وهو أيضا قول لم يقله رسول الله - ﷺ - (^١) قط (^٢)، فعطلوا الحدود الواجبة التي أمر الله ﷿ (^٣) في القرآن بها وفي بيان رسول الله ﵇ (^٤) بشبهات فاسدة، ثم أقاموا حدودا لم يأمر الله تعالى قَطٌّ بها، ولا رسوله - ﷺ - (^٥)؛ فأثبتوها بالشبهات الفاسدة (^٦).
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) يشير المؤلف إلى حديث: "ادرؤوا الحدود بالشبهات، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى". قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: "خرجَّه أبو أحمد بن عدي في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة من رواية ابن لهيعة عن ابن عباس". قال الحافظ ابن حجر في تخريج المختصر: "وهذا الإسناد إن كان مَنْ بين ابن عدي، وابن لهيعة مقبول فهو حسن". قال المناوي في فيض القدير: "وذكر البيهقي في المعرفة أنه جاء من حديث علي مرفوعا، وذكر التاج السبكي في شرح المختصر أَنَّ أبا محمد الحارثي ذكره في مسند أبي حنيفة من حديث ابن عباس، ووهم من أخذ كلامه فنسبه إلى أبي محمد الدارمي فكأنه تحرف عليه". وقال السيوطي في الجامع الصغير: "وروى صدره أبو مسلم الكجي، وابن السمعاني في الذيل عن عمر بن عبد العزيز مرسلًا". قال ابن حجر: "وفي سنده من لا يعرف"، قال السيوطي: "ومسدد في مسنده عن ابن مسعود موقوفا". قال ابن حجر في شرح المختصر: "وهو موقوف حسن الإسناد". قال المناوي: "وبه يرد قول السخاوي طرقه كلها ضعيفة، نعم أطلق الذهبي على الحديث الضعف ولعل مراده المرفوع". وانظر: فيض القدير (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
(٣) ساقطة من (ت).
(٤) في (ش): ﷺ.
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) ساقطة من (ت).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^١): أسقطوا حد الخمر الواجب عمن أقر بشربه (^٢) اليوم، إلا أنه لا يوجد ريحها من فيه (^٣)، وأسقطوا الحد عن السكران جملة، وأسقطوا الحد في (^٤) كل ذلك، عمن قامت عليه بينة عادلة بأنهم شاهدوه اليوم يشربها، إلا أنهم لم يأتوا به سكران، ولا وجد ريحها عليه.
وأسقطوا الحد عمن شهدت البينةُ العَدْلَةُ بأنه شرب شراب عسل مسكر؛ وأتوا به سكران، أو يوجد ريحها من فمه.
وأوجبوا الحد على من شهدت البينةُ العَدَلَةُ بأنه شرب نبيذ تمر مطبوخا أو نيئا، إذا أتوا به سكران فقط (^٥). ثم أوجبوا حد الخمر في كُلِّ مَا ذكرنا ثمانين جلدة (^٦)، ولم يوجب الله تعالى قط في ذلك إلا أربعين فقط، ولا رسوله - ﷺ - (^٧) إلا ذلك (^٨)، ولا صَحَّ عن أحد من
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) في (ش) بأنَّه شَرِبَهُ.
(٣) جعل الحنفية قيام الرائحة في السكران شرطا من شروط الحد، وانظر: بدائع الصنائع (٧/ ٥١) والباب في شرح الكتاب (٣/ ١٩٢) والهداية (٢/ ٣٩٨).
(٤) في (ت) عن، وما في (ش) أحسن.
(٥) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ١١٥) والمحلى (١١/ ٣٧٣).
(٦) ينظر مذهب الحنفية في حد الخمر في: المختصر للطحاوي (ص ٢٧٨) وبدائع الصنائع (٥/ ١١٣) والمحلى (١١/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) أَخْرَجَ مسلم في الحدود، باب حد الخمر (١١/ ٢١٥) من طريق شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - أُتِيَ برجل قد شرب الخمر، فجلده =
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الصحابة - ﵃ - أن الحد الواجب في ذلك إلا أربعين فقط، وإنما جلد عمر الزيادة تعزيرا فقط (^١).
وأما في القذف، فإنهم يقيمون الحد في ذلك على من قذف زوجته بالزنا وهي حرة وهو عبد، أو وهو قد جلد في قذف مُذْ أعوام (^٢)، وتالله ما أوجب الله تعالى قط على هذين حد قذف في ذلك إلا أن لا يلاعنها، وحد (^٣) بالقذف ألف رجل عدول فضلاء أتوا شاهدين بالزنا على امرأة، إلا أنهم أتوا متفرقين، وهذا أعظم شبهة في الدنيا، بل أعظم بيان، لأن الله تعالى لم يوجب قط على الشاهد حدا، واحتجوا في ذلك بعمر، ثم خالفوه في هذا نفسه، إذ قذف أبو بكرة المغيرةَ بعد تمام جلده، فلم يحده ثانية (^٤).
_________________
(١) = بجريدتين نحو أربعين قال: "وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر". والمراد بعبد الرحمن بن عوف.
(٢) حكى المصنف في المحلى (١١/ ٢٦٤ - ٣٦٥) مذهب الحنفية ثم قال: " فمن تعلق بزيادة عمر - ﵁ -، ومن زادها معه على وجه التَّعزير، وجعل ذلك حدا واجبا مفترضا، فليزمه أن يحرق بيت بائع الخمر، ويجعل ذلك حدا مفترضا لأن عمر فعله، وأن ينفي شارب الخمر أيضا، ويجعله حدا واجبا لأن عمر فعله".
(٣) انظر مختصر الطحاوي (ص ٢٦٦).
(٤) كذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وحَدُّوا بالقذف.
(٥) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٢٨٨٢٤ - ٥/ ٥٤٥) من طريق أبي أسامة عن عوف عن قسامة بن زهير قال: "لما كان من شأن أبي بكرة والمغيرة بن شعبة الذي كان؛ قال أبو بكرة: اجتنب أو تنح عن صلاتنا، فإنا لا نصلي خلفك، قال: فَكَتَبَ إلى عمر في شأنه، قال: فكتب عمر إلى المغيرة: أما بعد فإنه قد رقي إلي من حديثك حديث، فإن =
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ثم أسقطوا حد القذف الذي أمر الله تعالى به عَمَّن قذف أم رسول الله - ﷺ - (^١) بالزنا، وعمن قذف مارية أم إبراهيم بن رسول الله - ﷺ - (^٢) بالزنا، نعم، وعمن قذف عائشة أم المؤمنين لأنه لا يطلب حد قذف الميتة في دينهم الأَبْخَر، دين الشيطان الرجيم إلا ولدها، أو من تناسل من ولدها، ولا ولد لعائشة وَلَا نَسْلَ؛ لكن العجبُ يَسْقُطُ ههنا عند إباحتهم لليهود والنصارى والمجوس والمنانية (^٣) والديصانية (^٤)
_________________
(١) = يكن مَصْدُوقًا عليك فلأن يكون مت قبل اليوم خير لك، قال: فكتب إليه وإلى الشهود أن يقبلوا إليه؛ فلما انتهوا إليه دعا الشهود فشهدوا، فشهد أبو بكرة وشبل بن معبد وأبو عبد الله نافع، فقال عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة: "أود المغيرة أربعة"، وشق على عمر شأنه جدا، فلما قدم زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق؛ ثم شهد قال: أما الزنا، فلا أشهد به، ولكني رأيت أمرا قبيحا، فقال عمر: الله أكبر حدوهم، فجلدوهم؛ فلما فرغ من جلد أبي بكرة، قام أبو بكرة فقال: أشهد أنه زان، فهم عمر أن يعيد عليه الحد؛ فقال علي: إن جلدته فارجم صاحبك، فتركه، فلم يجلد، فما قذف مرتين بعد". وأبو بكرة المذكور هنا هو نفيع بن مسروح بن كلدة الثقفي، وقيل نفيع بن الحارث، كان قد أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وانتقل إلى البصرة، روى عن النبي - ﷺ -؛ وعنه أولاده: عبيد الله وعبد الرحمن وعبد العزيز وأبو عثمان النهدي وغيرهم. أخرج لَهُ الجماعة. توفي سنة ٥٠ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥) وتجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٥٢) والإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ٣٦٩).
(٢) ساقطة من (ت).
(٣) ساقطة من (ت).
(٤) أو المانوية أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، أحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح ولا يقول بنبوة موسى. انظر: الملل والنحل (ص ٢٤٥).
(٥) أصحاب ديصان أثبتوا أصلين: النور والظلام، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا، =
[ ٢ / ٦٢٥ ]
والدهرية وعباد الأوثان إعلان سب رسول الله - ﷺ - (^١) في الجوامع في اجتماع المسلمين بأعظم ما يكون من السب، والتكذيب والفحش، ولا يرون عليهم في ذلك شيئا أصلا غير النهي لهم فقط (^٢).
وأقوالهم تقتضي يقينًا أنهم إن سبوا الله ﷿ كذلك، فلا شيء عليهم، غير النهي فقط، لأن حجتهم في ذلك أن الذي أقروا عليه من الكفر أشد من ذلك؛ وهذا يدخل سب الكفار على الله تعالى، فيما قلنا عنهم، من أنه لا عقوبة عليهم في ذلك.
وأما في الزنا، فأسقطوا الحد عن كل مَنْ أعطى امرأة درهما، ثم زنى بها، وعن كل من زنى في عسكر المسلمين بعد دخولهم دار الحرب، وعمن زنى في عسكر أهل البغي، وعن الإمام يزني بنساء المسلمين علانية، وعن الذمي يزني بنساء المسلمين كل يوم جهارا (^٣)؛ ثم
_________________
(١) = والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا. انظر أقوالهم ومذابههم في الملل والنحل (ص ٢٥١ - ٢٥٢).
(٢) ساقطة من (ت).
(٣) انظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٦٢) والبحر الزخار (٦/ ٢٦٢) والبحر الزخار (٦/ ٢٠٦). وذكر المؤلف في المحلى (١١/ ٤١٥) هذه المسألة؛ وحكي مذاهب الفقهاء فيها، وناقش الحنفية في قولهم.
(٤) قال الأحناف: الوطء في دار الحرب، وفي دار البغي لا يوجب الحد، حتى إن زنى في دار الحرب أو دار البغي ثم خرج إلى ديار المسلمين، لا يقام عليه الحد، "لأن الزنا لم ينعقد سببا لوجوب الحد حين وجوده، لعدم الولاية، فلا يستوفى بعد ذلك". كما أسقط الحنفية الحد عن الحربي المستأمن إذا زنى بمسلمة، أو ذمية، أو ذمي، زنى بحربية مستأمنة، وقالوا أيضا إن كل شيء صنعه الإمام الذي ليس فوقه إمام، فلا حد =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
أقاموا الحد على امرأة شهد عليها بالزنا أربعة: أحدهم زوجها؛ وهذه أعظم شبهة، لأن جماعة من الفقهاء يدرأون عنها بذلك الحد (^١)؛ وهو قول ابن عباس (^٢) ولا مخالف له في ذلك يُعرف من الصحابة (^٣) - ﵃ - (^٤).
وأما في السرقة، فأسقطوا حد السرقة عمن ادعى أنها له، وعمن سرق خشبا يساوي ألف دينار، إلا أن يكون ساجا؛ وعمن سرق لحما يساوي مثل ذلك.
ثم قالوا إن اجتمع ألف رجل، فدخلوا دارا فسرق أحدهم بحضرة جميعهم، ورضاهم دينارا واحدا، وخرج به، فإن القطع على جميعهم، فاعجبوا لإسقاطهم الحد عمن سرق، وإيجابهم إياه على من لم يسرق (^٥).
_________________
(١) = عليه إلا القصاص، فإنه يؤخذ به وبالأموال، وانظر تفاصيل هذه الأقوال في: الهداية (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣) وبدائع الصنائع (٧/ ٣٤ - ٣٨).
(٢) في (ش): "يدرأون الحد عنْها بذلك"، ولها وَجْهٌ صحيحٌ.
(٣) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه برقم (٢٨٦٨٧ - ٥/ ٥٢٦) عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها قال: "تلاعن زوجها، ويُضرب الثلاثة". وما ذكره المؤلف من أن ذلك هو قول جماعة من الفقهاء، قلت: منهم ابن المسيب، والحسن البصري والشعبي وإبراهيم، وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٢٨٦٨٨ و٢٨٦٨٩ و٢٨٦٩٥ و٢٨٦٩١) الآثار المفيدة لذلك عنهم.
(٤) انظر مناقشة المؤلف للحنفية في مذهبهم في المحلى (١١/ ٢٦١، ٢٦٢).
(٥) سقط التَّرضي من (ت).
(٦) انظر الهداية (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠) وبدائع الصنائع (٧/ ٦٨) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وأما حد الحرابة، فأسقطوه عن الجماعة المحاربة، إذا كانت معهم امرأة زانية؛ أو صبي بِغَاءٍ؛ فكلما زاد جُرمهم عندهم، سقط الحد عنهم! !
وأما القتل، فاسقطوا القصاص عمن قتل ابنه عَمْدًا أَوْ عبده عمدا (^١)، وقتلوا ألف مسلم قتلوا يهوديا سمعوه يسب رسول الله - ﷺ - وأسقطوا القصاص عمن أخذ هراوة، فضرب بها رأس مسلم حتى تطايرت شؤون رأسه، وانتثر دماغه، ومات (^٢).
فاعجبوا لهذه الفضائح المُردية، والقبائح المبدية (^٣)، فهذا عملهم في نصوص القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ - (^٤)، في رد كل ذلك ومعصيته، وأخذهم بالمكذوب، والموضوع، وتناقضهم في ذلك؛ ونعوذ بالله من الخذلان.
وَأَمَّا مَا مَوَّهُوا به بتعلقهم (^٥) بالصحابة - ﵃ - (^٦) فنحن أيضا إن شاء الله تعالى محتسبون الأجرَ عند الله تعالى في تَجلِيَتِهمْ عن هذا المشرب، وبيان كذبهم في ادعائه، كما فَعَلْنَا في السنن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي (ص ٢٣١) وبدائع الصنائع (٧/ ٢٣٥) والمحلى (١٠/ ٣٤٨).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٣٩).
(٣) كذا.
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) كذا ولعلها "من تعلقهم" والله أعلم.
(٦) ساقطة من (ت).
[ ٢ / ٦٢٨ ]