نشأ ابن حزم في بيت عز مكين، وجاه عريض، في قصر أبيه الوزير المُقَام في الشارع الآخذ من النهر الصغير على الدرب المتصل بقصر الزاهرة (^١)، وفي هذا القصر تَلَقَّى أول مبادئ العلم، وَجَدَّ في ذلك، حُبًّا في نباهة الذكر، وحُسن الأحدوثة في الدنيا والآخرة. ولقد أومأ ابنُ حزم إلى هذا المعنى صراحة عندما قال له الباجي: "أنا أعظم منك همة في طلب العلم، لأنك طلبته وأنت مُعان عليه، فتسهر بمشكاة الذهب، وَطَلَبْتُهُ وأنا أسهر بقنديل بائت السوق" (^٢): فقال له ابن حزم: "هذا الكلام عليك لا لك، لأنك إنما طلبت العلم، وأنت في هذه الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حال ما تعلمه، وما ذَكَرْتَهُ، فلم أرجُ به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة" (^٣).
وأوَّل مَنْ عَلَّم ابنَ حزم من أهل عصره النساءُ ويقول في ذلك:
_________________
(١) انظر وصف ابن حزم لقصر أبيه في: طوق الحمامة (ص ١٤٦).
(٢) قال القاضي عياض: "آجر أبو الوليد -يعني الباجي- نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع الأندلس يضرب ورق الذهب للغزل، ويحقد الوثائق. قال لي أصاحبه: كان يخرج إلينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، وهيئت الدنيا له، وعظم جاهه، وأُجْزِلَت صِلاتُه، حتى مات عن مال وافر" انظر: تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٧٩ - ١١٨٠) والديباج المذهب (ص ١٩٧).
(٣) انظر: نفح الطيب (ج ٦/ ص ٢٠٢).
[ ١ / ٦٩ ]
¬"لقد شاهدتُ النساء، وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني رُبيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حد الشباب، وحين تبقل (^١) وجهي، وهن علمنني القرآن وروَّينني كثيرا من الأشعار، ودربنني في الخط، ولم يكن وُكدي وإعمال ذهني مُذْ أول فهمي، وأنا في سن الطفولة جدا إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طُبعتُ عليها، وسوء ظن في جهتهن فُطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل" (^٢).
ويعلم من هذا النص أسماء المواد التي تلقاها ابن حزم في مُقتبل العُمر، وهي: حفظ القرآن الكريم، ورواية الأشعار، والتمرين في الخط، وهو يقتضي تعليما سابقا تناول تهجِّي الحروف، وتلقين الكتابة للمرة الأولى. فمن هو معلم أو معلمة ابن حزم في هذه المرحلة؟ ومن القريب جدا أن يكون هو أحمد بن محمد بن عبد الوارث القرطبي المتوفى سنة ٤٠٢ هـ وهو الذي يقول عنه الحميدي: "أخبرني أبو محمد علي بن أحمد أنه كان معلمه" (^٣).
وكان من عادة أهل الأندلس أن يخلطوا في ثعليمهم للقرآن رواية الشعر في الغالب، والترسل، ويأخذون الناشئة بقوانين العربية
_________________
(١) بقل وجه الغلام: خرج شعره، انظر القاموس مادة بقل (ص ١٢٥٠).
(٢) انظر: طوق الحمامة (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ١/ ص ١٦٦).
(٣) انظر: جذوة المقتبس (ص ٩٤).
[ ١ / ٧٠ ]
¬وحفظها، وتجويد الخط والكتابة، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا طرفا في العربية والشعر، والبصر بهما، وبرز في الخط والكتابة، وتعلق بأذيال العلم على الجملة (^١).
ومن الراجح أن يكون ابن حزم تلقى العربية ومتعلقاتها على يد أحمد ابن محمد بن عبد الوارث القرطبي (^٢).
وصار للغلام ذوقٌ في العربية، وحسن بَصَر بالأدب، فقد حدث عَنْ نفسه أنه لما كان في الثانية عشرة مِنْ عمره أَدخله والده على المظفر ابن أبي عامر قال: "وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر" (^٣).
وفي مجلس المظفر سمع قصيدة أيى العلاء صاعد اللغوي (^٤) التي يمدح فيها الأمير ويستهلها بقوله:
إليك حَدوت ناجية الركاب محُمَّلَة أَمَاني كالهضاب
فاستحسنها. فكتبها له أبو العلاء بخطه وأنفذها إليه" (^٥).
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن خلدون (ص ٤٩٥ - ٤٩٦) و"شيوخ ابن حزم في مقروءاته ومروياته" (ص ٢٤٣).
(٢) انظر: "شيوخ ابن حزم في مقروءانه ومروياته" (ص ٢٤٣).
(٣) انظر: جذوة المقتبس (ص ٢١٢).
(٤) هو صاعد بن الحسن الربعي اللغوي أبو الحلاء أصله من ديار الموصل، وورد الأندلس فأقام بها، وكان عالما باللغة والآداب والأخبار، سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة من تآليفه: "الفصوص"، خرج صاعد في أيام الفتنة من الأندلس وقصد صقلية فمات سنة ٤١٥ هـ. انظر: جذوة المقتبس (ص ٢١١).
(٥) انظر: جذوة المقتبس (ص ٢١٢).
[ ١ / ٧١ ]
¬وَأَثَّرَ تذوق الأدب في حِسِّ الغلام، فصار له في قول الشعر ملكة قوية، وفي قرضه طبع مرهف، وفي طوق الحمامة من شعر -الغلام- الذي لم يبلغ الحلم قصيدة واحدة، ومقطعتان، وبيتان من الشعر (^١).
واعتنى الوالد الوزير بتهذيب أخلاق ولده الناشئ فجعل له من يقوم على سياسته بالتأديب، وتربيته بالتقويم والتسديد، وفي هذا يقول ابن حزم:
" كان السبب فيما ذكرته، أني كنت وقت تَأَجُّجِ نار الصبا، وشِرة الحداثة، وتمكُّن غرارة الفتوة، محظرا علي بين رقباء ورقائب" (^٢).
وصحبت هذه التربية ابن حزم إلى ما بعد بلوغه وفي هذا يقول:
" فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفارسي في مجلس أيى القاسم وكان أبو علي المذكور عاقلا عاملا، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح، وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة علما وعملا ودينا، وورعا، فنفعني الله به كثيرا، وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي" (^٣).
وكانت بداية التحصيل العلمي في حياة ابن حزم قبل الأربعمائة (^٤)،
_________________
(١) انظر: طوق الحمامة (ص ١٧٩ - ١٨٠ و٢٥٠ - ٢٥١).
(٢) انظر: طوق الحمامة (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ١/ ص ٢٧٣).
(٣) انظر: طوق الحمامة (ص ٢٧٥).
(٤) انظر: جذوة المقتبس (ص ٢٢٧)، وبغية الملتمس (ص ٤١٥) والصلة (ج ٢/ ص ٣٩٥) ووفيات الأعيان (ج ٣/ ص ٣٢٥) وسير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ١٨٥) ويحدد المقري وابن عماد الحنبلي تاريخ سماع ابن حزم في سنة ٣٩٩ هـ. انظر: نفح الطيب (ج ٢/ ص ٧٨) وشذرات الذهب (ج ٣/ ص ٢٩٩).
[ ١ / ٧٢ ]
¬إذ سمع الحديث على أحمد بن الجسور (^١)، قبل أن يبلغ السابعة عشرة "وإذا كان الحديث والفقه أخوين متلازمين، لا يمكن أن يطلب الحديث إلا مع الفقه، أو على الأقل المعارف الأولى في الفقه فلا بُدَّ إذن أن نَقُولَ إنَّ ابنَ حزم قد ابتدأ يَتَلَقَّى الفقهَ في سِنِّيهِ الأولى، وليس مِنَ المعقول أن يكون أَبُوه الذي عُني بتربيته تلك العناية، يهمله وَيتْرُكُه من غير أن يُعَلَّم المعارف الأولى في الفقه كالصلاة، فرائضها ونوافلها، هذا هو المعقول في ذاته، وهو الذي يتفق مع السياق التاريخي" (^٢).
لكن قال عبد الله بن محمد بن العربي: "أخبرني ابنُ حزم أن سبب تعلمه الفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم فصل تحية المسجد، وكان ابن ست وعشرين سنة، قال: فقمت وركعت فلما رجعنا من الجنازة جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: إجلس، ليس ذا وقت صلاة، يعني بعد العصر، فانصرفتُ حزينا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته، وأعلمته بما جرى علي، فدلني على الموطأ، فبدأت عليه القراءة: ثم تتابعت قراءتي عليه، وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة" (^٣).
_________________
(١) انظر: رواية ابن حزم لحديث السبعة الذين يظلهم اللهُ في ظله يوم لا ظل إلا ظله -من طريق ابن الجسور- في طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٩٩).
(٢) انظر: ابن حزم لأبي زهرة (ص ٣٤).
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ١٩٩) وتذكلرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٥٠ - ١١٥١) ومعجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٤٠ - ٢٤١) ولسان الميزان (ج ٤/ ص ١٩٩) وطبقات علماء الحديث (ج ٣/ ص ٣٤٧).
[ ١ / ٧٣ ]
¬ويقرب من هذا الخبر ما رواه أبو محمد بن العريى أيضا عن ابن حزم أنه قال: "إني بلغت هذه السن -أي سن ستٍّ وعشرين سنة- وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات" (^١).
والخبر الأول مَنْقُوض بأمور، منها:
أولا: لقد ثَبَتَ بالدليل الصحيح سَمَاعُ ابن حزم من أحمد بن الجسور (^٢)، وَيَحْيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي (^٣)، وتوفي الأول سنة ٤٠١ هـ، بينما توفي الثاني سنة ٤٠٢ هـ (٤). فيكون ابن حزم شرع في دراسة الحديث والفقه على ابن الجسور وهو ابن سبع عشرة سنة: ويكون قد شرع في دراسة الفقه على يحيى بن عبد الرحمن القرطبي، وهو ابن ثمان عشرة سنة (^٤).
ثانيا: "إن الخبر في ذاته يحمل دليل بطلان أن يكون ابن حزم في هذه السن، وذلك لأنه ذكر أن مربيه وأستاذه قد صحبه، وأشار إليه بذلك، وَمَنْ كان في السادسة والعشرين، وبلغ مرتبة الوزارة لا يذكر الناس من يشير إليه على أنه مربيه، وإن المعقول، أو القريب من المعقول أن يكون ذلك وهو في السادسة عشرة من عمره، وأن يكون
_________________
(١) انظر: معجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٤٠).
(٢) سيرد التعريف به بعد قليل. وانظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٩٩).
(٣) سيرد التعريف به بعد قليل. وانظر المحلى (ج ١/ ص ١٣٩).
(٤) هذا التحديد على فرض أن ابن حزم ابتدأ القراءة على الشيخين المذكورين في سنة وفاتهما.
[ ١ / ٧٤ ]
¬في الكلام تصحيف من النساخ، وقد كتبوا بدل العشر عشرين" (^١).
ثالثا: لقد ثبت أن ابن حزم خالط العلماء في المسجد وهو غلام يافع (^٢) "فمستحيل أن يكون مع تلك العناية يجهل تحية المسجد، وإن طبيعة الحياة التي كان يحياها ابن حزم تكذب ذلك، فلقد كان ابن حزم ابن وزير كبير، من كبراء الدولة، وقد بلغ سن الرجولة، فلا يمكن أن يكون جاهلا تحية السجد، لأن ذلك يؤدي حتما إلى أن نقول إنه لم يدخل المسجد قبل ذلك، أو لم يدخله إلا نادرا، وذلك غير معقول بالنسبة لرجل ذي جاه بلغ السادسة والعشرين" (^٣).
ولا يَسْلَمُ الخبر الثاني مما قد يقدح في صحته؛ ذلك لأن فيه أن ابن حزم ترك السياسة، وانصرف للعلم انصرافا تاما في السادسة والعشرين من عمره، مع أن الصحيح الثابت أنه وَزَرَ لعبد الرحمن الخامس المسمَّى المستظهر (^٤)، الذي بويع بالخلافة في رمضان سنة
_________________
(١) انظر: ابن حزم لأبي زهرة (ص ٣٥ - ٣٦).
(٢) فقد اصطحبه أبو علي الحسين الفارسي إلى مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي زيد الأزدي على ما أومأنا إليه آنفا. وانظر: طوق الحمامة (ص ٢٧٥).
(٣) انظر: ابن حزم لأبي زهرة (ص ٣٥).
(٤) هو عبد الرحمن بن هشام المستظهر بويع بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ٤١٤ هـ. وله اثنتان وعشرون سنة، كان في غاية الأدب والبلاغة والفهم، قتل سنة ٤١٤ هـ في ذي القعدة. وانظر: جذوة المقتبس (ص ٢٧) والمعجب (ص ٣٥) والبيان المغرب (ج ٣/ ص ١٣٥ - ١٣٩).
[ ١ / ٧٥ ]
¬٤١٤ هـ، وكانت سِنُّهُ حينئذ نحو الثلاثين (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (ص ١٥٦).
[ ١ / ٧٦ ]