اعتقد ابن حزم صحة أصوله، وسلامة قواعده اعتقادًا لا يخالطه شك، فَثَبَتَ على ذلك مدة حياته، يدافع عن هذه الأصول وتلك القواعد، فَحَميَ فكرُه، وتهيجَّ نشاطه، وامتد جداله، حتى ضاق الناس به ذَرْعًا، فآذوه ونبذوا طريقته وفقهه.
وإنما أثار الناس عليه أَحَدُ أمرين:
الأول: جموده ويُبْسُهُ على ظواهر النصوص، وتركه للرأي والقياس وإغرابه في مسائل انفرد بها، واستهجانه لرأي غيره.
ولقد أكثر ابن العربي (^١) الاعتراضَ على ابن حزم من هذه الجهة، وبالغ في ذلك حتى أقذع في القول، وخرج عن حد الأدب.
فمن ذلك: قوله عند تحديد مسافة القصر: "تلاعب قوم بالدين، فقالوا: "إن مَنْ خرج من البلد إلى ظاهره، قَصَرَ الصلاة وأكل، وقائل هذا أعجمي لا يَعْرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه ما رضيتُ أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أن أفكر فيه
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر بن العربي المعافري الحافظ العلامة، سمع ببلده إشبيلية، ورحل فسمع بمصر ومكة وبغداد، وقيد الحديث وتوسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول، من تآليفه: "أحكام القرآن" (ح) و"قانون التأويل" (ح) و"الناسخ والمنسوخ" (ح) وغير ذلك، توفي سنة ٤٦٨ هـ. انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس (ص ١٦٠)، والمغرب في حلي المغرب (ج ١/ ص ٢٤٠) وسير أعلام النبلاء (ج ١٢/ ص ١٨٩) والديباج المذهب (ص ٣٧٦ - ٣٧٨).
[ ١ / ١٩٤ ]
¬بفضول قلبي" (^١).
ومن ذلك أيضا قوله في تفسير آية الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٢): "قال علماؤنا: هذا القول من لطيف الفصاحة، لأن تقريره: فأفطر فعدة من أيام أخر. . . وقد عزي إلى قوم: "إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره"، وهذا لا يقول به إلا ضعفاء الأعاجم، فإن جزالة القول، وقوة الفصاحة تقتضي: "فأفطر". . ." (^٣).
ولقد حملت العصبيةُ ابنَ العربي على النيل من ابن حزم ونحلته، ووصفها بأشنع الأوصاف، وذِكْرها بأشنع النعوت، فهي "فرقة سخيفة، مكفرة على التأويلين، وهي التي لا تقول إلا ما قال الله ورسوله، وَتُنْكِرُ النظر أصلا، وتنفي التشبيه والتمثيل الذي لا يُعرف الله إلا به" (^٤).
ثم عرضَ ابن العربي لابن حزم فَحَطَّ عليه حَطًّا عظيما، وذكر سبب فُشُوِّ هذه النحلة في الأندلس فقال: . . . ولكنه أمرٌ استشرى داؤه، وعَزَّ عندنا دواؤه، وأفتى الجهلة به، فمالوا إليه، وَغَرَّهُم رجل كان
_________________
(١) أحكام القرآن (ج ١/ ص ٦١٥)، ومذهب ابن حزم الذي يدين الله به - في هذا - أن من خرج عن بيوت مدينته أو قريته أو موضع سكناه فمشى ميلا فصاعدا قصر، وانظر: بسط ذلك في: المحلى (ج ٥/ ص ٢ - ٢١).
(٢) سورة البقرة الآية رقم ١٨٤.
(٣) أحكام القرآن (ج ١/ ص ١١٢)، وانظر تفصيل مذهب ابن حزم في هذه المسألة في: المحلى (ج ٦/ ص ٢٤٣ - ٢٥٩).
(٤) العارضة شرح سنن الترمذي (ج ١٠/ ص ١٠٨).
[ ١ / ١٩٥ ]
¬عندنا يقال له ابن حزم، انتدب لإبطال النظر، وسد سُبل العبر، ونسب نفسه إلى الظاهر إقتداء بداود وأشياعه، فسود القراطيس، وأفسد النفوس. . ." (^١).
وشبه ابنُ العربي حالَ الظاهرية بحال إخوانهم الخوارج عندما قال في وصف الفرقة الأولى: "هي أمة سخيفة تسورت على مرتبة ليست لها وتكلمت بكلام لم تفهمه تلقفوه من إخوانهم الخوارج حيث تقول: لا حكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيتُ في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدتُ القولَ بالظاهر قد ملأ به المغربَ سخيفٌ كان من بادية إشبيلية يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء بطوام، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، فيتضاحك مع أصحابه منهم. . . وفي حين عَوْدي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لائحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار. . . تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى تنكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم وتشغيب بهم. . . يقولون: لا قول إلا ما قال الله، ولا نتبع إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالإقتداء بأحد، ولا
_________________
(١) العارضة شرح سنن الترمذي (ج ١٠/ ص ١٠٨ - ١١٣).
[ ١ / ١٩٦ ]
¬بالاهتداء بهدي بشر، فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل، وإنما هي سخافة وتهويل. . . فأوصيكم بوصيتين ألا تستدلوا عليهم وطالبوهم بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغب وإذا طالبته بالدليل لم يجد إليه سبيلا، فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله، فحق ولكن: أَرِنِي ما قال الله، وأما قولهم: لا حكم إلا لله، فغير مسلم على الإطلاق، بل من حكم الله أن يجعل الحكم لغيره مما قاله، وأخبر به، فصح أن رسول الله - ﷺ - قال: "وإذا حاصرت أهل حصن، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك)، وصح قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء، الحديث" (^١).
ويعارض ابنُ العربي مقالةَ الظاهرية ويناقضهم فيقول في ذلك شعرا منه:
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا عنها العدول إلى رأي ولا نظر
قلت اخسأوا فمقام الدين ليس لكم هذه العظائم فاستخفوا من الوتر
فالظاهرية في بطلان قولهم كالباطنية غير الفرق في الصور
كلاهما هادم للدين من جهة والمقطع العدل موقوفا على النظر
هذي الصحابة تستمري خواطرها ولا تخاف عليها غرة الخطر
وتعمل الرأي مضبوطا مآخذه وتخرج الحق محفوظا من الأثر (^٢)
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٤٩ - ١١٥٠) وطبقات علماء الحديث (ج ٣/ ص ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) العارضة (ج ١٠/ ص ١٠٩) وآراء أبي بكر بن العربي الكلامية (ج ١/ ص ٧٣).
[ ١ / ١٩٧ ]
¬ولما وقف الذَّهبي على مقالة ابن العربي، قال: "قلت: لم يُنصف القاضي أبو بكر ﵀ شيخ أبيه في العلم، ولا تكلم فيه بالقسط، وبالغ في الإستخفاف به، وأبو بكر فعلى عظمته في العلم، لا يبلغ رتبة أبي محمد، ولا يكاد، فرحمهما الله، وغفر لهما" (^١).
وقال في موضع آخر - بعد أن حكى مقالة ابن حيان في ابن حزم -: "قلت هذا القائل منصف، فأين كلامه من كلام أبي بكر بن العربي، وهضمه لمعارف ابن حزم؟ ! " (^٢).
ولقد علم ابن حزم أن أهل بلده غير تاركيه وما اختاره، وأنهم لا بد مخالفون له، ناقمون عليه، لشيء طُبعوا عليه من الزهد في العالم، والحسد له، وطمس محاسنه وفضائله، يقول في ذلك: . . . وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: "أزهد الناس في عالم أهله". . . ولا سيما أندلسنا، فإنها خُصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم، الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وكثر ذلك مدة حياته، بأضعاف ما في سائر البلاد، إنْ أجاد قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدع، وإن
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ١٩٠).
(٢) تذكرة الحفاط (ج ٣/ ص ١١٥٢). ولقد وهم بعض الباحثين، فزعم أن ابن العربي رجع عن قوله في أبي محمد بن حزم، وانتحل القول بالظاهر، ولقد أتي هذا الباحث من اتفاق نسبة ابن العربي المعافري وابن عربي - بغير تعريف - الحاتمي، والحال أن الذي كان ظاهريا هو الثاني لا الأول وقد رأى ابن عربي لابن حزم منامات الله أعلم بحالها. وانظر: الفتوحات المكية (ج ١/ ص ٥١٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
¬توسط قالوا: غث بارد، وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا؟ ومتى تَعَلَّم؟ وفي أي زمان قرأ؟ وَلِأُمِّه الهَبْلُ، وبعد ذلك إن ولجت به الأقدارُ أحد طريقين إما شفوفا بائنا يعليه على نظائره، أو سلوكا في غير السبيل التي عهدوها، فهنالك حمي الوطيس على البأس، وصار غرضا للأقوال، وهدفا للمطالب، ونصبا للتسبب إليه ونهبا للألسنة، وعرضة للتطرق إلى عرضه، وربما نحل ما لم يقل، وطوق ما لم يتقلد، وألحق به ما لم يَفُهْ به ولا اعتقده قلبه، وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ، أن يسلم من المتالف، وينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غُمز ولُمز وتُعرض وهُمز، واشتط عليه، وعُظم يسيرُ خطبه، واستشنع هين سقطه، وذهبت محاسنه، وسترت فضائله، وهُتف ونُودي بما أغفل فتنكس لذلك همته، وتكل نفسُه، وتبرد حميتُه. . ." (^١).
وكان ابن حزم قليل المبالاة بكلام الناس فيه، مطرحا لشغبهم عليه غير آبه بمخالفتهم إن وافق الحق، وَوُفّق للصواب (^٢)، ولكنه - مع ذلك - كان يبين لخصومه ما التبس عليهم من مخالفته لهم، إظهارا لسلامة نحلته، وصحة معتقده، فمن ذلك رده على من قال إن أهل
_________________
(١) رسالة في فضل الأندلس ضمن رسائل ابن حزم (ج ٢/ ص ١٧٨).
(٢) يرى ابن حزم أن اطراح كلام الناس، من علامات العاقل المستريح فيقول: "باب عظيم من أبواب العقل والراحة، وهو طرح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق ﷿. بل هذا العقل كله، والراحة كلها". وانظر: الأخلاق والسير (ص ١٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
¬الظاهر كالخوارج في حمل القرآن على ظاهره: يقول شارحا حقيقة صنيع الخوارج، ومباينة أهل الظاهر لهم، ما ضلت - يعني الخوارج - إلا بمثل ما ضل هو به (^١)، من تعلقهم بآيات ما، وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله ﷿ أن يبين للناس ما نزل إليهم: . . . وهو رسول الله - ﷺ -، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها، وكلام النبي - ﷺ -، وجعلوه كله لازما، وحكما واحدًا، ومتبعا كله لاهتدوا على أن الخوارج أعذر منه، وأقل ضلالا، لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد، وأما هو فالتزم وجوبه. . . (^٢).
كما عُرفت لابن حزم أجوبة عن شبه خصومه، أفرد بعضها بالتصنيف (^٣).
الثاني: وقيعة ابن حزم في الأئمة، وعدم تلطفه في جدال خصومه، وقسوته عليهم، بأبشع لفظ، وأفظ محاورة، فلذلك استهدف لعلماء عصره، وصوبت إليه سهام النقد حتى أشيع عنه ما هو بريء منه لشدة وقع لفظه على خصمه (^٤).
_________________
(١) يعني ابن حزم بكر البشري الذي قدم ذكره من قبل.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٣/ ص ٣٠٨).
(٣) كرده على جملة من الاعتراضات في رسالتين أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال تعنيف.
(٤) من ذلك ما أنشده عبد الحفيظ بن عبد الله المهلا الهدوي (ت ١٠٧٧ هـ) لابن حزم من قوله: إن كنت كاذبة التي حدثتني (وكذا) فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر الواثبين على القياس تمردا والراغبين عن التمسك بالأثر فقال عبد الحفيظ المذكور آنفا - معترضا: =
[ ١ / ٢٠٠ ]
¬وابن حزم - وإن وقعت منه هنات - فهو يعرف للأئمة من أهل الاجتهاد فضلهم، وما لهم من السبق إلى فتح مقفلات، وتذليل عقبات ورفع مشكلات، اسمع إليه يقول: . . . والصحيح ن ذلك أن أبا حنيفة ومالكا - رحمهما الله - اجتهدا، وكانا ممن أمر بالاجتهاد، إذ كل مسلم ففرض عليه أن يجتهد في دينه، جريا على طريق السلف في ترك التقليد - فأجرا فيما أصابا فيه أجرين وأجرا فيما أخطآ فيه أجرا واحدا، وسلما من الوزر في ذلك على كل حال. . ." (^١). فانظر كيف تلطف في الاعتراف لأبي حنيفة ومالك بمرتبة الاجتهاد، ثم انظر كيف اعتذر عنهما فيما أخطآ فيه. ومن هذا القبيل أيضا قوله: وأمَّا الورعُ فَهُوَ اجتنابُ الشُّبهات، ولقد كان أبو حنيفة وأحمد وداود مِنْ هذه المنزلة في الغاية القُصوى. . . واما مالك والشافعي، فكانا يأخذان من الأمراء، وورث عنهما، واستعملاه وأثريا منه، وهما في ذلك أصوب ممن ترك الأخذ منهم، وما يقدح هذا عندنا في ورعهما أصلا، ولقد كانوا ﵏ في غاية الورع" (^٢).
_________________
(١) = ما كان يحسن يا ابن حزم ذم من حاز العلوم، وفاق فضلا واشتهر فأبو حنيفة فضله متواتر ونظيره في الفضل صاحبه زفر إن لم تكن قد تبت من هذا ففي ظني بأنك لا تباعد عن سقر (كذا) ليس القياس مع وجود أدلة للحكم من نص الكتاب أو الخبر لكن مع عدم تقاس أدلة وبذلك قد وصى معاذا إذ أمر انظر: خلاصة الأثر (ج ٢/ ص ٣٠٨).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٢/ ص ١٢٠).
(٣) الرسالة الباهرة (ص ٤٠).
[ ١ / ٢٠١ ]
¬ولقد أطلق لسانَ ابن حزم في الأئمة عكوفُ مقلديهم على أقوالهم (^١)، ومغالاتهم في اعتقادهم، ونسبتهم كلَّ فضيلة إليهم وإنْ كان ذلك زورا وكذبا، يقول ابن حزم: "قال الله ﷿: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أوليت شعري أيشك هذا الجاهل، الذي سأل هذا السؤال في أن كل طائفة قلدت رجلا من هؤلاء المذكورين، فإنهم لولا أنه عندهم أفقه من سائرهم وأعلم وأفضل وأجل وَأَوْرَعُ لما قلدوه دينهم، فقد كان ينبغي لهم - لو عقلوا - أن يعرفوا أن غيرهم بصاحبهم كالذي يجدونه هم بصاحبهم ولا فرق، وكل فتاة بأبيها معجبة. . . وقد رويت عن كل طائفة في صاحبهم شُنَعٌ منها خفيف، ومنها فظيع. . ." (^٢).
ثم يفصل ابن حزم القول في شُنَعِ ما روي في فضل أبي حنيفة
_________________
(١) يقول ابن حزم في وصف حال هؤلاء المقلدة: ". . . وأما أهل بلدنا، فليسوا ممن يعتني بطلب دليل على مسائلهم. . . فيعرضون كلام الله تعالى، وكلام الرسول على قول صاحبهم، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب" وانظر: الإحكام في أصول الأحكام (ج ٦/ ص ١١٧ - ١١٨). وكان هؤلاء المقلدة يعكفون على المدونة أو المستخرجة، فيرجعون إليها فيما عرض لهم وهم لا يقدرون على عرض ما سئلوا عنه على الكتاب والسنة، ولو فعلوا لظهر عوارهم وضعفهم، ولضحك الناس من جهلهم بالحديث، وقلة بضاعتهم فيه، ولقد ذكر ابن حزم أن أحد شيوخ المالكية المقدمين كتب في كتاب له بخطه: "روينا بأسانيد صحاح إلى التوراة أن السماء والأرض بكتا على عمر بن عبد العزيز أربعين سنة" قال ابن حزم: "هذا نص لفظه، فلا أعجب من الشيخ المذكور في أن يروي عن التوراة شيئا من أخبار عمر بن عبد العزيز". انظر: الإحكام (ج ٥/ ص ١٦٣).
(٢) الرسالة الباهرة (ص ١٧)
[ ١ / ٢٠٢ ]
¬والشافعي وأحمد (^١)، ثم يخلص إلى أن "كل طائفة تدعي أنها أهل الحق ولا حق إلا في كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ - المبلغة بالسند الصحيح إليه ﵇ فقط" (^٢).
ومن إنصاف ابن حزم أَنْ ذكر غلو أصحاب داود فيه: واعتقادهم أنه أعلم وأفضل وأجل ممن سواه من الأئمة (^٣).
وأومأ ابن خلدون إلى سبب نقمة الناس على ابن حزم فقال: ". . . وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث، وصار إلى مذهب أهل الظاهر، ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم، وخالف إمامهم داود، وتعرض للكثير من أئمة المسلمين، فنقم الناس ذلك عليه، وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا. . ." (^٤).
ويعتذر محمد بن خليل عن ابن حزم في إطلاقه لسانه في خصومه،
_________________
(١) الرسالة الباهرة (ص ١٧ إلى ٢٩).
(٢) الرسالة الباهرة (ص ٣٠).
(٣) ومما حكاه ابن حزم من غلو أصحاب داود قول بعضهم: ولقد نظرت إلى العلوم بأسرها فمنحت لب لبابها داوودا جعل القرآن مع النبي، وقوله والمسلمين أدلة وشهودا إلى أن قال: لو كان حيا من مضى من مالك أو صحبه أضحوا إليه وفودا أو رد فينا الشافعي مشفعا لرأيته للشافعي مفيدا وأبو حنيفة لو تعقب رأيه أمسى يفند رأيه تفنيدا وانظر: الرسالة الباهرة (ص ٣٧).
(٤) مقدمة ابن خلدون (٣٧٤).
[ ١ / ٢٠٣ ]
¬فيقول: ". . . وذلك أن أكثر من أثنى على أبي محمد ﵀ وَاخَذَهُ في شيء وهو أنه أطلق لسانه وقلمه على قوم من المتعصبين بالثلب والسب والنيل منهم، وكأنهم رأوا أن هذا خطأ، وأنه أتى ما لا يجوز فعله، وعيب عليه ذلك في تصانيفه، وأثا أقول، إنه ليس خطأ، بل هو قربة إلى الله تعالى، وجهاد فيه، وزين للتأليف" (^١).
ثم يذكر ابن خليل ما كان عليه السلف الصالح، من ابتغاء وجه الله تعالى في طلب العلم، وتعليمه الناس، والخلاف فيه، وأن ذلك لم يكن سببا في قدح بعضهم في بعض، ثم قال: "ثم خَلَف من بعدهم خلف جعلوا طلب العلم سببا لنيل دنياهم. . . وذلك أنهم يعترضون على كتاب الله تعالى، وعلى الصحيح عندهم من سنن رسول الله - ﷺ - بما قدروا عليه من أنواع الاعتراضات، فيحرفون الكلم عن مواضعه قصدا، ويمزقون كتاب الله تعالى تمزيقا باردا: ويتحكمون فيه تحكما فاسدا، وَيَعرِضُونَهُمَا على كلام من قلدوه، فما وافقه منها أخذوا به، وما لم يوافقه منها نابذوه بالعداء. . ." (^٢).
ثم ينتقل ابن خليل إلى الذود عن ابن حزم في رده أقوال هؤلاء: ". . فهو يرى في مذهبه أن تلك المقولات منه مجاهدة شرعا، ويحتج على ذلك بقوله ﵇: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). . ." (^٣).
_________________
(١) القدح المعلى في إكمال المحلى (ص ٣٤٠) القطعة المنشورة منه.
(٢) القدح المعلى في إكمال المحلى (ص ٣٤١) القطعة المنشورة منه.
(٣) القدح المعلى في إكمال المحلى (ص ٣٤١ - ٣٤٢) القطعة المنشورة منه.
[ ١ / ٢٠٤ ]
¬ثم يبين ابنُ خليل الحال في تخطئة الأكابر فيقول: ". . . وأما تخطئة من خَطَّأَ من السلف الصالح - ﵃ -، فليست التخطئة نيلا منهم، ولا يعدها نيلا منهم إلا جاهل أحمق، وذلك أنه قد علمنا قطعا أن كل أحد يخطئ ويصيب إلا أنبياء الله تعالى صلوات الله عليهم أجمعين، وإذا قال قائل عمن أخطأ في شيء - وهو ممن يجوز عليه الخطأ - قد أَخْطَأَ فهو إخبار بحق وصدق، ولو قال غير ذلك لكان كاذبا" (^١).
واستعدى فقهاءُ المالكية على ابن حزم - لما رأوه من مخالفته وحطه على الأئمة - مقدميهم وأصحابَ الفضل والعلم فيهم، فكانت له معهم مناظرات ومساجلات، ذكر بعضَها ابنُ حزم في مواطن من كتبه فمنها:
١ - مناظرةٌ بينه وبين الليث بن حريش العبدري (^٢) بحضرة القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن بشر (^٣)، وَجَمْعٍ عظيم من فقهاء المالكية، وكانت هذه المناظرة عن تجويز الخطأ على الإمام مالك، قال ابن حزم: وذلك أني قلت له: لقد نسبت إلى مالك - ﵁ - ما لو صح عنه لكان أفسق الناس، وذلك أنك تصفه بأنه أَبْدى إلى الناس المعلول والمتروك والمنسوخ من روايةٍ، وكتمهم المستعمل والسالم والناسخ، حتى مات
_________________
(١) القدح المعلى في إكمال المحلى (ص ٣٤٣) القطعة المنشورة منه.
(٢) هو الليث بن أحمد بن حريش العبدري القرطبي يكنى أبا الوليد، كان في عداد المشاورين بقرطبة، ذا حظ من علم الحديث، واستقضى بألمرية. انظر: الصلة (ج ٢/ ص ٥٠١).
(٣) عبد الرحمن بن أحمد بن بشر أبو المطرف قاضي الجماعة بقرطبة، فقيه عالم أديب، أثنى عليه ابن حزم وفيه يقول: =
[ ١ / ٢٠٥ ]
¬ولم يبده إلى أحد، وهذه صفة من يقصد إفساد الإسلام والتلبيس على أهله، وقد أعاذه الله من ذلك، بل كان عندنا أحد الأئمة الناصحين لهذه الملة، ولكنه أصاب وأخطأ واجتهد، فوفق وحرم، كسائر العلماء، ولا فرق أو كلاما هذا معناه (^١). ويقول ابن حزم: إن أحدا من المالكية لم يُجِبْ إجابة معارضة: بل صمتوا كلهم إلا قليلا منهم أجابوني بالتصديق لقولي (^٢).
٢ - مناظرة بينه وبين كبير من المالكية في قول ابن عباس في دية الأصابع: "ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان عقلها سواء، وإن اختلفت منافعها". يقول ابن حزم: "ولقد ناظرني كبيرهم في مجلس حافل بهذا الخبر، فقلت له: إن القياس عند جميع القائلين به - وأنتَ منهم - إنما هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه، أو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص، وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع، بل الخلاف موجود في كليهما، وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع، وَبَيْن دية الأضراس، وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك فبطل ها هنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه، والنص في الأصابع والأسنان سواء، ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن
_________________
(١) = ولكنني خاطبت أعلم من مشى وَمَنْ كل علم، فهو فيه لنا حسب قال الحميدي: "وناهيك بمثل هذا الوصف فيه من مثل أبي محمد". وانظر: جذوة المقتبس (ص ٢٣٩).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٢/ ص ١٢٢).
(٣) المصدر السابق.
[ ١ / ٢٠٦ ]
¬النبي - ﷺ - في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس، ثم يفتي هو بذلك قياسا، فقال لي: وأين النص بذلك عن ابن عباس؟ فذكرت له الخبر الذي حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي حدثنا عمر بن عبد الملك الخولاني حدثنا محمد بن بكر حدثنا سليمان بن الأشعث السجستاني حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا شعبة بن الحجاج: حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الأصابع سواء، الأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر، فانقطع وسكت" (^١).
واشتهرت مناظراتُ ابن حزم لأبي الوليد الباجي، وظهر أمرها حتى جرى منها "فصول يطول شرحها (^٢)، ومجالس كثيرة قيدت بأيدي الناس" (^٣)، وكان من خبر هذه المناظرات أن الباجي لما رجع من رحلته من المشرق، "وجد بها ابن حزم الظاهري - ولم يكن في الأندلس من يشتغل بعلمه: فقصرت ألسنة فقهائها عن مجادلته، واتبعه جماعة على رأيه" (^٤)، وكان ابن حزم حينئذ في جزيرة مَيُورقة قد تابعه أهلها، "فلما وصل أبو الوليد كلم في ذلك، فرحل إليه
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٧/ ص ٤٠٨).
(٢) الديباج المذهب (ص ١٩٨).
(٣) الديباج المذهب (ص ١٩٩).
(٤) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٨١) والديباج المذهب (ص ١٩٨).
[ ١ / ٢٠٧ ]
¬وناظره وأبطل كلامه" (^١) ولم يُبق الدهر على هذه المناظرات، فندب بعضُ الباحثين نفسه لجمع - ما ظنه - مادتها من كتب الرجلين (^٢).
ولم تفت هذه المناظرات من عضد ابن حزم، بل مضى - ﵀ - فيما اختاره يجاهد بلسانه وقلمه، ولكن خصومه سعوا في إثارة العامة عليه "فأركس الله تعالى جدودهم. . . وخابوا في ذلك" (^٣)، لكنهم عادوا للسعاية به عند ذوي القدرة والسلطان، قال ابن حزم واصفا كيدهم: ". . . وكتبوا الكتب الكاذبة، فخيب الله سعيهم، وأبطل بغيهم، وله الشكر وَاصِبًا، وخسئوا في ذلك، فعادوا إلى المطالبة عن أمثالهم: فكتبوا الكتب السخيفة إلى مثل ابن زياد بدانية، وعبد الحق (^٤) بصقلية
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين، ولقد كان ابن حزم منصفا عندما عرف لأبي الوليد الباجي فضله وغناءه في العلم لما قال: "لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي إلا القاضي عبد الوهاب - وأبو الوليد الباجي لكفاهم". انظر: الديباج المذهب (ص ١٩٨) وشجرة النور الزكية (ج ١/ ص ١٢٠).
(٢) هو د. عبد المجيد تركي وأثبت ذلك في "مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي". وفي قول من قال إن الله أظهر الباجي على ابن حزم وقفة، حتى تظهر هذه المناظرات، ويُعلم حالِها، فيحكم بين الرجلين بالعدل والقسط، وإنما توقفت في هذا، لأن ما قيل قد يكون من قِبَلِ خصم لابن حزم، فيتوقف في قبول حكمه إلى حين ظهور حقيقة الأمر والله أعلم. ثم وقفت بعد كتابة هذا، على رأي الشيخ أبي زهرة في "ابن حزم" (ص ٥٢) يرى فيه أن انتصار الباجي لم يكن انتصار حجة وبرهان، بل كان بقوة السلطان.
(٣) انظر: رسالتين أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال تعنيف (ج ٣/ ص ١١٥) ضمن رسائل ابن حزم.
(٤) هو عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي، تفقه بشيوخ القيروان =
[ ١ / ٢٠٨ ]
¬فأضاع الله كيدهم وفل أيديهم، وله المن كثيرًا والفضل. . ." (^١).
وسعى فقهاء المالكية بابن حزم إلى المعتضد بن عباد حاكم إشبيلية، وأوغروا صدره عليه، وكان الرجل "شديد الجرأة، قوي المُنَّة، عظيم الجلادة، مستهينا بالدماء قتل ولده إسماعيل صبرا بيد نفسه، وقد اتهمه بالفساد عليه. . ." (^٢)، فأمر بإحراق كتبه، فَجُمعت وأُحرقت (^٣).
فلم يزد ذلك ابنَ حزم إلا ثباتا وعنادا، وإمعانا في المضي فيما ندب له نفسه، يقول في ذلك:
_________________
(١) = ثم حج فلقي القاضي عبد الوهاب وأبا ذر الهروي ثم بعد ذلك لقي إمام الحرمين، ألف: "النكت والفروق" و"تهذيب الطالب"، توفي بالإسكندرية سنة ٤٦٦ هـ. انظر: الديباج المذهب (ص ٢٧٥) وشجرة النور الزكية (ج ١/ ص ١١٦).
(٢) انظر: رسالتين أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيها سؤال تعنيف (ج ٣/ ص ١١٥ - ١١٦) ضمن رسائل ابن حزم.
(٣) أعمال الأعلام (ص ١٥٦). ويعزو الشيخ أبو زهرة سبب إحراق المعتضد كتب ابن حزم إلى أنه كان أموي الهوى، متعصبا لهم، وكان مع ذلك وزيرا من وزراء أمرائهم قال الشيخ: ". . . ومثل ذلك ممن له مواهب ابن حزم يجتهد ذوو الأمر في إبعاده عن العامة، أو تصغير شأنه بينهم، وفوق ذلك فإنه يظهر أنه وهو المؤرخ الذي كان يسجل وقائع عصره وما يجري فيه، لم يكن يسجل فيه ما يبغون فكان يكتب بعبارته اعتقاده وما يراه، ولا يخشى في ذلك لومة لائم، ولا يهمه رضوا أو سخطوا. . ." وانظر: ابن حزم حياته وعصره. . . (ص ٥٦).
(٤) لا يدري متى كان ذلك، والذي ثبت أن ابن حزم خرج من ميورقة سنة ٤٤٠ هـ، وتوفي سنة ٤٥٦ هـ. فيكون الإحراق لا بد واقعا بين هذين التاريخين، والباعث على الإحراق ومَنْ تولاه، وكيف تم، كل ذلك يحتاج إلى أن يفرد ببحث.
[ ١ / ٢٠٩ ]
¬دعوني من إحراق رق وكاغد وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل إن أنزل ويُدفن في قبري (^١)
ويصف ابن حيان حال ابن حزم بعدما صار هدفا لأذى الناس، وغرضا لكيدهم فيقول: "طفق الملوك يقصونه عن قريتهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي. . . وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم، ويفقههم ويدربهم، ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف" (^٢).
وبعد وفاة ابن حزم بسنوات، مَلَكَ الأندلسَ المرابطون، فَنَفَقَ مذهب مالك، وفشا التقليد حتى نُسي النظر في كتاب الله، وحديث رسول الله - ﷺ - (^٣)؛ وهذا هو الذي كان يخافه ابن حزم على أهل بلده،
_________________
(١) الأبيات في: الذخيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٧١) والإحاطة (ج ٤/ ص ١١٤) ووفيات الأعيان (ج ٣/ ص ٣٢٧) ومعجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٥٢)، ومرآة الجنان (ج ٣/ ص ٨٠) وسير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ص ٢٠٥) ولسان الميزان (ج ٤/ ص ٢٠٠) ونفح الطيب (ج ٢/ ص ٢٩١ - ٢٩٢).
(٢) الذخيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٤٢) ومعجم الأدباء (ج ١٢/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٣) انظر: المعجب (ص ١١١). ونَقُولُ تعليقًا على ما ورد في المعجب: بل لقد كان ذلك قبيل وفاة ابن حزم، وبلغ الأمر بأهل الأندلس أن عدلوا عن رأي مالك إلى آرائهم وأقواله، فتركوا تقليد من سلف، إلى من خلف، ولقد وصف ابن العربي المعافري هذه الحال فقال: ". . . حتى آل الحال إلى أن لا ينظر في قول مالك، وكبراء =
[ ١ / ٢١٠ ]
¬وبعد المرابطين بسط الموحدون نفوذهم على الأندلس، وفي أيام يعقوب بن يوسف "انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من أحاديث رسول الله - ﷺ -، والقرآن، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبرادعي، وواضحة ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب، ونحا نحوها" (^١).
ولقد كان والدُ يعقوب المنصور الموحدي لَمَّا دخل الأندلس، وقف على قبر ابن حزم وقال: "عجبا لهذا الموضع يخرج منه مثل هذا العالم" ثم التفت إلى مَنْ حوله قائلا: "كل العالم عيال على ابن حزم" (^٢).
_________________
(١) = أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسالة أهل قرطبة، وأهل طلمنكة وأهل طلبدة وأهل طليطلة، وصار الصبي إذا عقل وسلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله تعالى، ثم نقلوه إلى الأدب، ثم إلى الموطأ ثم إلى المدونة، ثم إلى وثائق ابن العطار، ثم يختم له إلى أحكام ابن سهل، ثم يقال: قال فلان الطليطلي، وفلان المجريطي، وابن مغيث - لا أغاث نداه - فيرجع القهقرى، ولا يزال إلى ورا، ولولا أن الله تعالى منّ بطائفة تفرقت في ديار العلم، وجاءت بلباب منه. . لكان الدين قد ذهب. .". انظر: الديباج المذهب (ص ١٩٩ - ٢٠٠).
(٢) المعجب (ص ٤٠٠) وقال المراكشي: "لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار".
(٣) نفح الطيب (ج ٤/ ص ٢٢٢).
[ ١ / ٢١١ ]