٦ ]
واحتجوا بالخبر الساقط في الوضوء بالنبيذ (^١)، وأجازوا الغسل به للجنابة، وليس ذلك في الخبر، ومنعوا من الوضوء به في المصر، وليس ذلك في الخبر؛ فإن قالوا: لم يفعله ﵇ إلا خارج مكة،
_________________
(١) = بالإجماع لا يوجب تركه فيما لم يجمع عليه، وتوقيته بالقلتين يمنع من حمله على الماء الجاري على أصله".
(٢) روي الوضوء بالنبيذ من حديث ابن مسعود ومن حديث ابن عباس: أما حديث ابن مسعود: فأخرجه أبو داود في الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ برقم (٨٤)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ برقم (٨٨)، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ برقم (٣٨٤)، عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن ما في إداوتك؟ قال: نبيذ، قال: "تمرة طيبة وماء طهور". وقد تُكُلِّمَ في هذه الحديث من جهات ثلاث: الأولى: جهالة أبي زيد أحد رواته. الثانية: التردد في أبي فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره. والثالثة: أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن. وانظر: نصب الراية (١/ ١٣٨ - ١٤٧). وأما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ برقم (٣٨٥)، والدارقطني في الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (١/ ٧٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٤ - ٩٥) والطبراني في الكبير (١/ ٩٤ - ٩٥) من طريق ابن لهيعة بسنده عن عبد الله ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال لابن مسعود ليلة الجن: معك ماء، قال: "لا إلا نبيذًا في سطيحة، فقال رسول الله - ﷺ -: تمرة طيبة وماء طهور، صب علي، قال: فصببت عليه، فتوضأ به". قال الدارقطني بعد أن أورده: "ابن لهيعة لا يحتج بحديثه. وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن". وأخرجه البزار في مسنده برقم (١٤٣٧ - ٤/ ٢٦٨) وقال: "وقال الحديث لا يثبت لابن لهيعة، لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه، فكان يقرأ من كتب غيره، فصار في أحاديثه، أحاديث مناكير وهذا منها".
[ ٢ / ٤٨٧ ]
قلنا: لا تتعدوا به ذلك الموضع، وإلا فما الفرق لو عقلتم (^١)! !؟
واحتجوا في إباحة تطهير الرجل بفضل المرأة خلافا للسنة الثابتة في النهي عن ذلك (^٢)، بالخبر الساقط من طريق سماك بن حرب (^٣):
_________________
(١) النبيذ الذي يجوز التوضُّؤ به هو النبيذ الذي ألقي فيه تمرات، فصار حلوا، ولم يزل عنه اسم الماء، وأجاز أبو حنيفة الوضوء به، وقال أبو يوسف: لا يجوز التوضؤ به، وقال محمد: يجمع المسافر بين الوضوء به والتيمم احتياطا. وقيل إن أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف فقال: بالمنع من الوضوء؛ واحتج أبو حنيفة في القول الأول بحديث عبد الله بن مسعود وبتجويز بعض الصحابة للتوضؤ بالنبيذ كعلي وابن مسعود وابن عباس قال الكاساني: "وبه تبين أن الحديث - يعني حديث ابن مسعود - ورد مورد الشهرة والاستفاضة، حيث عمل به الصحابة، وتلقوه بالقبول فصار موجبا عِلْمًا استدلاليا كخبر المعراج وغير ذلك مما كان الراوي في الأصل واحدًا، ثم اشتهر وتلقَّته العُلماء بالقَبُول، ومثله مما ينسخ به الكتاب، وما ذكروا من الطعن في الراوي: أما أبو فزارة، فقد ذكره مسلم في الصحيح، فلا مطعن لأحد فيه؛ وأما أبو زيد، فقد قال صاعد: وهو من زهاد التابعين، وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث، فكان معروفا في نفسه، وبمولاه، فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته". وأما ما ذكره المؤلف هنا عن الأحناف من تجويز الغسل بالنبيذ؛ ففيه نظر من حَيْثُ أنه حكي عن بعض الحنفية أنه لا يجوز الاغتسال به، قالوا: لأن الجنابة أغلظ الحدثين، والضرورة في الجنابة دونها في الوضوء فلا يقاس عليه. وانظر بسط الكلام على هذه المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ١٥) وشرح معاني الآثار (١/ ٩٥ - ٩٦) وتحفة الفقهاء (٢/ ٦٨) وبدائع الصنائع (١/ ١٥١ - ١٥٢) والمجموع للنووي (١/ ٩٣) وتبيين الحقائق (١/ ٣٥ - ٣٧) والبحر الزخار (٢/ ١٠) والمحلى (١/ ٢٠٣ - ٢٠٥) حيث حط المؤلف حطا شديدا على أبي حنيفة وقال: وأبو حنيفة يقول بالقياس، وقد نقض ههنا أصله في القول به، فلم يقس الأمراق، ولا سائر الأنبذة على نبيذ التمر ".
(٢) سبق تخريج الحديث المفيد نهي الرجل عن الطهارة بفضل المرأة (ص ٣٥٤).
(٣) تقدمت ترجمته (ص ٤١٦).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
"الماء لا ينجسه شيء" (^١)؛ وهم أول مخالف لهذا الحكم، ومخالفهم لا يقول إن فضل المرأة نجس، بل هو عندهم طاهر لا يُطَهِّرُ.
واحتجوا في منعهم من الماء المستعمل بالخبر الثابت من أن الخطايا تخرج من الأعضاء يغسلها في الوضوء (^٢)، وهذا عَجَبٌ جدا؛ وليس
_________________
(١) أخرجه من طريق سماك بن حرب البيهقي في الكبرى في الطهارة، باب ما جاء في نَزْحِ زمزم (١/ ٤٠٣) برقم (١٢٦٤) عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - توضأ بماء فقيل له: استحمت به فلانة الآن يعني امرأته من نسائه قال: "إن الماء لا ينجسه شيء". وهذا المتن معروف من حديث آخر وهو حديث بِئْر بضاعة، أخرجه أبو داود في الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة برقم (٦٦)، والنسائي في الصغرى في المياه (١/ ١٧٣)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء برقم (٦٦)، وابن ماجه في الطهارة، باب الحياض برقم (٥١٩) وابن الجارود في المنتقى برقم (٤٨) والدارقطني في الطهارة (١/ ١٦) والبيهقي في الكبرى في الطهارة، باب الماء الكثير لا ينجس بنجاسة تحدث فيه برقم (١٢١٧ - ١/ ٣٩٠) ومعرفة السنن (١/ ٣٣٣). قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٤) قال الحازمي: "لا يعرف مجودا إلَّا من حديث سماك بن حرب عن عكرمة، وسماك مختلف فيه، وقد احتج به مسلم". قلت: وحديث بئر بضاعة صححه الألباني في الإرواء (١/ ٤٥).
(٢) أخرجه مسلم في الوضوء، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء (٣/ ١٣٢ - ١٣٣)؛ ومالك في الموطأ برقم (٣٢ - ص ٢٣) والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في فضل الطهور برقم (٢) وابن ماجه في الطهارة، باب ثواب الطهور برقم (٢٨٢)، والدارمي في الطهارة، باب فضل الوضوء برقم (٧١٩ و٧٢٠) والحاكم في المستدرك في الطهارة برقم (٤٤٦)، وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٥٣ و١٥٥ - ١/ ٥٠). وسياق مسلم هكذا: عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فَغَسَلَ وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء ".
[ ٢ / ٤٨٩ ]
في هذا الخبر دليل ولا نص بالمنع (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد فيما ينقض الوضوءَ من أحوال النوم، وهو نوم المضطجع والمتكئ والمستند، والمتورك بإليته على إحدى رجليه فقط، دون السَّاجد والراكع والقائم، والجالس غير المستند والمتورك بالخبر الذي فيه أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا ينامون حتى يسمع غطيطهم؛ أو غطيط أحدهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون (^٢). وليس في شيء من هذا
_________________
(١) الماء المستعمل لا يجوز التوضؤ به عند الحنفية، وروى محمد عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور، وبه أخذ محمد وهو أحد قولي الشافعية، وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه: أنه نجس إلا أن الحسن قال عنه إنه نجس نجاسة غليظة، وبه أخذ، وروى أبو يوسف أنه نجس نَجَاسَةً خفيفة، وقال زفر: إن كان المستعمل غير محدث، فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثا فالماء المستعمل طاهر غير طهور. وانظر: تحفة الفقهاء (٢/ ٧٧) وَرَدّ المحتار لابن عابدين (١/ ١٣٢). وحكى المؤلف في المحلى (١/ ١٨٩) أقوال الحنفية في هذه المسألة فكان مما قال: "وقال بعضهم: قد جاء أثر بأن الخطايا تخرج مع غسل أعضاء الوضوء، قلنا: نعم - ولله الحمد - فكان ماذا؟ وإن هذا لمما يغبط باستعماله مرارا إن أمكن لفضله، وما علمنا للخطايا أجراما تحل في الماء! ! ". ثم قال بعد حين: "ولو صح قول أبي حنيفة في نجاسة الماء المتوضأ به والمغتسل به، لبطل أكثر الدين، لأنه كان الإنسان إذ اغتسل، أو توضأ، ثم لبس ثوبه، لا يصلي إلا بثوب نجس كله، وللزمه أن يطهر أعضاءه منه بماء آخر ".
(٢) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء (٣/ ٧٢)، وأبو داود في الطهارة، باب الوضوء من النوم برقم (٢٠٠)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من النوم برقم (٧٨)، والدارقطني في الطهارة، باب ما روي في النوم قاعدا لا ينقض الوضوء (١/ ١٣٠) ولفظ مسلم عن قتادة قال سمعت أنسا يقول: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون وفي لفظ الدارقطني قال أنس: لقد رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم =
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الخبر، ولا من كل خبر جاء في النوم شيء من هذا التقسيم ولعل نومهم كان في حال الاستناد والاتكاء والتورك (^١).
واحتجوا في قولهم المخالف للقرآن: إن لمس المرأة للذة، وغير لذة لا ينقض الوضوء، إلا أن يكون معه إنعاظ، فينقض الوضوء حينئذ، بخبر عائشة أنها وضعت يدها على باطن قدم رسول الله، وهو ساجد (^٢)، وليس في هذا الخبر شيء من تقسيمهم المذكور، ولا فيه أنه ﵇ كان في صلاة، ولا فيه أيضا أنه ﵇ تمادى على الصلاة لذلك ولم
_________________
(١) = غطيطا، ثم يصلون ولا يتوضؤون قال الدارقطني: "قَال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس صحيح".
(٢) النوم الذي ينتقض به الوضوء عند الحنفية هو الذي يضطجع فيه النائم أو يتكئ أو يتوكأ على إحدى إليتيه أو على أحد وركيه، ولا ينتقض الوضوء إن نام ساجدا أو قائما أو قاعدا، أو راكعا، طال ذلك أو قصر، وقال أبو يوسف: إن نام ساجدا غير متعمد فوضوؤه باق، وإن تعمد ذلك بطل وضوؤه. وانظر تفاصيل هذه المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ١٨ - ١٩) والهداية (١/ ١٥ - ١٦) وبدائع الصنائع (١/ ٣٠ - ٣٢) وتبيين الحقائق (١/ ٩) والبحر الزخار (١/ ٨٨ - ٨٩) وحكى المؤلف في المحلى (١/ ٢٢٥ - ٢٢٩) مذهب أبي حنيفة وغيره واعترضه قائلا: "وأما قول أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، فلا متعلق لمن ذهب إلى شيء منها لا بقرآن ولا بسنة صحيحة ولا سقيمة ولا بعمل صحابة ولا بقول صح عن أحد من الصحابة .. ".
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (٤/ ٢٠٣) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة بسنده عن أبي هريرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ". وأخرجه البيهقي في الكبرى في الطهارة، باب ما جاء في الملموس (١/ ٢٠٣) - برقم: ٦١٤) من طريق الحسن بن علي العامري عن أبي أسامة به.
[ ٢ / ٤٩١ ]
يتوضأ، وبالجملة فليس فيه أنه ﵇ لَمَسَهَا، ولا أنه أقر قدمه في يدها، والوضوء عندنا لا ينتقض إلا بقصد اللامس إلى اللمس؛ ذاكرا لوضوئه فقط (^١).
واحتجوا أيضا في هذا القول بعينه بصلاة رسول الله بالناس حاملا أُمَامَة بنت أبي العاصي (^٢)؛ وليس في هذا الخبر شيء من تقسيمهم الفاسد الذي ذكرنا، ولا فيه أن بشرة يده وقعت على شيء من بشرتها دون حائل بينهما من لباسها، فموهوا بذكر هذا الخبر فيما ليس فيه منه أثر، ثم خالفوه في نصه، فقالوا: من صلى كذلك بطلت صلاته
_________________
(١) قال الحنفية: لمس المرأة لا ينقض الوضوء سواء كان للذة أو لغير لذة؛ واستدلوا بما ذكره المؤلف هنا، وأجابوا عن آية سورة المائدة برقم (٦): ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. بأن المراد باللمس فيها الجماع. وانظر: تبيين الحقائق (١/ ١٢) وساق المؤلف في المحلى (١/ ٢٤٦ - ٢٤٨) مذهب أبي حنيفة وهذا الحديث، ثم قال: "وهذا لا حجة لهم فيه لأنَّ الوضوء إنَّما هو على القاصد إلى اللمس لا على الملموس دون أن يقصد هو إلى فعل الملامسة لأنه لم يلامس ".
(٢) أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها في الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة برقم (٥١٦)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥/ ٣١)، وأبو داود في الصلاة، باب العمل في الصلاة برقم (٩١٧) والنسائي في الإمامة، باب ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة (٢/ ٩٥)، والدارمي في الصلاة، باب العمل في الصلاة برقم (١٣٣٣). ولفظ البخاري: عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وصلاة من ائتم به (^١).
شَاهَ وَجْهُ (^٢) القائلِ بهذا، بَلْ أقُولُ - واللهُ يعلمُ صِدْقَ نيتي - ليتَ لي تلك الصلاة، أو حضورها بجميع صلواتي كلها، وتَاللَّهِ ما أودُّ أن لي صلوات الحنيفيين التي وقعت على خلاف هذا الحكم بنواةِ تمرةٍ، أو بَدَلَ إنشادِ شعرٍ لا هجوَ فيه لمسلم؛ إذ يجيزونها بغير قراءة أم القرآن، وبغير رفع من الركوع، وبأن لا يضع في السجود يديه، ولا إحداهما، ولا ركبتيه، ولا إحداهما، ولا جبهته، وأن يتعمد أن يكشف إسته في الصلاة أو رأس ذكره، لأنها كالدرهم البغلي لا كثر، ورأس إحليله أقل من ذلك! ! وحسبنا الله ونعم الوكيل (^٣).
_________________
(١) ذكر المؤلف في المحلى (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨) ما احتج به الحنفية من حديث صلاة رسول الله - ﷺ - بالناس حاملا أمامة وقال: "وهذا لا حجة لهم فيه أصلا، لأنه ليس فيه نص أن يَدَيْهَا ورجليها لمست شيئا من بشرته ﵇ إذ قد تكون موشحة برداء أو بقفازين وجوربين؛ أو يكون ثوبها سابغا يواري يديها ورجليها، وهذا الأولى أن يظن بحضرة الرجال، وإذا لم يكن ما ذكرنا في الحديث. فلا يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس فيه، فيكون كاذبا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا، والذي لا يمكن غيره، فقد بطل تعلقهم به، ولم يحل ترك الآية المتيقن وجوب حكمها لظن كاذب".
(٢) يقال شاه وجهه شوها وشوهة: قبح. انظر القاموس المحيط مادة شاه (ص ١٦١١).
(٣) ذكر المؤلف هنا مسائل عن الحنفية منها ما مضى الكلام عليه، ومنها ما لم يتقدم الكلام عليه فمن ذلك:
(٤) الرفع من الركوع: فقد عد الحنفية الرفع من الركوع من سنن الصلاة وقالوا: إن المقصود الانتقال وهو يتحقق بدونه بأن ينحط من ركوعه.
(٥) كشف العورة في الصلاة: قال الحنفية إن انكشف من الرجل أو المرأة أكثر من قدر الدرهم البغلي في حال استقبالهما الافتتاح للصلاة، أو في حال استقبالهما الركوع، =
[ ٢ / ٤٩٣ ]
واحتجوا بأخبار فيها النهي عن أن يقرأ الجنب شيئا من القرآن (^١)، وهم أول مخالف لنصها، فقالوا: له أن يقرأ آية الدين إلا حرفا منها؛ وليس له أن يتم لفظ "والضحى"؛ لأنهم لم يختلفوا أن له أَنْ يقرأ بَعْضَ آية، وليس له أن يتمها (^٢).
واحتجوا لقولهم: أقل أيام الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة بالخبر الثابت الذي فيه: "تقعد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من كل
_________________
(١) = أو في حال استقبالهما القيام، بطلت صلاتهما، فإن انكشف هذا المقدار في حال القيام أو في حال الركوع، أو في حال السجود، فسترا ذلك حين انكشافه لم يضر ذلك صلاتهما شيئا. وانظر تبيين الحقائق (١/ ٩٨) و(١/ ١٠٧) والهداية (١/ ٤٧ - ٤٨) والمحلى (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤) و(٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٢) من هذه الأخبار: ما أخرجه البيهقي في الكبرى في الحيض، باب الحائض لا تمس المصحف، ولا تقرأ القرآن برقم (١٤٧٩ - ١/ ٤٦١) من طريق إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن". قال البيهقي: "ليس هذا بالقوي".
(٣) قال الحنفية: يمنع الحيض قراءة القرآن وكذا الجنابة لقوله عليه الصلاة والسلم: "لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن". قالوا: ولا فرق بين الآية وما دونها في رواية الكرخي، وفي رواية الطحاوي: يباح لهما قراءة ما دون الآية. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ١٨) وتبيين الحقائق (١/ ٥٧) وحكى المصنف في المحلى (١/ ٧٨) مذهب الحنفية ثم قال: "وأما من قال يقرأ الجنب الآية أو نحوها؛ أو قال لا يتم الآية، أو أباح للحائض ومنع الجنب فأقوال فاسدة لأنها دَعَاوَى لا يعضدها دليل، لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا من إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس ولا من رأي سديد، لأن بعض الآية، والآية قرآن بلا شك؛ ولا فرق بين أن يباح له آية، أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى".
[ ٢ / ٤٩٤ ]
شهر" (^١)؛ وليس فيه دليل على ما ذكروا، والليالي والأيام تقع على أكثر من عشرة، وتقع على من تحيض ليلة من كل شهر فقط، إذا جمعت الليلة إلى الليلة إلى الليلة (^٢)، فاعجبوا لهذه التخاليط! ! والعجبُ أنهم يأمرونها بأول دفعة تراها من الحيض، بترك الصلاة، والأكل في رمضان نهارا، فلا يَخْلُونَ ضرورةً من أحد وجهين لا ثالث لهما:
إما أن يأمروها بذلك وهي طاهر عندهم، أو يأمرونها بذلك وهي حائض عندهم، فإن كانوا يأمرونها بذلك وهي طاهر عندهم، فهذا ما لا يقوله مسلم، وهو الخروج عن الإسلام بلا شك، وإن كانوا يأمرونها بذلك وهي حائض عندهم، فقد تركوا قولهم الفاسد، وأقروا أن دفعة من الدم حيض، فإن قالوا: أمرناها بذلك، ونحن لا ندري أحائض هي أم طاهر؟ كانوا مخالفين بذلك لشريعة الإسلام، إذ لا يحل الفطر، وترك الصلاة إلا لحائض لا شك في حيضها، وبالله
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ برقم (١٣٨ - ص ٤١) وأبو داود في الطهارة، باب في المرأة تستحاض، ومن قال تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض برقم (٢٧٤)، والبيهقي في الحيض، باب المعتادة لا تميز بين الدمين برقم (١٥٧٦ - ١/ ٤٩٣). وساقه مالك من طريق سُلَيمان بن يسار عن أم سلمة أَنَّ امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتت لَهَا أم سلمة رسول الله - ﷺ - فقال: "لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي".
(٢) مذهب الحنفية في هذه المسألة ينظر في: مختصر الطحاوي (ص ٢٣) والهداية (١/ ٣٢) وتحفة الفقهاء (٢/ ٣٣) وتبيين الحقائق (١/ ٥٥) والمحلى (٢/ ١٩٣ و١٩٨).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
تعالى التوفيق.
واحتجوا في نصر قولين لأبي حنيفة فاسدين، فيمن أوصى لآخر بسهم من ماله، فمرة قال: يعطى أقل سهام الورثة، لا يحط في ذلك من السدس شيئا، ومرة قال: يعطى أقل سهام الورثة؛ ولا يزاد في ذلك على السدس شيئا (^١)، بخبر مكذوب على النبي - ﷺ -: أن له السدس (^٢)، وهو خلاف قوليْ أبي حنيفة المذكورين كليهما، وإنما يوافق قول إياس بن معاوية (^٣)؛ وسفيان الثوري (^٤).
_________________
(١) ما ذكره المؤلف من القولين عن أبي حنيفة في: الهداية (٤/ ٥٨٨) وتبيين الحقائق (٦/ ١٨٩) واللباب في شرح الكتاب (٤/ ١٧٦) وسبل السلام (٣/ ١٠٥).
(٢) أخرجه البزار في مسنده برقم (٢٠٤٧ - ٥/ ٤١٥) والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٣) عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبي قيس عن هذيل بن شرحبيل عن ابن مسعود أن رجلا أوصى لرجل بسهم من ماله، فجعل له النبي - ﷺ - السدس"، قال البزار: حديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، وأبو قيس ليس بالقوي، وقد روى عنه: شعبة والثوري؛ والأعمش وغيرهم". وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٤٠٨): "وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة البزار، وقال العرزمي: متروك، وأبو قيس له أحاديث يخالف فيها، واسم أبي قيس: عبد الرحمن بن ثروان".
(٣) هو إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو واثلة البصري قاضيها، ولجده صحبة، روى عن أنس وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وأبيه معاوية، وأبي مجلز وغيرهم، وعنه داود ابن أبي هند وحميد الطويل، والحمادان وسفيان وشعبة. قال ابن سعد: "كان ثقة وله أحاديث وكان عاقلا من الرجال فطنا". ووثقه النسائي والعجلي. مات سنة ١٢٢ هـ. أخرج له البخاري في التاريخ ومسلم في مقدمة صحيحه. انظر: التاريخ الكبير (١/ ٤٤٢) والثقات لابن حبان (٦/ ٦٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٣).
(٤) تقدمت ترجمته (ص ٣٢٩).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
واحتجوا في أن لا يحكم على غائب (^١) بخبر ساقط: "إذا جلس بين يديك خصمان، فلا تقض لأحدهما، حتى تسمع من الآخر" (^٢).
وهذا خبر ليس فيه ذكر للحكم على الغائب أصلا، وإنما فيه الحكم بين حاضرين بين يدي الحاكم، بأن لا يحكم لأحدهما بكلامه دون أن يسمع من الآخر، وهذا لا يخالف فيه أحد من خلق الله تعالى، فموهوا به فيما ليس فيه منه شيء.
واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله: "شاهداك أو يمينه، ليس
_________________
(١) مذهب الحنفية في هذا أن لا يقضى على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه كالوكيل والوصي، واحتجوا بالحديث الذي أورده المصنف هنا وقالوا: ولأن القضاء لقطع المنازعة هنا لعدم الإنكار، فلا يصح، ولأن وجه القضاء يشتبه في هذه الحالة، لأنه يحتمل أن يقر الخصم، ويحتمل أن ينكر، وانظر بسط الكلام في هذه القضية في: تبيين الحقائق (٤/ ١٩١) ورد المحتار لابن عابدين (٤/ ٣٣٥) والمحلى (٩/ ٣٦٦).
(٢) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب كيف القضاء برقم (٣٥٨٢)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما برقم (١٣٤٦)، وأحمد في مسنده (٤/ ٤) و(٥/ ٥٢) وساقه أبو داود من طريق سماك بن حرب عن حنش عن علي ﵇ قال: "بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ترسلني، وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ". ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٥٦١): "ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره". وأورده المؤلف في المحلى (٩/ ٣٦٨) من هذا الطريق وقال: " أما الخبر عن رسول الله - ﷺ - فساقط. لأن شريكا مدلس، وسماك بن حرب يقبل التلقين، وحنش بن المعتمر ساقط مطرح".
[ ٢ / ٤٩٧ ]
لك إلا ذلك" (^١)؛ في إبطال السنة الثابتة عن رسول الله في حكمه بالشاهد الواحد العدل مع يمين المشهود له (^٢)؛ ثم خالفوا الخبر الذي موهوا بالاحتجاج به بآرائهم الفاسدة، فحكموا بالنكول في الدماء والأموال المحرمة، بدعوى المدعى بلا شاهد أصلا؛ وبلا يمين جملة (^٣).
_________________
(١) جمع المؤلف ههنا بين لفظتين من حديثين مختلفين: فالأول أخرجه البخاري في الشهادات، باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود برقم (٢٦٦٩ و٢٦٧٠)؛ والنسائي في الكبرى كتاب القضاء، باب الإباحة للحاكم أن يقول للمدعى عليه احلف برقم (٥٩٩٣)؛ وأبو داود في الأقضية، باب إذا كان المدعى عليه ذميا أيحلف؟ برقم (٣٦٢١) وابن ماجه في الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه برقم (٢٣٢٢)، عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في شيء. فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: شاهداك أو يمينه ". هذا لفظ البخاري باختصار وتصرف. والثاني أخرجه النسائي في الكبرى في القضاء، باب التوسعة للحاكم أن لا يزجر المدعي عما يلفظ به به في خصمه بحضرته برقم (٥٩٨٩) وأبو داود في الأقضية، باب الرجل يحلف على علمه فيما غاب عنه برقم (٣٦٢٣)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعى برقم (١٣٥٥)، والبيهقي في الكبرى في الدعوى والبينات، باب الرجلين يتنازعان المال، وما يتنازعان في يد أحدهما برقم (٢١٢١٠ - ١٠/ ٤٢٩)؛ وسياق النسائي هكذا عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي - ﷺ - فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غَلَبَني على أرض كانت لأبي فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي - ﷺ -: ألك بينة؟ قال: لا، قال: عليك يمينه؟ قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حَلَفَ عليه ليس يتورع من شيء. قال: لبس لك منه إلا ذلك ".
(٢) تقدم تخريج نحو هذا.
(٣) انظر مذهب الحنفية في الحكم بالنكول في الدماء والأموال في: شرح معاني الآثار (٤/ ١٤٨) والمحلى (٩/ ٤٢٨) وقال المؤلف فيه بعد أن ساق حديث "شاهداك أو يمينه": =
[ ٢ / ٤٩٨ ]
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن لا يحكم الحاكم بعلمه، بالخبر المذكور آنفا: "شاهداك أو يمينه؛ ليس لك إلا ذلك" (^١).
وليس في هذا الخبر من الحكم في الحدود أثر، ولا معنى ولا مدخل ولا مخرج، لأنه لا يمين في الحدود أصلا؛ إذ ليس لها مدعي يدعيها لنفسه، فيحلف له الدعى عليه، ثم خالفوا هذا الخبر في نصه على أصلهم، فجعلوا للحاكم الحكم في الأموال بعلمه، وفيها جاء الخبر، واحتجوا في رد شهادة الأعمى (^٢)، بالخبر الذي فيه:
_________________
(١) = "وهذا قد خالفه المالكيون المحتجون به، فجعلوا له الحكم باليمين مع الشاهد واليمين مع نكول خصمه، وليس هذا مذكورا في الخبر؛ وجعل له الحنيفيون الحكم بالنكول وَلَيْسَ ذلك في الخبر، وأمروه بالحكم بعلمه في الأموال التي فيها هذا الخبر، فقد خَالَفُوهُ جهارا، وأقحموا فيه ما ليس فيه، فمن أضل ممن يحتج بخبر هو أول مخالف له برأيه، وأما نحن فنقول: إنه قد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "بينتك أو يمينه". ومن البينة التي لا بينة أبين منها صحة علم الحاكم بصحة حقه، فهو في جملة هذا الخبر .. "
(٢) ذكر ذلك المؤلف في المحلى (٩/ ٤٢٧) لكن قال ابن عابدين في رد المحتار (٤/ ٣٤٥): "إن للقاضي العمل بعلمه، والفتوى على عدمه في زماننا، وقيد بزماننا لفساد القضاة فيه، وأصل المذهب الجواز".
(٣) في شهادة الأعمى تفصيل: قال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة الأعمى، وقال زفر: تقبل فيما يجري فيه التسامح، وهو رواية عن أبي حنيفة، لأنه يساوي البصير في السماع، إذ لا خلل في سمعه، وقال أبو يوسف والشافعي: يجوز إذا كان بصيرا وقت التحمل، لحصول المقصود بالمعاينة وهو العلم، والأداء يختص بالقول ولسانه صحيح فصيح، وانظر: الهداية (٣/ ١٣٥) وتبيين الحقائق (٤/ ٨٢) وسبل السلام (٤/ ١٣٠) وحكى المصنف في المحلى (٩/ ٤٣٣) قول أبي حنيفة على هذا النحو: "وقال أبو حنيفة: لا تقبل في شيء أصلا، لا فيما عرف قبل العمى، ولا فيما عرف بعده". ثم قال في (٩/ ٤٣٤): "وما عرف هذا عن أحد قبل أبي حنيفة".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
"ترى الشمس؟ فاشهد على مثلها أو دع" (^١)؛ وليس في هذا أثر من شهادة الأعمى، لأن الأعمى يرى الشمس رؤية معلم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (^٢). وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^٣)؛ ولم ير ذلك يعني وجهه، وأجازوا الشهادة في النسب؛ وليس مما يرى.
واحتجوا بخبر لا يصح: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع؛ أو يترادان" (^٤)؛ فقالوا: إنما يكون هذا إذا كانت السلعة قائمة،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك في الأحكام برقم (٧٠٤٥) من طريق محمد بن سليمان بن مشمول بسنده عن ابن عباس أن رجلا سأل النبي - ﷺ - عن الشهادة، فقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع". قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "بل هو حديث واه، فإن محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه غير واحد". وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٨٢): "رواه كذلك ابن عدي في الكامل، والعقيلي في كتابه، وأعلاه بمحمد بن سُلَيْمان بن مشمول، وأسند ابن عدي تضعيفه عن النسائي، ووافقه وقال: "عامة ما يرويه لا يتابع عليه، إسْنَادًا ولا متنا".
(٢) من سورة الفرقان، الآية رقم ٤٥.
(٣) من سورة الصافات، الآية رقم ١٠٢.
(٤) أخرجه مالك بلاغا عن ابن مسعود برقم ٧٨٦ ص ٢٧٨) أنه كان يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيما بيعان تبايعا، فالقول ما قال البائع أو يترادان". وكذلك أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب البيعان يختلفان برقم (٢١٨٦)، وفي سنده انقطاع قاله الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ٣١)؛ وللحديث طريق أخرى أخرجها أبو داود في البيوع، باب إذا اختلف البيعان والمبيع قائم برقم (٣٥١١)، قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ٣١): "وصححه من هذا الوجه الحَاكِمُ؛ وحسنه البيهقي، وقال ابن عبد البر: هو =
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وأما إذا لم تكن قائمة، فالقول قول المشتري مع يمينه، وليس هذا في شيء من ذلك الخبر (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد في اختلاف الزوجين، أو ورثتهما؛ أو أحدهما، وورثة الآخر بخبر فاسد: "متاع الرجال للرجال، ومتاع النساء للنساء" (^٢)؛ ثم خالفوه فلم يقضوا بذلك في الأخ والأخت يسكنان في بيت واحد، ثم يختلفان في متاع البيت، ولفظ ذلك
_________________
(١) = منقطع، إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة من العلماء تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرا من فروعه"؛ وأعله ابن حزم بالانقطاع، وتابعه عبد الحق وأعله ابن القطان بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه، وجده".
(٢) ما حَكَاهُ المؤلف عن الحنفية تجده في: مختصر الطحاوي (ص ٨٢)؛ وحلية العلماء (٤/ ٣٢١) والفتاوى الهندية (٣/ ٥٨)، وقال المصنف في المحلى (٨/ ٣٦٩) بعد أن ذكر مذاهب الفقهاء في هذه المسألة: " وأما سَائِرُ الأقوال فلا حجة لهم أصلا، لا سيما من فرق بين السلعة القائمة والمستهلكة، ومن حلف المشتري فإنه لا يوجد ذلك في شيء من الآثار أصلا، إلا أنهم أطلقوا إطلاقا سامحوا فيه قلة الورع - يعني الحنيفين والمالكيين - فلا يزالون يقولون في كتبهم: قال رسول الله - ﷺ -: "إذ اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، فإنهما يتحالفان، ويترادان". وهذا لا يوجد أبدا لا في مرسل ولا في مسند، لا في قوي، ولا في ضعيف إلا أن يوضع للوقت".
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه برقم (١٤٩٧ - ١/ ٣٤٨) قال حدثنا سويد بن عبد العزيز الدمشقي حدثني أو نوح المدني من آل أبي بكرة قال: حدثني الحضرمي رجل قد سماه عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "متاع النساء للنساء، ومتاع الرجال للرجال". ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه المؤلف في المحلى (١٠/ ٣١٤) وقال: "هذا خبر موضوع مكذوب لا يحل لأحد أن يرويه إلا على بيان وضعه: سويد بن عبد العزيز مذكور بالكذب، وأبو نوح لا يدري أحد من هو؟ والحضرمي مثل ذلك ".
[ ٢ / ٥٠١ ]
الخبر - لو صح - يقتضي أن الزوجين في ذلك كالأخ، والأخت، ولا فرق (^١).
واحتجوا في إيجاب إشهاد اثنين في الإنكاح وَلَا بُدَّ بالخبر الوارد: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (^٢)؛ وصححوه، ثم خالفوه جهارا، فأجازوا إنكاحها نفسها بغير ولي (^٣)، وردوه بإشهاد عبدين ولو أنهما
_________________
(١) قال أبو حنيفة في اختلاف الزوجين في متاع البيت: ما كان فيه من متاع الرجال فهو للرجل، مع يمين الرجل عليه للمرأة في دعواها إياه عليه، وما كان من متاع النساء فهو للمرأة مع يمين المرأة عليه للزوج في دعواه إياها عليه، وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٢٨)، وبدائع الصنائع (٢/ ٣٠٩). وحكى المصنف في المحلى (١٠/ ٣١٤) قول أبي حنيفة وغيره وقال: "ولا يختلف المخالفون لنا من الحنيفيين والمالكيين في أخ وأخت ساكنين في بيت تداعيا ما فيه أنه بينهما مع أيمانهما، ولم يحكموا في ذلك بما حكموا به في الزوجين، وكذلك لم يختلفوا في عطار ودباغ أو بزاز ساكنين في بيت في أن كل ما في البيت بينهما مع أيمانهما، ولم يحكموا أن ما كان من عطر فللعطار، وما كان من آلة الدباغ فللدباغ، وما كان من آل البز، فللبزاز، فظهر تناقضهم، وفساد قولهم بيقين ".
(٢) مضى تخريج هذا الحديث من غير قوله: "وشاهدي عدل" وأما بهذه الزيادة فأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس (٣/ ٢٢١) والبيهقي في الكبرى في النكاح، باب لا نكاح إلا بولي مرشد برقم (١٣٧١٦ - ٧/ ٢٠١) وقال: كذا رواه عدي بن الفضل، وهو ضعيف، والصحيح موقوف والله أعلم. وأخرجه البيهقي أيضا في الكبرى في النكاح، باب لا نكاح إلَّا بولي مرشد برقم (١٣٧١٩ - ٧/ ٢٠٢) من حديث عائشة، وبرقم (١٣٧٢٠) من حديث الحسن بن أبي الحسن ونقل عن الشافعي أنه قال: "وهذا وإن كان منقطعا دون النبي - ﷺ -، فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: الفرق بين النكاح والسفاح الشهود".
(٣) مضى الكلام على فقه هذه المسألة.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
بلال، وزيد بن حارثة (^١) قبل أن يعتقا.
وَرُبَّ عَبْدٍ أَعْدَلُ عند الله تعالى، وعند ملائكته ورسله، وعند جميع أهل الإسلام من أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل (^٢)، ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد (^٣)! !
فلما بلغوا إلى تجويزهم النكاح بشهادة فاسقين زانيين أو بغاءين أو سارقين، أو بائعي خمر؛ وصححوا الخبر المذكور وقووه، فَيَا لَرقَّةِ الدين وقِلَّة الحياء! ! ونعوذ بالله من الضلالة (^٤).
_________________
(١) زيد بن حارثة بن شراحيل الكعبي حِبُّ رسول الله - ﷺ -، أسلم قديما؛ وشهد بدرا وما بعدها وغزوة مؤتة وقتل بها أميرا سنة ثمان، له أربعة أحاديث، وعنه أنس وابن عباس وغيرهما، أخرج له النسائي وابن ماجه. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧)، والتاريخ الكبير (٣/ ٣٩٠) والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٢٧).
(٢) زفر بن الهذيل بن قيس العنبري البصري صاحب أبي حنيفة، قال ابن معين: "ثقة مأمون"؛ وقال ابن حبان: "كان فقيها حافظا قليل الخطأ ولي قضاء البصرة، مات سنة ١٥٨ هـ انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٣/ ٦٠٨) والجواهر المضية (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٩) وتاج التراجم (ص ١٦٩) والفوائد البهية (ص ٧٥).
(٣) الحسن بن زياد اللؤلؤي: تفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر، قال ابن معين: "كذاب". وقال ابن المديني: "لا يكتب حديثه"؛ وقال أبو حاتم: "ليس بثقة ولا مأمون". وقال الدارقطني: "ضعيف؛ متروك". وقال النسائي: "ليس بثقة ولا مأمون". ألف: "أدب القاضي"، و"الخصال". وغير ذلك. توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٣/ ١٥١) وميزان الاعتدال (١/ ٤٩١) وأخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص ١٣١ - ١٣٣) وتاج التراجم (ص ١٥٠ - ١٥١).
(٤) قال جمهور الحنفية: من تزوج امرأة بشهادة شاهدين عبدين، لم ينعقد نكاحه لها بذلك، وإن كان فاسفين أو محدودين أو أعميين، فالنكاح بهما منعقد، لأن شروط الشهود =
[ ٢ / ٥٠٣ ]
واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله - ﷺ - في شأن بروع بنت واشق (^١)، ثم قالوا: إنما ذلك إذا مات أحدهما؛ فأما إن مات كلاهما، فلا مهر لها أصلا؛ وهذا خلاف الخبر الذي ادعوا الأخذ به (^٢).
_________________
(١) = ثلاثة: العقل والبلوغ والحرية. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ١٧٢) والهداية (١/ ٢٠٦) وبدائع الصنائع (٢/ ٢٥٣) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٣) وتحفة الفقهاء (١/ ١٣٢) وتبيين الحقائق (٢/ ٩٨). ولقد أساء المصنف لنفسه في ذم هؤلاء؛ والإنصاف يقتضي ذكر قول الخصم ومناقشته من غير تعريض به أو قدح.
(٢) أخرجه أبو داود في النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات برقم (٢١١٤)؛ والترمذي في النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها برقم (١١٥٤)؛ والنسائي في الصغرى في النكاح، باب إباحة التزوج بغير صداق (٦/ ١٢١) وابن ماجه في النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك برقم (١٨٩١)، والحاكم في المستدرك في النكاح برقم (٢٧٣٧) وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وابن حبان برقم (١٢٦٣) "موارد الظمآن" وسياق أبي داود هكذا. عن مسووق عن عبد الله في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق فقال: لها الصداق كاملا، وعليها العدة ولها الميراث، فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله - ﷺ - قضى به في بروع بنت واشق". قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ١٩١): "وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده". ونقل عن الرافعي قوله: "في راوي هذا الحديث اضطراب: قيل عن معقل بن سنان، وقيل عن رجل من أشجع، أو ناس من أشجع، وقيل غير ذلك". وصححه بعض أصحاب الحديث، فقالوا: "إن الاختلاف في اسم راويه لا يضر، لأن الصحابة كلهم عدول". وبروع بنت واشق المذكورة في الحديث - بفتح الباء وقيل بكسرها - الرؤاسية الكلابية أو الأشجعية زوج هلال بن أمية ذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة (٨/ ٤٩).
(٣) فقه هذه المسألة في: تحفة الفقهاء (١/ ١٤٠) وتبيين الحقائق (٢/ ١٣٩) وسبل السلام (٣/ ١٥١).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن الولد يكون ابن رجلين، بالخبر الثابت عن رسول الله في واطئ أمته حاملا من غيره، كيف يورثه، وهو لا يحل له، أم كيف يسترقه ولا يحل له (^١)، فاعجبوا لهذه الفضائح المخزية! ! وهل في هذا الخبر إشارة أو معنى من إلحاق الولد باثنين؟ ! بل فيه ضد ذلك جهارا، لأن فيه كيف يورثه ولا يحل له.
ثم خالفوا نص ما فيه، فأباحوا له استرقاقه خلافا لرسول الله، واستحلالا لما لم يحله الله، واستحلالا لما لم يحله الله ﷿ على لسان رسوله - ﷺ -.
واحتجوا لقولهم بإجازة طلاق المكره بخبر لا يصح: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (^٢)، ثم خالفوه، فلم يجيزوا طلاق الذي لم
_________________
(١) أخرج أبو داود في النكاح، باب في وطء السبايا برقم (٢١٥٦) قال: حدثنا النفيلي حدثنا مسكين حدثنا شعبة عن يزيد بن خُمَير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - كان في غزوة، فرأى امرأة مجحا فقال: "لعل صاحبها ألم بها، قالوا: نعم، فقال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه، وهو لا يحل له؟ وكيف سيخدمه وهو لا يحل له".
(٢) أخرجه الترمذي في الطلاق، باب ما جاء في طلاق المعتوه برقم (١٢٠٢) عن عطاء بن عجلان عن عكرمة بن خالد المخزومي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله". قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان: ضعيف ذاهب الحديث"، والعَمَلُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز، إلا أن يكون معتوها يفيق فيطلق في حال إفاقته". وقال المصنف في المحلى (١٠/ ٢٠٣): "عطاء بن عجلان مذكور بالكذب".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
يبلغ وليس بمعتوه (^١).
واحتجوا لقولهم إِنَّ المرأة تقطع صلاة الرجل إذا صلت معه مؤتمة به، أو كلاهما بإمام واحد، فصلت أمامه، أو إلى جنبه، ولا تقطع صلاته إن صلت إلى جنبه، أو أمامه غير مؤتمة به، ولا مؤتمة معه بإمام واحد، ولا تقطع صلاته إن صلت كذلك أمامه؛ أو مرت أمامه (^٢) بالخبر الثابت عن رسول الله: "يقطع صلاة أحدكم - ما لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب" (^٣).
_________________
(١) طلاق المكره صحيح عند الحنفية، وقال بجوازه: أبو قلابة، والشعبي والنخعي والزهري والثوري قالوا: لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره؛ وانظر بسط الكلام في هذه المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ١٩١) وشرح معاني الآثار (٣/ ٩٥)؛ وتحفة الفقهاء (١/ ١٩٥) وبدائع الصنائع (٣/ ١٠٠) والمغني لابن قدامة (٧/ ٨٠) والمحلى (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٤) حيث ذكر المصنف مذهب الحنفية وانتقده. وما ذكره المؤلف عن الحنفية من قولهم ببطلان طلاق الذي لم يبلغ في: مختصر الطحاوي (ص ١٩١) وبدائع الصنائع (٣/ ١٠٠) قالوا: لأن الطلاق لم يشرع إلا عند خروج النكاح من أن يكون مصلحة، وإنما يعرف ذلك بالتأمل والصبي لاشتغاله باللهو واللحب لا يتأمل، فلا يعرف.
(٢) انظر: الهداية للمرغيناني (١/ ٦٧).
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة، باب سترة المصلي (٤/ ٢٢٦ - ٢٧٧)، وأبو داود في الصلاة، باب ما يقطع الصلاة برقم (١٠٩)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة برقم (٣٣٧)، والنسائي في الصغرى (٢/ ٦٣) في الصلاة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع. وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما يقطع الصلاة برقم (٩٥٢). والدارمي في الصلاة، باب ما يقطع الصلاة وما لا يقطعها برقم (١٣٨٦). والطيالسي في مسنده برقم (٤٥٣٢). ولقد ساقه مسلم من حديث=
[ ٢ / ٥٠٦ ]
فاعجبوا وتأملوا هل في هذا الخبر شيء من تقسيمهم السخيف بنص أو دليل، أو إشارة، أو بإيهام؟ ! وهل بقي في الخبر المذكور شيء إلا وقد خالفوه؟ ! ونسأل الله السلامة.
واحتجوا في رد طلاق من لم يبلغ بالخبر الثابت عن رسول الله: "رُفع القلمُ عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ، والمبتلى حتى يُفيق" (^١)؛ وخالفوه في إجازة طلاق السكران (^٢)، وهو مبتلى ذاهب العقل لا يدري ما يقول! ! ! .
واحتجوا بأخبارٍ في إحداد المتوفى عنها (^٣)، ثم خالفوا ما فيها، لأن
_________________
(١) = أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود ". وانظر فقه الحديث في شرح النووي لمسلم (٤/ ٢٢٧).
(٢) مضى تخريجه.
(٣) قال الحنفية: السكران إذا طلق امرأته، فإن كان سكره بسبب محظور بأن شرب الخمر، أو النبيذ طوعا حتى سكر وزال عقله، فطلاقه واقع عند جمهور الأصحاب، وقال عثمان البتي: إنه لا يقع طلاقه، وبه أخذ الطحاوي والكرخي، واستدل من ذهب إلى إيقاع الطلاق بعموم قوله تعالى: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره". من غير فصل بين السكران وغيره. وانظر تفاصيل المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ١٩١) وتحفة الفقهاء (١/ ١٩٥) والهداية (٣/ ٢٢٤). وبدائع الصنائع (٣/ ٩٩) والمغني لابن قدامة (٧/ ٧٧) والمحلى (١٠/ ٢٠٨) فإنه ذكر مذهب الحنفية واختلافهم وناقشهم.
(٤) من هذه الأخبار التي استشهد بها ابن الهمام الحنفي في فتح القدير (٤/ ٣٠٦): ما أخرجه أبو داود في الطلاق، باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها برقم (٢٣٠٤)، وابن الجارود في المنتقى برقم (٧٦٧)، واللفظ له عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ - قال: المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب ولا تكتحل". ومنها مما لم يذكره ابن الهمام: ما أخرجه أبو داود في الطلاق =
[ ٢ / ٥٠٧ ]
نصها لا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عَصْب (^١)، ولا تكتحل، ولا تمتشط، ولا تمس طيبا إلا عند طهرها حين تطهر: نبذة من قُسْطٍ أو أظفار (^٢)، وقالوا هم: تمتنع من الزينة والطيب والكحل، والثياب المصبوغة بالعصفر (^٣) والزعفران والورس (^٤) خاصة، وأن لا تدهن بالزيت؛ وإن كان غير مطيب، ولا بغير الزيت، وأباحوا لها الخز الأحمر؛ وهذا كله خلاف ما في الأخبار التي احتجوا بها (^٥).
واحتجوا بالأخبار التي فيها: "لا تُوطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (^٦) في إيجابهم الاستبراء في المملوكة المبيعة وإن
_________________
(١) = باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها برقم (٢٣٠٢) عن أم عطية أن النبي - ﷺ - قال: "لا تحد المرأة فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها تُحِدُّ عليه أربعة أشهر وعشرا، لا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا أدنى طهرتها، إذا طهرت من محيضها بنبذة من قسط أو أظفار".
(٢) العصب: بفتح وسكون: ضرب من البرود انظر القاموس المحيط مادة عصب (ص ١٤٨).
(٣) القسط: بضم القاف: عود هندي وعربي، مدر انظر القاموس مادة قسط (ص ٨٨١) وأظفار كسحاب: شيء من العطر انظر: القاموس مادة ظفر (ص ٥٥٦) ونبذة من قسط أو أظفار: قليل يسير من كل واحد منهما.
(٤) العصفر بالضم: نبت يهرئ اللحم الغليظ وعصفر ثوبه: صبغه به فتعصفر انظر القاموس مادة عصفر (ص ٥٦٧).
(٥) الورس: نبات كالسمسم انظر القاموس المحيط مادة ورس (ص ٧٤٧).
(٦) انظر: المختصر للطحاوي (ص ٢١٩) وتحفة الفقهاء (١/ ٢٥٢) والهداية (٢/ ٣١٢) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٨٥) وبدائع الصنائع (٣/ ٢٠٨).
(٧) أخرجه أبو داود في النكاح في وطء السبابا برقم (٢١٥٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٥) كلاهما عن شريك عن قيس بن وهب عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري =
[ ٢ / ٥٠٨ ]
كانت بكرا، ثم خالفوها فقالوا: إن أعتقها سيدها وقد وَطِئَهَا في ذلك الحين، فلها أن تتزوج في إثر ذلك؛ ويدخل بها زوجها، وهذا ضد ما في تلك الأخبار جملة! ! ! (^١).
واحتجوا في إيجاب الحضانة بخبر بنت حمزة، وأن رسول الله قضى بها لخالتها أسماء بنت عميس (^٢) وهي متزوجة بجعفر بن أبي طالب (^٣) - وهو ابن عم بنت حمزة لَحًا (^٤)، ثم خَالَفُوه، ولم يروا أن يقضى بها
_________________
(١) = وَرَفَعَهُ أنه قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" هذا لفظ أبي داود، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" قال الزيلعي كالحافظ ابن حجر: "وأعله ابن القطان في كتابه بشريك وقال: أنه مدلس، وهو مِمَّن ساء حفظه بالقضاء"؛ وانظر: نصب الراية (٣/ ٢٣٤) والتلخيص الحبير (١/ ١٧٢).
(٢) انظر المحلى (١٠/ ٣١٨) فقد حكى المؤلف نحو هذا عن الحنفية.
(٣) أسماء بنت عميس - بالتصغير - بن معد، كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - لأمها، وكانت من المهاجرات مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، روت عن النبي - ﷺ -، وروى عها ابنها عبد الله بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عباس؛ وسعيد بن المسيب وآخرون، ماتت بعد علي بن أبي طالب، أخرج لها الأربعة. انظر: طبقات ابن سعد (٨/ ٢٨٠) والإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ١٤ - ١٦) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٨٨).
(٤) جعفر بن أبي طالب أبو عبد الله ابن عم النبي - ﷺ -، وأحد السابقين إلى الإسلام، أسلم قديما؛ وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، روى عنه ابنه عبد الله وابن مسعود وأم سلمة، استشهد في غزوة مؤتة سنة ثمان أخرج له النسائي. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٤/ ٢٢) والجرح والتعديل (٢/ ٤٨٢) والإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٥٩٢ - ٥٩٤) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٩٩).
(٥) أخرجه البخاري في الصلح، باب كيف يكتب: "هذا ما صالح فلان بن فلان .. "؛ برقم (٢٦٩٨) وأبو داود في الطلاق، باب من أحق بالولد برقم (٢٢٧٨) في حديث =
[ ٢ / ٥٠٩ ]
للخالة إذا كانت متزوجة بغير ذي محرم من المحضونة (^١).
واحتجوا بخبرين فيهما: "أن لا يباع أحد الأخوين دون الآخر"؛ وأنه ﵇ أمر بفسخ البيع في ذلك (^٢)، ثم خالفوهما فلم يروا فسخ البيع في ذلك (^٣).
واحتجوا بأخبار منها واه، ومنها مرسل ومنها صحيح في عمد الخطأ (^٤)، ثم خالفوها كلها في صفة ما فيها من الدية في ذلك، لأن
_________________
(١) = طويل. ويقال: هو ابن عمه لحا أي لاصق النسب. وانظر: المجمل مادة لحا (٣/ ٧٩٧).
(٢) انظر: تببين الحقائق (٣/ ٤٧).
(٣) مضى تخريج الخبرين المفيدين لذلك (ص ٣٣٤).
(٤) قال أبو حنيفة ومحمد: البيع الذي تم على هذه الصفة جائز مفيد للحكم بنفسه، لكنه مكروه، والبائع بالتفريق آثم، وقال أبو يوسف: البيع فاسد في الوالدين والمولودين، وفي سائر ذوي الأرحام جائز، واستدل أبو حنيفة ومحمد بأن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله، فينفذ، والنهي لمعنى مجاور له غير متصل به، فلا يوجب الفساد كالبيع عند الأذان، قالا: والمروي محمول على الإقالة، أو على بيع الآخر ممن باع منه أحدهما، وأبو يوسف إنما خص البيع في الوالدين والمولودين بالنساء لورود الشرع بتغليظ الوعيد بالتفريق فيهم. وانظر بسط الكلام على هذه المسألة في: تحفة الفقهاء (١/ ١١٥) وتبيين الحقائق (٤/ ٦٩) وبدائع الصنائع (٥/ ٢٣٢) ورد المحتار لابن عابدين (٤/ ١٣٣).
(٥) من هذه الأخبار مما هو صحيح: ما أخرجه أبو داود في الديات، باب دية شبه العمد برقم (٤٥٨٨)، وابن ماجه في الديات باب دية شبه العمد مغلظة برقم (٢٦٢٧) والسياق له عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: "قتيل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط والعصا مائة من الإبل: أربعون منها خلفة في بطونها أولادها"؛ قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٣٣١): "قال في "التنقيح": وعقبة بن أوس وثقه ابن سعد والعجلي، وابن حبان، وقد روى عنه =
[ ٢ / ٥١٠ ]
في تلك الأخبار أن دية شبه العمد دية الخطأ، وفي بعضها مغلظة، وفي سائرها أن الدية في ذلك مائة من الإبل منها أربعون حوامل كلها، فخالف أبو حنيفة كلّ ذلك فقال: دية شبه العمد أرباع خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة (^١).
واحتجوا بأخبار ساقطة: "كُلُّ شَيْءٍ خطأ إلا السيف" (^٢)؛ ثم
_________________
(١) = محمد بن سيرين مع جلالته، والقاسم وثقه أبو داود، وابن المديني، وابن حبان". ومنها ما هو مرسل: ما أخبره ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٢٧٤١٣ - ٥/ ٤٠٤) عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قتيل السوط والعصا شبه العمد، فيها مائة من الإبل: أربعون منها في بطونها أولادها".
(٢) ما ذكره المؤلف هنا هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف، وخالفهما محمد فقال: "في دية شبه العمد ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة وأربعون ثنية في بطونها أولادها"؛ وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٣٤) والهداية (٤/ ٥٢٢) وتبيين الحقائق (٦/ ١٢٦) والمحلى (١٠/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى في الجراح، باب عمد القتل بالسيف أو السكين، أو ما يشق بحده برقم (١٥٩٨١ - ٨/ ٧٦) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٧١٨٢ (٩/ ٢٧٣) وابن أبي شيبة في المصنف أيضا برقم (٢٦٧٦٣ - ٥/ ٣٤٨)، كلهم من طريق جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال: "قال رسول الله - ﷺ -: كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش". قال البيهقي: "مدار هذا الحديث على جابر الجعفي، وقيس بن الربيع ولا يحتج بهما". وانظر معرفة السنن (٦/ ١٦٧). وساق المؤلف في المحلى (١٠/ ٣٧٨) هذا الحديث وقال: "جابر الجعفي كذاب، وأول من شهد عليه بالكذب أبو حنيفة، ثم لم يبال بذلك أصحابه، فاحتجوا بروايته حيث اشتهوا".
[ ٢ / ٥١١ ]
خالفوها فقالوا: إذ ذبحه بليطة (^١) قصب، أو أحرقه بالنار، أو خنقه حتى مات، بعد أن يخنق آخر كذلك؛ أو قتله برمح؛ أو بسهم، أو ذبحه بسكين فهو عمد، وفي كل ذلك القود؛ فإن قتله بحجر ضخم؛ أو ضرب رأسه بعود ضخم، حتى كسر عظام رأسه، وخرج دماغه، أو غَرَّقَهُ مُكَتَّفًا في البحر فمات؛ أو سد (^٢) عليه بابا حتى مات جوعا؛ أو خنقه، ولم يخنق غيره قبله، فلا قود في شيء من ذلك، فاعجبوا لهذه الحماقات (^٣)! !
ثم احتجوا لقولهم: لا يقاد في النفس إلا بضرب الرقبة لا بمثل ما فعل بخبر لا يصح: "لا قود إلا بحديدة" (^٤)؛ وخالفوه فقالوا: لا
_________________
(١) الليطة: بالكسر: قشر القصبة والقوس والقناة جمع ليط ولياط بكسرهما انظر القاموس المحيط مادة لوط (ص ٨٨٦).
(٢) هذا الذي استظهرته؛ وتَحْتَملُ الكلمةُ أن تُقرأ: "طمس"؛ ويقال سد الثلمة كمد: أصلحها ووثقها انظر القاموس مادة سدد (ص ٣٦٧).
(٣) انظر شرح معاني الآثار (٣/ ١٨٦) والهداية (٧/ ٥٠٤) وحكى المصنف في المعلى (١٠/ ٣٨٦) هذا عن أبي حنيفة وقال: "قول أبي حنيفة من تأمله علم أنه مخالف لكل خبر روي في ذلك وما نعلم أحدا وافق أبا حنيفة على ذلك إلا أبا الزناد، وخالفه في صفة شبه العمد؛ وما نعلم مصيبة، ولا فضيحة على الإسلام أشد، ممن لم ير القود فيمن يقتل المسلمين بالصخر والتَّغْرِيقِ، والشدخ بالحجارة، ثم لا قود عليه، ولا غرامة، بل تكلف الديات في ذلك عاقلته مع عظيم تناقضه إذ لم ير عمد الخطأ إلا في النفس، ولم يره فيما دونها".
(٤) أخرجه الدارقطني في الحدود (٣/ ٨٨) عن معلى بن هلال عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا قود إلا بحديدة، ولا قود في النفس وغيرها إلا بحديدة"؛ قال الدارقطني: "ومعلى بن هلال متروك". وأخرجه =
[ ٢ / ٥١٢ ]
يقاد برمح ولا بسهم، ولا بسكين، فاعجبوا لهذا، زادوا في الخبر الأول؛ ونقصوا من الثاني (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد في إيجاب القود للذمي الكافر من المسلم، فيما دون النفس، بخبر سوء موضوع مكذوب، أنه ﵇ أقاد يهوديا من مسلم من لطمة (^٢)، ثم خالفوه فقالوا: لا يجوز القود من اللطمة أصلا، لا لمسلم من مسلم؛ ولا من ذمي، ولا ذمي من مسلم، ولا ذمي (^٣)، فاعجبوا لهذه الوساوس والتلاعب بالديانة! !
_________________
(١) = البيهقي في الكبرى في الجراح، باب ما روي في أن لا قود إلا بحديدة برقم (١٦٠٨٨ - ٨/ ١١٠) من طريق قيس بن الربيع عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ - به، ثم قال: كذا أتى به قيس بن الربيع بهذا الإسناد عن جابر؛ ورواه الثوري عن جابر على اللفظ الذي مضى في باب شبه العمد. وروي ذلك عن الحسن عن النعمان بن بشير، وساقه من هذا الطريق ومن طرق أخري ثم قال: "وروي ذلك عن معلى بن هلال عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي - ﵁ - مرفوعا؛ وهذا الحديث لم يثبت له إسناد معلى بن هلال الطعان متروك؛ وسليمان بن أرقم ضعيف؛ ومبارك بن فضالة لا يحتج به، وجابر بن زيد الجعفي مطعون فيه"؛ وانظر تعليق ابن التركماني الحنفي على قول البيهقي في الجوهر النقي (٨/ ١١١).
(٢) قال الأحناف: لا يُسْتَوْفَى القصاص إلا بالسيف واستدلوا بهذه الحديث الذي ساقه المؤلف؛ وبالرواية الثانية لَهُ: "لا قود إلا بالسَّيف"؛ وانظر: الهداية (٤/ ٥٠٤) وتبيين الحقائق (٦/ ١٠٦) والمحلى (١٥/ ٣٧٢).
(٣) لم أجده هكذا. ووجدت ما أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٥٥) عن ربيعة عن عبد الرحمن بن البيلماني يرفعه إلى النبي - ﷺ - أنه أَقَادَ من مسلم قتل يهوديا وقال: أنا أحق من وَفَّى بذمته". وقد مضى تخريجه. وقال: الدارقطني في السنن (٣/ ١٣٥): "وابن اليلماني ضعيف لا تقوم به حجة، إذ وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟ ".
(٤) انظر المحلى (١٠/ ٤٦٠) والبحر الزخار (٦/ ٢٣٠).
[ ٢ / ٥١٣ ]
ونعوذ بالله من البلاء (٥٠/ ت).
واحتجوا في قولهم بأن لا دية على قاتل العمد إلا أن يشاء هو ذلك؛ ويوافقه ولي المقتول، وإلَّا فَلَا، بأخبارٍ فيها: " ومن قتل عمدا فَقَوَدُ يده" (^١). ثم خالفوها في كثير من العمد؛ فلم يروا فيه قَوَدًا (^٢).
واحتجوا في قولهم لا قود للعبد من سيده، ولا من غير سيده، فيما دون النفس بالأخبار التي فيها عتق الممثل به (^٣) وخالفوها، فلم يوجبوا له عتقا بذلك (^٤).
واحتجوا أيضا في ذلك بالخبر الثابت عن رسول الله: "من لطم عبده، فهو حر" (^٥)؛ ثم خالفوه فلم يوجبوا له عتقا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الديات، باب من قُتل في عمياء بين قوم برقم (٤٥٣٩)، وابن ماجه في الديات، باب من حال بين ولي المقتول، وبين القود أو الدية برقم (٢٦٣٥)، ولفظ أبي داود عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قتل في عِمِّيَّا في رمي يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصا فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود". قال أبو داود: قال ابن عبيد: "قود يده".
(٢) انظر مخالفة الحنفية في كثير من العمد في: المختصر للطحاوي (ص ٢٣٤ - ٢٣٥) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ١٤١) والمحلى (١٠/ ٣٨٦).
(٣) مضى تخريج الخبر المفيد لعتق الممثل به (ص ٣٣٧).
(٤) انظر المحلى (٩/ ٢٠٩ - ٢١٠).
(٥) أخرجه مسلم في الأيمان، باب صحبة المماليك (١١/ ١٢٦ - ١٢٧) عن فراس عن ذكوان أبي صالح عن زاذان أبي عمر قال: "أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا قال: فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا، إلا أني سمعت رسول الله - ﷺ - من لطم مملوكه، أو ضربه فكفارته أن يعتقه". =
[ ٢ / ٥١٤ ]
واحتجوا في إيجاب الديات في بعض الجراحات من الخطأ والعمد بخبر ابن أبي العوجاء (^١) - وهو مجهول - ثم خالفوه في نصه أن المجروح مخير بين القود أو الدية، فقالوا: لا خيار في بعض جراح العمد كالموضحة وقطع اليد، وفقء العين، وقطع الأنف، وأقحموا فيه ما ليس فيه منه أثر أصلا من جراح الخطأ.
واحتجوا في أقوالهم في دية ما دون النفس بأخبار ساقطة كصحيفة الحزم (^٢)، وصحيفة عمرو بن شعيب (^٣)، وصحيفة آل عمرو، وصحيفة الحسين بن ضميرة (^٤)، ومرسل عن مكحول عن طاووس (^٥)، وليس منها
_________________
(١) = ومن طريقه المؤلف في المحلى (٩/ ٢٠٩)، كما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (١٢٦١١ - ٣/ ١١٤).
(٢) هو عبد الكريم بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة الزنديق الوضاع، قال أبو أحمد بن عدي: لما أخذ لتضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال، وأحلل الحرام، قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة. انظر: الميزان (٢٥٣).
(٣) هي صحيفة عمرو بن حزم؛ وقد سبق تخريج ما فيها في (ص ٣١٨)؛ وذكرها المؤلف آنفا في (ص ٣٧٦).
(٤) سيأتي ما يخرجه المؤلف منها.
(٥) الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميري مولى آل ذي يزن مدني، كان ينزل البقيع، وقد ينسب إلى جده، روى عن أبيه عن جده وَعَنْ عمرو بن يحيى المازني، وعنه ابن وهب، والقعنبي، وزيد بن الحباب وجماعة؛ كذبه مالك وقال أحمد: لا يساوي شيئا متروك الحديث كذاب. وقال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون وقال البخاري: "منكر الحديث". وقال ابن حبان: "روى عن جده نسخة موضوعة". وقال أبو زرعة: "ليس بشيء اضْرِبْ على حديثه". انظر: التاريخ الكبير (٢/ ٣٨٨) والمجروحين (١/ ٢٤٤) وميزان الاعتدال (١/ ٥٣٨ - ٥٣٩) وتعجيل المنفعة (ص ٩٦ - ٩٧).
(٦) هو الحافظ طاووس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الجندي، سمع زيد بن ثابت =
[ ٢ / ٥١٥ ]
شيء إلا وقد خالفوه، فمرة هو حجة وصحيح، ومرة هو باطل ولا حجة فيه، فاحتجوا بصحيفة عمرو بن شعيب في دية العين (^١)، وخالفوها في الدية في العين القائمة السادة موضعها ثلث الدية، وفي السن السوداء ثلث الدية (^٢)، وخالفوا صحيفة آل حزم في أن الذهب يُزَكَّى بقيمته ما لم يبلغ أربعين دينارا (^٣)، وخالفوا أيضا كثيرا مما في صحيفة ابن ضميرة.
ومن ذلك احتجاجهم بالمراسيل التي فيها: "في الموضحة خمس من الإبل، أو عدلها من الورق والذهب، والبقر والشاء" (^٤)؛
_________________
(١) = وعائشة وأبا هريرة وزيد بن أرقم وابن عباس وطائفة، وحدث عنه ابنه عبد الله والزهري وأبو الزبير المكي وعدة، كان رأسا في العلم والعمل، شيخ أهل اليمن ومفتيهم، توفي سنة ١٠٦ هـ. أخرج له الستة. انظر: الثقات لابن حبان (٥/ ١٠٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٨).
(٢) أخرج النسائي في الصغرى في الديات، باب العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست (٨/ ٥٥) من طريق العلاء بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قضى في العين السادة لمكانها، إذا طمست بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها".
(٣) قال أبو حنيفة في العين العوراء القائمة إذا أُصِيبَتْ الدية، فإذا كانت مفقودة قائمة فخسفت ففيها صلح، وانظر: الهداية (٤/ ٥٢٦) واللباب (٣/ ١٥٥) وساق المؤلف في المحلى (١٠/ ٤٢٢) مذهب أبي حنيفة وقال: "هذا من عجائب الدنيا أن الحنيفيين والمالكيين يدعون أنهم يقولون برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا وافق أهواءهم، وهم ههنا قد خالفوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ -".
(٤) سبق للمؤلف ذكر هذا عن الأحناف.
(٥) من هذه المراسيل: ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٧٣١٢ - ٩/ ٣٠٥) عن =
[ ٢ / ٥١٦ ]
وخالفوها كلها لأنهم لم يروا ذلك إلا في موضحة الرأس والوجه فقط؛ وليس هذا في شيء من تلك الأخبار، وقد [سَوَّى] (^١) عطاء (^٢) بين ذلك كله، وجاء عن عمر (^٣) وغيره في كل موضحة في الجسد نصف عشر دية ذلك العضو (^٤).
واحتجوا في طهارة جلد الكلب الميت إذا دبغ، بالخبر الثابت: "أَيُّمَا إهاب دُبغ، فقد طَهُر (^٥) ثم خالفوه في جلد الخنزير، فقالوا: لا
_________________
(١) = ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: "قضى رسول الله - ﷺ - في الموضحة بخمس من الإبل؛ أو عدلها من الذهب، أو الورق، أو البقر، أو الشاء".
(٢) غير واضحة واستظهرت منها ما أثبته والله أعلم.
(٣) سبقت ترجمته في (٣٤٨) وما ذكره المؤلف عَنْهُ أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٧٣٢٩ - ٩/ ٣٠٩) قال: أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء: "موضحة في غير الرأس في الوجه، أو في اليد، أيعقلها أهل البادية، قال: إي والله! أظنها إذا أوضحت".
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (٣٣٠ - ١٧ - ٩/ ٣٠٩ - ٣١٠)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٩٩) عن عمرو بن شعيب قال: "قضى عمر بن الخطاب في الموضحة التي تكون في جسد الإنسان؛ ليست في رأسه، فقضى أن كل عظم كان له نذر مسمى، أن في موضحته نصف عشر نذرها ما كان، فإذا كانت الموضحة في اليد، فهي نصف عشر نذرها ما لم تكن في الأصابع، فإذا كانت في الأصابع موضحة، فهي نصف عشرها ". هذا لفظ عبد الرزاق.
(٥) انظر مذهب الحنفية في الموضحة في: مختصر الطحاوي (ص ٢٣٨) والهداية (٤/ ٥٢٨) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ١٥٨) وسبل السلام (٣/ ٢٤٨).
(٦) روي من حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر: فَأَمَّا حديث ابن عباس: فأخرجه النسائي في الكبرى، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة برقم (٤٥٦٧)، والترمذي في اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت برقم (١٧٨٢)؛ وابن =
[ ٢ / ٥١٧ ]
يطهر بالدباغ أصلا (^١).
واحتجوا في كراهتهم الشرب في آنية الذهب والفضة، وأن ذلك كان عندهم مباحا، بالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ -: "الذي يشرب فيها كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (^٢).
_________________
(١) = ماجه في اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت برقم (٣٦٠٩)، والبيهقي (١/ ٢٥) من حديث زيد بن أَسْلَم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، والحمل على هذا عند كثر أهل العلم ". قلت: ولم يخرجه مسلم، ووهم من عزاه إليه كالبيهقي والمباركفوي في تحفة الأحوذي (٥/ ٤٠٠) قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١١٦): "واعتذر عنه - يعني عن البيهقي - الشيخ تقي الدين في كتاب الإمام فقال: "والبيهقي وقع له مثل ذلك في كتابه كثيرا، ويريد به أصل الحديث لا كل لفظة منه؛ وذلك عندنا معيب جدا إذا قصد الاحتجاج بلفظة معينة، لأن فيه إيهام أن اللفظ المذكور أَخرَجَهُ مسلم، مع أن المحدثين أعذر في هذا من الفقهاء لأن مقصود المحدثين الإسناد، ومعرفة المخرج، وعلى هذا الأسلوب ألفوا كتب الأطراف ". وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٤٨) من طريق إبراهيم بن طهمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: وذكره. قال الدارقطني: "إسناد حسن".
(٢) ذهب الحنفية إلى أن الدباغ تطهير للجلود كلها إلا جلد الإنسان، والخنزير وخالف في ذلك أبو يوسف فقال: الجلود كلها تطهر بالدباغ لعموم الحديث، واعتذر جمهور الحنفية عن عدم إدخالهم الخنزير بقولهم: إن نجاسة الخنزير ليست لما فيه من الدم والرطوبة، بل هو نجس العين، فكان وجود الدباغ في حقه والعدم بمنزلة واحدة وانظر تفاصيل هذه المسألة في: مختصر الطحاوي (ص ١٧)، والهداية (١/ ٢١) والمجموع للنَّووي (١/ ٢١٧) وبدائع الصنائع (١/ ٨٥) والبحر الزخار (١/ ١٢).
(٣) أخرج البخاري في الأشربة، باب آنية الفضة برقم (٥٦٣٤)، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة (١٤/ ٣٠) وابن ماجه في الأشربة، باب الشرب في آنية الفضة برقم (٣٤١٣)، كلهم عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار =
[ ٢ / ٥١٨ ]
فيا للعصبية أن لا يكون هذا الوعيد الشديد العظيم يتعدى عندهم الكراهة فقط، ولا يبلغ التحريم، إن هذا لعظيم جدا! ! (^١)
ولهم مثلُ هذا، وهو أنهم قالوا في احتجاجهم لقولهم الفاسد في إباحة الرجوع في الهبة بقول رسول الله: "العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه" (^٢)؛ قالوا: والكلب لا يحرم عليه القيء، فاعجبوا لهذه المصائب! ! (^٣)
_________________
(١) = جهنم"، وفي لفظ مسلم: "من شَرِبَ في إناء الفضَّة، إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطَنِهِ نَارًا من جهنَّم. قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٩٧): "الجرجرة: صوت يردده البَعِيرُ في حنجرته إذا هاج نحو صوت اللجام في فك الفرس".
(٢) انظر حكاية كراهة الشرب في آنية الذهب والفضة عند الحنفية في: مختصر الطحاوي (ص ٤٣٦ - ٤٣٧) والهداية (٤/ ٤١٢)، لكن قال النووي في شرح مسلم (١٤/ ٢٩): "وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب وإناء الفضة على الرجل، وعلى المرأة، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا ما حكاه أصحابنا العراقيون أن للشافعي قولا قديما أنه يكره ولا يحرم؛ وحكوا عن داود الظاهري تحريم الشرب، وجواز الأكل وسائر وجوه الاستعمال، وهذان النقلان باطلان ". وانظر أيضا فتح الباري (١٠/ ٩٦ - ٩٧).
(٣) أخرجه البخاري في الهبة، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته برقم (٢٦٢١)، ومسلم في الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه (١١/ ٦٣)، وأبو داود في البيوع، باب الرجوع في الهبة برقم (٣٥٣٨)، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في كراهية الرجوع من الهبة برقم (١٣١٦)، وابن ماجه في الهبات، باب الرجوع في الهبة برقم (٢٣٨٥). كللهم عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ -: "ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه".
(٤) انظر فقه هذه المسألة عند الحنفية في: مختصر الطحاوي (ص ١٣٨) والهداية (٣/ ٢٥٥) وبدائع الصنائع (٦/ ١٢٨ - ١٢٩) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٧٥) ورد المحتار =
[ ٢ / ٥١٩ ]
وقالوا: تفضيل بعض الولد على بعض جور (^١)؛ وقد أمضاه رسول الله - ﷺ - (^٢)، فلم يستحيوا أن يجعلوه ﵇ حاكما بالجور ولقد كنا نستبشع كلام ذي الخويصرة (^٣) - لعنه الله - حتى أتانا هؤلاء
_________________
(١) = (٤/ ٥١٨) وستأتي هذه المسألة من وجه آخر؛ ولقد فهم الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٧٧) من حديث "العائد في هبته" عدم تحريم الرجوع في الهبة قال: وقوله: "كالعائد في قيئه"؛ وإن اقتضى التحريم لكون القيء حراما، لكن الزيادة في الرواية الأخرى، وهي قوله: "كالكلب" تدل على عدم التحريم، لأن الكلب غير متعبد، فالقيء ليس حراما عليه؛ والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب". قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٣٥) متعقبا كلام الطحاوي: "وتعقب باستبعاد ما تأوله، ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأن عرف الشرع في مثل هذه الأشاء يُرِيدُ بِه المبالغة في الزجر كقوله: من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير".
(٢) يعني في العطية أو الهدية أو الهبة، والعدل في ذلك في قول أبي يوسف، وقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق ويعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطى الذكر حظين كالميراث؛ وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة؛ فإن فضل بعضا صح وكره، فحملوا الأمر الوارد في العدل على الندب، والنهي على التنزيه. وانظر: المختصر للطحاوي (ص ١٣٨) وفتح الباري (٥/ ٢١٤ - ٢١٥).
(٣) كأن المؤلف يشير إلى حديث النعمان بن بشير قال: "سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي - ﷺ -، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي - ﷺ - فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: ألك ولد سواه؟ قال: نحم، قال: فأراه، قال: لا تشهدني على جور"، أخرجه البخاري في الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد برقم (٢٦٥٠).
(٤) ذو الخويصرة التميمي: قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٣٤٣): "ذكره ابن الأثير في الصحابة مستدركا على من قبله، ولم يورد في ترجمته سوى ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد، قال: بينا رسول الله - ﷺ - يقسم ذات يوم قسما، فقال =
[ ٢ / ٥٢٠ ]
بِأُخَيَّتها! ! ! .
رأيتُ هذه القول للمكنى بأبي بكر أحمد بن علي الرازي (^١) في "شرحه لمختصر الطحاوي" (^٢) في كلامه في الهبات.
واحتجوا لقولهم في صوف الميتة، وعظمها وشعرها بخبر مكذوب: "لا بأس بصوف الميتة وشعرها، وقرونها إذا غسل بالماء" (^٣). ثم
_________________
(١) = ذو الخويصرة - رجل من بني تميم: يا رسول الله أعْدِلْ، فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ " وعندي في ذكره في الصحابة وقفة". وقيل اسم ذي الخويصرة: حرقوص بن زهير. وانظر: الإصابة (٢/ ٤٤).
(٢) هو أبو بكر أحمد بن علي المعروف بالجصاص - نسبة إلى العمل بالجص - ولد سنة ٣٠٥ هـ وسكن بغداد وتفقه على أبي الحسن الكرخي وتخرج به، وروى عن عبد الباقي بن قانع، وانتهت إليه رئاسة الحنفية، وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع، توفي سنة ٣٧٠ هـ ببغداد، له "أحكام القرآن" (ط) وشرح مختصر الطحاوي (خ) قطعة منه بدار الكتب المصرية، وحقق بأخرةٍ و"شرح الجامع الكبير لمحمد بن الحسن"، وغير ذلك. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٤/ ٣١٤ - ٣١٥) وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص ١٤٤) وتاج التراجم (ص ٩٦) والفوائد البهية (ص ٢٧ - ٢٨).
(٣) هو العلامة أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي أبو جعفر الأزدي المصري، ولد سنة ٢٢٩ هـ، كان شافعيا ثم صار حنفيا، برع في الفقه والحديث مع الثقة والنبل والإمامة، من تآليفه: "شرح معاني الآثار" (ط)، و"مشكل الآثار" (ط)، و"المختصر في الفقه" (ط) وغيرها. توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر وفيات الأعيان (١/ ٧١ - ٧٢) والعبر (١/ ١١) وتاج التراجم (ص ١٠٠) والجواهر المضية (١/ ٢٧١ - ٢٧٧). ولقد أشار حاجي خليفة إلى شرح الجصاص لمختصر الطحاوي في كشف الظنون (٢/ ١٦٢٧).
(٤) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب الدباغ (١/ ٤٧)، وعنه البيهقي في الكبرى كتاب الطهارة، باب المنع من الانتفاع بشعر الميتة برقم (٨٣ - ١/ ٣٧) عن يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت أم سلمة =
[ ٢ / ٥٢١ ]
خالفوه فقالوا: لا معنى لغسل شيء من ذلك بالماء (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد في إيجاب المضمضة والاستنشاق للجنب بخبر ساقط فيه: "الاستنشاق والمضمضة للجنب ثلاثا فريضة" (^٢). ثم خالفوه، فقالوا: لا معنى للثلاثة، إنما يلزمه من ذلك مرة (^٣).
_________________
(١) = زوج النبي - ﷺ - تقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها، وقرونها إذا غسل بالماء". قال الدارقطني: "يوسف بن السفر متروك ولم يأت به غيره". وقال البيهقي في معرنة السنن (١/ ٣٥): "إنما رواه يوسف بن السفر وهو متروك في عداد من يضع الحديث". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٨): " وقد أجمعوا على ضعفه".
(٢) انظر: مختصر الطحاوي (ص ١٥) والهداية (١/ ٢٢) وتحفة الفقهاء (٢/ ٧١) وتبيين الحقائق (١/ ٢٦) والمحلى (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٣) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب ما روي في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة (١/ ١١٥) ومن طريقه البهيقي في معرفة السنن (١/ ٢٧١) من طريق بركة بن محمد عن يوسف بن أسباط عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة". قال الدارقطني: "هذا باطل، ولم يحدث به إلا بركة، وبركة هذا يضع الحديث، والصواب حديث وكيع الذي كتبناه قبل هذا مرسلا عن ابن سيرين: أن النبي - ﷺ - سن الاستنشاق في الجنابة ثلاثا، وتابع وكيعا: عبيد الله بن موسى وغيره". وأورد الذهبي في الميزان (١/ ٣٠٣): حديث بركة هذا، ونقل عن ابن عدي أنه قال: "وسائر أحاديثه باطلة".
(٤) أوجب الحنفية المضمضة والاستنشاق للجنب واستدلوا بعموم قوله تعالى: "وإن كنتم جنبا فاطهروا". قالوا أي فطهروا أبدانكم، فكل ما أمكن تطهيره يجب غسله، وباطن الفم والأنف يمكن غسله، فإنهما يُغسلان عادة وعبادة نَفْلًا في الوضوء وفرضا في الجنابة ويفهم من كلام بعض الحنفية أن من زاد أو نقص عن الثلاث مرار في الوضوء فلا حرج عليه. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ١٩) والهداية (١/ ١٦) وبدائع الصنائع (١/ ٢١) وتحفة الفقهاء (٢/ ١٣) وتبيين الحقائق (١/ ١٣) والمحلى (٢/ ٣١).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
واحتجوا في معصيتهم للسنة الثابتة عن رسول الله، في نهيه المستنجي أن يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار (^١)، بخبر ساقط - لا يصح قط -: "فليستنج بثلاثة أعواد، أو بثلاثة أحجار، أو ثلاث حثيات من تراب" (^٢) ثم خالفوه فقالوا: لا معنى لثلاثة مما ذكر فيه؛ ولا معنى للاقتصار على ما ذكر فيه من الأعواد؛ والتراب، بل يجزئ بكل شيء (^٣).
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن النجاسة تزال من الثياب بكل مائع من خل أو (^٤)، أو ماء ورد، أو غير ذلك؛ ولا تزال من الجسد إلا بالماء، بالسنة الثابتة في الاستنجاء بالأحجار، وبأمر رسول الله المنتبه
_________________
(١) مضى تخريج الحديث المفيد لذلك.
(٢) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب الاستنجاء (١/ ٥٧) من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا قضى أحدكم حاجته، فليستنج بثلاثة أعواد؛ أو بثلاثة أحجار، أو بثلاثة حثيات من التراب". قال زمعة: فحدثت به ابن طاووس فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس بهذا سواء. قال الدارقطني: "لم يسنده غير المضري وهو كذاب متروك وغيره يرويه عن أبي عاصم عن زمعة عن سلمة بن وهرام عن طاووس مرسلا، ليس فيه عن ابن عباس؛ وكذلك رواه عبد الرزاق وابن وهب ووكيع وغيرهم عن زمعة، ورواه ابن عيينة عن سلمة بن وهرام عن طاووس قوله، ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٣١) وذكر كلامه.
(٣) مضى فقه المسألة (ص ٤٨٣) وانظر احتجاج الحنفية بهذا الحديث الذي أورده المؤلف هنا في: تبيين الحقائق (١/ ٧٦).
(٤) ههنا كلمة لم أستطع قراءتها وصورتها "مي" وكأنها "مني" أو "مذي" والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
من نومه يغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في وضوئه (^١)، فقالوا، ولم يقل بالماء (^٢).
قال أبو محمد: فاعجبوا لهذه الفضائح، يحتجون بآثار لم تَأْتِ إلا في إزالة ما أمر بإزالته من الجسد؛ أو بما أمر به في الجسد لقولهم الفاسد: إن النجاسة تزال من الثياب بغير الماء؛ ولا تزال من الجسد إلا بالماء، نعم، وفي الخبر الذي مَوَّهُوا به من المذي: "يا رسول الله، فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ فقال ﵇: "خذ كفا من ماء، فانضح حيث ترى أنه أصابه" (^٣)؛ فعكسوا الأمر عكسا، فعل من لا دين لَهُ ولا حياء.
_________________
(١) مرَّ تخريج هذا الحديث.
(٢) قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يطهر البدن والثوب بكل مائع يزيل الخاسة كالخل وماء الورد، وقال محمد وزفر: لا يجوز إلا بالماء، لأنه يتنجس بأول الملاقاة، والمتنجس لا يفيد الطهارة إلَّا أنَّ هذا القياس تُرك في الماء للنَّص، ولا يصح إلحاقُه بالماء لعدم الضَّرورة، وفي الماء ضرورة فبقي ما وراءه على الأصل، وعن أبي يوسف في رواية: أنه لم يجوز تطهير البدن إلا بالماء، لأنها نجاسة يجب إزالتها عن البدن ولا تزول بغير الماء كالحدث، وانظر: تبيين الحقائق (١/ ٦٩) والهداية (١/ ١٨ - ١٩) وتحفة الفقهاء (٢/ ٧٠).
(٣) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في المذي برقم (٢١٠) والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في المذي برقم (١١٥)، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء من المذي برقم (٥٠٦)، ثلاثتهم من حديث سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: "إنما يجزيك من ذلك الوضوء" قلت: يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك بأن تأخذ كفا من ماء فتنضح بها من ثوبك، حيث ترى أنه أصابه". هذا لفظ أبي داود. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ٢ / ٥٢٤ ]
واحتجوا أيضا في ذلك بأمر رسول الله - ﷺ - بمسح الخف بالتراب من الأذى يكون فيه" (^١)، ثم خالفوه فقالوا: لا يجزئ البول في الخف إلا بالماء، ولا يجزئ في العذرة الرطبة في الخف إلا بالماء (^٢).
واحتجوا لقولهم الفاسد فيما ينقض الوضوء من أحوال النوم، وما لا ينقضه منها، وأن نوم الساجد والقاعد لا ينقض الوضوء، بخبر بحر بن كنيز السقاء (^٣) يا رسول الله: هل علي وضوء؟ قال " لا، إلا أن تضع جنبك" (^٤)، ثم خالفوه، فقالوا: ينقض الوضوء النوم
_________________
(١) سبق تخريج الخبر المفيد لذلك.
(٢) مضى فقه المسألة عند الأحناف.
(٣) هو بحر بن كنيز بالتصغير - أبو الفضل السقاء الباهلي مولاهم البصري، كان يسقي الحجاج في المفاوز روى عن الحسن والزهري، وعنه مسلم بن إبراهيم وغيره، قال يزيد بن زريع: "لا شيء". وقال النسائي والدارقطني: "متروك". وقال البخاري: "ليس بقوي عندهم". وقال أبو حاتم: "ضعيف". وذكره ابن عدي في الكامل وساق لَهُ نَحْوًا من ثلاثين حديثا ثم قال: "ولبحر نسخ منها نسخة رواها عمر بن سهل عنه وهو إلى الضعف أقرب". مات سنة ١٦٠ هـ. أخرج له ابن ماجه. انظر: الكامل لابن عدي (٢/ ٥٥) والميزان (١/ ٢٩٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٦).
(٤) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٥) ومن طريقه البيهقي في الكبرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من النوم قاعدا برقم (٥٩٦ - ١/ ١٩٤) عن بحر بن كنيز السقاء عن ميمون الخياط عن أبي عياض عن حذيفة بن اليمان قال: كنت في مسجد المدينة جالسا أخفق فاحتضنَنِي رجل من خلفي، فالتفت، فإذا أنا بالنبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله هل وجب علي وضوء؟ قال: "لا حتى تضع جنبك". قال ابن عدي: "ولبحر السقاء غير ما ذكرت من الحديث، وكل رواياته مضطربة. ويخالف الناس في أسانيدها ومتونها، والضعف على حديثه بين". وقال البيهقي: "وهذا الحديث ينفرد به بحر بن كنيز السقاء عن ميمون الخياط، وهو ضعيف ولا يحتج بروايته".
[ ٢ / ٥٢٥ ]
متكئا؛ أو متوركا؛ أو مستندا؛ وأن يضع جنبه (^١).
واحتجوا في قولهم بالمسح على عصائب الجراح بخبر ساقط فيه تخيير المجروح بين التيمم، وبين أن يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (^٢)، ثم خالفوه؛ فلم يروا لمن يقدر على غسل الصحيح من جسده، والمسح على العصابة على المجروح منه أن يتيمم أصلا، ولم يجيزوه في ذلك (^٣).
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المقر بالحد، إن رجع عن إقراره، سقط عن الحد بما روي عن بريدة الأسلمي (^٤) من قوله: "كنا
_________________
(١) تقدم فقه هذه المسألة.
(٢) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب جواز المسح على الجبائر (١/ ٢٢٦)، والبيهقي في الكبرى كتاب الطهارة، باب المسح على العصائب والجبائر برقم (١٠٨٢ - ١/ ٣٤٩). كلاهما عن علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الجبائر يكون على الكسر، كيف يتوضأ - صاحبها، وكيف يغتسل إذا أجنب؟ قال: يمسحان بالماء عليها في الجنابة والوضوء، قلت: فإن كان في برد يخاف على نفسه إذ اغتسل؟ قال: "يمر على جسده". وقرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. يتيمم إذا خاف. قال الدارقطني: "أبو الوليد خالد بن يزيد المكي ضعيف". وقال البيهقي: "ورواه أبو الوليد خالد بن يزيد المكي بإسناد آخر عن زيد بن علي عن علي مرسلا؛ وأبو الوليد ضعيف ولا يثبت على النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي قد تقدم وليس بالقوي، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم". وانظر: معرفة السنن (١/ ٣٠١).
(٣) انظر: الهداية (١/ ٣٢) وتحفة الفقهاء (٢/ ٩٠).
(٤) بريدة - بالتصغير - بن الحصب بن عبد الله الأسلمي، أسلم حين مر به النبي - ﷺ - مهاجرا بالغميم - موضع قرب المدينة - وأقام في موضعه حتى مضت بدر وَأُحد، روى =
[ ٢ / ٥٢٦ ]
نَتَحَدَّث لَوْ أن ماعزا رجع لم يطلبه رسول الله" (^١).
فجعلوا هذا الظن من بريدة إسقاطا لحدود الله تعالى الواجبة؛ ثم لم يروا قول خزيمة بن ثابت (^٢) "أمرنا رسول الله بالمسح ثلاثا، ولو
_________________
(١) = عنه ابنه عبد الله وأبو المليح عامر، مات بخراسان سنة ٦٣ هـ أو في التي تليها. أخرج له الجماعة. انظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٢٤١) والإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٤١٨) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود في الحدود، باب رجم ماعز بن مالك برقم (٤٤٣٤) من طريق بشير بن المهاجر قال حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "كنا أصحاب رسول الله نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يَطْلُبْهُمَا، وإنما رجمهما عند الرابعة". قال الحنفية المسقط للحد بعد وجوبه الرجوع عن الإقرار بالزنا والسرقة والشرب، لأنه يحتمل أن يكون صادقا في الرُّجوع وهو الإنكار، ويحتمل أن يكون كاذبا فيه، فإن كان صادقا في الإنكار يكون كاذبا في الإقرار، وإن كان كاذبا في الإنكار، يكون صادقا في الإقرار، فيورث شبهة في ظهور الحد، والحدود لا تستوفي بالشبهات. وانظر: حلية العلماء (٨/ ٧٧) وبدائع الصنائع (٧/ ٦١) والمغني (٩/ ٦٨). وحكى المصنف في المحلى (٨/ ٢٥٢) مذهب الحنفية والمالكية في جواز الرجوع عن الإقرار وقال: "وأما الرجوع عن الإقرار فكلهم متفق على ما قلنا إلا في الرجوع عن الإقرار بما يوجب الحد فإن الحنيفيين والمالكين قالوا: إن رجع لم يكن عليه شيء وهذا باطل، والقوم أصحاب قياس بزعمهم، فهلا قاسوا الإقرار بالحد على الإقرار بالحقوق سواه؟ وأيضا فإن الحد قد لزمه بإقراره فمن ادعى سقوطه برجوعه فقد ادعى ما لا برهان له به، ".
(٣) خُزَيْمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري الأوسي ثم الخطمي ذو الشهادتين من السابقين الأولين، شهد بدرا وما بعدها. له ثمانية وثلاثون حديثا، روى عنه ابنه: عمارة وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، قتل سنة ٣٧ هـ مع علي بصفين. أخرج له مسلم والأربعة. انظر: طبقات ابن سعد (٤/ ٣٧٨) والتاريخ الكبير (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦) والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٠٤).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
استزدناه لزادنا" (^١)، فلم يجعلوا ظن خزيمة مسقطا لتوقيته ﵇، ووقفوا في هذه، ولو التزموا هذا العمل هنالك لوفقوا! ! (^٢).
واحتجوا بالخبر الساقط: "من قاء أو قلس أو رعف، فلينصرف فليتوضأ" (^٣)، وليس في أمرهم بالوضوء وَالبِنَاءِ على ما صلى من غلبة البول والغائط والفسو في الصلاة (^٤)؛ وقالوا: هذا الخبر أصل في كُلِّ من غلبه في الصلاة حدث ينقض وضوءه في أنه يتوضأ ويبني، ثم خالفوه من كثب فقالوا: مَنْ صَلَّى متيمما ثم رأى الماء قبل أن يسلم، فقد انتقضت طهارته وصلاته؛ ويتوضأ ويبتدئ الصلاة ولا يبني (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب التوقيت في المسح برقم (١٥٧)، وابن ماجة في الطهارة، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر برقم (٥٥٣) والبيهقي في الكبرى في الطهارة، باب ما ورد في ترك التوقيت برقم (١٣١٩ - ١/ ٤١٧) ومعرفة السنن (١/ ٣٤٥)؛ وألفاظهم متقاربة. وأخرجه من غير زيادة الترمذي في الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين للمسافر والمقيم برقم (٩٥) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وانظر كلاما طويلا على هذا الحديث في نصب الراية (١/ ١٧٥ - ١٧٧) وانظر أيضا: المحلى للمؤلف (٢/ ٨٩ - ٩٠).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٧٩) وتبيين الحقائق (١/ ٤٩).
(٣) مضى تخريجه.
(٤) كذا وفي النفس من هذه العبارة كلِّها شيءٌ.
(٥) استدل الأحناف لما ذهبوا إليه: بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قالوا: وهذا واجد للماء، ويقوله ﵇: "فإذا وجدت الماء فأمسه جِلْدَكَ". فقالوا: فأمر باستعمال الماء عند وجوده مطلقا، فدل على بطلان التيمم، وانظر: تحفة الفقهاء (٢/ ٤٥) وتبيين الحقائق (١/ ١٤١ - ١٤٩). وبسط المؤلف في المحلى (٢/ ١٢٦ - ١٢٨) الرد على الحنفية في هذه المسألة فانظره إن شئت.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
واحتجوا بالخبر الصحيح في قول أهل قباء إذ أتاهم من أخبرهم، بأن القبلة حولت عن بيت المقدس إلى الكعبة، فتحولوا كما هم إلى الكعبة وصلوا ما بقي عليهم من صلاتهم تلك إلى الكعبة، بَانِينَ على ما مضى منها (^١)، وقالوا: هذا أصل لكل من طرأ عليه فرض لغير فرضه في أنه يبني، ثم خالفوه من قرب فقالوا: من صلى الجمعة في وقتها ثم دخل عليه وقت العصر قبل أن يسلم منها، فإن جمعته تبطل وعليه أن يبتدئها ظهرا أربعا (^٢).
واحتجوا في وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل، بالخبر الوارد في ذلك نصا (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما جاء في القبلة برقم (٤٠٣)، ومسلم في المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة (٥/ ٩)، كلاهما عن ابن عمر قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذْ جاءهم آت". فقال: "إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة". انتهى لفظ البخاري.
(٢) تبطل صلاة من صلى الجمعة ثم أدركه وقت العصر قبل أن يسلم منها عند الأحناف وذلك لأن من شرطها عندهم وقت الظهر، قالوا: وعلى المصلي أن يستقبل الظهر أربعا. وانظر: تحفة الفقهاء (٢/ ١٦٠) وتبيين الحقائق (١/ ٢١٩).
(٣) أخرجه البخاري في المواقيت، باب وقت العشاء إلى نصف الليل برقم (٥٧٢)، ومسلم في المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها (٥/ ١٣٩) وأبو داود في الصلاة، باب في وقت العشاء الآخرة برقم (٤٢٢)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخرة برقم (١٦٧)، والنسائي في المواقيت، باب ما يستحب من تأخير العشاء (١/ ٢٦٥) وابن ماجة في الصلاة، باب وقت صلاة العشاء برقم (٦٩٠)، والطيالسي في مسنده حديث رقم (٩٢٠) وسياق البخاري: عن أنس قال: "أخر النبي - ﷺ - صلاة =
[ ٢ / ٥٢٩ ]
ثم خالفوه فجعلوه إلى طلوع الفجر (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد في ضمان ما لم يجب بعد (^٢)، بالخبر الثابت عن رسول الله أنه أمر على الجيش إلى مؤتة زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة" (^٣).
وهذه طامةٌ من طَوَامِّ الهوس، لأنه لا يَعرف أحدٌ في هذا الخبر الضمان مال لم يجب بعد أصلا، فاعجبوا لِفَسادِ عقول هؤلاء القوم، وجرأتهم على القول بالباطل في الدين! ! ونسأل الله العافية من الخذلان.
واحتجوا في اشتراط الكفيل في عقد المداينة في مذهبهم (^٤)؛ بخبر الذي كان فيمن سلف قبلنا، فاستقرض ألف دينار فطلب منه المقرض
_________________
(١) = العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انْتَظَرْتُموها".
(٢) انظر مذهب الحنفية في آخر وقت العشاء في: المختصر (ص ٢٤) والهداية (١/ ٤٢) وتبين الحقائق (١/ ٨١) والمحلى (٣/ ١٦٥) وفيه ذكر المؤلف أن أبا حنيفة كره تأخير العشاء إلى طلوع الفجر.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي (ص ١٠٣).
(٤) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام برقم (٤٢٦١) عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة". قال عبد الله: "كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية".
(٥) انظر اشتراط الكفيل في المداينات في: تبيين الحقائق (٤/ ١٥١) وبدائع الصنائع =
[ ٢ / ٥٣٠ ]
كفيلا فقال: كفى بالله كفيلا، فَأقْرَضَهُ إلى أجل، فلما كان الأجل لم يجد سفينة فأخذ خشبة ونقرها، وجعل فيها ألف دينار، وأرسلها في البحر، فقضى الله ﷿ خروج تلك الخشبة إلى يد صاحب الحق فأخذها، فلما شقها وجد فيها ماله؛ وكتابا من غريمه إليه (^١)، وهم أول مخالف على من يفعل هذا، وأول من يقضي عليه بالخطأ؛ وَإِضَاعَة المال، فإن قيل: فأنتم لا تقولون بغير السنن، وهذا خبر صحيح، فكيف تعملون فيه؟ قلنا: إنما كان فيمن قبلنا، ولا يجوز لنا العمل بشيء من شرائعهم، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (^٢)؛ فإنما يلزمنا ما أمرنا به محمد رسول الله فقط (^٣)؛ ولم يأمرنا ﵇ قط بهذا العمل بل نهانا عن إضاعة
_________________
(١) = (٦/ ٩) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة، باب ما يستخرج من البحر برقم (١٤٩٨) وأحمد في المسند (٢/ ٣٤٨) عن أبي هريرة.
(٣) سورة المائدة، الآية ٤٨.
(٤) في مسألة "شرع من قبلنا" ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: شرع من قبلنا شرع لنا، وقال بذلك الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وجمع من أصحاب الشافعي، وجمهور المالكية، وأكثر الحنفية ومنهم الشيخ أبو منصور الماتريدي، والقاضي أبو زيد الدبوسي، وشمس الدين السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، ومن المتأخرين: ابن الهمام وابن الحاجب، واختلف هؤلاء على القول به، فقيل: مطلقا ما لم ينسخ، وقيل: شرع لنا إن لم ينسخ، وثبت بالقرآن، أو ببيان رسول الله - ﷺ -. لا بنقل أهل الكتاب، لأن التحريف والتبديل تطرق إلى الكتب السماوية القديمة. المذهب الثاني: شرع من قبلنا ليس شرعا لنا: وهذا رأي جمهور الشافعية والمتكلمين، ثم إن هؤلاء اختلفوا في موجب المنع: فقالت المعتزلة منع من ذلك العقل، وقال =
[ ٢ / ٥٣١ ]
المال، ولا أباح لنا أن نشترط كفيلا في عقد المداينة، فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى كما قال رسول الله - ﷺ - (^١).
واحتجوا في قولهم بإجازة كفالة الوجه (^٢) بخبر ساقط موضوع أن رسول الله كفل في تهمة (^٣)، وهم أول مخالف لهذا الخبر، فلا يجوزون
_________________
(١) = غيرهم: بل المانع الشرع لا العقل. المذهب الثالث: قول من قال شرع إبراهيم ﵇ خاصة شرع لنا، وما سواه ليس بشرع لنا. واختار المؤلف من هذه المذاهب، قول من قال: إن شرائع من قبلنا "ساقطة عنا، ولا يجوز العَمَلُ بشيء منها إلا أن نخاطب في ملتنا بشيء موافق لبعضها، فنقف عنده ائتمارا لنبينا - ﷺ - لا اتباعا للشرائع الخالية". وانظر: أصول السرخسي (٢/ ٩٩) والبرهان في أصول الفقه (١/ ٣٣١) والمنخول (ص ٢٣١) والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ١٥٣) والإحكام للآمدي (٤/ ١٢٣) ومنتهى السول (٣/ ٥١) وتخريج الفروع على الأصول (ص ١٩٨) وكشف الأسرار (٣/ ٢١٢) والتلويح على التوضيح (٢/ ٢٧٦).
(٢) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في الصلاة، باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد برقم (٤٥٦) ومسلم في العتق، باب بيان أن الولاء لمن أعتق (١٠/ ١٤٤) والترمذي في الوصايا، باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت برقم (٢٢٠٧) والنسائي في البيوع، باب بيع المكاتب (٧/ ٣٠٥) وابن ماجة في العتق، باب المكاتب برقم (٢٥٢١) في قصة بريرة ومكاتبتها وفيه أن النبي ﷺ خطب فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله، فليس له ". وفي رواية لابن ماجة: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط ".
(٣) كذا في النسخة التي بين يدي.
(٤) لم أَجِدْهُ والله أعلم.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الكفالة في التهمات (^١).
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن كراء الدار المغصوبة، وإجارة الدابة المغصوبة، وإجارة العبد المغصوب حلال للغاصب، بالخبر الذي لا يصح وفيه: "الخراج بالضمان" (^٢) ثم خالفوا له ولد الحيوان المغصوب ولا ثمرة المغصوب بضمانه (^٣).
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من قتل بعيرا صال عليه، لا نجاة له منه إلا بقتله، فضمانه عليه بالخبر الثابت عن رسول الله - ﷺ -: "جرح
_________________
(١) قال الأحناف: لا تجوز الكفالة في الحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل، فلا تفيد الكفالة فائدتها وانظر: الهداية (٣/ ٩٨) وبدائع الصنائع (٦/ ٨) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٥٤) وتبيين الحقائق (٣/ ١٥٢).
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع، باب فيمن اشترى عبدا، فاستحمله، ثم وجد به عَيْبًا برقم (٣٥٠٨)، وابن ماجة في التجارات، باب الخراج بالضمان برقم (٢٢٤٣)، والشافعي في مسنده (ص ١٨٩) والحاكم في البيوع برقم (٢١٧٧)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"؛ وابن حبان في صحيحه برقم (١١٢٦) موارد الظمآن"، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٢١) ومعرفة السنن (٤/ ٣٥٨) وساقه أبو داود من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "الخراج بالضمان". قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ٢٢): " وصححه ابن القطان، وقال ابن حزم: لا يصح". وانظر: فيض القدير (٣/ ٥٠٤) وما ذكره الحافظ آنفا عن ابن حزم يوجد في المحلى (٨/ ١٣٦).
(٣) كذا وفي النفس من هذه العبارة شيء، وفهمي لهذه المسألة: أن المؤلف يرى أن من غصب شيئا فعليه أن يرده، وأن يَرُدَّ كُلَّ ما اغتل منه وكل ما تولد منه سواء بسواء الحيوان والدور والشجر وغيرها بخلاف ما ذهب إليه الحنفية من قولهم أن الكراء للغاصب والغلة، ولا يضمن ما يتولد من الحيوان. وانظر: الهداية (٤/ ٣٣٧) وبدائع الصنائع (٧/ ١٥٢) والمحلى (٨/ ١٣٩ - ١٤٠).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
العجماء جُبَار" (^١)؛ وليس فيه خلاف لقول من لم يضمنه، وما خالفه أحد هنا في أن البعير لو قتله لم يؤخذ البعير بشيء ولا صاحبه، ثم خالفوه فقالوا: من ركب بعيرا وقاد قطارا (^٢)، من ألف بعير كلها خَلْفَهُ، أو ساقها وكلها أمامه فهو ضامن لما أصاب أولها وآخرها بِعَمَهٍ (^٣)، أو بيده.
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من استهلك ما لا يكال، ولا يوزن بالقيمة لا بالمثل، بحديث تضمين من أعتق شِقْصَا (^٤) له في عبد بينه
_________________
(١) مضى تخريج هذا الحديث وساق المؤلف في المحلى (٨/ ١٤٥) مذهب الحنفية وما استدلوا به من هذا الحديث ثم قال: "قال علي، أما الحديث: جرح العجماء جبار"؛ ففي غاية الصحة، ويه نقول ولا حجة لهم فيه لأننا لم نخالفهم في أن ما جرحته العجماء لا يُغرم، وليس فيه الا هذا، بل هو حجة عليهم في تضمينهم الراكب، والسائق، والقائد ما أصابت العجماء مما لم يحملها عليه، فهم المخالفون لهذا الأثر حقا والعجب أنهم يقولون: إن الأسد، والسبع حرامٌ قتله في الحرم، وعلى قاتله الجزاء إلا أن يبتدئ المحرم بأذى، فله قتله، ولا يجزئه، فكم هذا التناقض، والهدم والبناء؟ ! ".
(٢) يقال: جاءت الإبل قطارا بالكسر أي مقطورة؛ وقطر الإبل قطرا وقطرها وأقطرها: قَرَّبَ بعضها إلى بعض على نسق، وانظر القاموس مادة قطر (ص ٥٩٦). وانظر أيضا: مختصر الطحاوي (ص ٢٥٢) والهداية (٤/ ٥٣٦).
(٣) وردت في النسخة التي بين يدي مضبوطة وذلك بكسر الباء وفتح العين والميم، والعمه: التردد في الضلال، والتحير في منازعة أو طريق، أو أن لا يعرف الحجة. وانظر القاموس مادة عمه (ص ١٦١٣).
(٤) الشقص - بالكسر -: القطعة من الأرض، والطائفة من الشيء. وانظر: مختار الصحاح مادة شقص (ص ٢٧٢).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وبين آخر قيمة نصيب شريكه (^١)، وليس في هذا الخبر من هذا الحكم شيء، لأن معتق نصيبه لم يستهلك نصيب شريكه، لكن أعتقه، كما لو وهبه؛ أو باعه، ثم خالفوه فلم يضمنوه قطعا (^٢).
ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بحكم الله تعالى على قاتل الصيد، وهو محرم بجزاء مثل ما قتل من النعم، في إثبات القياس، وليس فيه للقياس أثر. ولو احتج بها (^٣) محتج في القضاء بالمِلْك بالمثل على من استهلك شيئا لا بالقيمة، لكان أدخل في التمويه منهم.
_________________
(١) ورد هذا الخبر من حديث ابن عمر وأبي هريرة: فأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري في الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل برقم (٢٤٩١)، ومسلم في العتق (١٠/ ١٣٥) وابن ماجة في العتق، باب من أعتق شِرْكًا له في عبد برقم (٢٥٢٨) عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أعتق شقصا له من عبد، أو شركا أو قال نصيبا، وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق وإلا فقد أعتق منه ما عتق" هذا لفظ البخاري. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم في العتق أيضا (١٠/ ١٣٦) وأبو داود في العتاق، باب من ذكر السعاية برقم (٣٩٣٨)، وأخرجه أيضا في باب فيمن روى أنه لا يستسعى برقم (٣٩٤٠)؛ وابن ماجة في العتق، باب من أعتق شركا له في عبد برقم (٢٥٢٨) عنه قال: قال النبي - ﷺ -: "من أعتق شقصا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، استُسْعِيَ الحبد، غير مشقوق عليه".
(٢) قال الكاساني في بدائع الصنائع (٧/ ١٥٠) مبينا تعلق الحنفية في الضمان بالقيمة لا بالمثل: "والأصل في ضمان القيمة ما روي أن رسول الله - ﷺ - قضى في عبدين شريكين أعتق أحدهما نصيبه، قيمته للذي لم يعتق والنص الوارد في العبد يكون واردا في إتلاف كل ما لا مثل له دلالة".
(٣) أي بالآية المفيدة للحكم في قاتل الصيد.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المفسد للشَّيء يعطى ما أفسد، ويضمن قيمته قبل أن يفسده، بالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - إذ كسرتْ أُمُّنَا عائشة - ﵂ - قصعة أخرى من أمهات المؤمنين، فأخذ رسول الله - ﷺ - قصعة عائشة، وأعطاها التي كسرتْ عائشة قصعتها، وأعطى عائشة القصعة المكسورة (^١).
والعجبُ كله ههنا، لأن هذا الحكم ضد قولهم جهارا في إيجابهم القيمة في ذلك؛ وإنما أوجب ﵇ في ذلك المثل لا القيمة، وقضى لعائشة دون توكيل ولا طلب، وهذا كله خلاف أقوالهم الفاسدة (^٢).
واحتجوا في ذلك أيضا بالخبر الذي لا يصح من أمر الشاة المأخوذة بغير إذن صاحبها، فأمر ﵇ أن تطعم للأسرى (^٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في المظالم، باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره برقم (٢٤٨١) وأبو داود في البيوع، باب فيمن أفسد شيئا يغرم مثله برقم (٣٥٦٧)، وابن ماجة في الأحكام، باب الحكم فيمن كسر شيئا برقم (٢٣٣٣)، والدارمي في البيوع، باب من كسر شيئا فعليه مثله برقم (٢٥٠٠) عن أنس "أن النبي - ﷺ - كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها، فكسرت القصعة، فضمنها، وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة". هذا لفظ البخاري. قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٢٥): " وأما المرسلة فهي زينب بنت جحش ذكره ابن حزم في المحلى".
(٢) انظر: الهداية (٤/ ٢٧٤) وفتح الباري (٥/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٣) سبق تخريج هذا الحديث.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وهذا خلاف قولهم نصا، لأنه ﵇ لم يقض بها للذي استهلكها.
واحتجوا بالخبر الذي لا يصح: "لا قطع في ثمر، ولا في كنز، ولا قطع في ثمر معلق، وإذا آواه الجرين، ففيه القطع إذا بلغ الجرين" (^١)؛ في مقدار ما يقطع فيه، وفي أنه لا يقطع في الرطب والفاكهة (^٢)، ثم خالفوه فقالوا: لمان آواه الجرين، فلا قطع فيمن سرق منه؛ لأنه ليس الجرين حرزا؛ إلا أن يكون هنالك حارس له كغير الجرين ولا فرق (^٣).
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من غصب آخرا مالا، ثم ظفر له المَغْصُوبُ بمال، فلا يحل له أن يأخذه إلا إن كان من نوع الذي أخذ منه مما يكال أو يوزن (^٤) بخبر لا يصح فيه: "أد الأمانة إلى من ائتمنك،
_________________
(١) مضى تخريج هذا الحديث.
(٢) قال أبو حنيفة: يقطع في عشرة دراهم مضروبة، ولا يقطع في فاكهة على الشجر، والزرع الذي لم يحصد، قال: لأن الفاكهة على الشجر والزرع الذي لم يحصد لم يوجد فيه الإحراز، والقطع بدونه غير مشروع، ولا قطع في الرطب، لأنه يخاف عليه الفساد من وجه بخلاف الزبيب والتمر، وأما في الفاكهة اليابسة التي تبقى من سنة إلى سنة، فالصحيح من الرواية عن أبي حنيفة أنه يقطع فيما يتمول الناس إياها لقبولها الإدخار، فانعدم معنى التفاهة المانعة من وجوب القطع. انظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٧٠) والهداية (٢/ ٤١٠) وحلية العلماء (٨/ ٥٠) وتبيين الحقائق (٣/ ٢١٥) وبدائع الصنائع (٧/ ٦٩).
(٣) انظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٧٤).
(٤) قال الأحناف المغصوب لا يخلو إما أن يكون مما له مِثْلٌ، وإما أن يكون مما لا مثل له، فإن كان مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فعلى الغاصب مثله، لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل، وإن كان مما لا مثل له من المذروعات والمعدودات المتفاوتة، فعليه قيمته، لأنه تعذر إيجاب المثل صورة =
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ولا تخن من خانك" (^١). وليس في هذا اللفظ شيء مما احتجوا به، وانتصاف المرء من حقه وانتصاره بعد ظلمه، [واقتص من حرمته] (^٢)، ليس خيانة ولا منع أمانة، ثم خالفوه على أصلهم، فقالوا: إن كان مثله مما يكال، أم يوزن فله أخذه.
_________________
(١) = ومعنى، لأنه لا مثل له، فيجب المثل معنى وهو القيمة. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ١١٩) والهداية (٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦) وبدائع الصنائع (٧/ ١٥٠ - ١٥١) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده برقم (٣٥٣٤ و٣٥٣٥)، والترمذي في البيوع برقم (١٢٨٢)، والدارمي في البيوع، باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة برقم (٢٤٩٩) كلهم عن أبي هريرة، قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٤٨٠ - ٤٨١): "وأخرجه أبو داود، وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره". وقال الزيلعي: قال ابن القطان: "والمانع من تصحيحه أن شريكا، وقيس بن الربيع مختلف فيهما". وقال الحافظ في بلوغ المرام "وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي". وقال الشوكافي في النيل: "وفي الباب عن أبي بن كعب عند ابن الجوزي في العلل المتناهية، وفي إسناده من لا يعرف، وأخرجه أيضا الدارقطني، وعن أبي أمامة عند البيهقي والطبراني بسند ضعيف". وعن أنس عند الدارقطني والطبراني والبيهقي، وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبي داود والبيهقي، وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي، لأن يوسف بن ماهك رواه عن فلان عن آخر، وقد صححه ابن السكن، وعن الحسن مرسلا عند البيهقي، قال الشافعي: "هذا حديث ليس بثابت". وقال ابن الجوزي: "لا يصح من جميع طرقه". وقال أحمد: "هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح". قال الشوكاني: "لا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها، وتحسين إمام ثالث منهم، مما يصير به الحديث منتهضا للاحتجاج".
(٣) كذا.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
واحتجوا بمرسل فيه أنه ﵇ جعل لمن جاء بآبق من خارج الحرم دينارا (^١)، وفي بعض ألفاظه: "عشرة دراهم"، ثم خالفوه كله فلم يوجبوا فيه إلا أربعين درهما، إنْ جيء به على ثلاث لَيَالٍ فصاعدا (^٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٤٩٠٧ - ٨/ ٢٠٧) عن عمرو بن دينار أن رسول الله - ﷺ - قضى في الآبق يوجد في الحَرَمِ بعشرة دراهم. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢١٩٣٨ - ٤/ ٤٤٣) عن عطاء أو ابن أبي مليكة وَعَمْرو بن دينار قالا: "ما زلنا نسمع أن النبي - ﷺ - قضى في العبد الآبق يوجد خارجا من الحرم دينارا أو عشرة دراهم". وانظر ما سيأتي بعد حين.
(٢) قال الأحناف إن رد الآبق من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا، فلآتي به، أربعون درهما، وإن رده دون ذلك فليس له شيء، وإن رده من أقصى المصر فَلَه على قدر عنائه وتعبه، هذا إذا كانت قيمة العبد أكثر من الجعل، فإن كانت مثل الجعل أو أنقص منه ينقص من قيمته درهم عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف له الجُعْلُ تاما وإن كانت قيمة العبد درهما واحدا. وانظر بسط الأدلة في: تبيين الحقائق (٣/ ٣٠٨) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٠٥) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ٢١٧) والمحلى (٨/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وساق المؤلف فيه خلاف الأحناف والمالكية وخبر عمرو وعطاء وابن أبي مليكة، ثم قال: "وهذا خلاف قول الطائفتين مع قولهما إن المرسل كالمسند، ولا مرسل أصح من هذا، لأن عَمْرًا وعطاء وابن أبي مليكة، ثقات أئمة نجوم، وكلهم أدرك الصحابة، فعطاء أدرك عائشة أم المؤمنين، وصحبها فمن دونها، وابن أبي مليكة أدرك ابن عباس وابن عمر، وأسماء بنت أبي بكر، وابن الزبير وسمع فهم وجالسهم، وعمرو أدرك جابرا، وابن عباس وصحبهما لا سيما مع قول اثنين منهما لا نبال أيهما كانا أنهما ما زالا يسمعان ذلك، فهان عند هؤلاء مخالفة كل ذلك تقليدا لخطأ أبي حنيفة ومالك، وسهل عندهم في رد السنن الثابتة بتقليد رواية شيخ من بني كنانة عن عمر: "البيع عن صفقة أو خيار". وسائر المرسلات الواهية إذا وافقت رأي أبي حنيفة ومالك؛ فمن أضل ممن هذه طريقته في دينه ونعوذ بالله من الخذلان".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
واحتجوا في كراء الأرض بخبر رافع (^١) وطارق (^٢)، وخالفوا ما فيهما (^٣).
_________________
(١) هو رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأنصاري الحارثي أبو عبد الله، شهد أحدا والخندق، وروى عن النبي - ﷺ -، وعن عمه ظهير بن رافع، وروى عنه ابنه عبد الرحمن، وحفيد عباية بن رفاعة، والسائب بن يزيد، ومحمود بن لبيد، وسعيد بن المسيب، ونافع بن جبير وآخرون، مات في زمن معاوية سنة ٧٣ هـ وقيل في التي تليها. أخرج له الجماعة. انظر: تاريخ البخاري (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٢) وتجريد أسماء الصحابة (١/ ١٧٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٣٦)، والإصابة (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤).
(٢) طارق هو ابن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي، روى عن ابن أبي أوفى؛ وقيس بن أبي حازم، وابن المسيب، وعنه الأعمش مع تقدمه، والثوري، وشعبة وابن المبارك، ووكيع، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: "لا بأس به يكتب حديثه". وقال النسائي: "ليس به بأس". وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به". لم أقف على وفاته، أخرج له الستة. انظر: ثقات ابن حبان (٤/ ٣٩٥) وتاريخ الثقات للعجلي (ص ٢٣٣) وتهذيب التهذيب (٣/ ٧) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٧٨).
(٣) أما حديث رافع بن خديج: فأخرجه البخاري في الحرث والمزارعة، باب ما كان أصحاب النبي - ﷺ - يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمر برقم (٢٣٣٩)، وابن ماجه في الرهون، باب ما يكره من المزارعة برقم (٢٤٥٩)، والنسائي في الزراعة، باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث (٧/ ٣٣)، عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج سمعت رافع بن خديج بن رافع عن عمه ظهير قال ظهير: "لقد نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان بنا رافقا، قلت: ما قال رسول الله - ﷺ - فهو حق، قال: دعاني رسول الله - ﷺ -، قال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلت: نؤاجرها على الربيع، وعلى الأوسق من التمر والشعير قال: لا تفعلوا، ازرعوها أو ازرعوها أو أمسكوها. قال رافع: قلت: سمعا وطاعة". هذا لفظ البخاري. وأخرج مسلم في البيوع، باب كراء الأرض (١٠/ ٢٠٣) وأبو داود في البيوع، باب في المزارعة برقم (٣٣٩٤) كلاهما عن سالم بن عبد الله - وقال مسلم - أن عبد الله بن عمر =
[ ٢ / ٥٤٠ ]
واحتجوا في أَنَّ مَنْ أحيى أرضا ميتة لم تكن له إلا بإذن الإمام (^١)
_________________
(١) = كان يكري أرضيه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهي عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله فقال: "يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله - ﷺ - في كراء الأرض، قال رافع بن خديج لعبد الله: سمعت عَمّي - وكانا قد شهدا بدرا - يحدثان أهل الدار أن رسول الله - ﷺ - نهى عن كراء الأرض ". أما حديث طارق فأخرجه النسائي في الصغرى في المزارعة، باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث (٧/ ٤٠) من طريق أبي الأحوص عن طارق عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: إنَّما يزرع ثلاثة: رجل له الأرض، فهو يزرعها. أو رجل منح أرضا، فهو يزرع ما منح؛ أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة". وأخرجه الدارقطني (٣/ ٣٦) وابن أبي شيبة في المصنف برقم (٢٢٥٧٣ - ٤/ ٥٠٧) لكنه لم يفصل بين كلام رسول الله - ﷺ - وبين كلام سعيد بن المسيب بفاصل، قال المؤلف في المحلى (٨/ ٢٢٣): "فظن ابن أبي شيبة أنه من جملة كلام رسول الله - ﷺ - فخزله - فقطعه - وأبقى المسند، وقد جاء هذا الخبر عن طارق من طريق من هو أحفظ من أبي الأحوص مبينا أنه من كلام سعيد بن المسيب - ثم ساقه من طريق النسائي بسنده عن طارق قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لا يصلح من الزرع غير ثلاث: أرض تملك رقبتها، أو منحة، أو أرض بيضاء تستأجرها بذهب أو فضة". وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والصاحبان وزفر إلى جواز كراء الأرض، ومنع أبو حنيفة وزفر إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يزرع فيها بوجه من الوجوه. وانظر: الهداية (٤/ ٣٨٣) وبدائع الصنائع (٦/ ١٧٥) والمحلى (٨/ ٢١٧ - ٢٢٤) وسبل السلام (٣/ ٧٩).
(٢) الملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يثبت بنفس الإحياء وإذن الإمام ليس بشرط واستدلا بحديث "من أحيا أرضا ميتة فهي له". فقالا: فقد أثبت الملك للمحيي من غير اشتراط إذن الإمام، ولأنه مباح استولى عليه، فيملكه بلا إذن الإمام. واستدل أبو حنيفة بالحديث الذي أورده المؤلف هنا قال: ولأن الموات غنيمة، فلا بد للاختصاص به من إذن الإمام كسائر الغنائم بخلاف الصيد =
[ ٢ / ٥٤١ ]
بخبر فاسد: "ليس للمرء إلا ما طابت له به نفس إمامه" (^١)؛ واحتجوا به أيضا في منع القاتل من سلب مقتوله، ثم خالفوه فأباحوا لمن وجد ركازا أن يخفي الخمس عن الإمام، ويأخذه لنفسه (^٢)؛ وخالفوه أيضا في إباحة الصَّيدِ لَهُ، والحطب في دار الحَرب، ودار الإسلام بِغَيْر إذن الإمام، ولا فرق بين ذلك، وبين الأرض الموات التي لا مالك لها إلا الله تعالى.
وخالفوا بهذا الاختلاط السنةَ عن رسول الله: "من أحيا أرضا ميتة
_________________
(١) = والحطب والحشيش، لأنها لم تكن في يد أهل الحرب، فجاز أن تملك بنفس الاستيلاء وإثبات اليد عليها. وانظر: شرح معاني الآثار (٣/ ٢٦٨) والهداية (٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦) وبدائع الصنائع (٦/ ١٩٤ - ١٩٥) والمحلى (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤) وفيه مناقشة المؤلف للحنفية في مذهبهم.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير، والأوسط كما في مجمع الزوائد (٥/ ٣٢٥)، من طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية، قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٤٣١): "وهو مَعْلُولٌ بعمرو بن واقد". وقال المصنف في المحلى (٨/ ٢٣٤): "أما الأثر فموضوع، لأنه من طريق عمرو بن واقد، وهو متروك باتفاق من أهل العلم بالآثار".
(٣) انظر: شرح معاني الآثار (٣/ ٢٢٧ و٢٦٢) ومناقشة المؤلف لهذا الرأي في المحلى (٨/ ٢٣٨) وقال الكاساني في بدائع الصنائع (٧/ ١١٥) بعد أن ذكر جواز أخذ الركاز، وإخفاء الخمس عن الإمام: "وأما الحديث - يعني ليس للمرء إلا ما طابت له به نفس إمامه". فلا حجة له فيه - يعني الشافعي - لأنه يحتمل أنه نصب ذلك القول شرعا؛ ويحتمل أن يكون نصبه شرطا، ويحتمل أنه نفل قوما بأعيانهم، فلا يكون حجة مع الاحتمال؛ نظيره قوله - ﷺ -: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". أنه لم يجعله أبو حنيفة حجة لملك الأرض المحياة بغير إذن الإمام لمثل هذا الاحتمال".
[ ٢ / ٥٤٢ ]
فهي له ولعقبه" (^١)، فهذه عطية الله تعالى الحلال الطيب الذي لا مدخل فيه لأحد من الأئمة، ولا من غيرهم في شيء منها، وكذلك قوله ﵇: "من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه" (^٢).
واحتجوا في تحريمهم الحلال الطلق (^٣) مِنْ مِلْكِ المتلقط اللقطة بعد أن ينشدها سنة، ومن تملكه الشاة يجدها بالفلاة، وكلاهما عطية الله تعالى، ومنحته الطيبة على لسان رسوله - ﷺ -، فخالفوا ذلك (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الخراج، باب في إحياء الموات برقم (٣٠٧٣)، والترمذي في الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات برقم (١٣٩٢)، والنسائي في الكبرى برقم (٥٧٦١) في كتاب إحياء الموات، باب من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد ثلاثتهم عن عبد الوهاب الثقفي حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن عروة عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أحيى أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق". قال الترمذي: "حديث حسن غريب". وقد رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا، قلت: وسكت عنه أبو داود وأقر المنذري تحسين الترمذي. وأخرجه مالك في الموطأ (ص ٢٨٨ وأبو داود في الخراج برقم (٣٠٧٤)، والنسائي في الكبرى في إحياء الموات برقم (٥٧٦٠) عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٧٠): وقال الدارقطني في كتاب العلل: تفرد به عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد، واختلف فيه على هشام، فرواه الثوري عن هشام عن أبيه، قال: حدثني من لا أتهم عن النبي - ﷺ -، وتابعه جرير بن عبد المجيد، وقال يحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن إدريس ويحيى بن سعيد الأموي عن هشام عن أبيه مرسلًا". وزيادة: "ولعقبه". لم أجدها أثناء التخريج، وذكرها المؤلف في المحلى (٨/ ٢٣٨).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الطلق: بلا قيد ولا وثاق انظر القاموس مادة طلق (ص ١١٦٨).
(٤) يشير المؤلف إلى حديث زيد بن خالد الجهني قال: "جَاءَ أعرابي النبي - ﷺ -، فسأله عما =
[ ٢ / ٥٤٣ ]
واحتجوا بخبر صحيح أيضا عن رسول الله إذ سئل عن ضوال الإبل، فأمر بتركها، وقال: "ضالة المسلم حَرَقُ النار" (^١)، وخالفوه فيما فيه، فأمروا بأخذ الإبل الضوال، وفيها جاء اللفظ المذكور (^٢).
واحتجوا في إبطالهم طلاق النائم بالخبر الصحيح عن رسول الله:
_________________
(١) = يلتقطه فقال عرفها سنة، ثم أعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها، وإلا فاستبقها، قال: يا رسول الله، فَضَالَّةُ الغنم؟ قال: لك ولأخيك أو للذئب قال: ضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي - ﷺ - فقال: ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر" أخرجه البخاري في اللقطة، باب ضالة الإبل برقم (٢٤٢٧)، وابن ماجه في اللقطة، باب ضالة الإبل والبقر والغنم برقم (٢٥٠٤). وقال الأحناف على من التقط لقطة أن يعرفها سنة، فإن جاءه صاحبها، فليردها عليه، وإن لم يأت يتصدق بها إيصالا للحق إلى المستحق، واستدلوا بحديث: "لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئا، فليعرفه سنة، فإن جاءه صاحبها، فليردها عليه، وإن لم يأت فليتصدق". قال الكاساني: "والاستدلال به من وجهين: أنه نفى الحل مطلقا وحالة الفقر غير مرادة بالإجماع فتعين حالة الغنى، والثاني: أنه أمر بالتصدق، ومصرف الصدقة الفقير دون الغني". وقد أجاب المؤلف عن هذا الدليل وانظر: الهداية (٢/ ٤٧٠ - ٤٧١) وتبيين الحقائق (٣/ ٣٠٥) والمحلى (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٠٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه في اللقطة، باب ضالة الإبل والبقر والغنم برقم (٢٥٠٢)، والبيهقي في الكبرى في اللقطة، باب ما يجوز له أخذه وما لا يجوز مما يجده برقم (١٢٠٧٤) كلاهما عن الحسن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - وذكره - وحرق محركة: لهب النار - انظر النهاية (١/ ٣٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم (٣٧٧٨ - ٤/ ٣).
(٣) انظر مذهب الحنفية في هذه المسألة في: تبيين الحقائق (٣/ ٣٠٥) وشرح معاني الآثار (٤/ ١٣٣) وقال المؤلف في المحلى (٨/ ٢٦١) بعد أن حكى خلاف الحنفية وغيرهم: "وهم أول مخالف فأمروا بأخذ ضوال الإبل ".
[ ٢ / ٥٤٤ ]
"رُفع القلم عن ثلاث" فذكر النائم (^١)، ثم خالفوه فقالوا: إنْ أَكَلَ في صومه - وهو نائم - فعليه القضاء، ولم يروا القلم في ذلك عنه مرفوعا بخلاف طلاقه.
واحتجوا لقولهم الفاسد أنَّ الصحيح المكره على البيعِ، والإقرارِ والهبةِ لا يلزمه شيء من ذلك، ولقولهم الفاسد: إن المكره على الزنا، لا حد عليه، والمكره على القتل لا قود عليه (^٢)؛ بالخبر الصحيح: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (^٣)؛
_________________
(١) مر تخريج هذه الحديث.
(٢) لم يجز الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية، بيع المكره بعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾. وأما المكره على الزنا، فقد كان أبو حنيفة يقول أولا إذا أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحد، ثم رجع عن قوله، وأما المكره على القتل، فإن كان الإكراه تاما فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد ولكن يعزر، ويجب على المكره، وعند أبي يوسف لا يجب القصاص عيهما، ولكن تجب الدية على المكره، وعند زفر يجب القصاص على المكرِه، دون المكرَة، وانظر تفاصيل هذه المسائل في: تبيين الحقائق (٤/ ٢) وبدائع الصنائع (٧/ ١٧٩ - ١٨٦) والمحلى للمؤلف (٩/ ٢١) ورد المحتار (٤/ ٤) والبحر الزخار (٦/ ٢٢١).
(٣) أخرجه ابن ماجه في الطلاق، باب طلاق المكره والناسي برقم (٢٠٤٣ و٢٠٤٤ و٢٠٤٥، والبيهقي في الكبرى في الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره برقم (١٥٠٩٤ - ٧/ ٥٨٤)، والحاكم في المستدرك برقم ٢٨٠١) والدارقطني في سننه (٤/ ١٧١) من طريق الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله تَجَاوَزَ لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٣٥٠): "كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد جدا". وقال: "ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقيل =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
وصححوه، ثم خالفوه فألزموه الطلاق والعتاق والرجعة، والنذر واليمين، فإن قيل: فبأي شيء لم تسقطوا أنتم عليه حد الزنا والقتل، وإفساد المال؟ قلنا: لأن الزنا والقتل، وإتلاف الأعضاء لا مدخل للإكراه فيها أصلا، وفاعلها مختار قاصد إلى فعلها، وإنما يسقط عن المكره ما تبيحه له الضرورة من حكاية قول أُمِرَ بقوله، والحاكي لا شيء عليه، أو ما تبيحه له الضرورة من الأكل والشرب والإكراه ضرورة فقط.
واحتجوا لقولهم الفاسد في أنه لا ينفذ حكم المريض الذي يموت من مرضه إلا في الثلث (^١)، بالخبر الصحيح عن عمران بن حصين (^٢)، في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته، لا يملك غيرهم (^٣)، وليس في هذا الخبر من ذلك شيء أصلا، بل قد صح أنه كان وصية بعد موته، ثم خالفوا نصه، فلم يجيزوا القرعة في ذلك؛ ولا أرقوا من
_________________
(١) = لأحمد: إن الوليد بن مسلم روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله، فَأَنْكَرَهُ أيضا، وقيل لأبي حاتم إن الوليد روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ - مثله، فقال أبو حاتم: "هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة". وقال: "لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء، وإنما سمعه من رجل لم يسمه توهم أنه عبد الله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم". قال: "ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده ".
(٢) انظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠) ورد المحتار (٥/ ٤٣٥) والمحلى (٩/ ٣٤٨ - ٣٥٠).
(٣) تقدمت ترجمته ص (٤٦٩).
(٤) مضى تخريج هذا الخبر.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
الأعبد أحدا؛ وخالفوه أيضا في قسمة الرقيق، فلم يجيزوها لا في الميراث ولا في غيره إذا لم يكن معهم مال آخر (^١).
واحتجوا في قولهم الفاسد أن المكره على اليمين، وعلى النذر يَلْزَمَانِهِ، وعليه الكفارة إن حنث والنذر إن حنث أيضا بخبر لا يصح عن حذيفة أن قريشا أخذته يوم بدر، فأخذوا عليه أن لا يأتي رسول الله - ﷺ -، فأمره ﵇ بأن يفي لهم بذلك العهد (^٢)؛ وهذا غاية التمويه منهم، لأنه ليس في هذا الخبر أنه أكرهوه على يمين ولا على نذر أصلا، هذا مع فساد الخبر، وظهور التَّوْليد فيه، لأن حذيفة كان من سكان المدينة حليفا للأنصار، وطريقه على بدر ليس على مكان قريش أصلا؛ وَيُسْأَلون عمن أكرهه المشركون، فعاهدهم على أن لا يصلي أبدا، ولا يصوم رمضان، وأن يفسق بأمه، أيفي بهذا العهد؟ فو الله ما بين هذه الأمور، وبين من تعمد ترك نصر رسول الله فرق؟ ! ! !
_________________
(١) انظر: بدائع الصائع (٧/ ٢١).
(٢) ذكر المؤلف هذا الخبر في المحلى (٨/ ٣٣٦) - ولم أجده - وقال: "وهو حديث مكذوب، وما كان المشركون المانعون عن النبي - ﷺ - قطُّ في طريق بدر، وحذيفة لم يكن من أهل مكة، وإنما هو من أهل المدينة حليف للأنصار، ونص القرآن يخبر بأنهم لم يجتمعوا ببدر عن وعد ولا علم بعضهم ببعض حتى قرب العسكران، ولم يكن بينهم إلا كثيب رمل فقط ومثلهم - يعني الحنفية - احتج بمثل هذا وحاش لله أن يأمر رسول الله - ﷺ - بإنفاذ عهد بمعصية، ليت شعري لو عاهدوا إنسانا على أن يصلي أو يأتي أمه أكان يلزمهم هذا عندهم؟ ! إن هذا لعجب! ونعوذ بالله من الخذلان".
[ ٢ / ٥٤٧ ]
واحتجوا في إلزامهم المكره على الطلاق بأخبار لا يصح منها شيء: "ثلاث هزلهن جد، وجدهن جد: الطلاق والنكاح والعتاق" (^١).
وليس في هذه الأخبار للمكره مدخل بوجه من الوجوه، لأن المكره ليس مجدا ولا هازلا؛ إنما هو حاكي للفظ المكره له، ولا شيء على الحاكي قول قائل لامرأته: أنت طالق (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب في الطلاق على الهزل برقم (٢١٩٤)، والترمذي في الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق برقم (١١٩٤)، وابن ماجه في الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبا بوقم (٢٠٣٩)، والحاكم في الطلاق برقم (٢٨٠٠) من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة". قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ٢١٠): "وأقره صاحب الإلمام، وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك. وهو مختلف فيه، قال النسائي: "منكر الحديث". ووثقه غيره، فهو على هذا حسن". وأورد المؤلف في المحلى (١٠/ ٢٠٤) هذا الحديث في أخبار أخرى وقال: "وبعد فإنما رويناها من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك، وهو منكر الحديث مجهول، لأن قوما قالوا عن عبد الرحمن بن حبيب، وقوما قالوا حبيب بن عبد الرحمن، وهو مع ذلك متفق على ضعف روايته". وفي عبارة المؤلف نظر، لما تقدم في حال حبيب بن عبد الرحمن وأنه مختلف فيه لا متفق على ضعفه. وفي الباب عن فضالة بن عبيد عند الطبراني كما في مَجْمع الزوائد (٤/ ٣٣٥) بلفظ: "ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: الطلاق والنكاح والعتق". قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: وهذا اللفظ قريب من اللفظ الذي أورده المؤلف هنا.
(٢) قال المؤلف في المحلى (٨/ ٣٣٣) بعد أن ذكر طرفا مما احتج به الحنفية في هذا الباب: " وهي آثار واهية كلها لا يصح منها شيء، ثم لو صحت لم يكن لهم فيها حجة أصلا، لأن المكره ليس مجدا في طلاقه، ولا هازلا فخرج أن يكون لهم حكم في ذلك".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
واحتجوا لقولهم الفاسد فيمن اشترى شيئا فهو بالخيار إذا نظر إليه، إن شاء أبطل البيع، فلا عيب، وإن وجده كما وصف له، وإن شاء أمضاه، ولم يجعوا له الخيار قبل الرؤية أصلا (^١)؛ بخبر لا يصح فيه: "من اشترى شيئا فهو بالخيار حتى يراه" (^٢)، وهذا خلاف قولهم جهارا، وضده كفاحا، لأن حكم هذا اللفظ كون الخيار له قبل أن يراه، وبطلان الخيار إذا رآه، فتأملوه تجدوه كما قلنا لا يحتمل غير ذلك، واعجبوا لبارد تمويههم، وغثاثة إيهامهم؟ ! وبالله التوفيق.
واحتجوا في إبطال بيع شيء غائب لم يره البائع، ولا المشتري، ولا وصفه لهما مَنْ رآه بالخبر الثابت عن رسول الله: "أنه نهى عن بيع
_________________
(١) قال الأحناف: من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه بجميع ثمنه، وإن شاء رده سواء رآه على الصفة التي وصفت له، أو على خلافها. وانظر: المختصر (ص ٨٣) والهداية (٣/ ٣٦) وتحفة الفقهاء (١/ ٨٢) واللباب في شرح الكتاب (١/ ٢٤٠ - ٢٤١) والفتاوى الهندية (٣/ ٥٨).
(٢) روي هذا الخبر مسندا ومرسلا: فالمسند أخرجه الدارقطني في السنن (٣/ ٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من اشترى شيئا لم يره، فهو بالخيار، إذا رآه". ثم رواه بسند فيه عمر بن إبراهيم، ثم قال: "يقال له الكردي يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح، لم يروه غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين موقوفا من قوله". قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٩): "قال ابن القطان في كتابه: "والراوي عن الكردي: داهر بن نوح، وهو لا يعرف، ولعل الجِنَاية منه". وأما المرسل: فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٩٧٧ - ١٩ - ٤/ ٢٦٨) والدارقطني في السنن (٣/ ٤) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن مكحول رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: "من اشترى شيئا لم يره، فهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه وإن شاء تركه". قال الدارقطني: "هذا مرسل، وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
السنبل حتى يشتد" (^١)؛ وليس في هذا الخبر بيع غائب غير مرئي، بل هو مرئي معلوم، ثم خَالَفُوه، وَأَجَازُوا بيع السنبل قبل أن يشتد على القطع (^٢).
واحتجوا في إبطال السنة الثابتة عن رسول الله في أن كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار، بأخبار صحاح، وواهية (^٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم في البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها (١٠/ ١٧٨) وأبو داود في البيوع أيضا، باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها برقم (٣٣٦٨)، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها برقم (١٢٤٥)، والنسائي في الصغرى في البيوع، باب بيع السنبل حتى يبيض (٧/ ٢٧٠)، والبيهقي في الكبرى في البيوع، باب ما يذكر في بيع الحنطة في سنبلها رقم (١٠٦١٢ - ٥/ ٤٩٤) كلهم عن ابن عمر "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري". قال النووي في شرح مسلم (١٠/ ١٧٩): "قوله: وعن السنبل حتى يبيض: معناه يشتد حبه وهو بدو صلاحه". هذا وقد قال أبو حنيفة: يصح بيع ما لم يره الإنسان، ويثبت فيه خيار الرؤية، فإن شاء رضيه فقبله وإن شاء رده، وانظر: شرح معاني الآثار (٤/ ١٠) وحلية العلماء (٤/ ٨٨) وتبيين الحقائق (٤/ ٢٤) والفتاوى الهندية (٣/ ٥٧).
(٢) للفقهاء في هذه المسألة قولان: الأول: أنه لا يجوز بيع الحنطة في سنبلها، الثاني: أن ذلك يجوز وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأجابوا عن حديث: "نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض. بأن المراد به السلم يعني لا يجوز السلم فيه حتى يوجد بين الناس. وانظر بسط أقوال المذاهب والأدلة في: حلية العلماء (٤/ ١٥٣) وتحفة الفقهاء (١/ ٥٥) والمجموع (٩/ ٣٠٩) وتبيين الحقائق (٤/ ١٢ - ١٣) ورد المحتار (٤/ ٣٨).
(٣) من الصحاح ما أخرجه البخاري في البيوع، باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع؟ برقم (٢١١٣)، ومسلم في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (١٠/ ١٧٥) =
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ليس في شيء منها خلاف للسنة المذكورة؛ وإنما فيها بعض أحكام البيع فقط؛ وليست جميع السنن موجودة في خبر واحد، ولا في آية واحدة، ولا في سورة واحدة! ! !
واحتجوا بخبر شهر بن حوشب (^١) في المنع من بيع الآبق، وفيه المنع من بيع الصدقات حتى تقبض (^٢)، فخالفوه؛ وأجازوا بَيْعَها قبل
_________________
(١) = كلاهما عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار". وأخرجه أيضا أبو داود في البيوع، باب في خيار المتبايعين برقم (٣٤٥٤)، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في البيعان بالخيار ما لم يتفرقا برقم (١٢٦٣)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٤٨) وابن ماجه في التجارات، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا برقم (٢١٨١)، وانظر اعتراض المؤلف على الحنفية في هذا في: المحلى (٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦) وانظر أيضا فتح الباري (٤/ ٣٣٢).
(٢) شهر بن حوشب مولى أسماء بنت يزيد بن السكن أبو سعيد الشامي، أرسل عن تميم الداري وسلمان وروى عن مولاته وابن عباس وعائشة وطائفة، وعنه: قتادة وثابت، وثقه ابت معين وأحمد، وقال يعقوب بن سفيان: "شهر وإن قال ابن عون تركوه، فهو ثقة". وقال أبو زرعة: "لا بأس به". أخرج له مسلم والأربعة، توفي سنة ١٠٠ هـ وقيل سنة ١١١ هـ. انظر: ثقات ابن شاهين (ص ١٦٤) وتاريخ الثقات للعجلي (ص ٢٢٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ٥١٧ - ٥١٨) وخلاصة تذهيب تهذيب (ص ١٦٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام، وضروعها وضربة القانص برقم (٢١٩٦)، والدارقطني في البيوع (٣/ ١٥) وعبد الرزاق في المصنف برقم (٩٢٣ - ١٤ - ٨/ ٢١١) من طريق محمد بن يزيد العبدي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة القانص". قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٥): "ومن جهة عبد الرزاق ذكره عبد الحق في =
[ ٢ / ٥٥١ ]
أن تقبض وأخذ القيمة فيها (^١).
واحتجوا في إباحة كثير من الشروط الفاسدة بخبر ساقط: "المسلمون عند شروطهم " (^٢) كمن شرط لامرأته أن لا يتزوج عليها، فإن فعل فهي طالق، ثم خالفوه فأبطلوا بيع الأمة الحامل بشرط استثناء ما في بطنها (^٣).
_________________
(١) = أحكامه وقال: إسناده لا يحتج به، وشهر مختلف فيه ويحيى بن العلاء الرازي شيخ عبد الرزاق ضعيف". وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٧٣): "سألت أبي عن حديث رواه حاتم بن إسماعيل عن جهضم. عن محمد بن إبراهيم الباهلي فقال أبي: محمد بن إبراهيم هذا شيخ مجهول". وحكم الحافظ في الدراية (٢/ ١٥٠) على هذا المسند بالضعف.
(٢) انظر مختصر الطحاوي (ص ٨٤) واللباب في شرح الكتاب (١/ ٢٦٣).
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى في الشركة، باب الشرط في الشركة وغيرها برقم (٤٣٠ - ١١ - ٦/ ١٣١)، وفي الصداق، باب الشروط في النكاح برقم (٤٣٣ - ١٤ - ٩/ ٤٠٦) عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا، أو شرطا أحل حراما". وروى البيهقي: "وروي معناه من وجه آخر". قلت: أخرجه الحاكم في المستدرك في البيوع برقم (٢٣٠٩) والبيهقي أيضا برقم (٤٣٣ - ١٤ - ٩/ ٤٠٦) كلاهما عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة "أن رسول الله - ﷺ - قال: المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين المسلمين". قال الحاكم: "رواة هذا الحديث مدنيون، ولم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب، وله شاهد من حديث عائشة". ثم ساق الحاكم حديث عائشة وأنس ولفظه: "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق". زاد أنس: "من ذلك".
(٤) قال الأحناف: لا يجوز بيع أمة إلا حملها، لأن ما لا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه منه والحمل لا يجوز إفراده بالبيع، فكذا استثناؤه، لأنه بمنزلة الأطراف، فكان شرطا فاسدا، وانظر: تبيين الحقائق (٤/ ٥٨) واللباب في شرح الكتاب (١/ ٢٥٣) ورد المحتار (٤/ ١٠٧).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
واحتجوا بخبر النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها (^١)، ثم خالفوه فأجازوا بيعها قبل بدو صلاحها بشرط القطع (^٢).
واحتجوا بالنهي عن بيع الغرر (^٣) في مواضع كثيرة، وصححوه وتبجحوا بالأخذ به، ثم خالفوه، وأجازوا بيع رطل من جملة هذا الدقيق، وَصَاعٍ من هذا التمر، وأحد هذين الثوبين، أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بغير عينه يختاره المشتري، وهذا عين الغرر حقا، لأنه لا يدري أي تلك الجملة اشترى المشتري، وباع البائع، ثم أبطلوا بيع هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها برقم (٢١٩٤)، ومسلم في البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها (٩/ ١٧٧) وأبو داود في البيوع، باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها برقم (٣٣٦٧)، وكلهم عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع".
(٢) مضى فقه المسألة من قريب (ص ٥٥٠).
(٣) ورد النهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم في البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر (١٠/ ١٥٦)، وأبو داود في البيوع، باب في بيع الغرر برقم (٣٣٧٦)؛ والترمذي في البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الغرر برقم (١٢٤٨)، وابن ماجه في التجارات، باب النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر برقم (٢١٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٣٨). قال أبو هريرة: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر". كما ورد النهي عن بيع الغرر من حديث ابن عباس: أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر برقم (٢١٩٥)، والدارقطني في السنن (٣/ ١٥). قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ٦): "قيل المراد بالغرر: الخطر، وقيل: التردد بين جانبين الأغلب منهما أخوفهما، وقيل: الذي ينطوي عن الشخص عاقبته".
[ ٢ / ٥٥٣ ]
الدقيق إلا رطلا، وبيع هذا التمر إلا صاعا وبيع أحد هذه الأثواب الأربعة بغير عينه، وقالوا: هذا غرر، وهذا عين ما أجازوا، فلا فرق (^١).
واحتجوا في المنع من بيع الزيتون بالزيت إلا بعد صحة العلم، بأن ما في تلك الزيتون من الزيت، أقل من الزيت المبيع به بالخبر الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان (^٢)؛ وخالفوا هذا الخبر فيما فيه فأباحوا بيع اللحم بالحيوان من نوعه، ومن غير نوعه (^٣).
واحتجوا لقولهم الفاسد في إجازتهم بيع المرء مَالَ غيره، بغير إذن من صاحب ذلك الشيء إذا بلغه، فأجازوه بالخبر الثابت الذي فيه
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق (٤/ ٤٨) وبدائع الصنائع (٥/ ١٥٦ - ١٥٩) والمحلى (٨/ ٤٣١ - ٤٣٢) وناقش المؤلف هنالك مذهب الحنفية.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ برقم (٧٨٣ - ص ٢٧٦) قال أخبرنا زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ -: "نعى عن بيع اللحم بالحيوان". ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في مسنده (ص ٢٥٠) وأبو داود في المراسيل (ص ١٣٣). قال الحافظ في التلخيص الحبير (٣/ ١٠): "ووصله الدارقطني في الغرائب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه، وصوب الرواية المرسلة التي في الموطأ، وتبعه ابن عبد البر، وابن الجوزي، وله شاهد من حديث ابن عمر. رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة وقد اختلف في صحة سماعه منه أخرجه الحاكم - قلت: برقم (٢٢٥١) في البيوع - والبيهقي - قلت: في (٥/ ٢٩٦) - وابن خزيمة".
(٣) قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع اللحم بالحيوان، وقال محمد: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه إلا إذا كان اللحم المُفْرَزُ أكثر مما في الحيوان، ليكون قدره مقابلا باللحم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إنه بيع المعدود بالموزون، فيجوز متفاضلا لاختلافهما جنسا، وانظر: تبيين الحقائق (٤/ ٩١) والمحلى (٨/ ٥١٥ - ٥١٧).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
إخبار النبي - ﷺ - عن الذي استأجر أجيرا بفرق أرز، فلما دفعه إليه تسخطه، فتركه، فزرعه له، حتى نما، فجمع له منه بقرا براعيها، وثناء النبي ﵇ عيه بذلك (^١)، فلا حجة لهم فيه، لأنه ليس فيه أن ذلك الفرق كان معينا، بل كان في ذمة المستأجر فإنما كان متصرفا في مال نفسه، متطوعا له بما أعطاه من البقر.
واحتجوا أيضا في ذلك بخبر عروة البارقي (^٢)، وذكر فيه أن النبي ﵇ أعطاه دينارا ليبتاع له أضحية فابتاع له شاة بدينار، ثم باعها بدينارين، فابتاع له شاة بدينار، فأتاه بها وبالدينار (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب حديث الغار برقم (٣٤٦٥)، وأبو داود في البيوع، باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه برقم (٣٣٨٧) عن ابن عمر وفيه: أن أحد الثلاثة أصحاب الغار قال: "اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز، فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشريت منه بقرا، وأنه أتاني يَطْلُبُ أجْرَهُ فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق أرز فقلت: اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها ". قال الحافظ في الفتح (٦/ ٥٠٧): "الفرق: هو مكيال يسع ثلاثة آصع".
(٢) عروة بن أبي الجعد - ويقال بن الجعد - الأسدي البارقي، الصحابي، نزل الكوفة، روى عنه، قيس بن أبي حازم والشعبي، وسماك بن حرب، ولي قضاء الكوفة لعمر، قال الشعبي: "هو أول من قضى بها". أخرج له الجماعة. وكان فيمن حضر فتوح الشام. لم أقف على وفاته، انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٤) والتاريخ الكبير (٧/ ٣١) والإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٦٤).
(٣) أخرجه البخاري في المناقب برقم (٣٦٤٢)، وأبو داود في البيوع، باب في المضارب يخالف برقم (٣٣٨٤)، وابن ماجه في الصدقات، باب الأمين يتجر فيه فيربح برقم (٢٤٠٢)، وسياق البخاري: عن عروة "أن النبي - ﷺ - أَعْطَاهُ دينارا يشتري له به شاة =
[ ٢ / ٥٥٥ ]
قال أبو محمد: وكلا هذين الخبرين، قد خالفوه، لأن فيهما أن عروة، والمستأجر باعا وابتاعا، وهم لا يجيزون الابتياع لأحدٍ بغير إذنه، وهذا من العجائب جدا (^١).
واحتجوا في إباحة بَيْع الكلب بخبر فيه النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد (^٢) وهذا خبر مكذوب؛ وهو مع ذلك خلاف لقولهم،
_________________
(١) = فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه ".
(٢) ذهب الأحناف إلى أن الفضولي إذا باع مال غيره من إنسان، أو اشترى لغيره شيئا، فإن ذلك جائز بشرط أن يكون القبض بأمر البائع، والمراد به إذنه، لأنه بغير إذنه لا يفيد الملك، ولا بد له من إذن صريح بعد الافتراق، وقبله في المجلس يكتفي بالدلالة وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٣٤) وتبيين الحقائق (٤/ ٦١) و(٤/ ٢٥٩) ورد المحتار (٤/ ١٣٥ و٤٠٠) وحكى المؤلف في المحلى (٨/ ٤٣٦) مذهب أبي الحنفية وما استدل به من حديث الذي استأجر أجيرا، وحديث عروة البارقي الذي ساقه من طريق ابن أبي شيبة وضعفه، ثم ساقه من طريق أخرى معلولة، وكأنه ﵀ غفل أنه وقع في صحيح البخاري؛ ولذلك قال: " ثم لو صح حديث حكيم وعروة لم يكن لهم فيهما حجة، لأنه إذ أمره ﵇ أن يشتري له شاة فاشترى له شاتين، صار الشراء لعروة بلا شك، لأنه إنما اشترى كما أراد، لا كما أمره النبي - ﷺ - ".
(٣) أخرجه النسائي في الصغرى في البيوع، باب ما استثني - أي من بيع الكلب - (٧/ ٣٠٩) عن حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب والسنرر إلا كلب الصيد". قال النسائي: "هذا منكر". قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٥٣): "وقال مرة، ليس بصحيح". وأخرجه الدارقطني في السنن (٣/ ٧٣) عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير به، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٥) وقال: "والأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في أحاديث النهي عن الاقتناء فلعله =
[ ٢ / ٥٥٦ ]
لأنهم احتجوا على خلاف ما فيه من إباحة ثمن كل كلب، فاعجبوا لهذا! ! (^١)
واحتجوا لقولهم بأن علة الربا الكيل والوزن بأخبار فيها: "لا صاعين بصاع" (^٢) ثم خالفوها، فأجازوا صاعين بصاع من غير جنسه، فإن قالوا خصصنا ذلك بقول رسول الله: "فإذا اختلفت الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" (^٣). فعلمنا أنه أراد ﵇ إلا صاعين بصاع
_________________
(١) = شبه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين".
(٢) بيع كل ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب والفهد والأسد، والنمر والهر ونحوها جائز عند جمهور الحنفية، ولا فرق بين الكلب المعلم وغير المعلم، فيجوز بيعه كيف ما كان، وروي عن أبي يوسف "أنه لا يجوز بيع الكلب العقور، ومما استدل به على جواز بيع الكلب أنه مال، فكان محلا للبيع كالصقر والبازي، وهو مما ينتفع به فكان مالا، فلذلك جاز بيعه وأجاب الحنفية عن حديث النَّهي عن ثَمن الكلب، بأنَّه كان في ابتداء الإسلام، لأنَّهم كانُوا أَلِفُوا اقتناء الكلاب، فَأَمَرَ بقتلها ونهى عن بيعها مبالغة في الزجر. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٨٤) وشرح معاني الآثار (٤/ ٥٣ - ٥٨) والمجموع (٩/ ٢٢٨) والمغني (٤/ ٨٥٠) وبدائع الصنائع (٥/ ١٤٢ - ١٤٣) وأَجَابَ المُصَنِّفُ في المحلى (٩/ ١٢) عن ادعاء النسخ في النهي عن بيع الكلاب فقال: "هذا كذب بَحْتٌ على الله تعالى وعلى رسوله ﵇ لأنه إخبار بالباطل، وبما لم يات به قط نص، ودعوى بلا برهان، وليس نسخ شيء بموجب نسخ شيء آخر، وليس إباحة اتخاذ شيء بمبيح لبيعه ".
(٣) من ذلك ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩١ - ١٤ - ٨/ ٣٣) قال: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: دخل رسول الله - ﷺ - على بعض أهله فوجد عندهم تمرا أجود من تمرهم، فقال: من أين هذا؟ قالوا: أبدلنا صاعين بصاع، فقال: لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم".
(٤) أخرجه مسلم في البيوع، باب الربا (١١/ ١٤)، وأبو داود في البيوع، باب في =
[ ٢ / ٥٥٧ ]
من جنس واحد - قلنا: وغيركم خصه باقتصار رسول الله، إذ بين الربا
على الأصناف الستة: القمح، والشعير، والتمر، والملح والذهب والفضة، فعلمنا أنه ﵇ لو صح عنه ذلك النهي، لكان إنما أراد "لا صاعين بصاع"، من الأصناف الستة المذكورة وهذا التخصيص متفق على صحته بلا شك، وتخصيصكم دعوى لا يؤيدها نص ولا إجماع، فهو باطل بلا شك (^١).
_________________
(١) = الصرف برقم (٣٣٥٠)، والترمذي في البيوع، باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، وكراهية التفاضل فيه برقم (١٢٥٨)، والبيهقي في الكبرى، باب كتاب البيوع، باب الأجناس التي ورد النص بجريان الربا فيها برقم (١٠٤٧ - ٥/ ٤٥٤)، ومعرفة السنن برقم (٣٣٣٢) عن عبادة بن الصامت قال: "قال رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
(٢) قال الأحناف: إن علة الربا القدر والوزن فالقدر في المكيل، والوزن في الموزون مع اتحاد الجنس. وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٢٥) وتبيين الحقائق (٤/ ٨٥) ورد المحتار (٤/ ١٧٩). وذكر المؤلف في المحلى (٨/ ٤٧٨ - ٤٨٢) مذهب الحنفية وناقشه مناقشة طويلة، وكان مما قال: "فإن قالوا: قد قال رسول الله - ﷺ -: "فإن اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم". قلنا صح أنه ﵇ قال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". فإنما قَال رسول الله - ﷺ - في الأصناف التي سمى في الحديث الذي ذكر هذا اللفظ في آخره، ولا يحل أن ينسب إليه ﵇ قول بظن كاذب، ويكفي من هذا أنهم مجمعون معنا على أن لفظة لا صاعين بصاع ليست على عمومها، فقالوا هم: في كل مكيل من جنس واحد، وقلنا نحن: هو في الأصناف المنصوص عليها، فدعوى كدعوى، وبرهاننا نحن صحة النص على قولنا وبقي قولهم بلا برهان، فبطل تعلقهم بهذا الخبر ولله تعالى الحمد".
[ ٢ / ٥٥٨ ]
واحتجوا في قولهم الفاسد في المنع من بيع المدبر بخبر ساقط أن رسول الله باع خدمة المدبر (^١)، ثم خالفوه فلم يجيزوا بيع خدمة المدبر أصلا، وهذا من طَوَامِّهم أن يحتجوا بخبر ساقط، فيما ليس فيه منه أثر، وهم يخالفون نصه، وما فيه! ! (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى في المدبر، باب المدبر يجوز بيعه متى شاء مالكه برقم (٥٥١ - ٢١ - ١٠/ ٥٢٤) من طريق محمد بن طريف عن ابن فضيل عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج". قال البيهقي: وهذا خطأ من ابن طريف ثم نقل عن الدارقطني أنه قال: "هذا خطأ من ابن طريف والصواب عن عبد الملك عن أبي جعفر مرسلا ثم قال - يعني البيهقي -: محمد بن طريف رحمنا الله وإياه دخل له حديث في حديث، لأن الثقات إنما رووا عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر أن رجلا أعتق غلاما عن دبر منه، ولم يكن له مال غيره فأمر به رسول الله - ﷺ -، فبيع بتسعمائة أو بسبعمائة". قلت: ما أشار إليه البيهقي من حديث جابر أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع المدبر برقم (٢٢٣٠) ومسلم في الأيمان، باب جواز بيع المدبر (١١/ ١٤١)، وأبو داود في العتق برقم (٣٩٥٧)، والنسائي في الصغرى في البيوع، باب بيع المدبر (٧/ ٣٠٤) وابن ماجه في العتق، باب المدبر برقم (٢٥١٣)، وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٢١)، في معنى المدبر: "أي الذي علق مالكه عتقه بموت مالكه، سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده؛ وأما آخرته فتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول".
(٢) قال أبو حنيفة: إن كان تدبيرا مطلقا لم يجز، وإن كان مقيدا بأن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر جاز وقال مالك: لا يجوز مطلقا وهو رواية عن أبي حنيفة ويه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري، ونقله القاضي عياض عن جهور العلماء من السلف وغيرهم من أهل الحجاز والشام والكوفة، وانظر أدلة كل فريق والاعتراضات في: حلية العلماء (٣/ ٦٥) وتحفة الفقهاء (١/ ٢٧٨) والمجموع (٩/ ٢٤٤) وتبيين الحقائق (٤/ ٤٥) وبدائع الصنائع (٤/ ١٤١) والمحلى (٩/ ٣٥ وما بعدها) حيث تجد فيه المسألة مستوفاة.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
واحتجوا لقولهم بأن للإمام أن يوقف الأرض المفتتحة، ويضرب عليها الخراج ولا يقسمها (^١) بالخبر الثابت عن رسول الله: "منعت العراقُ درهمَها وقَفِيزَها، ومنعت الشام دينارها ومديها، ومنعت مصر دينارها وَإِرْدَبَّهَا، وعدتم كما بدأتم" (^٢)، وهذا الخبر حجة عليهم في ذلك، لأن رسول الله - ﷺ - أنذر فيه بما قد ظهر من سوء العاقبة من إيقاف الأرض للخراج، وأن المفتتحين لها يعودون خائبين كما بدأوا.
واحتجوا بأخبار فيها: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (^٣)، ثم
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار (٣/ ٢٤٦) وتبيين الحقائق (٣/ ٢٧١) وأورد المؤلف في المحلى (٧/ ٣٤٢) قول أبي حنيفة وما احتج به من هذا الحديث ثم قال: قال أبو محمد: "وهذا تحريف منهم للخبر بالباطل، وادعاء ما ليس في الخبر بلا نص ولا دليل، ولا يخلو هذه الخبر من أحد وجهين فقط، أو قد يجمعهما جميعا بظاهر لفظه، أحدهما: أنه أخبر - ﷺ - عن الجزية المضروبة على أهل هذه البلاد إذا فتحت، وهو قولنا، لأن الجزية بلا شك واجبة بنص القرآن، ولا نص يوجب الخراج الذي يدعون، والثاني: أنه إنذار منه ﵇ بسوء العاقبة في آخر الأمر، وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في هذه البلاد ويعودون كما بدأوا، وهذا أيضا حق قد ظهر وإنا لله وإنا إليه راجعون، فعاد هذا الخبر حجة عليهم".
(٢) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٢٠) والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٣١) برقم ٣٨٥ - ١٨ وأبو عبيد في الأموال (ص ٨٠). كلهم من حديث أبي هريرة. والإردب: مكيال ضخم لأهل مصر قيل يضم أربعة وعشرين صاعا، والقفيز: مكيال ثمانية مكاكيك. انظر القاموس المحيط مادة قفز (ص ٦٧٠).
(٣) من ذلك ما أخرجه أبو داود في العتق، باب في المكاتب يؤدى بعض كتابته، فيعجز، أو يموت برقم (٣٩٢٦) عن إسماعيل بن عياش عن سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم". قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٤٣): "وفيه إسماعيل بن عياش، لكنه شيخ شامي ثقة".
[ ٢ / ٥٦٠ ]
خالفوها؛ فقالوا إن مات وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته، أدي عنه ما بقي من كتابته، وورث الباقي ورثته الأحرار (^١)، فإن كان مات عبدا كما في الآثار التي احتجوا بها، فلا يحل أن يرثه ورثته، لأن العبد عندهم، وعندنا لا يورث، فإن ورثه أحرار ورثته، فما مات إلا حرا، فإن كان استحق الحرية بعد موته، فهذا حمق لا يقوله أحد، وإن كان استحقها في شيء من حياته فقد خالفوا ما احتجوا به من أنه عبد ما بقي عليه درهم.
واحتجوا بخبرين أحدهما عن مجهول: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" (^٢)؛ والآخر مرسل: "بيعُ الشجر سُحْتٌ" (^٣).
_________________
(١) انظر: تحفة الفقهاء (١/ ٢٨٣) ورد المحتار (٥/ ٧٠) وبدائع الصنائع (٤/ ١٥٩) والمحلى (٩/ ٣٠٢) وحكى هناك المؤلف نحو هذا عن الحنفية.
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع، باب في منع الماء برقم (٢٤٧٦) من طريق حبان بن زيد الشرعبي عن رجل من قرن، ثم من طريق مسدد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن أي خداش - وهو حبان بن زيد الشرعبي قال: رجل من المهاجرين من أصحاب النبي - ﷺ - قال: "غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثا أسمعه يقرل: "المسلمون شركاء في ثلاث، في الكلأ والماء والنار". وأشار المؤلف في المحلى (٩/ ٥٤) إلى هذه الطريق وقال: "وهذا كله لا شيء، أبو خداش هو حبان بن زيد الشرعبي نفسه وهو مجهول". وأخرجه ابن ماجه في الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث برقم (٢٤٧٢) عن مجاهد عن ابن عباس وأخرجه أيضا برقم (٢٤٧٣) من طريق الأعرج عن أبي هريرة.
(٣) لم أجده ووجدت المؤلف أشار إليه في المحلى (٩/ ٥٤) بقوله: "ومن طريق الحذافي أخبرني يزيد بن مسلم الجريري قال لي وهب بن منبه: قال النبي - ﷺ -: "اتقوا السحت: بيع الشجر، وإجارة الأمة المسافحة، وثمن الخمر". ثم قال في (٩/ ٥٤): " وأما حديث وهب بن منبه فمنقطع".
[ ٢ / ٥٦١ ]
ثم خالفوهما فأجازوا بيع كل ذلك إذا أخذه المرء فَقَلَعَهُ (^١).
واحتجوا بالخبرين المذكورين في تحريم بيع كل ذلك في أرض الإنسان إذا نبت فيها.
واحتجوا في تحريم الزمر وسماعه بالخبر الثابت عن ابن عمر إذْ سمع رسول الله زمارة راعي فَسَدَّ أذنيه، ولم يزل يقول له: أتسمع يا ابن عمر؟ حتى قال: لا أسمع بعدُ، فأزال أصبعه" (^٢).
وهذا حجة في إباحة سماعه إذ لو كان حراما ما أطلق (^٣) ﵇ ابن عمر على سماعه، لكن الورع أن لا يسمع.
واحتجوا لقولهم من استأجر شيئا فَآجَرَهُ بكثر مما استأجر به؛ أن عليه أن يتصدق بالفضل (^٤)، بأن النبي ﵇ اشترى شيئا ليس عنده ثمنه، فباعه بربح، فتصدق بالفضل، وقال: "لا أشتري شيئا ليس عندي ثمنه" (^٥).
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي (ع ١٣٦) وبدائع الصنائع (٥/ ١٤٦) والمحلى (٩/ ٥٤ - ٥٥).
(٢) أخرجه أبو داود في الأدب، باب كراهية الغناء والزمر برقم (٤٩٢٤) قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع قال: "سمع ابن عمر مزمارا قال: فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت: لا، قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي - ﷺ -، فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا". قال أبو داود: "هذا حديث منكر".
(٣) كذا ولعلها: "ما أقر ﵇ ابن عمر ". والله أعلم.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي (ص ١٢٩) والمحلى (٨/ ١٩٧).
(٥) لم أجده فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وهذا خبر ليس فيه مِنَ الإجارات ولا ما يشبهها؛ وَهُمْ لا يكرهون ابتياع ما ليس عند المرء ثمنه، ولا يأمرونه بالصدقة بربح إن ربح فيه، فخالفوا الخبر الذي احتجوا به في نص ما فيه؛ واحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء؛ فاعجبوا لتمويههم البارد، ثم هو بعد خبر فاسد، لأن الثابت أنه ﵇ ابتاع شعيرا من يهودي، وَرَهَنَهُ درعه، ومات ﵇ قبل أَنْ يفتكها (^١)، فهذا شراء ما ليس عنده ثمنه.
واحتجوا في أَنَّ السَّلَمَ لا يجوز إلا إلى أجل مسمى، ولا يجوز في الحيوان (^٢) بالخبر الثابت عن رسول الله: "من أسلف فلا يسلف إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما قيل في درع النبي - ﷺ -، والقميص في الحرب برقم (٢٩١٦)، وابن ماجه في الرهون برقم (٢٤٣٦)، كلاهما من حديث عائشة قالت: "توفي رسول الله - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير". وأخرجه الترمذي في البيوع، باب ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل برقم (١٢٣١)، والدارمي في البيوع، باب في الرهن برقم (٢٤٨٤) كلاهما من حديث ابن عباس قال: "توفي النبي - ﷺ - ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٤٠٦): "ولعله - ﷺ - رهنه أو الأمر في عشرين، ثم استزاده عشرة، فرواه الراوي تارة على ما كان الرهن عليه أولا، وتارة على ما كان عليه آخرا".
(٢) قال أبو حنيفة: لا يصح السَّلَمُ - بفتح السين واللام - الحَالُّ وهو قول مالك وأحمد، واختلفت الرواية عن أصحاب أبي حنيفة في مقدار الأجل، والأصح ما روي عن محمد أنه مقدر بالشهر، لأنه أدنى الأجل وأقصى العاجل. وانظر: المبسوط (١٢/ ١٢٠) وحلية العلماء (٤/ ٣٥٩) وتحفة الفقهاء (١/ ١١) وتبيين الحقائق (٤/ ١١٤) والمحلى (٩/ ١١١)؛ وأما السلم في الحيوان فسيأتي قريبا الكلام عليه.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" (^١)، فخالفوه فأجازوا السلم في الثياب، وفي البيض، وفيما يُعَدُّ ويزرع، ولا يكال ولا يوزن (^٢).
واحتجوا لقولهم في إيجاب الشفعة للجار الملاصق بالخبر الذي فيه: "الشفعة في كل شرك؛ ربعة، أو حائط، لا يصلح أن يبيع، حتى يُؤْذِنَ شريكه قبل البيع" (^٣)؛ ولم يروا إذن الشفيع إذنا قبل البيع (^٤)، ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري في السلم، باب السلم في وزن معلوم برقم (٢٢٤٠)، ومسلم في البيوع، باب السلم (١١/ ٤١) والبيهقي في البهرى (٦/ ١٨) ومعرفة السنن (٤/ ٤٠٣) وأحمد في مسنده (١/ ٢٢٢) عن ابن عباس قال: "قدم النبي - ﷺ - المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
(٢) قال الأحناف: السلم في الثياب فإذا بين جنسه ونوعه وصفته يجوز استحسانا، والقياس أن لا يجوز، وعلى هذا السلم في الأعداد المتقاربة مثل الجوز والبيض ونحوهما: جائز كيلا ووزنا، ولا يجوز عددا. وانظر: حلية العلماء (٤/ ٣٧٢) وتبيين الحقائق (١/ ١٦) و(١/ ١١١) وبدائع الصنائع (٧/ ٣٦٤) ورد المحتار (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤) والفتاوى الهندية (٣/ ١٨٣).
(٣) أخرجه مسلم في البيوع، باب الشفعة (١١/ ٤٦ - ٤٧) وأبو داود في البيوع، باب في الشفعة برقم (٣٥١٣)، والنسائي في البيوع، باب الشركة في الرباع (٧/ ٣٢٠) والترمذي في البيوع، باب ما جاء في أرض المشترك يريد بعضهم يبيع نصيبه برقم (١٣٢٦)، والبيهقي في معرفة السنن (٤/ ٤٨٨) عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الشفعة في كل شرك في أرض، أو ربع، أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فياخذ أو يدع فإن أبى، فشريكه أحق به حتى يؤذنه". اننهى لفظ مسلم. قال النووي في شرح مسلم (١١/ ٤٥): "الربعة والربع - بفتح الراء وإسكان الباء - والربع الدار والمسكن ومطلق الأرض وأصله المنزل الذي كانوا يرتبعون فيه، والربعة تأنيث الربع، وقيل واحدة، والجمع الذي هو اسم الجنس ربع كثمرة وتمر".
(٤) سيأتي الكلام على هذه المسألة قريبا.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
يجيزون تقديم الكفارة قبل الحنث (^١)، خلافا على رسول الله ﵇، وهم يجيزون تقديم الزكاة قبل وقتها (^٢)، ويرون أن من نذر أن يصوم بعد غد، وصام غدا أنه يجزئه عن صيام بعد غد (^٣).
واحتجوا في منعهم من السَّلَم في الحيوان (^٤) بمرسل وضعيف: "نهى عن الحيوان بالحيوان نسيئة" (^٥) وليس فيه أن لا يسلم غير
_________________
(١) قال الأحناف: لا يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث قال الكاساني: "وجه قولنا أنه كفر بعد وجود سبب الوجوب، فيجوز كما لو كفر بالمال بعد الجرح قبل الموت". انظر: بدائع الصنائع (٣/ ١٩). وقال المؤلف في المحلى (٨/ ٦٥) بعد أن ساق مذهب الحنفية: " .. وأما الحنيفيون فتناقضوا أقبح تناقض لأنهم أجازوا تقديم الزكاة قبل الحول بثلاثة أعوام، وتقديم زكاة الزرع إثر زرعه في الأرض، وأجازوا تقديم الكفارة في جزاء الصيد بعد جراحه، وقبل موته، وتقديم كفارة قتل الخطأ قبل موت المجروح ولم يجيزوا للورثة الأذن في الوصية بأكثر من الثلث قبل وجوب المال لهم بالموت، ولا أجازوا إسقاط الشفيع حقه من الشفعة بعد عرض شريكه أخذ الشقص عليه قبل وجوب أخذه له بالبيع، فظهر تخليطهم وسخف أقوالهم، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان".
(٢) مضى الكلام على فقه هذه المسألة.
(٣) انظر: تحفة الفقهاء (٢/ ٣٤٧).
(٤) قال مالك وأحمد: يجوز السلم في كل مال يضبط بالصفة، ويجوز بيعه كالحيوان والثمار والثياب والعبيد والدواب وغير ذلك، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز السلم في الحيوان، لأنه لا يمكن ضبطه بالوصف، إذ يبقى بعد بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة لتفاوت فاحش بين حيوان وحيوان. وانظر: حلية العلماء (٤/ ٣٦٢) والمغني لابن قدامة (٤/ ٢٠٩)؛ وتبيين الحقائق (٤/ ١١٢) وبدائع الصَّنائع (ج ٧/ ص ٣٦٦) والفتاوَى الهندية (ج ٣/ ص ١٨٢).
(٥) أما المرسل: فأخرجه ابن حبان برقم (١١١٣) " موارد الظمآن" وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٤١٣٣)، والدارقطني في السنن (٣/ ٧١) والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٨٩) =
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الحيوان في الحيوان.
واحتجوا لقولهم: إن الهبة لا تتم إلا بالحيازة والقبض (^١)، بالثابت عن رسول الله: "يا ابن آدم مَالَكَ مِنْ مَالِكَ إلَّا ما أعطيت فأمضيت، وذكر باقي الحديث" (^٢)؛ قالوا: الإمضاء: هو الإقباض.
_________________
(١) = والمعرفة (٤/ ٣٠٢)، وساقه ابن حبان عن سفيان عن مَعْمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس "أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". قال البيهقي في المعرفة (٤/ ٣٠٢): "الصحيح في هذا الحديث عن عكرمة مرسلا، هكذا رواه غير واحد عن معمر، وكذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير مرسلا". وأما الضعيف: فأخرجه أبو داود في البيوع، باب في الحيوان بالحيوان نسيئة رقم (٣٣٥٦)، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئة برقم (١٢٥٥)، والنسائي في البيوع، باب بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٧/ ٢٩٢)، وابن ماجه في التجارات، باب الحيوان بالحيوان نسيئة برقم (٢٢٧٠)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٨٨)، ومعرفة السنن (٤/ ٣٠٢) كلهم عن الحسن عن سمرة "أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". قال البيهقي: "قال الشافعي حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة غير ثابت". قال البيهقي: "وَأَكْثَرُ الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة". قلت: لكن قال الترمذي عقب هذا الحديث: "حديث سمرة حديث حسن صحيح، وسماع الحسن بن سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره".
(٢) انظر اشتراط القبض في الهبة عند الحنفية في مختصر الطحاوي (ص ١٣٨) والهداية (٣/ ٢٥١) وبدائع الصنائع (٦/ ١١٥) ورد المحتار (٤/ ٥٠٨).
(٣) أخرجه مسلم في الزهد (١٨/ ٩٤) والترمذي في التفسير، تفسير سورة ألهاكم التكاثر برقم (٣٤١٢، والنسائي في الوصايا باب الكراهية في تأخير الوصية (٦/ ٢٣٧) من طريق قتادة عن مطرف عن أبيه قال: "أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقول ابن آدم مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فَأَفنَيتَ أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت". وساق المؤلف في المحلى (٩/ ١٢٢) هذه الحديث دليلا للحنفية وقال: " فأما قول رسول الله - ﷺ -: "إلا ما تصدقت أو أعطيت فأمضيت".=
[ ٢ / ٥٦٦ ]
قال أبو محمد: وهذا باطل لأنه دعوى بلا برهان، بل الإمضاء هو الإعطاء نفسه، وأما من أراد الرجوع فيما أعطى لأنه بدا له أو لأنه لم يقبض منه، ففي هذا الخبر إبطال إرادته، لأنه ﵇ لم يجعل من ماله ما أعطى، فلم يمضه، فإِذْ لم يجعله ﵇ من ماله، فلا حق له فيه أصلا ولا مدخل له في ماله، فخالفوا نص حكم هذا الخبر المذكور.
واحتجوا لقولهم في الرجوع في الهبة (^١) بخبر لا يصح، لأن راويه إسماعيل بن مجمع (^٢) -: "الرجل أحق بهبته ما لم يثب
_________________
(١) = فلم يقل ﵇ إن الإمضاء هو شيء آخر غير التصدق، والإعطاء، ولا جاء ذلك قط في لغة بل كل تصدق وإعطاء إعطاء، فاللفظ بهما إمضاء لهما وإخراج لهما عن ملكه كما أن الأكل نفسه هو الإفناء واللباس هو الإبلاء، لأن لكل لبسة حظها من الإبلاء، فإذا تردد اللباس ظهر الإبلاء فبطل تعلقهم بهذا الخبر ".
(٢) ذهب الحنفية والهادوية: إلى حل الرجوع في الهبة دون الصدقة إلا الهبة لذي رحم، قالوا: والحديث الذي فيه النهي عن الرجوع المراد به التغليظ في الكراهة، وانظر بسط الأدلة والجواب عليها في: مختصر الطحاوي (ص ١٣٨) وشرح معاني الآثار (٤/ ٨٤) والهداية (٣/ ٢٥٥) وبدائع الصنائع (٦/ ١٢٨ وما بعدها) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٧٥) والمحلى (٩/ ١٢٧ - ١٢٩) وسبل السلام (١/ ٩٠) ورد المحتار (٤/ ٥١٨).
(٣) كذا ولعل في العبارة سقطا صوابه: "لأن راويه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع". وذلك مستفاد من تخريج الحديث. وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري المدني، روى عن الزهري وسالم بن عبد الله، وعنه وكيع، وأبو نعيم، ضعفه النسائي وقال ابن معين: "ليس بشيء". وقال أبو حاتم: "كثير الوهم، ليس بالقوي". وقال البخاري: "كثير الوهم" واستشهد به في صحيحه. أخرج له ابن ماجه، انظر: التاريخ الكبير (١/ ٢٧١) والضعفاء الصغير للبخاري (ص ١٦) وميزان الاعتدال (١/ ١٩) وخلاصة التذهيب (ص ١٦).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
منها" (^١)، وخالفوه فقالوا: ليس هذا الحكم بين الزوجين، ولا بين ذوي الأرحام المحرمة، واحتجوا في هذا أيضا بخبر فيه أن رسول الله وهب له فأثاب" (^٢).
قال أبو محمد: وهذا عجبٌ من ردهم وغثاثتهم، ليت شعري مَنِ الذي خالفهم في أن للموهوب له أن يثيب؟ ! وأي دليل في هذا على أن للواهب أن يرجع في هبته ما لم يثب من هبته!؟ .
واحتجوا في إجازتهم العتق بشرط مدة مسماة محدودة (^٣)، بالخبر الذي لم يصح من أن أم سلمة - أعتقت سفينة مولاها، وشَرَطَتْ أن لا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في الهبات، باب من وهب هبة رجاء ثوابها برقم (٢٣٨٧) والدارقطني في البيوع (٣/ ٤٣) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: وذكره، قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٢٥): "وإبراهيم بن إسماعيل بن جارية ضعفوه". وأورد المؤلف في المحلى (٩/ ١٣١) هذا الحديث ثم قال: "ثم نظرنا في خبر أبي هريرة الذي بدأنا به، فوجدناه لا حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أنه من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وهو ضعيف، والثاني: أن عمرو بن دينار ليس له سماع أصلا من أبي هريرة، ولا أدركه بعقله أصلا، وأعلى من عنده من كان بعد السبعين كابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر، ومات أبو هريرة قبل الستين فسقط جملة".
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٦٥٢١ - ٩/ ١٠٥) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: وهب رجل النبي - ﷺ - فأثابه، فلم يرض، فزاده فلم يرض، فزاده - أحسبه قال: - ثلاث مرات، فقال النبي - ﷺ -: "لقد هممت أن لا أقبل هبة - وربما قال معمر ألا أتهب - إلا من قرشي أو أنصاري، أو ثقفي". وذكر المؤلف في المحلى (٩/ ١٣٠) هذا الحديث وسكت عنه.
(٣) انظر تبيين الحقائق (٣/ ٩٥) والمحلى (٩/ ١٨٦).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
يفارق رسولَ الله ﵇ (^١)، وهم لا يجيزون العتق على أن لا يفارق فلانا مدة حياته، فاحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء، وخالفوا نَصَّ حكمه الذي فيه؟ !
واحتجوا في قولهم: إن الشفعة تبطل بتركها مدة (^٢)، بخبر ابن البيلماني (^٣): "الشُّفعةُ كَحَلِّ العِقَالِ، ولا شفعة لصغير ولا لغائب،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في العتق، باب في العتق على الشرط برقم (٣٩٣٢) من طريق عبد الوارث عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: "كُنْتُ مملوكا لأم سلمة، فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله - ﷺ - ما عشت، فقلت: إن لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله - ﷺ - ما عشت، فأعتقتني واشترطت علي". وأخرجه ابن ماجه في العتق، باب من أعتق عبدا واشترط خدمته برقم (٢٥٢٦) من طريق حماد بن سلمة عن سعيد بن جمهان عن سفينة وذكر نحوه، قال المؤلف في المحلى (٩/ ١٨٥) بعد أن ذكر الطريقين جميعا: "فسعيد بن جهان غير مشهور بالعدالة، بل مذكور أنه لا يقوم حديثه، ثم لو صح فليس فيه أن رسول الله - ﷺ - عرف ذلك فأقره، والحنيفيون والمالكيون والشافعيون لا يجيزون العتق بشرط أن يخدم فلانا ما عاش فقد خالفوا هذا الخبر". قلت: وما ذكره المؤلف في سعيد بن جُمهان - بضم الجيم - الأسلمي البصري صحيح، فقد قال أبو حاتم فيه: "شيخ لا يحتج به"، وقال النسائي: "ليس به بأس". وقال أبو داود: "ثقة، وقوم يضعفونه". وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به". انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٣١) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٣٦).
(٢) انظر تفصيل ذلك في: المختصر للطحاوي (ص ١٢١) والهداية (٤/ ٣٦٤) وبدائع الصنائع (٥/ ٢٩) واللباب في شرح الكتاب (٢/ ١٠٨) والمحلى (٩/ ٩١).
(٣) هو محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني العدوي مولاهم روى عن أبيه، وعنه محمد بن كثير العبدي. قال البخاري وأبو حاتم والنسائي: "منكر الحديث". وقال الدارقطني وغيره: "ضعيف"، وقال ابن حبان: "حدث عن أبيه بنسخة شبيها بمائتي حديث كلها موضوعة، أخرج له أبو داود وابن ماجه. قال: ابن عدي: "كل ما يرويه =
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ومن مُثِّل به فهو حر" (^١)؛ فخالفوا كل ما فيه، واحتجوا به فيما ليس
_________________
(١) = ابن البيلماني، فإن البلاء فيه منه". انظر: التاريخ الكبير (١/ ١٦٣) والضعفاء والمتروكون للنسائي (ص ٢٣٢) والكامل (٦/ ١٨٠) وميزان الاعتدال (٣/ ٦١٧ - ٦١٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٤٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه في الشفعة، باب طلب الشفعة برقم (٢٥٠٠) قال حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الشفعة كحل العقال". وأخرج عَقِبَهُ برقم (٢٥٠١) من طريق سويد بن سعيد قال: حدثنا محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا شفعة لشريك على شريك إذا سبقه بالشراء، ولا لصغير ولا لغائب". وفي حواشي ابن ماجه (ص ٨٣٥): قال السبكي في شرح المنهاج في معنى الحديث الأول: "المشهور أن معناه أنها تفوت إن لم يبتدر إليها كالبعير الشرود يحل من عقاله". قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٧٧): "ورواه البزار في مسنده، ومن طريق البزار رواه ابن حزم في المحلى - قلت في (٩/ ٩١) - وزاد فيه: "ومن مثل بعبده فهو حر، وهو مولى الله ورسوله؛ والناس على شروطهم ما وافق الحق". قال ابن القطان - قلت: وقع ذلك في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩٢) - في كتابه: "وهذه الزيادة ليست عند البزار في حديث الشفعة، ولكنه أورد حديث العبد بالإسناد المذكور حديثا؛ وأورد أمر الشروط حديثا، وأظن أن ابن حزم لما وجد ذلك كله بإسناد واحد لفقه حديثا، وأخذ تشنيعا على الخصوم الآخذين لبعض ما روي بهذا الإسناد التاركين لبعضه". ورواه ابن عدي في الكامل - قلت في (٦/ ١٨٠) - بلفظ ابن ماجه، وضعف محمد بن الحارث عن البخاري، والنسائي وابن معين، وضعف شيخه أيضا. قال ابن القطان: "واعلم أن محمد بن الحارث هذا ضعيف جدا وهو أسوأ حالا من ابن البيلماني وأبيه". قال فيه الفلاس: "متروك الحديث". وقال ابن معين: "ليس بشيء"؛ وضعفه أبو حاتم، ولم أر فيه أحسن من قول البزار فيه: "رجل مشهور، ليس به بأس، وإنما أعله بمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني". قلت: وما ذكره ابن القطان من صنيع ابن حزم حق، ودليله ما وقع له هنا وفي المحلى (٩/ ٩١) أيضا، فقد ساق خبر ابن البيلماني على نحو ما ذكر ابن القطان، ثم قال: "أفيكون أعجب من مخالفتهم كُلَّ ما في هذا الخبر، واحتجاجهم ببعضه، فبعضه حق وبعضه باطل؟ أف لهذه الأديان".
[ ٢ / ٥٧٠ ]
فيه منْه شيءٌ.
واحتجوا أن لا يقاد والد بولده، ولا سيد بعبده، بخبر من طريق عمر، وفيه: "وَمَنْ مُثِّلَ به فهو حر" (^١)، فخالفوه.
واحتجوا في غير ما قصة بِـ "الولد للفراش" (^٢) ثم خالفوه في نص حكمه، فقالوا للرجل أن ينتفي من حمل أم ولده (^٣)، ثم قالوا: من تزوج أمه التي ولدته، وابنته وأخته، وهو يدري قرابتهن، ويدري التحريم فيهن، فأولاده لاحقون به، فنفوا ولد الفراش؛ وألحقوا ولد إبليس تلاعبا بالإسلام، واستخفافا بالديانة، وجعلوا الأم والابنة والأخت فراشا، وجعلوا أم الولد غير فراش، والخبر المذكور لم يأت إلا في ولد مملوكة، لا في ولد حرة.
واحتجوا لقولهم الفاسد في أن صوم رمضان يجزئ مع إِصْبَاحِ المرءِ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٥٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في البيوع، باب تفسير الشبهات برقم (٢٠٥٣)، ومسلم في الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات (٩/ ٣٧)، وأبو داود في الطلاق، باب الولد للفراش برقم (٢٢٧٣)، والنسائي في الطلاق، باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش (٦/ ١٨٠) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٠٢) ومعرفة السنن (٥/ ٥٦٠) عن عائشة قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر". هذا لفظ البخاري.
(٣) انظر القول بذلك في: تحفة الفقهاء (١/ ٢٧٤) وتبيين الحقائق (٣/ ١٠٢ - ١٠٣) والمحلى (١٠/ ٣٢٠ - ٣٢٢).
[ ٢ / ٥٧١ ]
متعمدا لنية الفطر فيه، ثم يحدث نية للصوم ما لم تزل الشمس (^١)، بالخبر الذي فيه أن رسول الله ﵇: "كان يدخل على عائشة أم المؤمنين، فيقول ﵇: "هل من غذاء؟ ". فتقول: "لا". فيقول: "فإني صائم" (^٢).
قال أبو محمد: وهذه فضيحة الدهر، وَقِحَةٌ (^٣) لا نظير لها، لأن هذا خبر إنما جاء في صوم تطوع، وهم لا يجيزون ذلك في صوم التطوع أصلا، ولا يجزئ عندهم صوم التطوع إلا بنية من الليل ولا بد، ثم خصوا قبل الزوال (^٤)؛ وليس في هذا الخبر ولا غيره فرق بين ما قبل الزوال وما بعده، فإن شهرة هؤلاء القوم لعظيمةٌ؛ وإن بلية الإسلام بهم لفظيعةٌ، نسأل الله تعالى العافية والعصمة.
واحتجوا لقولهم: لا يمس القرآن إلا طاهر بصحيفة عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" (^٥)، وخالفوه فلم يقولوا ذلك إلا في المصحف، وأجازوا مس الجنب والمحدث، والكافر الصحيفةَ فيها
_________________
(١) مضى الكلام في فقه هذه المسألة.
(٢) أخرجه مسلم في الصوم، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال (٨/ ٣٤)؛ وأبو داود في الصوم، باب في الرخصة في ذلك - يعني في النية في الصيام - برقم (٢٤٥٥)، والترمذي في الصيام، باب ما جاء في إفطار الصائم المتطوع برقم (٧٢٩ و٧٣٠)؛ والنسائي في الصوم، باب النية في الصيام (٤/ ١٩٣).
(٣) يقال وقح الرجل من باب ظرف: قل حياؤه فهو وقح، ووقاح بالفتح بين القحة بكسر القاف وفتحها. وانظر: مختار الصحاح مادة وقح (ص ٥٧٩).
(٤) انظر: مختصر الطحاوي (ص ٥٣) والهداية (١/ ١٢٨) والمحلى (٦/ ١٦٠ - ١٦٤).
(٥) مضى تخريج هذا الخبر.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
القرآن، والدراهم التي فيها القرآن (^١)، وكل ذلك قرآن؛ وليس في الخبر المذكور للمصحف ذكرٌ أصلا، فإن قالوا القرآن هو القرآن كله - قلنا: وبعضُ القرآن قرآنٌ.
ثم نسألهم عن جزء فيه نصف القرآن، أو ثلثه أو ربعه، ولا نزال نَحُطُّهُمْ إلى بعض آية.
واحتجوا لقولهم: إن من نام قائما أو جالسا، لم ينتقض وضوءه بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه" (^٢).
قالوا: وهذا يدل على جواز الصلاة في حال النوم.
قال أبو محمد: كَذَبُوا جِهَارًا، بل ما يفهم ذو عقل منا، إلا ضد ما
_________________
(١) بل تمنع الجنابة والنفاس مس المصحف عند الحنفية، وقيل: لا يكره مس الجلد المتصل به، ومس حواشي المصحف والبياض الذي لا كتابة عليه، لكن الراجح منع ذلك لأنه تبع للمصحف، ويكره مس الدرهم واللوح، إذا كان فيهما كتابة شيء من القرآن، ولا يجوز للجنب وللنفساء مس المصحف بالثياب التي عليهما، لأنها بمنزلة البدن. وانظر: تبيين الحقائق (١/ ٥٧ - ٥٨) والمحلى (١/ ٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء من النوم برقم (٢١٢)، ومسلم في صلاة المسافرين، وقصرها، باب أمر من نَعَسَ في صلاته، أو استعجم عليه القرآن، أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (٦/ ٧٤)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند النعاس برقم (٣٥٢)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في المصلي إذا نَعَسَ برقم (١٣٧٠)، والدارمي في الصلاة، باب كراهية الصلاة للناعس برقم (١٣٥٦) كلهم عن عائشة - ﵂ -.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
قالوه، بل فيه النهي عن أن يصلي وهو ناعس، وإنكار ذلك أشد الإنكار، والأمر بقطع الصلاة عند احتباس النعاس، والأمر بالنوم فقط، فدل على أن الصلاة لا تكون، ولا تجزئ في حال النعاس أصلا.
واحتجوا لقولهم: لا يقرأ الجنب آية من القرآن بالخبر من طريق علي: "كان رسول الله لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة" (^١)، ثم خالفوه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن برقم (٢٢٩)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا برقم (١٤٦)، والنسائي في الصغرى في الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن (١/ ١٤٤)، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب ما جاء في القرآن على غير طهارة برقم (٥٩٤)، والدارقطني في (١/ ١١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٧)، والحاكم في الطهارة برقم (٥٤١)، والبيهقي في الكبرى كتاب الطهارة، باب نهي الجنب عن قراءة القرآن برقم (٤١٤ - ١/ ١٤٣)، ومعرفة السنن برقم (١١٠)، كلهم من طريق عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: دخلت على علي - ﵁ - أنا رجلان: رجل منا ورجل من بني أسد أحسب - فبعثهما علي - ﵁ - وجها وقال: "إنكما علجان فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء، فأخذ منه حفنة، فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال إن رسول الله - ﷺ - كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معا اللحم ولم يكن يحجبه أو قال يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة". هذا لفظ أبي داود. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلمة، فمدار الحديث عليه، وعبد الله بن سلمة غير مطعون فيه". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قال في التعليق المغني على الدارقطني (١/ ١١٩ - ١٢٠): "وَرَوَاه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وصححه، قال: "ولم يحتجا بعبد الله بن سلمة، ومدار الحديث عليه"، قال النووي في الخلاصة: "قال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه". قال البيهقي: "لأن مداره على عبد الله بن سلمة - بكسر اللام - وكان قد كبر، وأنكر حديثه وعقله، وإنما روى هذا بعد كبره قاله شعبة". وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ١٨): "والحديث أيضا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والبيهقي، وصححه أيضا =
[ ٢ / ٥٧٤ ]
فقالوا يقرأ آية غير شيء (^١).
واحتجوا لقولهم أن ما مات في الماء من الخشاش لم ينجسه بالخبر الذي فيه: "مَقْلُ الذباب في الطعام" (^٢) وخالفوه لأن فيه: "ثم لِيُخْرِجْهُ"، فهذا يدل على خلاف قَوْلهم، إذ لم يأمر ﵇ بإبقائه حتى يموت، واحتجوا لهذا القول بخبر موضوع فيه: "كل طعام، وشراب وقعت فيه دابة، فماتت ليس لها دم؛ فهو الحلال أكله، وشربه ووضوءه" (^٣)، وهذا خلاف قولهم، لأن الذباب
_________________
(١) = ابن حبان وابن السكن، وعبد الحق والبغوي في شرح السنة"، وقال ابن خريمة: "هذا الحديث ثلث رأس مالي".
(٢) كذا.
(٣) أخرجه البخاري في الطب، باب إذا وقع الذباب في الإناء برقم (٥٧٨٢)، وأبو داود في الأطعمة، باب في الذباب يقع في الطعام برقم (٣٨٤٤)، والنسائي في الصغرى في الفرع والعتيرة، باب الذباب يقع في الإناء (٧/ ١٧٨)، وابن خزيمة في صحيحه برقم (١٠٥)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٩٤) والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٥٢) ومعرفة السنن (١/ ٣١٧) وساقه البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الآخر شفاء".
(٤) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب كل طعام وقعت فيه دابة ليس لها دم (١/ ٣٧) من حديث بقية بن الوليد حدثني سعيد بن أبي سعيد الزبيدي عن بشر بن منصور عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: قال النبي - ﷺ -: "يا سلمان كل طعام أو شراب، وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه، فهو حلال أكله، وشربه ووضوءه". قال الدارقطني: "لم يروه غير بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، وَهُوَ ضعيف". وأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٠٦) وأعله بسعيد وقال: "شيخ مجهول، وأظنه حمصي حدث عنه بقية، وغيره، حديثه ليس بالمحفوظ".
[ ٢ / ٥٧٥ ]
والبرغوث لها دم طَاهِرٌ بَيِّنٌ، وليس في الخبر المذكور تخصيص سائل من غير سائل (^١).
قال أبو محمد: وهذا يكثر منهم جدا، بل ما يكاد يسلم لهم خبر احتجوا به من صحيح، أو سقيمٍ، مِنْ أن يكونوا يخالفون ما فيه، وأن لا يكون فيه شيء مما احتجوا به فيه، فَهُمْ في ضلالٍ مُتَّصل، ونعوذ بالله مِنَ الخذلان، وفي بعض ما ذَكَرْنَا كفايةٌ لمن نَصَحَ نفسه منهم، في أن يتداركها بالتوبة من المعصية لأوامر رسول الله - ﷺ -، ومن تقويله ما لم يقل، والتلاعب بالسنن، وتصحيح الباطل، ورد الثابت في كل ذلك.
ولما بلغنا مكاننا هذا، اعترضنا بذكر تخاليط لهم أخر؛ ومناقضات فاحشة في أخذهم تارة بالعموم في نص الخطاب، وتارة بتخصيصه بلا برهان إلا التحكم بالهوى فقط؛ ومن أخذهم تارة بالقول بالوجوب في أوامر النصوص، وتارة بحملها على الكراهة، والندب بلا برهان إلا التحكم بالهوى فقط، ومن أخذهم تارة بشيء سموه دليل الخطاب، وهو أن يقولوا: إن ما لم يذكر في هذا النص، فهو بخلاف حكم هذا النص، وتركهم القول به تارة بلا برهان في كل ذلك، إلا التحكم بالهوى في تقليد فاحش خطأ أبي حنيفة وفاسد آرائه، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) قال الحنفية: موت ما لا دم له كالبق والذباب والزنبور والعقرب والسمك والضفدع والسرطان لا ينجس الماء، واستشهدوا بالحديث الذي أورده المؤلف هنا، ومعنى "لا دم له". أي سائل وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٦٢) وتبيين الحقائق (١/ ٢٣).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فرأينا أن نذكر إن شاء الله تعالى من هذه الأعمال طرفا لئلا نُبقي لهم شغبا يلوذون به، إلا أريناهم ضلالهم فيه، بحول الله تعالى وقوته.
ومن العجائب قولهم في خبر المصراة (^١)؛ لما لم يقس نظراؤها من سائر المبيعات وجب تركه، وهم قد أخذوا بخبر: "الله أطعمه وسقاه" (^٢)، وقاسوا عليه المجامع ناسيا، ولم يقيسوا عليه نظراءه ممن فعل في الصلاة، أو في الحج ناسيا ما يبطله بالعمد، ولا قاسوا على قولهم في الآبق نُظَرَاءَهُ ممن أتى بضلالة أو لقطة (^٣)، ولا قاسوا على
_________________
(١) مضى تخريج خبر المصراة والكلام على فقه المسألة.
(٢) أخرجه البخاري في الصوم، باب الصائم إذا كل أو شرب ناسيا برقم (١٩٣٣) ومسلم في الصيام، باب أكل الناسي وشربه وَجمَاعُهُ لا يفطر (٨/ ٣٥) وأبو داود في الصوم، باب مَنْ أكل ناسيا برقم (٢٣٩٨)، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسيا برقم (٧١٧)، وابن ماجه في الصيام، باب من كل أو شرب ناسيا برقم (١٦٧٣) والبيهقي في الكبرى في الصيام، باب من أكل أو شرب ناسيا برقم (٨٠٧١ - ٤/ ٣٨٦). كلهم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إذا نسي فكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه". هذا لفظ البخاري. وفي الأكل والشرب ناسيا أقوال: فالشافعية قالوا: لا يفطر وبه قال الحسن ومجاهد وأبو حنيفة لإسحاق وأبو ثور، وداود وابن المنذر وغيرهم، وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع ناسيا دون الأكل، وقال ربيعة ومالك: يفسد صوم الناسي في جميع ذلك، وعليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد: يجب عليه بالجماع ناسيا القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل، وانظر بسط الأقوال في: المبسوط (٣/ ٥٦ و١٤٠) وحلية العلماء (٣/ ١٩٦ - ٢٠٢) والمجموع (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وتببين الحقائق (١/ ٣٢٢) والفتاوى الهندية (١/ ٢٠٣ و٣٠٦).
(٣) انظر: اللباب في شرح الكتاب (٢/ ٢١٨) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٠٣).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
خبر القهقهة في الصلاة نظراءه ممن تعمد العمل في الصلاة، وغير ذلك كثير (^١).
ومن العجائب: قولهم في الخبر الثابت عن رسول الله: أنه مسح في وضوئه على العمامة والخمار (^٢)، وهذا فعل من رسول الله، وليس أمرا، فيحمل على ظاهره وعمومه، ثم أتوا إلى الوضوء بالنبيذ (^٣) - وهو خبر ساقط - فأخذوا به، ولم يقولوا: هذا عمل وليس أمرا، فيحمل على ظاهره وعمومه، وبالله تعالى التوفيق.
* * *
_________________
(١) مضى الكلام على أكثر هذه المسائل.
(٢) مضى تخريج الخبر الوارد في ذلك.
(٣) مضى تخريج الخبر الوارد في ذلك.
[ ٢ / ٥٧٨ ]