اختلف الرأي في أصل ابن حزم ونسبه على أقوال ثلاثة:
القول الأول: يرى القائلون به أن ابن حزم فارسي الأصل، قرشي الولاء، أصل آبائه من فارس، وقد رحل جده الأعلى "خلف" مع الأمويين إلى الأندلس حين رحلوا إليها، قال الحميدي: " أبو محمد أصله من الفرس، وجده الأقصى في الإسلام يزيد مولى ليزيد ابن أبي سفيان" (^١). وتابع الحميدي على هذا القول طائفة من المؤرخين منهم: الذهبي والمقري وابن العماد الحنبلي (^٢). وساق هؤلاء نسب ابن حزم هكذا: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ابن غالب ابن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي، مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي" (^٣).
القول الثاني: يرى القائلون به أن ابن حزم إسباني الأصل، من أسرة من إسبانيا الغربية كانت تدين بالنصرانية، ولبثت على ذلك بعد الفتح الإسلامي، حتى اعتنق "حزم" الإسلام في منتصف القرن الثالث
_________________
(١) انظر: جذوة المقتبس (ص ٤٨٩).
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٦) وسير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ١٨٤) ونفح الطيب (ج ٢/ ص ٢٨٧) وشذرات الذهب (ج ٣/ ص ٢٩٩).
(٣) انظر: المصادر السابقة وطبقات الأمم (ص ١٠١) ووفيات الأعيان (ج ٣/ ص ٣٢٥) ومحجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٣٥) ولسان الميزان (ج ٤/ ص ١٩٨) والمعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص ٥١).
[ ١ / ٥٩ ]
¬الهجري على وجه التقريب، ومن قال بهذا الرأي وسبق إليه أبو مروان ابن حبان فإنه قال: "وقد كان من عجائبه انتماؤه في فارس، واتباع أهل بيته له في ذلك حقبة من الدهر، تولى فيها الوزير المفضل في زمانه الرَّاجح في ميزانه أحمد بن سعيد بن حزم لِبَنِي أمية أولياء نعمته؛ لا عن صحة، ولايةً لهم عليه، فقد عهده الناس مُوَلَّد الأرومة من عجم لبلة (^١)، جده الأدنى، حديث عهد بالإسلام لم يتقدم لسلفه نباهة، فأبوه أحمد على الحقيقة، هو الذي بني بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابية، وَعَمَّرَهُ بالخلال الفاضلة من الرجاحة والدهاء، والمعرفة والرجولة والرأي " (^٢).
وقد تابع ابنَ حيان على هذه المقالة ابنُ سعيد من الأقدمين (^٣)، ودوزي ونيكلسون وجولدتسهير ود. أحمد هيكل، ود. طه الحاجري ويعقوب زكي من المُحْدَثين (^٤).
_________________
(١) لبلة: بفتح اللامين، وبينهما باء موحدة سكنة، وفي الأخير هاء ساكنة: اسم لمدينة وكورة تقع على مسافة ٥٠ كيلو متر إلى القرب من إشبيلية سقطت نهائيا في يد الفرنج سنة ٦٥٥ هـ، وهي على نهر لهشر: ويسمى اليوم ويسمى اليوم TINTO، واسمها الأعجمي حاليا NIEBLA وانظر: وفيات الأعيان (ج ٣/ ص ٣٢٨).
(٢) انظر: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ج ١ / ق ١ / ص ١٤٢) والإحاطة في أخبار غرناطة (ج ٤/ ص ١١١).
(٣) انظر: المغرب في حلي المغرب (ص ٣٥٧).
(٤) انظر: إحسان عباس: عصر سيادة قرطبة (ص ٣٠٣) ود. الحاجري: ابن حزم صورة أندلسية (ص ١٤) وممن ذهب إلى هذا القول: د. أحمد الحردلو في دراسته عن ابن حزم. =
[ ١ / ٦٠ ]
¬القول الثالث: وقد انفرد به المستشرق الإيطالي جبريلي، حيث يرى أن ابن حزم يوناني الأصل (^١).
والذي يترجح من هذه الأقوال: القول الأول وذلك للأدلة الآتية:
١ - ورد التصريح من قبل ابن حزم بنسبته الفارسية وولائه في قريش وذلك في قوله:
سَمَا بي ساسان دارا وبعدهم قريش العِلا أعياصها والعَنابس
فما أخرت حربٌ مراتب سؤددي ولا قعدت بي عن ذوي المجد فارسُ
هنالِك مجد الدهر طالت فُرُوعه فَهُنَّ مَواض صُعُد لا نَواكس
مَلَكْنَا ملوك الأرض في كل جانب مَجْدٌ مِنَّا وبنا الحُدُودُ الأواكس (^٢)
_________________
(١) = IBN HASM attitude to and criticism of the Hebrew Bible Bassed upon a = critical edition of the section on the pentatenchof his Kitab AL FICAL/ Cambrdige University you ١٩٦٩. وجوسيه دي جوميست في تقديمه للترجمة الإسبانية لطوق الحمامة وانظر: Cacia Comez the Collore de Paloma Poesie arabica andaluza/Madrid، ١٩٥٢. p: ٣. بواسطة: "ابن حزم من أعلام الفكر الإسلامي بالأندلس" مقال في "الدراسات الإسلامية" (ص ٣٢٨)، لسهير فضل الله ابو وافية:
(٢) انظر: Gabriell: Storia Dalla Pitter arab Hilans ١٩٦٢. ١٩٥٧. بواسطة: "ابن حزم علم من أعلام الفكر الإسلامي بالأندلس" مقال في "الدراسات الإسلامية" (ص ٣٢٨).
(٣) انظر: ديوان ابن حزم الذي نشره د. إحسان عباس في: تاريخ الأدب الأندلسي. عصر سيادة قرطبة (ص ٣٨٥). والعنابس هم: عمرو، وأبو سفيان، وحرب وأبو حرب وعنبسة قيل: هو أبو سفيان من ولد أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهم إخوة، والأعياض: غلب عليهم اسم عنبسة، وكان من العنابس أبو سفيان =
[ ١ / ٦١ ]
¬٢ - ليس أحد يستطيع اتهام ابن حزم بالكذب في هذه الدعوى: لأنه علَّامة نَسَّابة وقد أَلَّف في علم النسب كتابه المشهور: "جمهرة أنساب العرب".
٣ - لم تكن بابن حزم حاجةٌ للكذب في نسبه: "فنسبته في فارس، لا تزيده شرفا على نسبته في الإسبان، وحداثة إسلام أسرته، أو قدمها ليست شيئا يرجح مكانته في شيء" (^١).
٤ - لا يُسَلَّمُ قول ابن حبان في نسب ابن حزم، لأنه مَيَّالٌ إلى الثلب والقدح في أعراض الناس (^٢)، وكان منحرفا عن ابن حزم، وإن أخفى ذلك وستره (^٣).
_________________
(١) = الجد الأعلى لابن حزم، انظر نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب (ص ٨٣)، وفهم بعض الباحثين من كون سفيان بن يزيد كان مولى ابن أبي سفيان بن حرب، أنه كان ابن عمه قال: وقد صرح الشاعر العربي بذلك لَما قال: مَهْلًا بني عَمِّنا مَهْلًا مولينا امشوا رُوَيدا كما كنتم تَكونُونا قال: "وبذلك يكون جد ابن حزم الأقصى يزيد هو ابن عم يزيد أبي سفيان بن عبد شمس من بطون قريش، وقد أكد ذلك ابن حزم بنفسه في جوامع السيرة (ص ٤)، إذ ذكر أن عبد شمس من صليبة قريش من كل ما سبق بيانه تأكد أن ابن حزم عربي أصيل مسلم عميق في الإسلام ".
(٢) انظر: ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي (ص ٥٣).
(٣) انظر: "نقطة ضعف في تاريخ ابن حيان" للعلامة عبد الله كنون (ص ٣٠٣) مجلة المناهل المغربية عدد خاص عن ابن حبان رقم ٢٩ - جمادي الثانية ١٤٠٤ هـ- مارس ١٩٨٤ م.
(٤) كانت هناك منافسة قوية بين والدي ابن حزم وابن حيان، لأنهما كانا يعملان معا في وزارة المنصور بن أبي عامر، ولذلك انحرف ابن حيان عن ابن حزم. =
[ ١ / ٦٢ ]
¬٥ - سَلَّم جمع من المؤرخين الثقات بصحة ما ادعاه ابن حزم في نسبه وتابعوه على ذلك، ومن هؤلاء الحميدي وابن بشكوال وابن خلكان وياقوت والذهبي وابن حجر (^١)، ولو كان شيءٌ يشوب هذا النسب، لبادر الواحدُ من هؤلاء إلى الاعتراض، وفيهم مَنْ كان يصنع ذلك في أهون من هذا (^٢).
٦ - لا تقوم حجة صحيحة، أو دليل معتبر، على سلامة دعوي مَن ادعى أن ابن حزم يوناني الأصل، ولو قال قائل إن الحامل على ذلك العصبية للجنس اليوناني، والانتصار له، ورد كل فضيلة إليه، لما أَبْعَدَ النُّجعةَ.
ولقد ولد الإمام ابن حزم بعد صلاة الصبح، وقبل طلوع الشمس من يوم الأربعاء، آخر يوم من شهر رمضان من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
هذا ما صرح به ابنُ حزم نفسه فيما كتب به إلى صاعد صاحب الطبقات (^٣)، وهو شيء أجمعت عليه كتب التراجم والطبقات، ونقله
_________________
(١) = وانظر: "ابن حزم علم من أعلام الفكر الإسلامي بالأندلس" مقال في الدراسات الإسلامية، (ص ٣٢٨).
(٢) انظر: جذوة المقتبس (ص ٤٩٠) والصلة (ج ٢ / ص ٣٩٥) ووفيات الأعيان (ج ٣/ ص ٣٢٦) ومعجم الأدباء (ج ١٢ /ص ٢٣٥) وتذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٦): ولسان الميزان (ج ٤ / ص ١٩٨).
(٣) انظر مثلا: رد ابن حجر لأوهام ابن حزم في الرجال في لسان الميزان (ج ٤/ ص ٢٠١ - ٢٠٢).
(٤) انظر طبقات الأمم (ص ١٨٤).
[ ١ / ٦٣ ]
¬الآخِرُ عن الأول (^١).
"وإن ذلك التعيين يدلُّ على عناية أسرته بتحرير تاريخ ولادة آحادها وإلا ما تَسَنَّى لابن حزم أن يعرف ميلاده بذلك التعيين الدقيق، ويدل على تَحضُّرِ الأندلس، وعناية أهلها بأخبار مواليدها، وعلى رفعة شأن تلك الأسرة، حتى كانت تُعْنَى هذه العناية" (^٢).
وكان مولد ابن حزم بقرطبة في الجانب الشرقي بربض منية المغيرة بقصر أبيه القريب من مدينة المنصور بن أبي عامر الزاهرة قال ابن حزم في معرض الافتخار بقرطبة: " فإن قرطبة، مسقط رؤوسنا ومعق تمائمنا" (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: جذوة المقتبس (ص ٤٩١) والصلة (ج ٢/ ص ٣٩٥) ووفيات الأعيان (ج ٣/ ص ٣٢٦) وتذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٦)؛ ولقد جاء في معجم الأدباء (ج ١٢ /ص ٢٣٧) عن صاعد الذي ذكر تاريخ هذا الميلاد ما نصه: "وكتب إلي بخط يده أنه ولد بعد صلاة الصبح من آخر يوم من شهر رمضان وهو ابن ثنتين وسبعين سنة إلا شهرا". وقال أبو زهرة في "ابن حزم" (ص ٢٤): "ونظرة يسيرة إلى ذلك النص تثبت أن ثمة خطأ في النسخ، لأنه إذا كان الثابت أنه توفي في آخر شعبان سنة ٤٥٦ هـ كما هو مذكور في معجم الأدباء، فإنه لِكَيْ يعيش ثنتين وسبعين سنة إلا شهرا، يجب أن تكون ولادته في آخر رمضان سنة ٣٨٤ هـ لا سنة ٣٨٣ هـ، إذ على مقتضى أَنَّ ولادته سنة ٣٨٤ هـ، ووفاته سنة ٤٥٦ هـ يجب أن تكون سِنَّهُ عند الوفاة ثلاثا وسبعين، ولا تكون ثنتين وسبعين، وعلى ذلك يكون التحريف في النسخ ثابتا بدليلٍ من ذات نص ياقوت ".
(٢) انظر: ابن حزم لأبي زهرة (ص ٢٣).
(٣) انظر رسالة ابن حزم في فضل الأندلس (ضمن الرسائل) (ج ٢ / ص ١٧٤).
[ ١ / ٦٤ ]