انتحل ابنُ حزم القول بالظاهر، وجادل عنه جدالا عنيفا، وألَّف في بيان أصوله كتبا ورسائل، لعل من أشهرها: "الإحكام" و"النبذ" (^١)، و"إبطال القياس"، و"المحلى"، وقد بسط ابن حزم في هذه الكتب القول عن معالم المنهج الظاهري وهي (^٢):
١ - الأصول المعتمدة في الأحكام: اعتنى ابنُ حزم في كتابه ببيان الأصول التي تُخَرَّجُ عليها الفروع، وتستنبط منها الأحكام، وتكون مفزع الفقهاء والنظار، يقول: "الأصول التي لا يُعرف شيءٌ من الشارع إلا منها أربعة وهي: نص القرآن، ونص كلام رسول الله - ﷺ - الذي إنَّما هو عن الله تعالى مِمَّا صَحَّ عنه ﵇، ونَقَلَهُ الثقات، أو التواتر، وإجماع جميع علماء الأمة عليه، ودليل منها لا يحتمل إلا وجها واحدا" (^٣).
ويفسر ابن حزم سبب كون هذه المصادر الأربعة أصولا فيقول: ". . . وجدنا في القرآن إلزامنا الطاعة لما أمرنا به ربُّنا تعالى فيه، ولما
_________________
(١) هي النبذة الكافية في أصول الدين.
(٢) ليس القصد هنا بسط القول في أصول الظاهرية وقواعدها، والإلمام تفاصيل كل أصل، فلقد كفانا المؤنة في ذلك ابن حزم في كتبه التي أومأنا إليها، ونورد ههنا ما هو بموضوع كتاب الإغراب ألصق وبأبوابه أشكل.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٧١).
[ ١ / ١٦١ ]
¬أمرنا به نبيه - ﷺ - مما نقله عنه الثقات، أو جاء بتواتر أجمع جميع علماء المسلمين على نقله عنه ﵇، فوجدناه تعالى ساوى بين هذه الجمل الثلاث في وجوب طاعتها علينا، فنظرنا فيها، فوجدنا منها جملا إذا اجتمعت قام منها حكم المنصوص على معناه، فكان ذلك كأنه وجه رابع، إلا أنه غير خارج عن الأصول التي ذكرنا، وذلك نحو قوله ﵇، "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام": فأنتج ذلك أن كل مسكر حرام: فهذا منصوص على معناه نصا جليا ضروريا" (^١).
ويرى ابنُ حزم أَنَّ سُبل معرفة الأحكام على العباد مسدودة إلا هذه السبل الأربعة فيقول: ". . . ولا سبيل إلى معرفة شيء من أحكام الديانة إلا من القرآن، والسنة، والإجماع، والدليل، وهي كلها راجعة إلى النص" (^٢).
وفي الالتزام بالأصلين العظيمين من هذه الأصول الأربعة الخير كله، ورضى الرب ﷿، يقول ابن حزم: ". . . وجملة الخير كله أن تلزموا ما نص عليه ربكم تعالى في القرآن بلسان عربي مبين، لم يفرط فيه من شيء تبيانا لكل شيء، وما صح عن نبيكم - ﷺ - برواية الثقات من أئمة أصحاب الحديث ﵃ مسندا إليه ﵇، فهما طريقان يوصلانكم إلى رضى ربكم ﷿" (^٣).
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٦٨).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٦٨ - ٦٩).
(٣) الفصل في الملل والنحل (ج ٢/ ص ١١٦ - ١١٧).
[ ١ / ١٦٢ ]
¬٢ - الالتزام بظواهر النصوص: يُبادر ابنُ حزم إلى تفسير "الظاهر": عندما يجعله مرادفا "للنص": فيقول: "والنص: هو اللفظ الوارد في القرآن، أو السنة المستدل به على حكم الأشياء، وهو الظاهر نفسه" (^١).
ويوضح ابن حزم السبب في الالتزام بالظاهر، وعدم مجاوزته إلى غيره قائلا: ". . . واعلموا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، كله برهان لا مسامحة فيه، واتَّهَموا كلَّ مَنْ يَدْعُو أن يُتبع بلا بُرهان، وكلَّ مَنِ ادَّعَى للديانة سرًّا وباطنا فهي دعاوى ومخارق، واعلموا أن رسول الله - ﷺ -، لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة، أو ابنة أو عم، أو ابن عم، أو صاحبٍ على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورُعاة الغنم، ولا كان عنده ﵇ سر، ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتمهم شيئا لما بَلَّغَ كما أُمر، ومن قال هذا فهو كافر، وإياكم وكل قول لم يَبِنْ سبيلُه، ولا وضح دليلُه. . ." (^٢).
ويمضي ابن حزم - في موضع آخر - محتجا على وجوب الإلتزام بظواهر النصوص قائلا: ". . . برهان ما قلنا من حمل الألفاظ على مفهومها من ظاهرها قول الله تعالى في القرآن: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾: فصح أن البيان لنا إنما هو في حمل القرآن والسنة على ظاهرهما
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ١٢).
(٢) الفصل في الملل والنحل (ج ٢/ ص ١١٦).
[ ١ / ١٦٣ ]
¬وموضوعهما، فمن أراد صرف شيء من ذلك إلى تأويل بلا نص ولا إجماع، فقد افترى على الله تعالى، وعلى رسوله - ﷺ -: وخالف القرآن، وحرف الكلم عن مواضعه" (^١).
والمُعْرِضُ عن المعنى الظاهر - عند ابن حزم - معتد أثيم، قد جاوز الحد، وهجم على أمر عظيم، يقول ابن حزم: ". . . وقال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾، فصح أن اتباع الظاهر فرض، وأنه لا يحل تعديه أصلا، وقال تعالى، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، والاعتداء هو تجاوز الواجب، ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي بها خوطبنا بغير أمر من الله، أو رسوله - ﷺ -، فعدل إلى معنى آخر فقد اعتدى. . ." (^٢).
ولقد أدى التمسك بظواهر النصوص - بابنَ حزم - إلى القول: "بأن الأوامر والنواهي، الواردة في القرآن، وكلام النبي - ﷺ -، تُحمل على الوجوب والفور، والحكم ببطلان رأي من صرف شيئا من ذلك إلى التأويل والتراخي، أو الندب، أو الوقف، بلا برهان ولا دليل" (^٣).
وقد أطال ابن حزم القول في الاحتجاج لهذا المذهب، ونقد آراء الخصوم، وكان مما قال في ذلك: "وقد علم كل ذي عقل، أن اللغات إنما رتبها الله ﷿ ليقع بها البيان، واللغات ليست شيئا غير الألفاظ المركبة على المعاني، المُبينة عَنْ مسمياتها، قال الله تعالى:
_________________
(١) النبذ (ص ٢٥).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٣/ ص ٤٢).
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٣/ ص ٢).
[ ١ / ١٦٤ ]
¬"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"، واللسان هي اللغة بلا خلاف ها هنا: فإذا لم يكن الكلام مبينا عن معانيه، فأي شيء يفهم هؤلاء المخذولون عن ربهم تعالى، وعن نبيهم - ﷺ -، بل بأي شيء يُفهم به بعضهم بعضا؟ " (^١).
٣ - شروط العدول عن ظواهر النصوص: انتصر ابن حزم للقول بظاهر النص، ودافع عن ذلك، ثم انتقل بعدُ لبيان موجبات العدول عن مقتضى الظاهر إلى معاني أخرى، يقول مبينا هذه الموجبات: "فإن قالوا بأي شيء تعرفون ما صُرف من الكلام عن ظاهره؟، قيل لهم - وبالله تعالى التوفيق -: نعرف ذلك بظاهر آخر مخبر عنه بذلك، أو بإجماع متيقن منقول عن النبي - ﷺ -، على أنه مصروف عن ظاهره فقط" (^٢).
ويوضح ابنُ حزم آفةَ من أَتْبَعَ نفسه هَواهَا، فأحال نصا عن ظاهره بغير برهان فيقول: "ولا يحل لأحد أن يحيل آية عن ظاهرها، ولا خبرًا عن ظاهره، لأن الله تعالى يقول: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾: وقال ذَامًّا لقوم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، ومن أحال نصًّا عن ظاهره في اللغة بغير بُرهان من آخر، أو إجماع فقد ادَّعى أن النص لا بيان فيه، وقد حرف كلام الله تعالى ووحيه إلى نبيه - ﷺ -، عن مَوْضِعِهِ، وهذا عظيم جدا" (^٣).
_________________
(١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (ج ٣/ ص ٣٠٨).
(٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (ج ٣/ ص ٤٣).
(٣) النبذة الكافية في أحكام أصول الدين (ص ٣٦).
[ ١ / ١٦٥ ]
¬وَيُنَوِّهُ ابنُ حزم بالتأويل الصحيح المعتمد في صرف اللفظ عن ظاهر معناه فيقول أثناء رده على من لَامَهُ في تَرْكِ الأخذ به: ". . . وأما ترك الأخذ بالتأويل، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما، إما تأويل يشهد بصحة القرآن، أو سنة صحيحة، أو إجماع فَبِهِ نقول إذا وجدناه، وإما تأويل دعوى لا يشهد بصحته نص قرآن، ولا إجماع، فهذا الذي ننكره، وندفعه، ونبرأ إلى الله تعالى منه. . ." (^١).
ويُعلم مما سبق أن أدلة العدول عن ظاهر اللفظ عند ابن حزم ثلاثة:
الأول: نص القرآن الكريم: فَـ "هُوَ عهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه، إن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها، وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه" (^٢).
الثاني: السنة النبوية: وهي: "الخبر الوارد عن رسول الله - ﷺ -، وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن، ولا فَرْقَ" (^٣).
والخبر المحتج به عند ابن حزم هو المسند المرفوع إلى النبي - ﷺ -، وأما الموقوف والمرسل فلا تقوم بهما حجة "وكذلك ما لم يروه إلا من لَا
_________________
(١) انظر: رسالتين أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال تعنيف (ج ٣/ ص ٨٠) ضمن رسائل ابن حزم.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٩٥).
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٩٧).
[ ١ / ١٦٦ ]
¬يوثق بدينه وبحفظه" (^١).
الثالث: الإجماع: والمعتبر به عند ابن حزم هو: "إجماعٌ لا خلاف فيه مِنْ أحد، وما اختلف قط مسلمان في أن ما أجمع عليه جمع الصحابة ﵃ دون خلاف من أحد منهم إجماعا متيقنا مقطوعا بصحته، فإنه إجماع صحيح لا يحل لأحد خلافه" (^٢). وإنما اعتد ابن حزم بإجماع الصحابة، ونفى ما سواه؛ لأنه "قد صح أنه لا سبيل إلى معرفة ما أراد الله تعالى إلا من قبل رسول الله - ﷺ - ولا يكون الدين إلا من عند الله تعالى، فالصحابة ﵃ هم الذين شاهدوا رسول الله - ﷺ - وسمعوه، فإجماعهم على ما أجمعوا عليه هو الإجماع المفترض إتباعه، لأنهم نقلوه عن رسول الله - ﷺ - عن الله تعالى بلا شك" (^٣).
٤ - نبذ التقليد، وذم أهله والتنفير منهم: رضي ابن حزم لنفسه مذهب أهل الظاهر؛ لأنَّه المَذْهَبُ الذي ليس فيه مقلد، والمرجع فيه إلى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: لذلك بالغ في التنفير من التقليد، وذم المقلدة،
_________________
(١) المحلى (ج ١/ ص ٥١)، والإحكام في أصول الأحكام (ج ٢/ ١٤٥).
(٢) النبذ (ص ٢٦).
(٣) النبذ (ص ٢٦)، والإحكام في أصول الأحكام (ج ٤/ ص ٥٥٣). وهناك نوع آخر من الإجماع يعتد به ابن حزم وهو الذي فَسَّرَهُ بقوله: "كل ما لا يشك فيه أَحَدٌ مِنْ أهل الإسلام في أن من لم يقل به، فيس مسلما، كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكوجوب الصلوات الخمس. . . فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما، فإذا ذلك كذلك، فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام" الإحكام (ج ٤/ ص ٥٥٥).
[ ١ / ١٦٧ ]
¬يقول في ذلك: "والتقليد حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ بقول أحد من غير برهان" (^١)، ويحث ابن حزم على الاجتهاد حسب الوسيع، وسؤال أهل العلم فيقول: "ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا: وكل أحد له الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه، فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله ﷿ في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل أهل البرية أن يسأل عن أهل موضعه" (^٢).
ثم يمضي ابن حزم في الاستدلال على إبطال التقليد، ويحتج في ذلك بآيات من كتاب الله (^٣)، ثم يقول: "وقد صح إجماع جميع الصحابة ﵃ أولهم عن آخرهم، وإجماع جميع التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم، أو ممن قبلهم فيأخذه كله، فليعلم من أخذ بجميع قول أبي حنيفة، أو جميع قول مالك: أو جميع قول الشافعي أو جميع قول أحمد بن حنبل ﵃، ممن يتمكن من النظر، ولم يترك من اتبعه منهم إلى غيره أنه قد خالف إجماع الأمة كلها عن آخرها، واتبع غير سبيل المؤمنين" (^٤).
_________________
(١) النبذ (ص ١١٤)، ويعرف ابن حزم التقليد بقوله: "أن يفتي المفتي بمسألة، لأن الإمام الفلاني أفتى بها" وانظر: ملخص إبطال القياس (ص ٦).
(٢) المحلى (ج ١/ ص ٨٦).
(٣) انظر بسط أدلة ابن حزم من القرآن الكريم في: النبذ (ص ١١٥ - ١١٦)، وانظر في رد ابن حزم على أدلة المنازعين: الإحكام في أصول الأحكام (ج ٦/ ص ٢٣٣ وما بعدها).
(٤) النبذ (ص ١١٦).
[ ١ / ١٦٨ ]
¬ويعجب ابن حزم - في استنكار بليغ - ممن يقلد أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن حنبل، ولا يقلد من هم أولى بالتقليد كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس وعائشة "فلو ساغ التقليد لكان هؤلاء، أولى بأن يتبعوا من أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، ومن ادعى من المنتسبين إلى هؤلاء أنه ليس مقلدا فهو نفسه أول عالم بأنه كاذب، ثم سائر من سمعه، لأنا نراه ينصر كل قولة بلغته لذلك الذي انتمى إليه، وإن لم يعرفها قبل ذلك: وهذا هو التقليد بعينه" (^١).
ويشتد نكير ابن حزم على مَنْ عَرَضَ كلام الله، وكلام رسوله - ﷺ - على أقوال الأئمة المتبوعين، فإذا وافق نص شرعي كلام أحد من الأئمة قبله وعمل به، وإذا خالف شيء من ذلك شيئا مأثورا، عن إمام مشهور، قَدَّمَ قول الإمام، وأعرض عن كلام الله، وكلام رسوله - ﷺ -، يقول ابن حزم: "وأما أهل بِلَادِنَا، فليسوا ممن يتغنى بطلب دليل على مسائلهم، وطَالِبُهُ منهم في النَّدرة، إنما يطلبه كما ذكرنا آنفا، فيعرضون كلام الله تعالى، وكلام الرسول - ﷺ - على قول صاحبهم، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب، فإن وافق قول الله، وقول رسوله - ﷺ - قول صاحبهم أخذوا به وإن خالفاه تركوا قول الله جانبا، وقوله - ﷺ - ظهريا، وثبتوا على قول صاحبهم، وما نعلم في المعاصي، ولا في الكبائر - بعد الشرك المجرد - أعظم من هذه، وأَنَّهُ لأشد من القتل والزنا" (^٢).
_________________
(١) النبذ (ص ١١٦ - ١١٧).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٦/ ص ٢٨٠).
[ ١ / ١٦٩ ]
¬ويعلم مما سبق آنفا أن ابن حزم يدافع عن الاتجاه الظاهري - الذي من أصوله، تحريم التقليد، ووجوب الاجتهاد على المسلمين جميعهم - لا بالمعنى الذي يراد للمذهب، من أن هناك صاحب مذهب وله أتباع يتبعون أقواله، وينصرونها بالحجج والبراهين، ويتبعونها حذو القذة بالقذة (^١).
وفي الحق لقد كان أنصار القول بالظاهر أنفر الناس من التقليد، وأكثرهم اجتهادا، يقول محمد بن خليل (^٢): ". . . وكذلك أقول لا يَجْهَل علي جاهل، فيظن أني متبع للإمام أبي محمد - يعني ابن حزم - أبو محمد شيخ من شيوخي، ومعلم من مُعَلِّمِيَّ، إِنْ أصَابَ الحق، فأنا معه اتباعا للحق وإلا فأنا مع الحق حيث فهمته بحسب ما يوفقني الله تعالى له، وَيُنْعِمُ به عليَّ" (^٣).
٥ - إبطال القياس والرأي والتعليل: اختار ابن حزم العمل بظواهر النصوص، وعدم إحالتها إلى معاني مُؤؤَّلة إلا بقرينة من نص آخر، أو إجماع صحيح معتبر، وذلك الذي منعه من الإعتداد بالقياس والرأي
_________________
(١) انظر: دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيه (ص ١٣٢) للدكتور مصطفى سعيد الخن.
(٢) لم يُعرف، ويرجح الأستاذ محمد إبراهيم الكتاني أن يكون والده عبد الملك بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن خليل العبدري المذكور في الذيل والتكملة للمراكشي وانظر: التعليق على المورد الأحلى (ص ٣١٤) مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد الرابع الجزء الأول، ماي ١٩٥٨ م.
(٣) المورد الأحلى في اختصار المحلى وكتاب القدح المعلى في إكمال المحلى (ص ٣٤٣).
[ ١ / ١٧٠ ]
¬والتعليل، وسعى به إلى بَسْط لسانه وقلمه في نقض ذلك والتثريب على القائلين به، وأول شيء نقضه ابن حزم: وسعى في هدمه، القول بالرأي في الدين، فإذا بطل الاجتهاد بالرأي في الدين، كان ما سواه - من القياس والإستحسان ومراعاة المصالح، وسد الذرائع - أشد بطلانا، وأظهر عُوارا، وأجدر أن لا يحتفل به ويعول عليه.
يقول ابن حزم: "ولا يحل لأحد الحكم بالرأي، قال تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^١)، ويفيض ابن حزم - بعد - في إيراد الحجج - قرآنا وسنة - المؤيدة لمسلكه (^٢).
ولا يكتفي ابنُ حزم بذلك، حتى يورد أدلة المجيزين للاجتهاد في الدين والرأي: وينقضها الواحد بعد الآخر (^٣).
ولما حرَّم ابنُ حزم القولَ في دين الله تعالى بالرأي، منع القول بتعليل النصوص، وقصر كل نص على موضوعه فلا يحل تَعْدِيَة علته إلى غيره، ولا معنى للبحث عن الأسباب، يقول في ذلك: "لسنا نقول إنَّ الشرائع كلها لأسباب، بل نقول ليس منها شيء لسبب إلا ما نص عليه منها أنه لسبب، وما عدا ذلك فإنما هو شيء أراده الله تعالى
_________________
(١) النبذ (ص ٩٣).
(٢) المصدر السابق والإحكام في أصول الأحكام (ج ٦/ ص ٣٥).
(٣) انظر: الإحكام (ج ٦/ ص ٣٥).
[ ١ / ١٧١ ]
¬الذي يفعل ما شاء، ولا نحرم ولا نحلل، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نقول إلا ما قال ربنا ﷿، ونبينا - ﷺ -، ولا نتعدى ما قالا، ولا نترك شيئا منه، وهذا هو الدين المحض الذي لا يحل لأحد خلافه، ولا اعتقاد سواه. . . قال تعالى: "لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون" فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه، وأن أفعاله لا تجري فيها "لِمَ"، وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه تعالى وأفعاله: "لِمَ كان هذا"، فقد بطلت الأسباب جملة، وسقطت العلل البتة، إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمر كذا لأجل كذا، وهذا أيضًا مما لا يسأل عنه، فلا يحل لأحد من العباد أن يقول: لِمَ كان هذا السبب؟ ولم يكن لغيره ولا أن يقول: لم جُعل هذا الشيءُ سببا دون أن يكون غيره سببا أيضا لأن من قال هذا السؤال، فقد عصى الله ﷿، وألحد في الدين" (^١).
ويتضح مما سبق أن ابنَ حزم أخذ بالعلة المنصوص عليها، ولم يُعرض عنها، وذلك ما أعاد القول فيه في موضع آخر مِنْ كتبه لما قال: "وبالجملة فليس في الشرائع علة أصلا بوجه من الوجوه، ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله ﷿ فقط، إذ ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر، ولا إيجاب عَمَلٍ وَتَرْك إيجاب آخر، فالأوامر أسباب موجبة لما وردت به، فإذا لم ترد فلا يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه، وإذا لم تكن العلة إلا التي لم توجد قط إلا
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٨/ ص ١٠٢).
[ ١ / ١٧٢ ]
¬وموجبها معها، فليس ذلك إلا في الطبيعيات فقط" (^١).
وإنما نَفَّرَ ابنُ حزم من التعليل لأن القائل بذلك لا يَسْلَمُ من حيرة، أو تناقض، أو تحكم بلا دليل (^٢). ويرى بعض الباحثين أن نفي ابن حزم للتعليل أدى به إلى الإمعان في طلب الحديث والآثار، والاستكثار من الرواية "ليجد السبيل للأخذ بالظاهر من النصوص ما دام لا يعتمد على الرأي، وقد أتى من ذلك بالثروة المثرية الوفيرة" (^٣).
ولقد سَهُلَ على ابن حزم بعد إبطال الرأي في الإجتهاد أن يُنْكِرَ القياس، وينقض أدلة أنصاره والقائلين به (^٤)، يقول - وهو يحكي
_________________
(١) التقريب لحد المنطق (ج ٤/ ص ٣٠٣) ضمن رسائل ابن حزم.
(٢) التقريب لحد المنطق (ج ٤/ ص ٣٠٤) ضمن رسائل ابن حزم.
(٣) انظر: تاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة (ص ٥٩٤). وكتب ابن حزم طافحة بالأدلة من الحديث والآثار، ولقد جرد الأستاذ محمد المنتصر الكتاني من المحلى وحده نحوا من سبعمائة حديث بسند ابن حزم إلى النبي - ﷺ -، وهذه الأحاديث مسندة إلى أربعة حفاظ من الأندلس وهم: بقي بن مخلد، وقاسم ابن أصبغ، وأحمد بن خالد الجباني. ومحمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي. وانظر مقدمة معجم فقه ابن حزم الظاهري (ج ١/ ص ٥١ م). ولقد ندب باحث نفسه لجمع مرويات ابن حزم من تآليفه، فوقف من ذلك على العدد الغفير، والكثرة الوفيرة.
(٤) قال الجمهور بجواز التعبد بالقياس: ثم اتفقوا على وقوعه شرعا، ولم يشذ عنهم إلا داود وابنه وعامة أهل الظاهر، نقل ذلك الشيرازي وحكاه ابن الحاجب عن القاشاني والنهرواني، وأكثر من قال بوقوعه شرعا قال: إن الدليل عليه سمعي، وقال القفال والدقاق والبصري: إن الدليل عليه العقل مع الشرع؛ والقائلون بالدليل السَّمعي يقولون: إنَّ دلالته قطعية، والبصري يقول: إنها ظنية: وانظر بسط أدلة كل قول، والاعتراضات على ذلك في: التبصرة في أصول الفقه للشيرازي (ص ٤٢٤ - ٤٢٥) والمنخول (ص ٣٢٥ - ٣٢٦) والمستصفى (ج ٢/ ص ٦٤ - ٦٥)، والبرهان =
[ ١ / ١٧٣ ]
¬أقوال العلماء في القياس -: "وذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة، وقالوا: لا يجوز الحكم البتة في شيْءٍ من الأشياء كلها - إلا بنص كلام الله تعالى، أو نصِّ كلام النبي - ﷺ -، أو بما صح عنه - ﷺ - من فعل، أو إقرار، أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها، متيقن أنَّه قاله كل واحد منهم، دون مخالف من أحد منهم، أو بدليل من النص، أو من الإجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا، والإجماع عند هؤلاء راجع إلى توقيفٍ من رسول الله - ﷺ - ولا بد، لا يجوز غير ذلك أصلا، وهذا هو قولنا الذي ندين الله به، ونسأله ﷿ أن يثبتنا فيه، ويميتنا عليه بمنه ورحمته آمين" (^١).
ويمعن ابن حزم في إنكار القياس، والقول ببطلانه، ويقطع في ذلك قائلا: "والقول به باطل، مقطوع على بطلانه عند الله تعالى" (^٢).
ويشحذ ابنُ حزم ذهنه، في الإستدلال على بُطلان القياس، فيسوق في ذلك حججا وبراهين أقواها:
١ - من عمل بالقياس فقد خالف أمر الله ﷿ في الرد إليه عند التنازع: يقول ابن حزم في بيان هذا الدليل: "ولا يحل القول بالقياس في الدين ولا بالرأي، لأن أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى كتابه، وإلى رسوله - ﷺ -، وقد صح، فمن رد إلى قياس وإلى تعليل يدعيه، أو
_________________
(١) = (ح/ ٧٥٩) والمحصول (ج ٢/ ق ٢/ ص ١٤٣ - ١٤٥) والإحكام للآمدي (ج ٤/ ص ٤١) ومختصر المنتهى والعضد (ج ٢/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٨/ ص ٣٨٦).
(٣) النبذ (ص ٩٨).
[ ١ / ١٧٤ ]
¬إلى رأي، فقد خالف أمر الله تعالى المتعلق بالإيمان، ورَدَّ إلى غير مَنْ أَمَرَ اللهُ تعالى بالرد إليه، وفي هذا ما فيه" (^١).
٢ - كمال الشريعة وإحاطتها بكل شيء: يرى ابن حزم أن النصوص الشرعية لم تفرط في شيء، وأن الشريعة قد أحاطت بكل كبيرة وصغيرة تفصيلا وبيانا، يقول في ذلك: "وقول الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، إبطال للقياس، وللرأي أنه لا يجوز استعمالها ما دام يوجد نص وقد شهد الله تعالى بأن النص لم يفرط فيه شيئا، وأن رسوله ﵊ قد بين للناس كل ما نزل إليهم، وأن الدين قد كمل، فصح أن النص قد استوفى جميع الدين، فإذا كان ذلك كذلك فلا حاجة بأحد إلى قياس، ولا إلى رأيه، ولا إلى رأي غيره." (^٢).
٣ - من قال بالقياس فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله: ذلك "لأن الله تعالى لم يأمر قط أولى الأمر منا أن يقولوا بآرائهم، ولا بقياساتهم، ولا أن يقولوا ما شاؤوا، وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا، أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى على نبيه - ﷺ -، وينذروا بذلك قومهم، وهذا بين في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وفي قوله تعالى:
_________________
(١) المحلى (ج ١/ ص ٥٦).
(٢) المحلى (ج ١/ ص ٥٦).
[ ١ / ١٧٥ ]
¬﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: . . . ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله، وَقَفَا (^١) ما لا علم له به، وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى، إلا بإخبار من الله تعالى بذلك: وإلا فهو باطل. . ." (^٢).
٤ - ليس كل القياس حقا، بل فيه باطل، وفي المقاييس ما يناقض بعضٌ بعضًا، فلا بد أن يُصار إلى الترجيح بينها حتى يعلم القياس الصحيح من الفاسد، قال ابن حزم: "ولا سبيل لهم (^٣) إلى وجود ذلك أبدا، وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس، من الباطل منه، فقد بطل كله، وصار دعوى بلا برهان" (^٤).
٥ - من قال بالقياس فقد أعظم على الله الفرية: وزعم أنه تعالى ترك عباده هملا، ونسيا منسيا إذ لم يبين لهم في محكم تنزيله، ولا على لسان رسوله - ﷺ - ما القياس؟ وما هي أركانه؟ يقول ابن حزم مبينا هذا الدليل: "من المحال الباطل أن يكون الله يأمرنا بالقياس، أو بالتعليل، أو بالرأي أو التقليد، ثم لا يبين لنا: ما القياس؟ وما التعليل؟ وما الرأي؟ وكيف يكون كل ذلك؟ وعلى أي شيء نقيس؟ وبأي شيء نعلل؟ وبرأي من نقبل؟ ومن نقلد؟ ! لأن هذا تكليف ما ليس في الوسع" (^٥).
_________________
(١) قفا يقفو: اتبع وسار بأثر الشيء.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٨/ ص ٣٩٥).
(٣) الضمير راجع على القياسيين.
(٤) المحلى (ج ١/ ص ٥٦).
(٥) ملخص إبطال القياس (ص ٧٣).
[ ١ / ١٧٦ ]
¬٦ - لا مستند لأهل القياس في استخراج علل النصوص: فلا بد في القياس من علة موجبة للحكم، تحريما أو تحليلا، لكن يقال لأهل القياس: "أخبرونا عن هذه العلة التي ادعيتموها، وجعلتموها علة التحريم، أو التحليل، أو بالإيجاب، من أخبركم بأنها علة الحكم؟ ومن جعلها علة الحكم؟ فإن قالوا إن الله تعالى جعلها علة الحكم، كذبوا على الله ﷿، إلا أن يأتوا بنص من الله تعالى في القرآن، أو على لسان رسول الله - ﷺ - بأنها علة الحكم، وهذا ما لا يجدونه. . . وإن قالوا: إنها علة لغالب الظن. . . قلنا لهم: فعلتم ما حرم الله تعالى عليكم إذ يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. . . وعللهم مختلفة، فمن أين لهم بأن هذه العلة هي مراد الله تعالى مِنَّا دون أن ينص لفاعلها؟ ! . . ." (^١).
وكان من أثر الاسترسال في تعليل الأحكام "أن تُركت من أجله أحكام القرآن والسنة، حتى عاد المعروف منكرا" (^٢).
٧ - إجماع الصحابة على بطلان القياس: يتتبع ابن حزم ما روي عن الصحابة من آثار تفيد إبطال القياس والرأي: ويستخلص من ذلك إجماعهم على المنع ويقول: ". . . بل قد صح عن جميع الصحابة ﵃ الإجماع على إبطال القياس والرأي، لأنهم وجميع أهل الإسلام يعتقدون بلا شك طاعة القرآن ومما سنه رسول الله - ﷺ -، وتحريم الشرع في الدين عن غير الله تعالى، وهذا إجماع مانع من الرأي
_________________
(١) النبذ (ص ١٠٥ - ١٠٦).
(٢) ملخص إبطال القياس (ص ١٠).
[ ١ / ١٧٧ ]
¬والقياس لأنهما غير المنصوص في القرآن والسنة" (^١).
هذه خلاصة براهين وحجج ابن حزم في نفي القياس في الشرع، وقد وقع الاعتراض عليه في أغلبها، ونُقضت (^٢).
وقبل ختام الكلام على رأي ابن حزم في القياس: لا بد من التنبيه على أمور ثلاثة:
الأول: لا يفهم من احتجاج ابن حزم "بالدليل" أن ذلك خروج منه عن النص والإجماع، أو أن ذلك استعمال للقياس، ولقد فطن ابن حزم لهذه الدعوى، فبين الوجه فيها وقال: "ظن قوم بجهلهم أن قولنا بالدليل خروج منا عن النص والإجماع، وظن آخرون أن القياس والدليل واحد، فأخطأوا في ظنهم أفحش خطأ، ونحن إن شاء الله ﷿ نبين الدليل الذي نقول بِهِ بيانا يرفع الإشكال جملة، فنقول. . ." (^٣). ثم بَيَّن ابن حزم أن "الدليل" مأخوذ من النص أو الإجماع، فهو مفهوم من دلالتهما وليس أمرا مفهوما باستخراج علة، أو استنباطها، كما هو الحال في "القياس". ثم يستطرد ابن حزم في بيان الدليل المأخوذ من النَّص، ويقسمه إلى سبعة أقسام (^٤)، وَيَخْلُصُ بعد ذلك إلى قوله: "فهذه هي
_________________
(١) النبذ (ص ١١٠).
(٢) انظر في ذلك: المحصول (ج ٢/ ق ٢/ ص ١٤٨) والمنهاج (ج ٤/ ص ١٩ - ٢٣) وشرح تنقيح الفصول (ص ٣٨٦ - ٣٨٧) وكشف الأسرار (ج ٣/ ص ٢٧١ - ٢٧٤) وأصول السرخسي (ج ٢/ ص ١٣١ - ١٤١) والمستصفى (ج ٢/ ص ٦٤ - ٧١).
(٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (ج ٥/ ص ١٠٠).
(٤) هذه الأقسام هي:
(٥) مقدمتان تنتج نتيجة ليست منصوصة في إحداهما.
(٦) شرط معلق بصفة فحيث وجد فواجب ما علق بذلك الشرط.
(٧) لفظ يفهم منه معنى =
[ ١ / ١٧٨ ]
¬الأدلة التي تستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها، وهي كلها واقعة تحت النص، وغير خارجة عنه أصلا. . . وجميع هذه الأنواع كلها لا تخرج من أحد قسمين: وَإمَّا تفصيل لجملة، وَإمَّا عبارة عَنْ معنى واحد بألفاظ شتى، كلغة يعبر عنها بلغة أخرى" (^١).
الثاني: أسرف ابن حزم في إنكار القياس في الفروع وبالغ في ذلك، لكنه استعمل القياس والرأي في الأصول، وتأمل كتاب: "التوحيد" من "المحلى"، ومواضع من: "الفصل" تجد على ذلك أمثلة كثيرة (^٢).
ولقد تَنَبَّهَ غير واحد من أهل التراجم والسير إلى جمود ابن حزم في الفروع، واسترساله في التأويل في الأصول لهذا الإمام الذهبي يقول: ". . . ولقد وقفت له على تَألِيفٍ يحض فيه على الاعتناء
_________________
(١) = فَيُؤَدَّى بلفظ آخر.
(٢) أقسام تبطل كلها إلا واحدًا فيصح ذلك الواحد.
(٣) قضايا واردة مدرجة، فيقتضي ذلك أن الدرجة العليا فوق التالية لها بعدها، وإن كان لم ينص على أنها فوق التالية.
(٤) ما سماه "عكس القضايا" كأن يكون النص هكذا: "كل مسكر حرام" فيعكس عكسا سنويا، فيقال: "بعض الحرام مسكر".
(٥) لفظ تنطوي فيه معان جمة، وانظر أمثلة كل الأقسام في: الإحكام في أصول الأحكام (ج ٥/ ص ١٠٠ - ١٠١).
(٦) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٥/ ص ١٠١).
(٧) من ذلك قوله في المحلى (ج ١/ ص ٢٩): ". . . وأنه تعالى لا في مكان، ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة قال تعالى: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا"، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. والزمان والمكان فَهُمَا مَخْلُوقان؛ وقد كان تعالى دُونَهما؛ والمكان إنَّما هو للأجسام؛ والزَّمان إنما هو مدة كل ساكن أو متحرك أو محمول في ساكن أو متحرك، وكل هذا مبعد عن الله ﷿". وانظر أيضًا المحلى (ج ١/ ص ٣).
[ ١ / ١٧٩ ]
¬بالمنطق، ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على يبس فيه وفرط ظاهرية في الفروع لا في الأصول" (^١).
وقال ابن كثير: "والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول بشيء من القياس الجلي (^٢) ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرا في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، وآيات الصفات وأحاديث الصفات. . ." (^٣).
الثالث: استعان ابن حزم بالمنطق لنقض التعليل والقياس (^٤)، فلم ير "الاستدلال بالشاهد على الغائب" (^٥)، وأنه ليس للبشر أن يعلل حراما أو حلالا لم يخبرنا الله ولا رسوله بعلته، ثم يزعم أن الله أراد
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ١٨٦).
(٢) نقل السبكي عن والده أن الذي صح عنده هو أن داود الظاهري لا ينكر القياس الجلي، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون، بل ينكر القياس الخفي فقط، أما الذي ينكر القياس كله جليه وخفيه، فهم طائفة من أصحابه زعيمهم ابن حزم، وتعقب التاج السبكي كلام أبيه، بأنه لما وقف على رسالة لداود في الأصول، وجد أن ظاهر كلام داود فيها يدل على إنكاره للقياس جملة: وإنه لا يقول بشيء منه: نعم إنه يطبق العلة إذا كانت منصوصة، ولكنه لا يسمي ذلك قياسا، بل هو عنده إعمال لدلالة النص، انظر: طبقات الشافعية الكبرى (ج ٢/ ص ٤٦).
(٣) البداية والنهاية (ج ١٢/ ص ٩٨)، وطقات علماء الحديث (ج ٣/ ص ٣٥٠ - ٣٥١).
(٤) انظر: تقديم الأستاذ سعيد الأفغاني لملخص إبطال القياس (ص ١١ - ١٢).
(٥) التقريب لحد المنطق (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٤/ ص ٢٩٩).
[ ١ / ١٨٠ ]
¬هذه العلة فهذا "التحكم على الخالق الأول" (^١) و"ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم، وتحليل آخر ولا إيجاب عمل وترك إيجاب آخر، فالأوامر أسباب موجبة لما وردت به، فإذا لم ترد فلا سبب يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه، وإذا لم تكن العلة إلا التي لم توجد قط إلا وموجبها معها، فليس ذلك إلا في الطبيعيات فقط" (^٢).
_________________
(١) التقريب لحد المنطق (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٤/ ص ٣٠١).
(٢) التقريب لحد المنطق (ضمن رسائل ابن حزم) (ج ٤/ ص ٣٠٣).
[ ١ / ١٨١ ]