شغل ابنُ حزم النَّاسَ، فاختلفت فيه آراؤهم بين مادح وقادح، ومناصر ومخالف، لكن المثني أكثر من الثالب، والمعجب أكثر من الكاره، ولقد أعجب النَّاسَ مِنْ ابن حزم فضائلُ منها:
١ - سَعةُ معارفه، وكثرة فنونه، يقول القاضي صاعد: "ولأبي محمد بن حزم بَعْد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة، وقسمٌ صالحٌ من قَرْض الشعر، وصناعة الخطابة" (^١).
ويعدد مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حيان علوم ابن حزم فيقول: "كان ابن حزم حاملَ فنون من حديث وفقه ونسب وأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة" (^٢).
ولم يكن ابنُ حزم في هذه العلوم مشاركا مشاركةَ من يُنزله الاشتغال بعدة فنون - عن منزلة المتفرد في علمٍ، المتوفر عليه، بل إنه كان فيما عرف به من فنون قائما بها مقام المتفرغ لها والمتخصص فيها. فهو "رجل في أمة، وأمة في رجل، فهو مفسر مع المفسرين، ومحدث مع المحدثين، وحافظ مع الحفاظ، وفقيه مع الفقهاء، ومقرئ مع المقرئين، وأصولي مع الأصوليين، ومتكلم مع المتكلمين، وفيلسوف
_________________
(١) طبقات الأمم (ص ١٨٤).
(٢) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٦٧)، ومعجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٤٧) والمغرب (ج ١/ ص ٢٧٤)، ولسان الميزان (ج ٤/ ص ٢٠٠).
[ ١ / ١٤٣ ]
¬مع الفلاسفة، وحكيم مع الحكماء، وزاهد مع الزهاد وأديب مع الأدباء، ولغوي مع اللغويين، وكاتب مع الكتاب، وشاعر مع الشعراء، وخطيب مع الخطباء، ومؤرخ مع المؤرخين" (^١).
ويكاد يشير إلى هذا المعنى خِرِّيجُه وتلميذُه الحميدي فيقول: " كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننا في علوم جمة " (^٢).
وقال أبو الحسن ابن القطان: "أبو محمد بن حزم الحافظ الفقيه برع في الفقه والحديث والتاريخ، والآداب " (^٣).
٢ - مواهبه الخلقية وصفاته الذاتية: فلقد رُزق ابن حزم مواهب عقلية أعانته على النبوغ، وسمت به على الأقران، وأنزلته منازل الأعلام، فمما كان عليه من ذلك، الذكاء المفرط، والحفظ القوي، والفهم الثاقب يقول الحميدي: " وما رأينا مثله ﵀ فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين" (^٤).
وقال الذهبي: " ورُزق ذكاء مفرطا، وذهنا سيالا، وكتبا نفيسة كثيرة" (^٥).
_________________
(١) تقديم معجم فقه ابن حزم الظاهري (ج ١/ ص ١٣ م).
(٢) جذوة المقتبس (ص ٢٧٧) والإحاطة في أخبار غرناطة (ج ٤/ ص ١١٢).
(٣) طبقات علماء الحديث (ج ٣/ ص ٣٤٣).
(٤) جذوة المقتبس (ص ٢٧٨) وتذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٧).
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ١٨٦).
[ ١ / ١٤٤ ]
¬٣ - جَلَالَةُ كتبه، ونفاسة تآليفه: أثنى جمعٌ من المؤرخين وأصحاب التراجم على ابن حزم لشرف كتبه وغنائها في الإسلام، وَأَلْهَجُهُم في ذلك لسانا، وأعظمُهم فيه ثناءً، العز بن عبد السلام فإنه قال: "ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المُحَلَّى لابن حزم، والمغني للشيخ الموفق" (^١).
٤ - محبته للحديث، وَتَقَيُّدُهُ به إذا صح، يقول الذهبي -وهو سيد المحدثين في زمانه-: "ولي أَنَا مَيْلٌ إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والسائل البشعة في الأصول والفروع (^٢)، وأقطع
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٥٠) والسير (ج ١٨/ ص ١٩٣) وقال الذهبي تعليقا على كلمة ابن عبد السلام: "قلت: لقد صدق الشيخ عز الدين، وثالثهما: السنن الكبير للبيهقي، ورابعها: التمهيد لابن عبد البر، فمن حصل هذه الدواوين، وكان من أذكياء المفتين، وأدمن المطالعة فيها فهو العالم حقا"، ولم يمنع إعجاب العلماء بكتب ابن حزم من أن ينتقدوه في بعضها: فهذا ابن حيان يقول: "وكان لا يخلو في فنونه من غلط لجرأته في السؤال -كذا- على كل فن" انظر لسان الميزان (ج ٤/ ص ٢٠٠). وقال الحافظ ابن حجر في اللسان (ج ٤/ ص ١٩٨): " وكان واسع الحفظ جدا إلا أنه لثقة حافظته كان يهجم على القول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة، وقد تتبع كثيرا منها: الحافظ قطب الدين بن الحلبي ثم المصري من المحلى خاصة " وقد تتبع أغلاطه في الإستدلال والنظر عبد الحق بن عبد الله الأنصاري في كتاب سماه: "الرد على المحلى". ثم ساق الحافظ طرفا من أغلاط ابن حزم في وصف الرواة وانظرها في (ج ٤/ ص ٢٠١ - ٢٠٢).
(٢) يشير الذهبي إلى معتقد ابن حزم في الأسماء، وذلك ما انتقده ابن عبد الهادي في طبقات علماء، الحديث (ج ٣/ ص ٣٥٠ - ٣٥١) عند مناسبة ذكر "الفصل"، فإنه =
[ ١ / ١٤٥ ]
¬بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة، وللمُسْلمين، وأخضع لفرط ذكائه وَسَعَة علومه" (^١).
٥ - منافحته عن الإسلام، ومجادلته أصحاب المذاهب والنحل الأخرى، يقول ابن بسام: "ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود -لعنهم الله - ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة، وأخبار مكتوبة، وله مصنفات في ذلك معروفة" (^٢).
ولقد قَرَّ أهلُ الأندلس بعالمهم عينًا، ففاخروا به أهلَ الأرض يقول الشقندي (^٣): " وهل لكم في الحفظ مثل أبي محمد بن حزم الذي زهد
_________________
(١) = قال هناك: "وقد طالعت أكثر كتاب الملل والنحل لابن حزم، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة، ونقولا غريبة، وهو يدل على قوة ذكاء مؤلفه، وكثرة اطلاعه، ولكن تبين لي منه أنه جهمي جلد، لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدل على معنى أصلا كالرحيم والعليم والقدير ونحوها بل العلم عنده هو القدرة، والقدرة هي العلم، وهما عين الذات، ولا يدل العلم على معنى زائد على الذات المجردة أصلا، وهذا عين السفسطة والمكابرة "، وبعد كلام طويل يقول -وقد أُعجب بابن حزم-: " وهو في الجملة لون غريب، وشيء عجيب وقد تكلم على نقل القرآن والمعجزات، وهبة العالم بكلام أكثره مليح حسن".
(٢) السير (ج ١٨/ ص ٢٠١ - ٢٠٢). وكلام الذهبي فيه إنصاف، وتأمل قوله: "وأخضع لفرط ذكائه" يَثْبُتْ عِنْدك تواضع الذهبي، وجلالة ابن حزم في نفسه.
(٣) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٧٠).
(٤) هو أبو الوليد إسماعيل بن محمد الشقندي نسبة إلى شقندة -وهي بلدة مجاورة لمدينة قرطبة- كان شاهدا عدلا يتولى القضاء في بياسة وأبدة، وتفنن في العلوم القديمة والحديثة، توفي بعد سنة ٦٢٧ هـ. انظر ترجمته في: المغرب في حلي المغرب (ج ١/ ص ١٥٠) ونفح الطيب (ج ١/ ص ١٤٧).
[ ١ / ١٤٦ ]
¬في الوزارة والمال، ومال إلى رُتبة العلم ورآها فوق كل رتبة. . ." (^١).
وتأسف ابنُ حيان على ضجر بعض أهل الأندلس بعالمهم، وغمطهم حقه، وطمسهم لمحاسنه فقال: "وَيَا لَبَدائع هذا الحبر علي بن حزم وغرره، ما أوضحها، على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها، وعلى ذلك، فليس ببدع فيما أُضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله أودى العلماء تبريزُهم على من يُقَصِّرُ عنهم، والحسد داء لا دواء له" (^٢).
واستغنى أهل الأندلس بعالمهم، فكفاهم، ولم يُحْوِجْهم إلى غيره يقول الفتح بن خاقان في "ابن حزم": "ما تمنت به الأندلس أن تكون كالعراق، ولا حَنَّتَ الأنفسُ معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه وما برح عن عطنه، فلم يشرب ماء الفرات، ولم يقف عشية الثمرات، ولكنه أربى على مَنْ بذلك غُذِّيَ" (^٣).
_________________
(١) رسالة فضل الأندلس للشقندي (ص ٣٣).
(٢) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٧٢).
(٣) انظر: مطمح الأنفس ومسرح التأنس (ص ٣٥٤).
[ ١ / ١٤٧ ]