قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٢)؛ فقالوا: هذا في الأحرار والحرائر دون العبيد والإماء (^٣)، وما عدا الولد والوالدين،
_________________
(١) من هنا تبتدئ نسخة (ش) وفيها من أوَّلها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم؛ قال الشيخُ الإمامُ الحافظ الشَّهير؛ الوزير؛ ناصر السنة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي - ﵁ -".
(٢) سورة البقرة، الآية ٢٨٢.
(٣) جعل الحنيفية من شرائط الشهادة البلوغ والحرية والإسلام والعدالة، فلا تقبل شهادة العبد واستدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قالوا: والشهادة شيء فلا يقدر على أدائها بظاهر الآية الكريمة، وقال الجصاص في "تفسير الآية التي أوردها المصنف هنا: أن المراد به الأحرار .. فغير جائز لأحد إسقاط شرط الحرية، لأنه لو جاز ذلك لجاز إسقاط العدد، وفي ذلك دليل على أن الآية قد تضمنت بُطلان شهادة العبيد". وانظر: بدائع الصنائع (٦/ ٢٦٦) وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٩٤). وقال المصنف في المحلى (٩/ ٤١٤) رادا لهذا المذهب: "أما قول مجاهد ومن اتبعه شهيدين من رجالكم من الأحرار فباطل، وزلة عالم وتخصيص لكلام الله تعالى بلا برهان وبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أن العبيد رجال من رجالنا، وأن الإماء نساء من نسائنا .. واحتج بعضهم بقول الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال أبو محمد: تحريفُ كلام الله تعالى عن مواضعه مهلكٌ في الدنيا والآخرة، ولم يقل تعالى أن كل عبد فهو لا يقدر على شيء إنما ضرب الله تعالى المثل بعبد من عباده هذه صفته، وقد توجد هذه الصفة في كثير من الأحرار ".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وفيما (^١) عدا أحد الزوجين للآخر (^٢).
وقال تعالى (^٣): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٤)؛ فقالوا أراد الأحرار خاصة (^٥)، واختُلف عن أبي حنيفة في المُقعد والأعمى، ولم يختلف عنه أن الأَعْرَجَ إذا وجد زادا وراحلة وجب عليه فرض الحج (^٦). وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٧)، فقالوا: هذا على الأحرار خاصة، ولم يرد العبيد، فإن حضروها أَجْزَأَتهمْ، وإن حجوا لم يجزهم حجهم؛ وفي المصر خاصة، لا على من كان خارج المصر (^٨).
_________________
(١) في ش: وما عدا.
(٢) انظر في عدم جواز شهادة الوالد لولده ولا الزوجة لزوجها عند الحنفية: بدائع الصنائع (٦/ ٢٧٢) وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٥١٠) والمحلى (٩/ ٤١٥ و٤١٨).
(٣) في ش: وقال ﷿.
(٤) سورة آل عمران، الآية ٩٧.
(٥) تقدم فقه هذه المسألة.
(٦) الأعمى إذا وجد من كيفية مؤنة سفره. ووجد زادا وراحلة لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة خلافا للصاحبين وأما المقعد فعن أبي حنيفة أنه يجب لأنه يستطيع بغيره وعن محمد: أنه لا يجب، وأما الأعرج فهو كما حكى المصنف هنا وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٥٩) والهداية (١/ ١٤٥) والمحلى (٧/ ٥٣ - ٥٥) وفيه نقد المؤلف.
(٧) سورة الجمعة، الآية ٩.
(٨) في هذه المسائل ما مر الحديث عنه، وفيها: مسألة عدم وجوب الجمعة على العبد وانظرها في: مختصر الطحاوي (ص ٣٦) والهداية (١/ ٨٩) والمحلى (٥/ ٤٩).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١)، فقالوا هذا للأحرار والعبيد، إلا أن العبد والحر من زَوْجَتَيْهِمَا المملوكتين لا يؤجل لهما إلا شهرين، وهذا فِيمَنْ طالبته امرأته لا من لم تطالبه (^٢)، فمرة حملوا الأمر على عمومه في لزوم الإيلاء، ومرة خصوا كل مولي لم تطالبه امرأته، ومرة خصوا الأجل في بعض المولين دون بعض، كل ذلك بلا دليل أصلا، لا من نص ولا قول صاحب، ولا قياس مطرد، ثم زادوا بآرائهم وتقليدهم، على الآية ما ليس فيها ولا تحتمله (^٣)، فقالوا: مضي الأربعة الأشهر، أو الشهرين طلاق لا عزيمة فيه للمولي أصلا (^٤).
وقال تعالى (^٥): ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٦)،
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧.
(٢) قال الأحناف مدة الإيلاء من الأَمَة شهران، لأنها مدة ضربت أجلا للبينونة، فَتَتنَصَّف في الرق كَمُدَّة العدة، وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٢٠٤) والهداية (٢/ ٢٩٢) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٦٢) والمحلى (١٠/ ٤٩).
(٣) في ش: تحتمله.
(٤) ورد التصريح بهذا القول بوضوح في قول الجصاص عند تفسير الآية التي صدر بها المؤلف نقده قال: وَذَهَبَ أصحابنا إلى قول ابن عباس ومن تابعه، نقالوا: إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفيء بانت بتطليقة وهو قول الثوري والحسن بن صالح. وانظر: أحكام القرآن (١/ ٣٦٠) ومختصر الطحاوي (ص ٢٠٧) والهداية (٢/ ٢٩٠) وبدائع الصنائع (٣/ ١٧٦) والمحلى (١٠/ ٤٦).
(٥) في ش: وقال الله ﷿.
(٦) سورة البقرة، الآية ٢٢٨.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وقالوا: إنما أراد الحرائر، وأما الإماء فَقُرآن فقط ثلثا أقراء الحرة (^١).
وقال تعالى (^٢): ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (^٣) فقالوا: إنما أراد الحرائر، وأما الإماء، فشهر ونصف، نصف عدة الحرة (^٤).
وقال تعالى (^٥): ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٦)، فقالوا: هذا على عمومه، والحرائر والإماء سواء (^٧)، وقال تعالى (^٨) في المتوفى عنهن أزواجهن: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٩)؛ فقالوا: أراد الحرائر، وأما الإماء فشهران وخمس ليال نصف عدة الحرة (^١٠).
_________________
(١) قال الجصاص في تفسير الآية التي أوردها المؤلف "وهذا الذي ذَكرَهُ الله تعالى من العدة ثلاثة قروء، ومراده مقصور على الحرة دون الأمة". وانظر: أحكام الجصاص (١/ ٣٧١) وتحفة الفقهاء (١/ ٢٤٤) والهداية (٢/ ٣٠٨) وبدائع الصنائع (٣/ ١٩٣).
(٢) في (ش): وقال ﷿.
(٣) سورة الطلاق، الآية ٤.
(٤) انظر مذهب الأحناف في هذه المسألة في: تحفة الفقهاء (١/ ٢٤٤) والهداية (٢/ ٣٠٨) وبدائع الصنائع (٣/ ١٩٤) والمحلى (١٠/ ٣٠٦ - ٣١١) وفيه ناقش المؤلف هذا القول مناقشة طويلة.
(٥) في ش: وقال ﷿.
(٦) سورة الطلاق، الآية ٤.
(٧) انظر: تحفة الفقهاء (١/ ٢٤٣) والهداية (٢/ ٣٥٨) والمحلى (١٠/ ٣٠٦).
(٨) في ش: وقال ﷿.
(٩) سورة البقرة، الآية ٢٣٤.
(١٠) صرح الجصاص الحنفي أثناء تَفْسِيرِ الآية التي أوردها المصنف هنا بذلك فقال: "وهذه =
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وقال تعالى (^١): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢)، فقالوا: هذا عموم للحر والعبد، والحرة والأمة؛ ثم قالوا: إنما أراد سارق عشرة دراهم فصاعدا، ولم يرد قطُّ سارق خشبة إلا أن تكون (^٣) ساجا (^٤)، ولا سارق لحم (^٥).
وقال تعالى (^٦): ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (^٧)، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٨)، فقالوا: هذا في طلاق الحرة من العبد والحر؛ وأما الأَمَةُ من الحر والعبد، فيحرم عليه تطليقتين، ثلثي طلاق الحرة، وأما تحريمها إلا بعد زوج، فعموم
_________________
(١) = الآية خاصة في الحرائر دون الإماء، لأنه لا خلاف بين السلف فيما نعلمه، ويين فقهاء الأَمْصَار في أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران، وخمسة أيام نصف عدة الحرة". وانظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤١٥) وتحفة الفقهاء (١/ ٢٤٣) والهداية (٢/ ٣٠٨) وبدائع الصنائع (٣/ ١٩٣) والمحلى (١٠/ ٣٠٨).
(٢) في ش: وقال ﷿.
(٣) سورة المائدة، الآية ٣٨.
(٤) في ش: يكون.
(٥) الساج: ضرب من الشجر وهو أيضا الطيلسان الأخضر، وجمعه سيجان. انظر: مختار الصحاح مادة سوج (ص ٢٥٣).
(٦) علل الكاساني استثناء الساج من الخشب في إيجاب القطع فيه بقوله: "وأما الساج والأبنوس والصندل فأموال لها عزة وخطر عند الناس، فكانت أموالا مطلقة"، وانظر: بدائع الصنائع (٧/ ٦٨) والمسألة بكاملها مضى فقهها.
(٧) في (ش): وقال ﷿.
(٨) سورة البقرة، الآية ٢٢٩.
(٩) سورة البقرة، الآية ٢٣٠.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
للحرة والأمة (^١). وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٢)، فقالوا: هذا للحر، وأما العبد فلا يحل له إلا اثنتان (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (^٤)، فقالوا: أول الآية للحر والعبد سواء، وآخرها للحر دون العبد (^٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^٦)، فقالوا: هذا عموم (^٧)، والحر
_________________
(١) قال الجصاص: "واتفقوا على أن الرق يوجب نقصان الطلاق، فقال علي وعبد الله: "الطلاق بالنساء"، يعني أن المرأة إن كانت حرة فطلاقها ثلاث، حرا كان زوجها أو عبدا، وأنها إن كانت أمة فطلاقها اثنتان حرا كان زوجها أو عبدا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وَزُفَر"، انظر: أحكام القرآن (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦) والهداية (٢/ ٢٥١) وتبيين الحقائق (٢/ ١٩٦) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٤٨) والمحلى (١٠/ ٢٣٢).
(٢) سورة النساء، الآية ٣.
(٣) قال الأحناف لا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين، قالوا: إن الرق منصف، فيتزوج العبد اثنتين، والحر أربعا إظهارا لشرف الحرية. انظر: الهداية (١/ ٢١١) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٢٣) والمحلى (٩/ ٤٤٤).
(٤) سورة المؤمنون، الآيتان ٥، ٦.
(٥) انظر: المحلى (٩/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
(٦) سورة المائدة، الآية ٣٣.
(٧) في (ش): عمومه، وما في (ت) أصوب.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
والعبد سواء، وأما (^١) النساء فلا، بخلاف قولهم في السرقة (^٢).
وقال تعالى (^٣): ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٤)، فقالوا: هذا عموم في النفس؛ في الحر والعبد والمرأة والكافر، وأما فيما دون النفس، فلا قصاص بين حر وعبد ولا بين رجل وامرأة (^٥).
وقال تعالى (^٦): ﴿وَأَقِيمُوا (^٧) الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٨)، فقالوا:
_________________
(١) في (ت) و(ش): وإنَّما؛ والصواب ما أثبته.
(٢) قال الكاساني في بيان شروط إقامة الحد على قطاع الطريق: " ومنها الذكورة في ظاهر الرواية حتى لو كانت في القطاع امرأة فوليت القتال، وأخذ المال دون الرجال، لا يُقَامُ الحد عليها في الرواية المشهورة ونقل عن الطحاوي: "النساء والرجال في قطع الطريق سواء ، ثم قال: "وجه ما ذكره الطحاوي أن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر والأنثى كسائر الحدود، ولأن الحد إن كان هو القطع، فلا يشترط في وجوبه الذكورة، والأنوثة كسائر الحدود بخلاف السرقة لأنها أخذ المال على وجه الاستخفاء ومسارقة الأعين، والأنوثة لا تمنع من ذلك"، انظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٧٥) وبدائع الصنائع (٧/ ٩١).
(٣) في (ش): وقال ﷿.
(٤) سورة البقرة، الآية ١٧٩.
(٥) قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ١٣٥) عند تفسير الآية التي أوردها المصنف هنا: "قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس، ويقتل الحر بالعبد والعبد بالحر وجه دلالة الآية في وجوب القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس أن الآية مقصورة الحكم على ذكر القتلى، وليس فيها ذكر لما دون النفس من الجراح "، وانظر أيضا: بدائع الصنائع (٧/ ٣١٢).
(٦) في (ش): وقال ﷿.
(٧) في (ش) سقطت الواو من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا ﴾.
(٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، سورة البقرة، الآية ٤٣.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
الأُولى: عموم للحر والعبد، والثانية: أراد الأحرار فقط (^١).
وقال تعالى (^٢): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (^٣)، فقالوا: عموم للحر والعبد (^٤).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ [مِنْكُمْ] (^٥) مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (^٦)، فقالوا: أراد الزوجات دون السراري (^٧).
وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (^٨)، فقالوا: الحرة والأمة سواء
_________________
(١) أسقط الحنفية الزكاة في مال العبد، واشترطوا فيه الحرية، لأن كمال الملك يكون بها. انظر: مختصر الطحاوي (ص ٤٥) والهداية (١/ ١٠٣)، وقال المؤلف في المحلى (٥/ ٢٠٢) بعد أن حكى مذهب أبي حنيفة: "وما نعلم لهم حجة أصلا، إلا أن بعضهم قال: العبد ليس بتام الملك، فقلنا: أما تام الملك فكلام لا يعقل ".
(٢) في (ش): وقال ﷿.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٨٥.
(٤) قال المصنف في المحلى (٦/ ١٦٠) إن هذا: "معروف متيقن من جميع أهل الإسلام".
(٥) ﴿مِنْكُمْ﴾ ساقطة من النسختين.
(٦) سورة المُجَادلة، الآية ٢.
(٧) حمل الحنفية ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ على ما دون الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة، لأن الظهار لا يصح لعدم الزوجية، وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٢١٢) والهداية (٢/ ٢٩٨) وبدائع الصنائع (٣/ ٢٣٢) وأحكام القرآن لابن العربي المعافري (٤/ ١٨٨) وناقش المؤلف في المحلى (١٠/ ٥٠ - ٥١) هذا القول فانظره إن شئت.
(٨) سورة البقرة، الآية ٢٢٣.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وهذا عموم (^١).
وقال تعالى: ﴿ وَتَحْرِيرُ (^٢) رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (^٣)، وقال تعالى في الظهار أيضا: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (^٤)، وقال تعالى في كفارة الأيمان: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (^٥)، فقالوا: عموم للحر والعبد.
وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٦)، فقالوا: عموم للعبد والحر، والمرأة إلا الراعف، ومن غلبه الحدث.
وقال رسول الله - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفرٌ بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس" (^٧)، فقالوا: أما الزاني بعد الإحصان، والنفس بالنفس، فعمومٌ للرجال والنساء،
_________________
(١) صرح الكاساني في بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٢) بما ذكره المؤلف هنا فقال: " وقوله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ونحو ذلك، وسواء كانت الزوجة حرة، أو أمة قنة، أو مدبرة وأم ولد".
(٢) في (ش): "فتحرير"؛ وهو مُخالِفٌ للتلاوة.
(٣) سورة النساء، الآية ٩٢.
(٤) سورة المجادلة، الآية ٤.
(٥) سورة المائدة، الآية ٨٩.
(٦) سورة البقرة، الآية ١٥٠.
(٧) أخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث برقم (٢٢٤٧)، والنسائي في الصغرى كتاب تحريم الدم، باب الحكم في المرتد (٧/ ١٠٣) وابن ماجه في الحدود، باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث برقم (٢٥٣٣)، =
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وأما الكفر بعد الإيمان، فللرجال خاصة (^١).
وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٢)، فأرادوا (^٣) عشرة دراهم فصاعدا الحرة والأمة والحر والعبد في ذلك سواء (^٤).
_________________
(١) = والحاكم في المستدرك في الحدود برقم (٨٠٢٨) كلهم من طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أسعد بن سهل أبي أمامة الأنصاري عن عثمان "أنه أشرف عليهم يوم الدار فقال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وارتداد بعد إسلام، وقتل نفس بغير حق؟ " قالوا: اللهم نعم الحديث". قال الترمذي: "هذا حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣١٨): ومعنى الحديث في الكتب الستة أخرجوه عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة".
(٢) المرأة التي ارتدت لا يباح دمها عند الجفية، قالوا: قالوا: وتجبر على الإسلام، لإجبارها على الإسلام أن تحبس وتخرج كل يوم فتستتاب، ويعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا حبست ثانيا هكذا إلى تسلم أو تموت، واستدلوا بحديث: "لا تقتلوا امرأة، ولا وليدا". قالوا: ولأن القتل إنما شرع وسيلة إلى الإسلام بالدعوة إليه بأعلى الطريقين عند وقوع البأس عن إجابتها بأدناها، وهو دعوة اللسان بالاستتابة بإظهار محاسن الإسلام، والنساء أتباع الرجال في إجابة هذه الدعوة في العادة"، وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٦١) وبدائع الصنائع (٧/ ١٣٥).
(٣) سورة النساء، الآية ٤.
(٤) كذا ولعلها: "فرأوا" والله أعلم.
(٥) قال الحنفية: لا يكون صداق أقل من عشرة دراهم، واستدلوا بأدلة تنظر في: تحفة الفقهاء (١/ ١٣٦) والهداية (١/ ٢٢٢) قال المؤلف في المحلى (٩/ ٤٩٧): " وقول أبي حنيفة لم يصح عن أحد من أهل العلم قبله، فلنورد البرهان على صحة قولنا قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فلم يذكر الله ﷿ في شيء =
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (^١) وبين رسول اللهِ - ﷺ - أنه تعالى إنما أراد اعتزال موضع الحيض فقط (^٢)، فعصوا السنة، وخالفوا القرآن، وقالوا: يحرم عليه ما بين السرة والركبة فقط، ويحل له ما وراء ذلك، وما أسفل من ذلك (^٣).
وقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (^٤)، قالوا: إنما أراد أيام الحرية الذي ليس فيه من الرق بقية (^٥).
وقال رسول الله - ﷺ -: "لا يرث الكافر المسلم" (^٦)، فقالوا:
_________________
(١) = من كتابه الصداق فجعل فيه حدا، بل أجمله إجمالا. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾.
(٢) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
(٣) يشير المصنف إلى حديث أنس بن مالك الذي أخرجه مسلم في الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وتَرْجيله وطهارة سؤرها (٣/ ٢١١) وفيه قال النبي - ﷺ -: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". وأخرج نحوه البيهقي في الكبرى برقم (١٥٠١ - ١/ ٤٦٧).
(٤) اختلف في الاستمتاع بالحائض: فقيل للرجل ما تحت الإزار ويجتنب موضع الدم، وروي عن عائشة وأم سلمة، وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن، والحسن البصري والشعبي وسعيد بن المسيب والضحاك، وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس أن له فها ما فوق الإزار وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف والأوزاعي ومالك والشافعي. وانظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٣٧) والمحلى (١٠/ ٧٨).
(٥) سورة النساء، الآية ٧.
(٦) كذا ولعل العبارة هكذا: "قالوا: إنما أراد أيام الحرية التي ليس فيها من الرق بقية".
(٧) أخرجه البخاري في الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم برقم (٦٧٦٤)، وأبو داود في الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر؟ برقم (٢٩٠٩)، =
[ ٢ / ٥٨٩ ]
عموم لكل أحد، وقال ﵇: "ولا يرث المسلم الكافر"، فقالوا: أراد غير المرتد (^١).
وقال تعالى (^٢): ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (^٣)، فقالوا: هذا عموم للذكر والأنثى، وولد الولد الذكر؛ وهو خصوص للولد الحر المسلم التام الحرية.
وقال تعالى (^٤): ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ (^٥)، قالوا (^٦): إنما أراد ولدا ذكرا لا أنثى.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٧)، قالوا: عموم في الحلال والحرام.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^٨)، قالوا:
_________________
(١) = والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر برقم (٢١٨٩)، وابن ماجه في الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (٢٧٢٩)، والدارقطني في سنته كتاب الفرائض (٣/ ٦٩) ولفظ البخاري: عن أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
(٢) انظر: مختصر الطحاوي (ص ١٤٢).
(٣) في (ش): وقال ﷿.
(٤) سورة النساء، الآية ١٢.
(٥) في (ش): وقال ﷿.
(٦) سورة النساء، الآية ١٧٦.
(٧) في (ش) و(ت): قال: ولعل الصواب ما أثبته.
(٨) سورة النساء، الآية ٢٢.
(٩) سورة المائدة، الآية ٥.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
عموم للحرائر والإماء.
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (^١)، قالوا: إنما أراد من لم يحلف متعمدا للكذب (^٢).
وقال تعالى في الظهار والكفارة: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٣)، وأمر بذلك رسول الله - ﷺ - (^٤) في المجامع أهله في نهار رمضان عامدًا (^٥)، فقالوا عموم لكافرة والمؤمنة، ثم حسدوا أنفسهم على الصواب، فقالوا: خصوص في التي لم يقطع إبهامها، أو أصبعان غير الإبهام (^٦).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٨٩.
(٢) قال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن (١/ ٣٥٥): " ومعلوم أنه لما عطف قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أن مراده ما عقد قلبه فيه على الكذب والزور، وجب أن تكون هذه المؤاخذة هي عقاب الآخرة، وأن لا تكون الكفارة المستحقة بالحنث، لأن تلك الكفارة غير متعلقة بكسب القلب لاستواء حال القاصد بها للخير والشر، وتساوي حكم العمد والسهو ".
(٣) أما في الظهار: فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ سورة المجادلة، الآية ٣. وقال تعالى في كفارة الأيمان: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾. سورة المائدة، الآية ٨٩.
(٤) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٥) تقدم تخريج الخبر المفيد لذلك.
(٦) أشار المصنف في المعلى (١٠/ ٥٣) إلى هذا القول في جملة من الأقوال، فقال: "وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في الرقبة المعيبة أقوالا في غاية الفساد، ولا ندري ما ذنب المعيب عندهم، فلم يجيزوا عتقه في واجب؛ فإن قالوا السالم أكثر ثمنا، قلنا: =
[ ٢ / ٥٩١ ]
وفرض رسول الله - ﷺ - (^١) صدقة الفطر صاعا من تمر؛ أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين (^٢)، فقالوا: عموم للكفار من العبيد المسلمين وخصوص لغير رقيق التجارة (^٣).
وقال رسول الله - ﷺ - (^٤): "فيما سقت السماء العشر" (^٥)، فقالوا
_________________
(١) = والبيضاء الجميلة أكثر ثمنا من السوداء الذميمة، فلا تجيزوا في ذلك السوداء الذميمة وجملة الأمر فإنما هي آراء فاسدة، ونعوذ بالله من التحكم في الدين بمثله".
(٢) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٣) أخرجه البخاري في الزكاة، باب فرض صدقة الفطر برقم (١٥٠٣)، ومسلم في الزكاة، باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة (٧/ ٦٣)، وأبو داود في الزكاة، باب كم يؤدى في صدقة الفطر؟ برقم (١٦١١)، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في صدقة الفطر برقم (٦٧٠)، والنسائي في الزكاة، باب كم فرض صدقة الفطر؟ (٥/ ٤٩)؛ وابن ماجه في الزكاة، باب صدقة الفطر برقم (١٨٢٤)، عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكور، والأنثى والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
(٤) حكى المصنف في المعلى (٦/ ١٣٣ - ١٣٤) قول الحنفية ثم قال: "والعجبُ كُلٌّ العجب من أن أبا حنيفة وأصحابه أتوا إلى زكاتين مفروضتين إحداهما في المواشي، والأخرى زكاة الفطر في الرقيق، فأسقطوا بإحداهما زكاة التجارة في المواشي المتخذة للتجارة، وأسقطوا الأخرى بزكاة التجارة في الرقيق، وحسبك بهذا تلاعبا".
(٥) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٦) ورد هذا اللفظ من حديث ابن عمر: أخرجه البخاري في الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء برقم (١٤٨٣)، وأبو داود في الزكاة، باب صفة الزرع برقم (١٥٩٦)، وابن ماجه في الزكاة، باب صدقة الزرع والثمار برقم (١٨١٧) والبيهقي =
[ ٢ / ٥٩٢ ]
عموم في ما قل أو أكثر، وفي كل شيء إلا الحطب والقصب والحشيش - وفي أحد قَوْلَيْهِ: وإلا قصب الذريرة (^١)، قالوا وَعُمُومٌ للحر والعبد والصغير والكبير والمجنون، والمكاتب، ثم نسوا أنفسهم، فقالوا: إلا ما أصيب في أرض خراج، فلا زكاة فيه (^٢).
وقال رسول الله - ﷺ - (^٣) بوجوب الزكاة في مائتين من الدراهم (^٤)، وفي عشرين من الدنانير (^٥)، وفي ثلاثين من البقر (^٦)، وأربعين من
_________________
(١) = في معرفة السنن (٣/ ٢٨٦)، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "فيما سقت السماء والحيون أو كان عثريا العشر، وما يسقى بالنضح نصف العشر". وورد من حديث جابر: أخرجه مسلم في الزكاة (٧/ ٥٤)، وأبو داود في الزكاة، باب صدقة الزرع برقم (١٥٩٧)، وورد من حديث معاذ أخرجه ابن ماجه في الزكاة، باب صدقة الزروع والثمار برقم (١٨١٦)، وورد من حديث أبا هريرة أخرجه البيهقي في الكبرى (٤/ ١٣٠) ومعرفة السنن (٣/ ٢٨٥).
(٢) الذر: تفريق الحب والملح ونحوه، والذرور: ما يذر في العين، وعطر كالذريرة جمع أذرة، انظر القاموس المحيط مادة ذر (ص ٥٠٧) وفي اللسان (٤/ ٣٥٣) (مادة ذرر)، "الذريرة: فتات من قصب الطيب الذي يجاء به من الهند يشبه قصب النشاب".
(٣) انظر: المحلى (٥/ ٢١١) و(٥/ ٢٥١) فقد حكى المؤلف هذا المذهب عن أبي حنيفة.
(٤) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٥) مضى تخريج الخبر المفيد لذلك.
(٦) أخرج أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة برقم (١٥٧٣)، عن علي عن النبي - ﷺ - وفيه: "فإن كان لك عشرون دينارا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".
(٧) ورد ذلك في حديث معاذ أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة برقم (١٥٧٦)، والنسائي في الزكاة، باب زكاة البقر (٥/ ٢٥)، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر برقم (٦١٩)، وقال: "حديث حسن". وابن ماجه في =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الغنم (^١)، وخمس من الإبل (^٢)، فقالوا: إنما أراد أموال العقلاء البالغين الرجال والنساء الأحرار والعبيد، ولم يرد المجانين ولا الصغار، ولا المكاتبين، ولا ما زرع في أرض خراج.
ونهى رسول الله - ﷺ - (^٣) عن بيع الرُّطَب بالتمر (^٤)، فقالوا: هذا خصوص فيما كان من الرُّطَب في رؤوس النخل خاصة.
ونهى ﵇ عن التذكية بالظفر والسن (^٥)، فقالوا: إنما عنى
_________________
(١) = الزكاة، باب صدقة البقر برقم (١٨٠٣)، والحاكم في المستدرك برقم (١٤٤٩)، ولفظ أبي داود: "أن النبي - ﷺ - لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ". وزعم ابن بطال أن حديث معاذ المرفوع متصل صحيح، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٢٤): "وفي كلامه نظر". أما حديث معاذ فأخرجه أصحاب السنن، وقال الترمذي: "حسن". وأخرجه الحاكم في المستدرك، وفي الحكم بصحته نظر، لأن مسروقا لم يلق معاذا، وإنما حسنه الترمذي لشواهده". وانظر أيضا: التلخيص الحبير (٢/ ١٥٢).
(٢) ورد ذلك في حديث أنس عن أبما بكر، مر تخريجه.
(٣) ورد ذلك في حديث أنس عن أبا بكر، مر تخريجه.
(٤) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٥) أخرجه أبو داود في البيوع، باب في التمر بالتمر برقم (٣٣٥٩) والنسائي في الصغرى (٧/ ٢٦٨) وابن ماجه في التجارات، باب بيع الرطب بالتمر برقم (٢٢٦٤)، وساقه أبو داود من طريق عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك وقال سمعت رسول الله - ﷺ - يُسْألُ عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله - ﷺ -: أينقص الرطب إذا يبس قالوا: نعم، فنهاه رسول الله - ﷺ - عن ذلك.
(٦) في حديث رافع بن خديج قال: "قال النبي - ﷺ -: "كل - يعني ما أنهر الدم - إلا السن والظفر" أخرجه البخاري في الذبائح، باب لا يذكى بالسن والعظم والظفر برقم =
[ ٢ / ٥٩٤ ]
الظفر النَّاتِئَة في الأصبع والسن النَّاتِئَة في الفم خاصة (^١).
وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^٢)، قالوا: أراد العرب خاصة، ثم زادوا هوسا وضلالا فقالوا فإن ارتد العرب بعد إسلامهم وبانوا بدارهم (^٣)، وعاودوا عبادة الأوثان وامتنعوا هم وأولاهم، حتى ماتوا قبلت الجزية من أولادهم، وَتُرِكُوا ذِمَّةً.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٤)، قالوا: لم يرد من الجراح إلا الموضحة فقط (^٥).
_________________
(١) = (٥٥٠٦)، ومسلم في الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر، وسائر العظام (١٣/ ١٣٢)، وأبو داود في الضحايا، باب في الذبيحة بالمروة برقم (٢٨٢١)، وابن ماجه في الذبائح، باب ما يذكى به برقم (٣١٧٨)، والنسائي في الضحايا، باب في الذبح بالسن (٧/ ٢٢٦)، والترمذي في الصيد، باب في الذكاة بالقصب وغيره برقم (١٥٢٢).
(٢) قال الكاساني في بدائع الصنائع (٥/ ٤٢) تفسيرا لحديث النهي عن التذكية بالظفر والسن: "وأما الحديث فالمراد السن القائم، والظفر القائم، لأن الحبشة إنما كانت تفعل ذلك لإظهار الجلادة، وذاك بالقائم لا بالمنزوع، والدليل عليه أنه روي في بعض الروايات، إلا ما كان قرضا بسن أو حزا بظفر، والقرض إنما يكون بالسن القائم". وانظر تعليق المؤلف على قول الحنفية في المعلى (٧/ ٤٥٠ - ٤٥٢).
(٣) سورة التوبة، الآية ٥.
(٤) كذا، وقد يتَّجه لَهَا معنى بِصُعُوبَةٍ.
(٥) سورة النحل، الآية ١٢٦.
(٦) إنما رأى الحنفية القصاص في الموضحة لِعُمُوم قوله ﷾: =
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وقال رسول الله - ﷺ - (^١): "التمر بالتمر ربا، إلا هاء وهاء، كيلا بكيل" (^٢)، قالوا أراد كل تمر وكل بُرٍّ، وإن اختلفت أصنافه، ولم يرد التمرتين ولا الثلاث.
وقال تعالى (^٣): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (^٤)؛ قالوا خصوص لمن كان (^٥) لم يكن محصنا (^٦).
_________________
(١) = ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، قالوا: "ولأنه يمكن استيفاء القصاص فيها على سبيل المماثلة، لأن لها حدا تنتهي إليه السكين وهو العظم"، وانظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٠٩) والمحلى (١٠/ ٤٦١).
(٢) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٣) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع التمر بالتمر برقم (٢١٧٠)، ومسلم في المساقاة، باب الربا (١١/ ١٢)، وأبو داود في البيوع، باب الصَّرْف برقم (٣٣٤٨)، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في الصرف برقم (١٢٦١)، وابن ماجه في التجارات، باب الصرف، وما لا يجوز متفاضلا يدا بيد برقم (٢٢٥٣)، والنسائي في البيوع، باب بيع التمر بالتمر متفاضلا (٧/ ٢٧٣) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "البر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء"، هذا لفظ البخاري. قال النووي في شرح مسلم (١١/ ١٢) عند قوله: "هاء وهاء". فيه لغتان المد والقصر، والمد أفصح وأشهر، وأصله هاك، فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه خذ هذا، ويقول صَاحِبُهُ مثله".
(٤) في (ش): وقال ﷿.
(٥) سورة النور، الآية ٤.
(٦) ساقطة من (ت).
(٧) ولذلك جعل الحنفية من شرائط إقامة حد الزنا: الإحصان، وهو شرط للجلد، ولذلك رأوا أن لا يجمع بين الجلد والرجم، وانظر: الهداية (٢/ ٣٨٥) وبدائع الصنائع (٧/ ٣٩) والباب في شرح الكتاب (٣/ ١٨٣)، لكن ليس الحنفية وحدهم =
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (^١)، قالوا: استشهاد أربعة عموم لكل كافرة ومؤمنة، حرة أو أمة، والجلد خصوص للقاذف المسلمةَ الحرةَ فقط (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية (^٣)، قالوا إنما أراد الله ﷿، البُصَرَاءَ والأحرارَ في الحرائر من المسلمين خاصة، الفُسَّاقُ والعدولُ سواء؛ ومن لم يجُلد قط في قذف ولا حد (^٤).
_________________
(١) = ممن انفردوا بهذا القول، بل شاركهم في ذلك غيرهم كالمالكية، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي المعافري (٣/ ٣٣٣) والمحلى (١١/ ٢٣٠).
(٢) سورة النور، الآية ٤.
(٣) قال الكاساني في بدائع الصنائع (٧/ ٤٠) في تعداد شروط المقذوف: "وأما الحرية فلأن الله ﷾ شرط الأحصان في آية القذف وهي قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، والمراد من المحصنات ههنا الحرائر، لا العفائف عن الزنا، فدل أن الحرية شرط، ولأنا لو أوجبنا على قاذف المملوك الجلد، لأوجبنا ثمانين، وهو لو أتى بحقيقة الزنا لا يجلد إلا خمسين؛ وهذا لا يجوز"، وانظر في مناقشة هذا القول المحلى (١١/ ٢٧١).
(٤) وتمامها: "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين". سورة النور، الآيتان ٦، ٧.
(٥) في (ت): "ولاهر" وكُتِب فوقها: "كذا"؛ وفي (ش): "ولاهي" وصحتُها بما تَرَاهُ؛ والله أعلم. هذا ولم يقبل الحنفيه الأعمى والمحدود في القذف، والعبيد في الشهادة، قالوا لأنهم ليس لهم أهلية ذلك تحملا وسماعا، وانظر: بدائع الصنائع (٧/ ٤٨). وانظر: نقد المؤلف لهذا القول في المحلى (٩/ ٤١٢، ٤٣١، ٤٣٣).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (^١)، فقالوا: لم يرد قط الطلاق البائن، وما علمنا في القرآن والسنة طلاقا بائنا، إلا غير المدخول بها، والمطلقة ثلاثا فقط (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (^٣)، قالوا: عموم لكل مسجد، وللحرة والأمة، والحر والعبد (^٤).
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٥)، قالوا عموم لكل كافر أسلم؛ وخالفوا السنة في اشتراط التوبة مما سلف له أيضا (^٦).
وقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (^٧)، قالوا: عموم لكل رضاع، ولو نقطة واحدة (^٨).
_________________
(١) سورة الطلاق، الآية ٢.
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٩٠) والمحلى (١٠/ ٢٦٢).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٨٧).
(٤) انظر هذا المعنى في: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٥) سورة الأنفال، الآية ٣٨.
(٦) كأن المصنف يشير إلى حديث "الإسلام يجب ما كان قبله". أخرجه الطبراني كما ذكر ذلك المناوي في فيض القدير (٣/ ١٨٠) وأورد ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٠٩) هذا الحديث بلفظ: "الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها". وعزاه إلى الصحيح.
(٧) سورة النساء، الآية ٢٣. ووردت الآية في (ش) مقلوبة.
(٨) مذهب الحنفية أن الرضاع الذي يحرم هو القليل والكثير ولو رضعة واحدة فما فوقها في الحولين. وانظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٢٠) وتحفة الفقهاء (١/ ٢٣٧) واللباب في =
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وقال رسول الله - ﷺ - (^١): "لا يقتل مؤمن بكافر" (^٢)، فقالوا: إنما أراد الكافر الحربي" (^٣).
وقال رسول الله - ﷺ - (^٤): "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (^٥)، قالوا: إنما أراد الكافر الذي يقر على كفره، ولا يقتل؛ بقوله: "لا يرث المسلم الكافر"؛ وأما قوله: "لا يرث الكافر المسلم"، فعموم لكل كافر مرتد (^٦)، وغيره، فجمعوا في هذه الأقوال التلاعب بالقرآن والسنن في حملها على العموم، ومرة على الخصوص بآرائهم، والكذب على الله تعالى جهارا بتقويل رسول الله - ﷺ - (^٧) ما لم يقل، وهذه طَوّامٌ نُسيءَ الظن بصاحبها.
قال أبو محمد: رحمه الله تعالى (^٨) لم نذكر لهم شيئا خصوه بسنة
_________________
(١) = شرح الكتاب (٣/ ٣١) وحكى المصنف في المحلى (١٠/ ١٥) هذا القول وقال: ثم نظرنا فيما احتج به من رأى أن التحريم بقليل الرضاعة وكثيرها فوجدناهم يحتجون بقول الله ﷿: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. قالوا: فعم الله ﷿ ولم يخص". ثم ذكر المؤلف آثارًا مما استدل به الحنفية وناقش كل ذلك فانظره.
(٢) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) انظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٣٦).
(٥) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٦) مر تخريجه.
(٧) حكى المصنف في المحلى (٩/ ٣٠٥ - ٣٥٦) هذا القول وانتقده.
(٨) سَقَطَ لفظ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - من (ت).
(٩) ساقطة من (ت).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
صحيحة أصلا؛ لكن إما بخبر ساقط، وإما بتقليد فاسد، وإما بقياس سخيف، وإما برأي ضعيف، ولو تقصينا هذا الباب لكثر جدا ولما سَلِمَ لهم نصٌّ من الأخذ بعمومه خلافا لسنة صحيحة خصته، أو خصوه بالباطل، وفيما ذكرنا كفاية لِمَنْ عَقَلَ.
وبالله تعالى (^١) التوفيق.
* * *
_________________
(١) ساقطة من (ت).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
القول في طرف من تناقضهم في أوامر الله تعالى في القرآن، وعلى لسان رسول الله (^١) - ﷺ -، فحملوا بعضَها على الوجوب، وبعضَها على الإباحة تحكما بالباطل، بلا برهان من نص آخر ثابت أصلا (^٢).
قال أبو محمد: رحمه الله تعالى (^٣) أوجبوا المضمضمة والاستنشاق في الجنابة فرضا بخبر فاسد، قد خالفوه على ما ذكرنا قبل، ثم صح أمرُ الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ - (^٤) بالاستنشاق والاستنثار في الوضوء فقالوا: ليس ذلك فرضا، وكلاهما ليس في القرآن.
وقال بعضهم أمر بغسل جميع الجسد، وكان حكمُ باطن الأنف (^٥)، وباطن الفم، حكمَ الأعضاء الظاهرة، لأن ما جُعل فيهما لا يفطر الصائم، فقلنا: وأمر بغسل (^٦) جميع الوجه في الوضوء، وكان حكم باطن الأنف وباطن الفم، حكم الأعضاء الظاهرة، لأن ما جُعل فيهما لا يفطر الصائم فَقُلنا، وأُمرنا بغسل جميع الوجه في الوضوء؛ وكان حُكم باطن الأنف والفم، حكم أعضاء الوجه
_________________
(١) في (ش): رَسُوله.
(٢) أغلب ما سيذكره المؤلف هنا قد تم الكلام عليه، وقد آثرت عدم الإحالة عليه، لأن ذلك يطول ويثقل الحواشي، فما علقت عليه منه فلم يسبق وما أعرضت عنه فقد تقدم.
(٣) في (ت): ساقطة.
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) في (ش) كُررت باطن الأنف؛ والصواب ما في (ت).
(٦) في النُّسختين: بالغسل: وكُتب فوقها في ت: "كذا" وصححناها بما تراه والله أعلم.
[ ٢ / ٦٠١ ]
الظاهرة؛ لأنَّ ما جُعل فيهما لا يفطر الصائم ولا فرق.
وأوجبوا الجلوس في آخر الصلاة فرضا، ولم يأت به أمر إلا في الأمر بالتشهد فيه، ولم يوجبوا الأمر بالتشهد فرضا.
وأسقطوا وجوب كل أمرٍ، أَمَرَ به رسولُ الله - ﷺ - (^١) في الصلاة، من الاعتدال في القيام والركوع والسجود، والسلام والتشهد، والذكر في السجود والركوع والقراءة لأم القرآن (^٢)، وغير ذلك.
وأوجبوا الأضحية فرضا، وترك الكلام في الصلاة أيضا.
وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة فرضا، بأمر ورد فيهما، وتركوا له قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (^٣)، وهذه ألفاظ مسقطة لوجوب الطواف بهما (^٤).
وأسقطوا وجوب العمرة، وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٥)، وقال رسول - ﷺ - (^٦): "حُجَّ عن أبيك واعتمر" (^٧)
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) في (ش): لأم الكتاب.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٥٨.
(٤) انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ٩٦).
(٥) سورة البقرة، الآية ١٩٦.
(٦) سقطت من (ت).
(٧) أخرجه أبو داود في المناسك، باب الرجل يحج عن غيره برقم (١٨١٠)، والترمذي في الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت برقم (٩٣٣)، والنسائي =
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وصح ذلك عنه ﵇، فردوا كل ذلك بخبر ساقط لا يجوز الاحتجاج به (^١).
وأسقطوا وجوب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (^٢)، فقالوا: ذروا البيع ندب، واسعوا إلى ذكر الله تعالى، خصوص للأحرار من
_________________
(١) = في الكبرى في الحج، باب العمرة على الرجل الذي لا يستطيع برقم (٣٦١٧)، وابن ماجه في المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع برقم (٢٩٠٢)، والبيهقي في الكبرى في الحج، باب المنضو في بدنه لا يثبت على مركب وهو قادر برقم (٨٦٣٢ - ٤/ ٥٣٩) كلهم عن أبي رزين أنه قال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة ولا الظعن قال: أحجج عن أبيك واعتمر". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٦٧٨): "وأخرجه أبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري في تلخيصه تصحيح الترمذي وأقره".
(٢) لعل الإشارة إلى الحديث الذي أخرجه البيهقي في الكبرى في الحج، باب من قال العمرة تطوع برقم (٨٧٥٠ - ٤/ ٥٦٩) من طريق الثوري عن محاوية بن إسحاق عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله - ﷺ - قال: "الحج جهاد والعمرة تطوع". قال البيهقي: "قال الشافعي في الكتاب: فقلت له يعني بعض المشرقيين: أتثب مثل هذا عن النبي - ﷺ - فقال: هو منقطع". قال البيهقي: "وقد روي من حديث شبعة عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح عن أبي هريرة موصولا، والطريق فيه إلى شعبة طريق ضعيف". وقال الحنفية والمالكية العمرة ليست فرضا، واستدلوا بأدلة تنظر في: المغني لابن قدامة (٣/ ١٧٣) والتحقيق لابن الجوزي (٢/ ١٢٢) والمحلى (٧/ ٤١ - ٤٢) وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
(٣) سورة الجمعة، الآية ٩.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
أهل الأمصار فقط (^١).
وقال رسول الله - ﷺ - (^٢): "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (^٣)، فقالوا: هذا فرض في العمد والنسيان (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^٥)، فقالوا: هذا فرض في العمد، وليس فرضا في النسيان (^٦).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (^٧)، فقالوا: ليس هذا فرضا للأثر الذي صح فيه:
_________________
(١) انظر: المحلى (٥/ ٤٩).
(٢) سقطت من ت.
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة (٥/ ٢٠)، وأبو داود في الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة برقم (٩٣٠)، والنسائي في الصغرى في الصلاة، باب الكلام في الصلاة (٣/ ١٥)، والدارمي في الصلاة، باب النهي عن الكلام في الصلاة برقم (١٤٧٣) كلهم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله وفيه قال رسول الله - ﷺ -: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن".
(٤) انظر: المحلى (٤/ ٣).
(٥) سورة الأنعام، الآية ١٢١.
(٦) حكى المصنف في المحلى (٧/ ٤١٢) هذا القول ورده قائلا: "هذا من التمويه القبيح، وليت شعري أي ذكر في هذا الخبر لإباحة كل ما لم يسم الله تعالى عليه، بل حجة عليهم كافية ". ثم استرسل في ذكر بقية أدلة المسألة فانظرها في (٧/ ٤١٣).
(٧) سورة البقرة، الآية ١٩٨.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
"الحج عرفة" (^١).
وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة مرتين على القارن، ولم يتفق على وجوبه مرة، فكيف مرتين؟ ولم يردوه بالأثر: "الحج عرفة" (^٢).
وأمر ﷿ بالقصر والفطر في السفر، فقالوا: القصر فرض، وليس الفطر فرضا، وليس في نص القرآن إلا إيجاب الفطر، والتخيير في القصر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٤)، فقالوا: ليس فرضا (^٥).
وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (^٦)، فقالوا: هذا فرض (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٠٩) "موارد الظمآن، وأبو داود في المناسك، باب من لم يُدرك عرفة برقم (١٩٤٩)، والنسائي في الحج، باب فرض الوقوف بعرفة (٥/ ٢٥٦) وابن ماجه في المناسك برقم (٣٠١٥)، والحاكم في المستدرك برقم (١٧٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ١٧٣)، وأحمد في المسند برقم (١٨٨٥٦)، وقال البيهقي في المعوفة (٤/ ١٦٢): "قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري: ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف من هذا". وانظر في فقه هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣١٠).
(٢) انظر: المحلى (٧/ ١٧٥).
(٣) سورة النساء، الآية ١٠١، وانظر: المحلى (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
(٤) سورة الطلاق، الآية ١.
(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٧٩).
(٦) سورة الطلاق، الآية ١.
(٧) انظر: المحلى (١٠/ ٢٨٨) والمغني لابن قدامة (٧/ ٣٤٨).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^١).
فقالوا: ليس فرضا.
وقال تعالى في الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) فقالوا: هذا فرض في الطلاق والنكاح أيضا، ثم سَخُفُوا ما شاؤوا، فقالوا ليس إشهاد ذوي عدل فرضا، بل إن أشهد بَغَّائَين أو قاطِعَيْ سبيل أو سارقَيْن أو سارقًا وزانيين، كلهم مصر على هذه الفواحش غير تائبين عنها، فقد أدى فرضه اللازم له، وليس عليه كثر من ذلك.
وقال الله (^٣) تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٤)، فقالوا: ليس قبضها فرضا (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (^٦)، فقالوا: الصوم في الاعتكاف فرض، لأنه ذُكر إلى جَنْب الصوم (^٧).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (^٨)، فقالوا ليس ترك البيع فرضا، ثم أوجبوا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٨٢.
(٢) سورة الطلاق، الآية ٢.
(٣) سقطت من (ت).
(٤) سورة البقرة، الآية ٢٨٣.
(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٢٣) والمحلى (٨/ ٨٧ - ٨٨).
(٦) سورة البقرة، الآية ١٨٧.
(٧) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٤٥).
(٨) سورة الجمعة، الآية ٩.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الخطبة في الجمعة فرضا بقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ (^٢)، فقالوا: هذا فرض (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٤)، قالوا: ليس فرضًا (^٥).
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٦): وهذا يكثر منهم جدا حتى ما يكاد أن يسلم أمر وارد في نص القرآن، أو سنة من تناقضهم فيه، وتحكمهم بالباطل؛ وفيما (^٧) ذكرنا كفايةٌ لمن نصح نفسه، وتنبيهٌ لمن تأمل أقوالهم، فإنه لا يحفى عليه بحول الله تعالى تحكمهم بالباطل في الأوامر، وبالله تعالى (^٨) التوفيق.
* * *
_________________
(١) سورة الجمحة، الآية ١١. وانظر: المحلى (٥/ ٧٩ - ٨٠).
(٢) سورة البقرة، الآية ٢٣٦.
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٢٨) والمحلى (١٠/ ٢٤٦).
(٤) سورة البقرة، الآية ٢٤١.
(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٢٩) والمحلى (١٠/ ٢٤٦).
(٦) سقطت من (ت).
(٧) سقطت من (ش) وفيها: "وفي كفاية".
(٨) سقطت من (ت).
[ ٢ / ٦٠٧ ]