أمعن أهل الأندلس في الرحلة إلى المشرق وأكثروا من ذلك (^١)، وكانت منهم في منتصف القرن الثاني الهجري طائفة رحلت إلى العراق، فحملت معها المذهب الظاهري، وأدخلته إلى الأندلس.
ولعل أول منتحل للقول بالظاهر من أهل الأندلس - عبد الله بن محمد بن قاسم بن هلال القيسي (^٢)، الذي يفاخر به ابنُ حزم في قوله: "وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم هلال، ومنذر بن سعيد لم نُجَار بهما إلا أبا الحسن ابن المغلس والخلال والديباجي ورويم بن أحمد. . ." (^٣).
وكان أَنْ عاد في هذا الوقت بقي بن مخلد (^٤) من المشرق، فملأ
_________________
(١) أورد المقري في نفح الطيب (ج ٢/ ص ٥) أسماء ثلاثمائة من الرحالين الأندلسيين الذين رحلوا إلى الشرق من أجل طلب العلم وحده ثم قال: "إن حصر أهل الإرتحال لا يُمكن بوجه ولا بحال: ولا يعلم ذلك على الإحاطة إلا علام الغيوب الشديد المحال، ولو أطلقنا عنان الأقلام فيمن عرفناه فقط من هؤلاء الأعلام لطال الكتاب، وكثر الكلام، ولكننا نذكر منهم لمعا على وجه التوسط من غير إطناب داع إلى الإملال، واخنصار مؤد للملام".
(٢) هو عبد الله بن قاسم بن هلال بن يزيد بن عمران القيسي أبو محمد الأندلسي قال الحميدي: "مشهور بالرحلة والطلب، فقيه جليل، وكان يميل إلى القول بالظاهر" توفي سنة ٢٧٢ هـ. انظر: جذوة المقتبس (ص ٢٣٣).
(٣) رسالة في فضل الأندلس (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٢/ ص ١٨٧).
(٤) تقدمت ترجمته (ص ٥١).
[ ١ / ١٥١ ]
¬الأندلس حديثا: "ولم يكن بالمالكي ولا الحنبلي، ولا الظاهري الصِّرف، ولكنه قال بترك التمذهب، والعمل بالنصوص" (^١). قال الذهبي: "وقد تعصبوا على بقي لإظهاره مذهب الأثر، فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني واستنسخ كتبه" (^٢).
وأصبحت الأندلس ببقي وابن وضاح (^٣) دارَ حديث وأثر، وقويَ العمل بالنصوص وحدها، وأُظهرت السنن والآثار، وقل الإعتماد على رأي الرجال، وألف قاسم بن أصبغ (^٤) التآليف الحسان في السنة كالمجتبى وغرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطأ وغير ذلك (^٥).
وأظهر القولَ بالظاهر القاضي منذر بن سعيد البلوطي (^٦)، قال
_________________
(١) المدرسة الظاهرية بالمشرق والمغرب (ص ٣٢).
(٢) تذكرة الحفاظ (ج ٢/ ص ٦٣٠). وقد ألف بقي بن مخلد التفسير الذي قال فيه ابن حزم: "هو الكتاب الذي أقطع قطعا لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله، ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره" و"المصنف" الذي رتبه ترتيبا عجيبا قال ابن حزم: "فهو مصنف ومسند، وما أعلم هذه المرتبة لأحد قبله". انظر: رسالة في فضل الأندلس ضمن رسائل ابن حزم (ج ٢/ ص ١٧٨ - ١٧٩).
(٣) هو الحافظ الإمام محمد بن وضاح أبو عبد الله القرطبي رحل إلى الشرق رحلتين، وحمل علما جما، وأكثر من الشيوخ، وروى عنه الجمع الغفير وكان عالما بالحديث بصيرا بطرقه زاهدا، توفي سنة ٢٨٧ هـ. انظر: تاريخ ابن الفرضي (ص ٣٠٥ - ٣٠٦) وتذكرة الحفاظ (ج ٢/ ص ٦٤٦).
(٤) تقدمت ترجمته (ص ٥٢).
(٥) انظر: رسالة في فضل الأندلس (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٢/ ص ١٧٩).
(٦) تقدمت ترجمته.
[ ١ / ١٥٢ ]
¬الحميدي: "قال لنا أبو محمد علي بن أحمد - يعني ابن حزم -: وكان مائلا إلى القول بالظاهر، قويا على الانتصار لذلك" (^١).
وانقطع القول بالظاهر بعد المنذر بن سعيد البلوطي إلى أن ظهر مسعود بن سليمان بن مفلت (^٢) - الذي "كان دواوي المذهب لا يرى التقليد (^٣) " - فأحيا ما درس من الأثر، وبعث ما ذهب منه.
"ولعل الظاهرية انكمشت بعد وفاة منذر بن سعيد ومجيء المنصور بن أبي عامر الحاجب (٣٢٦ هـ - ٣٩٦ هـ)، فقد كان ابن أبي عامر مالكيا يمنيا قحطانيا، وكانت اليمنية هي الحاكمة في ذلك العصر، والمذهب المالكي نسبة إلى مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي من ذوي أصبح اليمني، فالمذهب إذا مذهب اليمنيين، خلافا لمذهب داود الأصبهاني، فَغَيْرُ العرب أولى به" (^٤).
وبحث باحثٌ في الباعث على دخول القول بالظاهر إلى الأندلس، فوجد أن ذلك ليس يخرج عن أحد أمرين:
الأول: أن يكون انتشار القول بالظاهر بالأندلس طريقا لمواجهة الباطنية الذين كانوا بإفريقية ثم أسسوا لهم بعد ذلك دولة في مصر.
_________________
(١) انظر: جذوة المقتبس (ص ٣١٥).
(٢) تقدمت ترجمته (ص ٨٣): ويرى ابن حزم أن ابن مفلت أحد من يعتد به في الإختلاف يقول: "وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة الني بلغها استحق الإعتداد به مسعود بن سليمان بن مفلت". وانظر: الإحكام (ج ٥/ ص ١٠٢).
(٣) الصلة (ج ٢/ ص ٥٥٨).
(٤) المدرسة الظاهرية بالمشرق والمغرب (ص ٣٣ - ٣٤).
[ ١ / ١٥٣ ]
¬الثاني: بَسَطَ فقهاء المالكية نفوذهم على الدولة في الأندلس، فكان منهم القضاة والأئمة، وأرباب المشورة والرأي، وعرفوا بالتعصب لقول مالك وَمَنْ تبعه (^١)، فكان ذلك مدعاة لظهور القول بالظاهر، ونبذ التقليد، والتمسك بالأثر (^٢).
وحمل لواء القول بالظاهر - بعد ابن مفلت - ابنُ حزم الذي أَصَّلَ قواعده، وَبَيَّن أركانه في كتب دَوَّنَها، ومناظرات عقدها، فكان بذلك الباعث له في الغرب الإسلامي.
_________________
(١) مدرسة المالكية بالأندلس من أوائل المدارس المالكية ظهورا خارج المدينة المنورة، وقد أسسها تلاميذ مالك وعلى رأسهم زياد بن شبطون، ويحيى بن يحيى الليثي، ولقد أثرت مدرسة المالكية بمصر في الفكر الفقهي الأندلسي، فقد أضحى قول ابن القاسم هو الذي يحكم به في محاكم قرطبة، انظر: اصطلاح المذهب عند المالكية (ص ٧٧). د. محمد إبراهيم أحمد علي، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة عدد ١٥، السنة الرابعة ١٤١٣ هـ.
(٢) انظر: المدرسة الظاهرية بالمشرق والمغرب (ص ٣٤). وأما السبب الأول فمردود من عدة وجوه:
(٣) لقد نشأت الظاهرية على يد داود قبل ظهور الباطنية.
(٤) لا يعرف في تاريخ داود اتصال بالباطنية، ولو كان ذلك لنقل إلينا نقلا نعرفه.
(٥) لم يشغل ابن حزم لسانه وقلمه بالرد على الباطنية، إلا بقدر ما شغل بقية العلماء به أنفسهم. وانظر: نظرات لاهثة لأبي عبد الرحمن الظاهري (ص ٢٩).
[ ١ / ١٥٤ ]