كان التصدي للإفادة، ونشر العلم، أمنية ابن حزم يقول في ذلك:
مُناي من الدُّنيا علومٌ أَبُثُّهَا وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنة التي تناسى رجالٌ ذِكرَهَا في المحاضر (^١)
وانقطع ابن حزم -لذلك- في قريته منت ليشم، لبث علمه، ونشر مذهبه، فكان يختلف إليه أصاغر الطلبة الذين لا يخشون في ذلك ملامة، "فيحدثهم ويفقههم ويدارسهم" (^٢)، ومن بين هؤلاء التلاميذ المشاهير:
١ - ولده أبو رافع: وقد تقدم التعريف به (^٣).
٢ - القاضي صاعد: بن أحمد بن عبد الرحمن التغلبي أبو القاسم قاضي طليطلة، روى عن ابن حزم، والفتح بن قاسم وأبي الوليد الوقشي، قال ابن بشكوال: "وكان من أهل المعرفة والذكاء والرواية والدراية" (^٤): توفي سنة ٤٦٢ هـ.
٣ - الحميدي: وقد تقدم التعريف به (^٥): قال الذهبي في ذكر
_________________
(١) ابن حزم لأبي زهرة (ص ٩٦).
(٢) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٤٢) ومعجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٣) انظر (ص ٦٧).
(٤) الصلة (ج ١/ ص ٢٣٢) وبغية الملتمس (ص ٣١).
(٥) انظر (ص ٥٣).
[ ١ / ١١١ ]
¬الآخذين عن ابن حزم: "روى عنه أبو عبد الله الحميدي فأكثر" (^١)، وكانت استفادة الحميدي من ابن حزم عظيمة، وقد نوه بذلك في "جذوة المقتبس" عند ختام حديثه عن تاريخ الخلفاء بالأندلس فقال: " هذا آخر ما استفدنا أكثره من شيخنا أبي محمد علي بن أحمد ﵀" (^٢)، وكان ابن حزم حفيا بتلميذه، ينشده من أشعاره ويخصه بطرف منها، وكان التلميذ أمينا فى نقلها وروايتها، يقول الحميدي: "وأنشدني لنفسه وأنا سألته:
أَبِنَ وجهَ قول الحق في نفس سامع وَدَعْهُ، فَنُور الحَق يسري ويُشرق
سَيؤنِسه رِفْقًا فينسى نفاره كِما نِسي القيدَ الموثقُ مُطْلق
وأنشدني لنفسه:
لئن أصبحْت مرتحلا بشخصي فَروحي عِندكُم أبدا مُقِيمُ
ولكن لِلعِيان لطِيفُ معنى لَهُ سَأل المعَاينة الكَليِمُ" (^٣)
٤ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي (^٤): وقد ذكر القاضي ابن العربي مُدَّة صُحبته لابن حزم، والكتب التي قرأها عليه فقال:
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٦).
(٢) جذوة المقتبس (ص ٣٣).
(٣) جذوة المقتبس (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).
(٤) الإمام العلامة الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي الأشبيلي، صحب ابن حزم وأكثر عنه، ثم ارتحل بولده أبي بكر فسمعا من طراد الزَّينبي وعدة كان ذا بلاغة ولسن وإنشاء توفي بمصر سنة ٤٩٣ هـ. انظر: وفيات الأعيان (ج ٤/ ص ٢٩٧) والسير (ج ١٩/ ص ١٣٠ - ١٣١).
[ ١ / ١١٢ ]
¬"صحبت الشيخ الإمام أبا محمد علي بن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته، حاشا المجلدَ الأخيرَ من كتاب الفِصَل، وهو يَشتمل على ست مجلدات من الأصل الَّذي قرأنا منه، فيكون الفائت نحو السدس، وقرأنا من كتاب "الإيصال" أربع مجلدات ولم يفتني من تآليفه شيءٌ سوى ما ذكرته من الناقص، وما لم أقرأه من كتاب الإيصال " (^١).
٥ - شريح بن محمد أبو الحسن الرعيني الإشبيلي: روى عن أبيه وقرأ عليه القراءات وروى عن أبي عبد الله بن منظور، وعلي بن محمد الباجي، وأبي محمد بن خزرج قال ابن بشكوال: "كان من جلة المقرئين، معدودا في الأدباء والمحدثين، خطيبا بليغا، حافظا محسنا، مليح الخط، واسع الخلق" (^٢).
ذكره في جملة مَنْ أخذ عن ابن حزم الذهبيُّ وابنُ حجر وابنُ العماد (^٣)، وقال الذهبي: "وآخر مَنْ روى عنه بالإجازة أبو الحسن شريح بن محمد" (^٤). توفي سنة ٥٣٥ هـ. وله كتاب
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٥١) ومعجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٤٢ - ٢٤٣) وطبقات علماء الحديث (ج ٣/ ص ٣٤٦).
(٢) الصلة (ج ١/ ص ٢٢٩).
(٣) انظر: تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٦) ولسان الميزان (ج ٤/ ص ١٩٨) وشذرات الذهب (ج ٤/ ص ١٢٢) وطبقات علماء الحديث (ج ٣/ ص ٣٤٢).
(٤) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٦) ويرى د. الحمد أن الذي أجازه ابنُ حزم هو والد الرعيني وهو محمد بن شريح بن أحمد الرعيني أبو عبد الله الإشبيلي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ. ويستدل على ذلك بأن شريحا ولد سنة ٤٥١ هـ. ووفاة ابن حزم سنة ٤٥٦ هـ فسنه عند =
[ ١ / ١١٣ ]
¬"الكافي في القراءات" (^١).
* * *
_________________
(١) = وفاة ابن حزم خمس سنوات، فلا يمكن أن يأخذ عنه في هذه السن وانظر: ابن حزم وموقفه من الإلهيات (ص ٦٧) هامش رقم ٤. قلت: لا يمتنع أَخْذُ شريح عن ابن حزم لأن مَنْ ذكر ذلك مِنْ أهل التثبت والاستقراء، وحسبك بالذهبي وابن حجر، ثم إن هؤلاء الذين ذكروا أَخْذَ الرعيني عن ابن حزم قالوا إن ذلك كان إجازة، ومعلوم أن أهل الحديث يتساهلون في الإجازة حتى للصبي الصغير، وبعضهم جَوَّزَ الإجازة لمن لم يولد، فكيف لصبي ابن خمس سنين؟ والله أعلم.
(٢) انظر: الصلة (ج ١/ ص ٢٢٩) ومعرفة القراء الكبار (ص ٢٧٣) وغاية النهاية في طبقات القراء (ج ١/ ص ٣٢٤ - ٣٢٥).
[ ١ / ١١٤ ]