هذا الكتاب فريد في بابه، عديم النظير بين أشكاله، عجيب في ترتيبه ووضعه، غريب في نقد مؤلفه وقسوته، قد لا يجود الزمان بمثله، ولا تأتي الأيام بضريبه، قد حوى علما كثيرا، واعتراضا وفيرا فهو خزانة فقه، ومدونة حديث، وجامع أثر، قد أشفى في ذلك على الغاية، وبلغ النهاية.
فمن محاسن هذا العِلْق النفيس، والأثر الجليل:
١ - الكتاب دليلٌ على قوة حفظ ابن حزم، وعظم استحضاره للأدلة، وتمكنه من انتزاع الحجج، ولقد صرح ابن حزم بأنه من أهل الاستقراء التام في معرفة دواوين الإسلام، قد أفنى في طلب أخبارها عمره وأتعب في ذلك بدنه، فقال: ". . . لأننا - ولله الحمد - أهل التلخيص والبحث وقطع العمر في طلب تصحيح الحجة، واعتقاد الأدلة قبل اعتقاد مدلولاتها، حتى وقفنا - ولله الحمد - على ما ثلج به اليقين. . ." (^١).
٢ - والكتابُ دليلٌ أيضًا على قدرة صاحبه على التعقب والمناظرة ومجادلة الخصوم، ولقد كانت لابن حزم دُربة في الجدال، ومُكنة في الحجاج، عرف بذلك لكثرة مخالفيه، وشذوذه عنهم، كما اشتهر
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٢٠).
[ ١ / ٢٧٠ ]
¬بذلك لمجادلته أهل العقائد الأخرى، وتأليفه في ذلك.
وابنُ حزم حافظٌ لدليل خصمه، يعرضه في المناظرة، ويبسطه في الجدال، ثم يكر عليه متعقبا دليلا دليلا، حتى إذا لم يُبق لخصمه من ذلك شيئا، ألزمه بأن يصير إلى رأيه لنفسه، فأُفحم الخصمُ وَوَضَحَ الحق.
٣ - والكتاب بعدُ دليلٌ على إحاطة ابن حزم بأقوال الحنفية ودقائق مذهبهم: وما لهم في ذلك قولان أو وجهان، وما انفردوا به وما خالفوا به الإجماع، وما لا يُعرف عن أحد من أهل الإسلام أنه قاله قبلهم (^١)، وما خالفوا فيه القرآن والسنن (^٢)، وأقوال الصحابة (^٣).
٤ - والكتابُ دليلٌ على تبحر ابن حزم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، والمأثور عنهم من الخلاف في الفروع، والمنقول عن بعضهم من الرجوع عن القول الأول، والمذهب المتقدم (^٤)، وأنتَ إذا تأملتَ قول ابن حزم، "وما نعلم في هذا عن صاحب ولا عن تابعي غير ما ذَكَرْنَا في ذلك" (^٥)، أو قوله: "ولا يُحفظ هذا عن أحد من الصحابة أصلا" - جزمتَ أن الرجل حافظٌ متبحر.
_________________
(١) عَقَد ابن حزم لذلك تنبيها قال فيه: "تنبيه على ذكر طرف يسير مما قاله الحنيفيون لا يعرف أحد من أهل الإسلام قاله قبلهم. . .".
(٢) عقد ابن حزم لذلك الفصل الثامن في ذكر ما لم يجدوا فيه متعلقا إلا برواية صاحب. . . فخالفوا لها القرآن والسنن. . .
(٣) عقد ابن حزم لذلك الفصل التاسع في طرف من تناقض الحنيفيين. . . بأنهم موافقون لرواية جاءت عن صاحب. . . وهم إما مخالفون لتلك الرواية نفسها. . .
(٤) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٤).
(٥) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٦).
[ ١ / ٢٧١ ]
¬٥ - والكتاب شاهد على سعة علم ابن حزم بخلاف الفقهاء، ومواضع اتفاقهم وإجماعهم، ويطالعك منه عنوانٌ تجد له وَقْعًا أَيَّ وقع في نفسك: "في ذكر مسائل لهم خالفوا فيها الإجماع المتيقن المقطوع به حقا، لا المدعى بالكذب المُفْتَرَى على جميع أهل الإسلام، أو بالظن الذي أخبر رسول الله أنه كذب الحديث، وحذر منه ونهى عنه". يقول صاحبه فيه: ". . . بل لَوْ قَطَعَ قاطعٌ على أنه إجماع متيقن لما بَعُدَ عن الصدق" (^١).
٦ - والكتاب خزانة قواعد وفقه ابن حزم الظاهري: قد بسط فيه رأيه في الاحتجاج بالمرسل (^٢)، وفي الأخذ بشرع من قبلنا (^٣)، وفي نبذ التقليد (^٤)، وفي الاحتجاج بأقوال الصحابة (^٥)، كما بسط فيه رأيه في القياس، ورد حجة من استدل به (^٦).
٧ - والكتاب أيضًا مدونة فقه أهل الرأي والقياس، كما أنه مدونة فقه أهل الظاهر، ومسائله الفروعية، استوعبت جميع أبواب الفقه من طهارات وصلاة وزكاة وصيام وحج، وبيوع وشهادات ونكاح وقضاء وأشربة وأطعمة، وحدود وقصاص وديات، ومن عجب اجتماع فقه
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٧٦).
(٢) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧).
(٣) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٣٧).
(٤) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٧٧).
(٥) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٨٠).
(٦) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٩٠).
[ ١ / ٢٧٢ ]
¬أهل الرأي والقياس، وأهل الظاهر في كتاب واحد، على بُعد ما بين الطائفتين، وشدة الخلاف بين الفريقين.
٨ - والكتاب شاهدُ على تعلق ابن حزم من كل علم بطرف: فهو لغوي ماهر، يعمل بمقتضى اللغة، ويرجع إليها، ويتعقب خصومه فيما خالفوا منها (^١)، وهو خبير مطلع على فقه الفرق والنحل الإسلامية، يعرف مذاهبهم في الفروع، وحججهم في الاستنباط (^٢)، وهو محدث متكلم في العلل والأسانيد، يصحح ويضعف (^٣).
وبالجملة فلو لم يكن هذا الكتاب لابن حزم، لجاز أن ينسب إليه، لأنه لا يقدر على تأليفه إلا رجل كابن حزم.
ولقد اغترف الأكابر من "الإعراب"، فاستمدوا منه، وشحنوا بفوائده كتبهم، ومن هؤلاء ابن الخراط (^٤)، الذي أورد في "الأحكام
_________________
(١) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٩).
(٢) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٣). وفيه أن ابن حزم رأى الإباضية يحتجون بحديث (ما لي أراكم رافعي أيديكم في الصلاة. . .) على المنع من رفع الأيدي في الإحرام.
(٣) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢١ و١٠٦ و١١٧ و١٢٠).
(٤) هو عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين الحافظ أبو محمد الأزدي الإشبيلي ويعرف بابن الخراط روى عن شريح بن محمد، وأبي الحكم بن برجان وطائفة، كان فقيها حافظا، عالما بالحديث وعلله: لَهُ: "الغربيين" و"الأحكام الوسطى" (ح) وغير ذلك، توفي سنة ٥٨١ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ (ج ٤/ ص ٩٧) وفوات الوفيات (ج ٢/ ص ٢٥٦) والشذرات (ج ٤/ ص ٢٧١).
[ ١ / ٢٧٣ ]
¬الوسطى" جملة من الأحاديث بواسطته مع الإحالة عليه (^١)، وابن القطان الفاسي (^٢)، الذي صَرَّحَ - أثناء تعقبه ابنَ الخراط أنه وقف على الإعراب، واستفاد منه (^٣).
_________________
(١) أحال ابن الخراط على "الإعراب" في خمسة مواضع، وانظر الأحكام الوسطى (ج ١/ ص ٣٢١ و٣٢٩) و(ج ٢/ ص ٣٢٥ و٣٢٨) و(ج ٣/ ص ٢٦٧)، ولقد وجدت في الإعراب الذي بين يدي من هذه المواضع موضعا واحدا (ج ٢/ ص ٣٢٥)، فلعل ما بقي منها يوجد فيما ضاع من الجزء الأول، أو ما فقد من الجزء الثاني والله أعلم.
(٢) هو الحافظ الناقد العلامة قاضي الجماعة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكتامي الفاسي سمع أبَا ذر الخشني وطبقته، وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدهم عناية بالرواية، معروفا بالحفظ والإتقان صنف بيان الوهم والإيهام (ح) وغير ذلك توفي سنة ٦٢٨ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ (ج ٤/ ص ١٤٠٧) وطبقات الحفاظ (ص ٥٢٢) وجذوة الإقتباس (ص ٨٩٨).
(٣) انظر: بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام (ج ٢/ ص ٣٥٠ - ٣٥١) و(ج ٢/ ص ٤٩٠ وص ٥٨٤ و٥٨٦) و(ج ٣/ ص ٦٤ - ٦٥).
[ ١ / ٢٧٤ ]