كان دخول العرب المسلمين إلى شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، فتحا عظيما وجهادا كبيرا رائعا، نقل تلك القطعة من الأرض من حال إلى حال، ومن عهد إلى عهد، بما أحدث فيها من حضارة وعمران، ومدنية وازدهار.
والأندلس -ناحية من تلك الجزيرة عمرها العرب المسلمون، فسكنوا مدنها وقراها وكورها، وشادوا في جنباتها مدارس العلم، ومعاهد الآداب والفنون، ودور الصناعة، وأسواق التجارة. وغدت لهم - بعد الغربة- دَارًا ووطنا، ملء أسماعهم وأبصارهم، لا تفتر ألسنتهم عن ذكر محاسنها، ولا تنقطع بهم فنون القول عن تعداد فضائلها، حتى بعدما جلوا عن أرضها وسمائها.
يقول لسان الدين ابن الخطيب: "خَصَّ الله تعالى بلاد الأندلس من الريع، وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وجودة اللباس، وصحة الهواء، ابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وفنون الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار " (^١).
ولم ير العرب المسلمون في الأرض: بلادا أجمل من أندلسهم، ولا
_________________
(١) انظر: نفح الطيب (ج ١ / ص ٢٥٤).
[ ١ / ٢١ ]
¬إقليما أحسن من صقعهم، لأنه جمع من المحاسن ما تفرق في غيره، ومن الفضائل ما تشتت في سواه، يقول أبو عبيد البكري: "الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواحلها " (^١).
وكانت هذه الأرض الطيبة هي تلك التي نطيت فيها عن ابن حزم تمائمه، فولد فيها، ودرج بين أكفانها، وعاش بين جنباتها بين سنة ٣٨٤ هـ وسنة ٤٥٦ هـ، وفي هذه الفترة شهدت الأندلس أفول نجم الخلافة، ومجيء دول الطوائف والتنازع على الإمارة. وتفصيل ذلك: أنه لما توفي الحكم الثاني المستنصر بالله (^٢) سنة ٣٦٦ هـ خلفه ابنه الصبي هشام المؤيد بالله (^٣)، وهو فتى في العاشرة من عمره، قليل التجربة، ضعيف العقل، خائر القوى، فحجبه في القصر، واستبد بالأمر دونه المنصور بن أبي عامر (^٤) الذي استطاع أن يتسنم ذروة الحكم الحقيقي في
_________________
(١) انظر: نفح الطيب (ج ١ / ص ٢٥٥).
(٢) هو الحكم بن عبد الرحمن الناصر، ولي الخلافة وله سبع وأربعون سنة، وكان حسن السيرة، جامعا للعلوم، محبا لها، مكرما لأهلها، مواصلا لغزو الروم، واتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ٣٦٦ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ علماء الأندلس (ص ٧) وجذوة المقتبس (ص ١٩) والمغرب (١/ ١٨١) ونفح الطيب (١/ ١٨٠).
(٣) هو هشام بن الحكم المستنصر، بويع بالخلافة سنة ٣٦٦ هـ، ولما يجاوز الثانية عشرة من عمره ولم يزل متغلبا عليه، لا يظهر ولا ينفذ له أمر حتى خلع سنة ٣٩٩ هـ. انظر ترجمته في: جذوة المقتبس (ص ٢١) وتاريخ ابن خلدون (٤/ ١٤٧) وبغية الملتمس (ص ٢١).
(٤) انظر: جذوة المقتبس (ص ٢١) والمغرب (ج ١ / ص ١٩٩).
[ ١ / ٢٢ ]
¬الأندلس، وأن يصيره في ذريته من بعد فترة تزيد على ثلاثة عقود (^١).
ولقد تمكن المنصور بن أبي عامر من القضاء على خصومه، والظهور عليهم، فدانت له الأندلس، وأمنت به، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته، لعظيم سياسته وهيبته، ومع ذلك فقد أساء حينما أزال هيبة الخلافة الأموية من نفوس الناس، بتسلطه عليها، وجعلها شعارا لا معنى له، ودولة لا سلطان لها، وعرشا لا حكم له، كما أساء مرة أخرى حينما جرى على سنن الناصر (^٢) في اتخاذ البربر والصقالبة والمأجورين والمرتزقة أعوانا وأنصارا وصنائع من دون العرب (^٣).
وتقلد الإمارة بعد المنصور ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك بن محمد، فجرى في الغزو والسياسة، والنيابة عن هشام المؤيد، وحجابته مجرى أبيه، وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين إلى أن مات (^٤).
وتَوَلَّى بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور الملقب بشنجول، وكان نحسا على نفسه، وعلى أهل الأندلس (^٥)، إذ أقدم على تنصيب نفسه وليا للعهد بعد هشام الثاني، وتم له ذلك بمرسوم صدر في شهر ربيع
_________________
(١) انظر: دولة الإسلام في الأندلس (ج ٢/ ص ٦٢٧).
(٢) هو عبد الرحمن الناصر، ولي الأمر وله اثنتان وعشرون سنة وتسمى بأمير المؤمنين، وتلقب بالناصر لدين الله، توفي في صدر رمضان سنة ٣٥٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريح علماء الأندلس (ص ٧) وجذوة المقتبس (ص ١٨) والمغرب في حلي المغرب (١/ ١٧٦ - ١٨١).
(٣) انظر: دولة العامرية (ص ١٤٦).
(٤) انظر: جذوة المقتبس (ص ٧٩).
(٥) انظر: المغرب في حلي المغرب (١/ ٢١٣).
[ ١ / ٢٣ ]
¬الأول سنة ٣٩٩ هـ: ولم تحمد سيرة عبد الرحمن، إذ انكب على لهوه وشَرَابِهِ، وقرب إليه بطانة السوء التي زينت له ذلك، وأعانته عليه (^١).
فوثب على الحكم أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر ويدعى محمد بن هشام ابن عبد الجبار، وقاد ثورة استولى بها على قصر الخلافة، ورغب إلى هشام المؤيد خلع نفسه فبادر هشام بالقبول خشية البطش به، ووليها محمد بن هشام، وتلقب بالمهدي بالله (^٢).
وسولت للمهدي نفسه أن يزيل من نفوس الناس التعلق بإعادة الأمر إلى هشام المؤيد، فادعى موته، ودعا بالفقهاء وعلية القوم، فشهدوا جنازة رجل على أنه الخليفة، وكانت تلك الحادثة سنة ٣٩٩ هـ (^٣)، وكان ابن حزم ووالده ممن حضرها، وأورد الأول أخبارها في "الفصل" (^٤). ولم يطمئن الأمر للمهدي غير قليل، حتى نشبت بينه وبين البربر فتنة أودت بحياته، وأعادت الخليفة هشام بن الحكم، وكان ذلك على رأس القرن الرابع الهجري (^٥).
وكانت السبعة أعوام الأولى للفتنة "شدادا نكدات، صعابا مشؤومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم
_________________
(١) انظر: دولة الإسلام في الأندلس (٢/ ٦٢٧ - ٦٢٨).
(٢) انظر: جذوة المقتبس (ص ٢٢) ودولة الاسلام في الأندلس (ج ٢/ ص ٦٤٤).
(٣) انظر: دولة الاسلام في الأندلس (ج ٢/ ص ٦٤٤).
(٤) انظر: الفصل في الملل والنحل (ج ١ / ص ٥٩). ونقط العروس (ج ١ / ص ٩٧) ضمن رسائل ابن حزم.
(٥) انظر: دول الطوائف لعبد الله عنان (ص ١٣).
[ ١ / ٢٤ ]
¬فيها حيف، ولا فُورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فقد محذور مع تغيير السيرة، وخرق الهيبة واشتعال الفتنة، واعتلاء العصبية، وظعن الأمن، وحلول المخافة" (^١).
ولم يلبث هشام المؤيد أن قتل، واختار البربر سليمان بن الحكم بن سليمان، فبايعوه خليفة ولقب المستعين (^٢). وفي سنة ٤٢٢ هـ أعلن أهل قرطبة وعلى رأسهم أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور إلغاء الخلافة وبدأ بالأندلس عهد جديد أطلق عليه "عهد دول الطوائف" (^٣).
وانتثر عقد الأندلس بين عناصر متصارعة ثلاثة وهي: البَرْبَر في الجنوب، والصقالبة في الشرق، والعرب في بقية الأطراف الأخرى، وتوزع هؤلاء في ممالك ودول في أرجاء الأندلس في نحو عشرين دولة (^٤) وهي:
١ - موالي العامرية في شرق الأندلس وهم: خيران العامري في المرية ومرسية، ومجاهد العامري وابنه في دانية.
٢ - بنو زيري في جنوب الأندلس: في غرناطة ومالقة، ثم بسط هؤلاء بعد ذلك نفوذهم على قبرة وجيان ومالقة وبطليوس وطليطلة.
٣ - بنو عباد أصحاب إشبيلية، الذين بسطوا نفوذهم على حساب إمارات أخرى.
_________________
(١) انظر: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة القسم الأول من المجلد الأول (ص ٢٥).
(٢) انظر: جذوة المقتبس (ص ٢٢).
(٣) في التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة (ص ٣٢٣).
(٤) انظر: دول الطوائف (ص ١٦). لعبد الله عنان.
[ ١ / ٢٥ ]
¬٤ - بنو هود أصحاب سرقسطة، وبنو القاسم الفهريون في البونت، وبنو حمود الحسنيون بالجزيرة.
٥ - بنو جهور موالي بني أمية في قرطبة، وَتَضُّمُّ إماراتهم مدنا أخرى مثل جيان وبياسة وأيذ؛ ولقد سار أبو الحزم بن جهور في قرطبة بسيرة حسنة، أعجبت المؤرخين، فأثنوا عليها، يقول المقوي " فاستولى على قرطبة عند ذلك أبو الحزم، ودبر أمرها بالجد والعزم، وضبطها ضبطا أمن خائفها، ورفع طارق تلك الفتنة وطائفها، وخلا له الجو فطار، وقضى اللُّبانات، والأوطار" (^١).
وهكذا انقسم ذاك الفردوس الذي كان منجمعا تحت راية واحدة، وتنافس ملوك الطوائف على السلطة، وطمع بعضهم فيما تحت يد الآخر، وثارت بينهم حروب وفتن، واستنصر بعضهم على بعض بالنصارى في الشمال، ولقد وصف ابن الحزم حال الأندلس أيام الطوائف فقال في سياق بليغ، "اجتمع عندنا بالأندلس في صُقْعٍ واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام كلهم يتسمى بالخلافة، وإمارة المؤمنين، وهم: خلف الحصري بإشبيلية على أنه هشام، من بعد اثنتين وعشرين سنة من موت هشام، وشهد له خصيان ونسوان، فخطب له على منابر الأندلس، وسفكت الدماء من
_________________
(١) انظر: نفح الطيب (ج ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣) وأخبار الدول الجهورية في: جذوة المقتبس (ص ٢٧) والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة القسم الأول من المجلد الثاني (ص ١١٤) والحلة السيراء (ج ٢/ ص ٣٠) والبيان المغرب (ج ٣/ ص ١٨٥ - ١٨٧).
[ ١ / ٢٦ ]
¬أجله، وحمد بن القاسم خليفة بالجزيرة، ومحمد بن إدريس خليفة بمالقة، وإدريس بن يحيى على بيشتر" (^١).
وقال المقري: " انقطعت الدولة الأموية من الأرض، وانتثر سلك الخلافة بالمغرب، وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خطتها، وتغلب بعضهم على بعض، واستقل أخيرا بأمرها ملوك، استفحل أمرهم، ولاذوا بالجزية يدفعونها للطاغية، أن يظاهر عليهم، أو يبتزهم ملكهم " (^٢).
وكان انقسام الأندلس إلى دويلات وطوائف، سببا ممهدا لانهيار الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأندلسية، وذلك هو الذي أومأ إليه القاضي عياض عندما قال، في سياق حديثه عن دول الطوائف: "وقد نشأ بينها من المفاسد ما أعوز دلعه، وتعدد وتره وشفعه، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه" (^٣).
ولقد عاين ابن حزم بعض هذه الحوادث، فَأَثَّرَتْ في نفسه تأثيرات مختلفة منها:
١ - الشعور بالحسرة والأسى على قرطبة التي كانت "جوهرة العالم"
_________________
(١) انظر: رسالة نقط العروس (ضمن رسائل بن حزم) (ج ٢/ ص ٩٨) وأعمال الأعلام (ص ١٤٢ - ١٤٣).
(٢) انظر: نفح الطيب (ج ٤/ ص ٥٩).
(٣) انظر: أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض (ج ١/ ص ٦٠) ودول الطوائف (ص ٤١٩).
[ ١ / ٢٧ ]
¬في ذلك الوقت، ثم استحال أمرها إلى خراب وأطلال، بعد فتنة البربر، يقول ابن حزم: "ولقد أخبرني بعض الوُرَّاد من قرطبة -وقد استخبرته عنها- أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها، وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البِلَى، وصارت صحاري مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كالليوث، وخرائد كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشية -تبدد شملهم، فصاروا في البلاد أيادي سبا، فَكأن تلك المحاريب المنمقة والمقاصير المزينة التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، حين شملها الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما فيها، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى، وفي الآفاق النائية، والنواحي البعيدة، وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن أكف النوى، وخيل إلى بصري فناء تلك النصبة بعدما علمته من حسنها، وغضارتها، والمراتب المحكمة التي نشأت فيما لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها بأهلها، وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار
[ ١ / ٢٨ ]
¬ساكنها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدوء والاستيحاش -فأبكى عيني، وأوجع قلبي، وقرع صفاة كبدي، وزاد في بلاء لبي، فقلت شعرا منه:
لئن كان أظمانا فقد طالما سقى وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا" (^١)
٢ - كان ابن حزم أَمَوِيَّ الهوى: يرى أن بني أمية أحق بالخلافة في الأندلس من غيرهم، وأن الأندلس لن تقوم لها قائمة إلا إذا حكمها خليفة منهم، ولذلك آثر المقام عند "خيران العامري" بألمرية، لأنه كان يظهر ميلا لبني أمية في أوليته (^٢).
ثم نكب في ألمرية، فانتقل الى حصن القصر -قرية صغيرة في مقاطعة إشبيلية- ثم لما نمي إليه ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن ابن محمد وإعلانه الحكم ببلنسية، سَارَ إليه ووزر لديه (^٣). ولما انتهى أمر المرتضى، وبُويع لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار تَوَلَّى ابنُ حزم عنده الوزارة (^٤)، ولم تدم وزارته تلك أكثر من سبعة وأربعين يوما.
_________________
(١) انظر: طوق الحمامة (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ١/ ص ٢٢٧).
(٢) انظر جذوة المقتبس (ص ٣٠٨) وبغية الملتمس (ص ٤١٥) والصلة (ج ٢/ ص ٤١٦).
(٣) يرى العلَّامة سعيد الأفغاني في "ابن حزم ورسالته في المفاضلة بين الصحابة" (ص ٢٥) هذا الرأي ويذهب د. عبد الحليم عويس إلى أن ابن حزم كان مستشارا كبيرا عند المرتضى ولم يبلغ مرتبة الوزارة وانظر: ابن حزم وجهوده في البحث التاريخي والحضاري (ص ٦٩).
(٤) انظر: نفح الطيب (ج ١/ ص ٢٠٤).
[ ١ / ٢٩ ]
¬إذ وثب على عبد الرحمن بن هاشم، ابنُ عمه المستكفي في طائفة من أراذل العوام (^١).
وبعد ذلك بعدة سنوات عاد ابنُ حزم للوزارة أيام هشام بن المعتد بالله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الذي تولى الخلافة بين سنتي (٤١٨ هـ- ٤٢٤ هـ) (^٢).
وزهد ابنُ حزم في الوزارة بعد ذلك، وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن (^٣)، وأطلق لسانه وقلمه في بيان استهتار ملوك الطوائف، وما أورثوا الأمة من الوهن والإنحدار يقول: " ثم انحرف الأمر واتسع، ثم رذل الأمر بالمشرق والغرب، حتى تسمى هذه الأسماء السماسرة ورذالات الناس، لِيُرِي اللهُ ﷿ عبادَهُ هوان ما تنافسوا عليه وغالوا به، وصح قول رسول الله -ﷺ- "حقيق على الله أن لا يرفع الناس شيئا إلا وضعه الله"، أو كلاما هذا معناه واستبان أن الحقيقة هي العمل لله ﷿، والعدل في البلاد، والعمل بمكارم الأخلاق، وحمل الناس على الكتاب والسنة، فذلك الذي لا يقدر عليه السخيف، ولا يطيقه ضعيف، وبهذا يتبين فضل القوي على الساقط المهين، لا بأسماء يقدر على التسمي بها كل خسيس واهن، ولله الأمر من قبل وبعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل،
_________________
(١) انظر: الحلة السيراء (ج ٢/ ص ١٢ - ١٣).
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: معجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٣٧).
[ ١ / ٣٠ ]
¬ولقد كانت دولة عبد الملك وسليمان والوليد وعمر وهشام لا عضد لها وعماد، ولا لقب إلا أسماؤهم، وكانت قد طَبَّقَتِ الدنيا طاعةً واستقامةً، والدولة الآن أكثر ما كانت أعضادا وعمدا، وقد طَبَّقَتِ الدنيا ضعفًا ومهانةً والله المستعان" (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: نقط العروس (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٢/ ص ١٠٢) وانظر أيضا ما ذكره المؤلف في وصف الفتن زمن ملوك الطوائف في التلخيص لوجوه التخليص (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٣/ ص ١٧٣). ولم يكن ابن حزم بدع في ذم حال الأندلس بعد التفرق، فهذا شاعر الأندلس ابن رشيق القيرواني يقول: مما يزهدني في أرض الأندلس سماع معتمد فيها ومعتضد أسماء مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد وانظر: نفح الطيب (ج ٢/ ص ٢١٤).
[ ١ / ٣١ ]