أدى جمود أهل الظاهر على النص، ونفيهم التعليل والاجتهاد بالرأي والقياس، إلى الوقوع في عظيم، والهجوم على أمر خطير، ذلك أنهم جوزوا ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين، والجمع بين المختلفين، لإقرارهم أن الشارع ينهى عن الشيء لا لمفسدة، ويأمر به لا لمصلحة. فكان أَنْ نهض علماء مختلف المذاهب للرد عليهم، وبيان الحق الذي التبس عليهم، فكانوا في ذلك بين منصف عادل، ومغال قادح.
ولعل من أحسن الاعتراضات على أهل الظاهر وأعدلها وأقربها إلى النَّصَفة، اعتراض ابن قيم الجوزية الذي صَدَّره ببيان محاسن الظاهرية فقال: "وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وفي بيان تناقض أهلها: وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه (^١) ". ثم انبرى ابنُ القَيِّم للاعتراض والنقد فقال: ولكن أَخْطَأوا من أربعة أوجه:
أحدها: رد القياس الصحيح: ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي - ﷺ -: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج ١/ ص ٢٨٩).
[ ١ / ١٨٢ ]
¬الحمر فإنها رجس"، بمنزلة قوله: "ينهيانكم عن كل رجس" وفي أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ نَهْيٌ كل رجس. . ..
الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فَكَمْ من حكم دل عليه النص، ولم يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين فلم يفهموا من قوله: (ولا تقل لهما أف) ضربًا ولا سبًا ولا إهانة غير لفظة "أف"، . . ..
الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علما بالعدم (^١). . ..
الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم
_________________
(١) الاستصحاب: الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو جعل الحكم الذي كان ثابتا في الماضي باقيا في الحال، حتى يقوم دليل على تغيره، وهو ثلاثة أقسام: استصحاب البراءة الأصلية، واستصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع وانظر: المستصفى (ج ١/ ص ١٢٧) والمنخول (ص ٢٣٧ - ٢٣٨) والإحكام (٥/ ٣) وإرشاد الفحول (ص ٢٣٧ - ٢٣٨). ومعنى انتقاد ابن قيم للظاهرية من هذا الوجه: أنهم لما سدوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح احتاجوا لتوسعة الظاهر والاستصحاب فَحَمَّلُوهما فوق الحاجة، ووسعوهما لأكثر مما يسعانه فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه، ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منْه نفوه وَحَمَّلُوا الاستصحاب.
[ ١ / ١٨٣ ]
¬عندهم دليل على صحة شرط، أو عَقْدٍ، أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل" (^١).
والحق أن أهل الظاهر لم يردوا القياس الصحيح إذا كانت علته منصوصا عليها كما ادعى ابنُ القيم، بل إنهم يأخذون به لا على معنى أنه قياس، بل على معنى أنه "دليل" مأخوذ من النص أو الإجماع على النحو الذي سبق بيانه (^٢).
قال الإمام الشوكاني: "ثم اعلم أن نُفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياسا، وإن كان منصوصا على علته، مقطوعا فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولا عليه بدليل الأصل، مشمولا به، مندرجا تحته، وبهذا يهون عليك الخطبُ، ويَصْغُر عندك ما استعظموه، ويقرب لديك ما بَعَّدُوه لأن الخلاف في هذا النوع
_________________
(١) إعلام الموقعين (ج ١/ ص ٢٨٩ - ٢٩٤) وقد تصرفت في بعض النقل بالحذف.
(٢) انظر (ص ١٤٤)، ولقد فطن التاج السبكي إلى هذا فقال في طبقات الشافعية (ج ٢/ ص ٤٦) في ترجمة داود بن علي الظاهري رأس أهل الظاهر: وقفت لداود ﵀ على أوراق يسيرة سماها الأصول نقلت منها ما نصه: "والحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز" ثم قال: "ولا يجوز أن يحرم النبي - ﷺ -، فيحرم محرم غير ما حرم لأنه يشبهه إلا أن يوقفنا النبي - ﷺ - على علة من أجلها وقع التحريم مثل أن يقول: حرمت الحنطة بالحنطة لأنها مكيلة. . . يعلم بهذا أن الذي أوجب الحكم من أجله هو ما وُقف عليه، وما لم يكن ذلك فالبعيد واقع فظاهرُ التوقيف، وما جاوز ذلك فمسكوت عنه، داخل في باب ما عفي عنه انتهى، قال التاج السبكي معلقا: "فكأنه لا يسمي منصوص العلة قياسا".
[ ١ / ١٨٤ ]
¬الخاص صار لفظيا، وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به، والعمل عليه، واختلاف طريقة العمل، لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا. . ." (^١).
ولقد شجر الخلافُ بين العلماء في الاعتداد بمخالفة أهل الظاهر، وانقسموا في ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اعتبار مخالفة أهل الظاهر، قال التاج السبكي: "وهو ما ذكره الأستاذ أبو منصور البغدادي أنَّه الصحيح من مذهبنا، وقال ابن الصلاح أنه استقر عليه الأمر آخرا" (^٢).
القسم الثاني: عدم اعتبار مخالفة أهل الظاهر، قال التاج السبكي: وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ونقله عن الجمهور حيث قال: قال الجمهور: إنهم - يعني نفاة القياس - لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء. . . وهذا هو اختيار إمام الحرمين، وعزاه إلى أهل التحقيق، فقال: والمحققون من علماء الشافعية لا يقيمون لأهل الظاهر وزنا. . . قال - وبحق قال حبر الأصول القاضي أبو بكر: إني لا أعدهم من علماء الأمة: ولا أبالي بخلافهم ولا وفاقهم. . . (^٣).
القسم الثالث: أن خلافهم معتبر إلا فيما خالف القياس الجلي، وهذا الذي اختاره التاج السبكي فقال: . . . فالذي أراه الاعتبار بخلاف داود ووفاقه، نعم للظاهرية مسائل لا يعتد بخلافه فيها، لا
_________________
(١) إرشاد الفحول (ص ٢٠٤).
(٢) طبقات الشافعية الكبرى (ج ٢/ ص ٤٥).
(٣) طبقات الشافعية الكبرى (ج ٢/ ص ٤).
[ ١ / ١٨٥ ]
¬من حيث أن داود غير أهل للنظر، بل لخرقه فيها إجماعا تقدمه، وعذره أنه لم يبلغه دليل واضح جدا وذلك كقوله في التغوط في الماء الراكد، وقوله لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، وغير ذلك من مسائل وَجَّهت سهامَ الملامِ إليهم، وأفاضت سبيل الإزراء عليهم" (^١).
ولقد أدى التزام ابن حزم باطِّراد قواعده، إلى الإنفراد بأقوال خالف فيها جميع المذاهب، كما أداه ذلك إلى التيسير في بعض الأحكام، والشدة والتضييق في بعضها (^٢).
ومن المسائل الفقهية التي خالف فيها أهلُ الظاهر مَنْ سواهم، فكان ذلك شذوذا: قول ابن حزم: "ولعاب الكفار من الرجال والنساء الكتابيين وغيرهم نجس كله، وكذلك العرق منهم والدمع، وكل ما كان منهم" (^٣)، ويستدل ابنُ حزم على ما ذهب إليه بقوله: "برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وبيقين يجب أن بعض النجس نجس، لأن الكل ليس هو شيئا غير أبعاضه" (^٤).
فإن قيل: إن النجاسة التي في الآية - معنوية، أجاب ابن حزم: هبكم أن ذلك كذلك، أيجب من ذلك أن المشركين طاهرون؟ حاش لله من هذا، وما فهم قط من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ مع
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى (ج ١/ ص ٤٥ - ٤٦).
(٢) انظر: الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري للدكتور عبد المجيد محمود عبد الحميد (ص ٤٠٣).
(٣) المحلى (ج ١/ ص ١٢٩).
(٤) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ١٨٦ ]
¬قوله نبيه - ﷺ -: (إن المؤمن لا ينجس) أن المشركين طاهرون، ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى أنهم نجس: إنهم طاهرون. . ." (^١).
ثم يستطرد ابنُ حزم في إيراد ما قد يعترض به الخصم فيقول: فإن قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا: نعم، فأي دليل في هذا على أن لعابها وعرقها ودمها طاهر؟ فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفظ من ذلك، قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه بولها، أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق. . ." (^٢).
ولما وقف الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر على هذا الموضع قال: "القول بنجاسة بدن الكافر وعرقه، وريقه إلى آخره قول شاذ لم أعرفه روي عن أحد من العلماء إلا ما نقله ابن كثير في تفسيره (ج ٤/ ص ٣٧٢) عن بعض أهل الظاهر ولعله يريد المؤلف وإلا ما نقله الطبري في تفسيره (ج ١٠/ ص ٧٤) عن الحسن: "لا تصافحوهم، فمن صافحهم فليتوضأ". . .. والمؤلف إنما أتى بمغالطات زعمها أدلة، وقد أباح الله للمؤمنين طعام أهل الكتاب ومؤاكلتهم، ولن يخلو هذا من آثارهم، وزواج الكتابيات يدعو إلى مخالطتهن أتم مخالطة، مما لا يمكن معه الاحتراز عن ريقهن وعرقهن في بدن المؤمن وثوبه وفراشه، والآية ظاهرة في أن المراد نجاستهم المعنوية من جهة
_________________
(١) المحلى (ج ١/ ص ١٣٠).
(٢) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ١٨٧ ]
¬الاعتقاد الباطل، وعدم الحرص على الطهارات: وأنهم لا يتحرزون من النجاسات" (^١).
ولقد ورد النهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم الاغتسال أو الوضوء فيه (^٢)، ففهم ابنُ حزم من ذلك "أن البائل في الماء الراكد الذي لا يجري حرام عليه الوضوء بذلك الماء، والاغتسال به لفرض أو لغيره، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره، وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره إن لم يغير البول شيئا من أوصافه، وحلالٌ الوضوء به والغسل به لغيره، فلو أحدث في الماء، أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه، فهو طاهر يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء: فلا يجزئ استعماله أصلا، لا له ولا لغيره. . ." (^٣).
وبهذا يتبين أنَّ ابن حزم يُخالف الجمهور في حُكم المتغوط في الماء الدائم، ويرى التفريق بين البول والغائط، والاقتصار على مجرد ظاهر النص، ويقول: "فَلَوْ أراد ﵇ أنْ ينهى عن ذلك غير البائل لَمَا سَكَتَ عن ذلك عَجْزًا ولا نسيانا. . .. " (^٤). وهذا المذهب الذي ارتضاه ابنُ حزم مذهبٌ غريب جدا، قد اعترضه فيه النووي
_________________
(١) انظر: تعليق الشيخ أحمد شاكر: هامش رقم ١ على المحلى (ج ١/ ص ١٣٠).
(٢) سيأتي تخريج الحديث الوارد في ذلك في قسم التحقيق.
(٣) المحلى (ج ١/ ص ١٣٥).
(٤) المحلى (ج ١/ ص ١٤٠).
[ ١ / ١٨٨ ]
¬فقال: "نقل أصحابنا عن داود بن علي الظاهري الأصبهاني ﵀ مذهبا عجيبا فقالوا: انفرد داود بأن قال لو بال رَجُلٌ في ماء راكد لم يجز أن يتوضأ منه لقوله - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه)، وهو حديث صحيح، قال: ويجوز لغيره، لأنه ليس بنجس عنده، ولو بال في إناء ثم صَبَّهُ في ماء، أو بال في شط نهر، ثم جرى البول إلى النهر قال: يجوز أن يتوضأ هو منه، لأنه ما بال فيه بل في غيره قال، ولو تغوط في ماء جاز أن يتوضأ منه، لأنه تغوط ولم يبل".
ثم قال النووي: "وهذا مذهب عجيب، وفي غاية الفساد، فهو أشنع ما نُقل عنه - إن صح عنه ﵀ - وفساده مُغْنٍ عن الاحتجاج عليه، ولهذا أعرض جماعة من أصحابنا المعتنين بذكر الخلاف عن الرد عليه بعد حكايتهم مذهبه، وقالوا: فساده مغن عن إفساده، وقد خرق الإجماع في قوله في الغائط، إذ لم يفرق أحد بينه وبين البول ثم فرقه بين البول في نفس الماء، والبول في إناء يُصب في الماء مِنْ أعجب الأشياء؟ ! ومن أخصر ما يرد به عليه أن النبي - ﷺ - نبه بالبول على ما في معناه من تغوط وبول وغيره، كما ثبت أنه - ﷺ - قال في الفأرة تموت في السَّمن: (إن كان جامدا فألقوها وما حولها)، وأجمعوا أن السنور كالفأرة في ذلك، وغير السَّمن من الدهن كالسمن (^١)، وفي الصحيح: (إذا ولغ الكلب في إناء
_________________
(١) يمضي ابن حزم - على ظاهريته - في هذا فيقول: "ولا يجوز أن يحكم لغير الفأرة في غير السمن، ولا للفأر في غير السمن، ولا لغير الفأرة في السمن - بحكم الفأر في السمن، لأنه لا نص في غير الفأر في السمن". وانظر: المحلى (ج ١/ ص ١٤٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
¬أحدكم فليغسله)، فلو أمر غيره فغسله، إن قال داود لا يطهر لكونه ما غسله هو، خرق الإجماع، دمان قال يطهر، فقد نظر إلى المعنى، وناقض قوله والله أعلم" (^١).
ومما شَنَّعَ العلماءُ به على ابن حزم - مما هو أشد إيغالا في الجمود على ظاهر النص - ما فهمه من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (^٢)، فإنه قال: أما قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فلو لم يُرد غير هذه اللفظة لما كان فيها تحريم ضربهما ولا قتلهما، ولما كان فيها إلا تحريم قول "أف" فقط. . . ولو كان النهي عن القول "أف" مغنيا عما سواه من وجوه الأذى لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها - مع النهي عن قول "أف" - النهي عن النهر والأمر بالإحسان، وخفض الجناح والذل لهما معنى، فَلَمَّا لم يقتصر تعالى على ذكر الأف وحده، بطل قول من ادعى أن بذكر الأف عُلم ما عداه" (^٣).
وَلَمَّا وقف الإمامُ الذَّهبي على هذا الموضع - من ملخص إبطال القياس - اعْتَرَضَ ابن حزم قائلا: "قلت: يا هذا، بهذا الجمود وأمثاله جعلت على عِرْضك سبيلا، ونصبت نفسك أعجوبة وضحكة، بل يقال لك: ما فهم أحد قط من عربي ولا نبطي ولا عاقل، ولا واع أن النهي عن قول "أف" للوالدين إلا وما فوقها أولى بالنهي منها، وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا؟ ! وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى
_________________
(١) المجموع (ج ١/ ص ١١٨ - ١١٩).
(٢) الآية من سورة الإسراء برقم ٢٣.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (ج ٨/ ص ٣٨٨) وملخص إبطال القياس (ص ٢٩).
[ ١ / ١٩٠ ]
¬على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر، بل مثل هذا مما أمن فيه حفظ اللسان العربي، بَل العجمي والتركي، وجميع خطاب بني آدم، وهل إذا قال: "لا تنهر والديك" إلا والنهي عن شتمهما أو لعنهما، أو ضربهما حتى يستغيثا أو خنقهما حتى يموتا بطريق الأولى؟ ! . . ." (^١).
وبالجملة: فإنه كلما ضاق المخرج على ابن حزم في شيء من الفقه، كان ذلك فرصة مناسبة لخصومه للنيل منه والتشنيع عليه، ولو أن ابن حزم نأى بنفسه عن الجمود على النص، وراعى المقاصد والمعاني لما جعل لغيره عليه سبيلا، ولنزل كلامه في النفوس منزلا رفيعا، وسبيل أهل الاجتهاد والنظر مراعاة الظاهر والمعنى الخفي، يقول ابن قيم الجوزية مبينا ذلك ببيان جلي: "ومثل مَنْ وقف مع الظواهر والألفاظ، ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بدعة، فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض، وقال: لم تقل إيتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، وَيُلْزَمُ به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع" (^٢).
_________________
(١) تعليق الذهبي بهامش ملخص إبطال القياس (ص ٢٩).
(٢) إعلام الموقعين (ج ٣/ ص ١٢٧).
[ ١ / ١٩١ ]
¬وليس يمنع - عند المُنْصف - الشذوذُ والإغرابُ في فقه الظاهرية عامة، وفقه ابن حزم خاصة، من الاستفادة من هذا التراث العظيم الذي تركه رواده ومنتحلوه، ذلك لأن الحق وَسَطُ بينهم وبين جمهور أهل الفقه.
ولقد أحسن الإمام الشوكاني صنعا عندما قارن بين مذهب الجمهور ومذهب أهل الظاهر فقال عند ترجمة أبي حيان الأندلسي الذي كان يميل إلى الظاهر: "قال ابن حجر: "كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر مَنْ عَلِقَ بذهنه" (^١)، - ولقد صدق في مقاله، فمذهب الظاهر هو أول الفكر، وآخر العمل عند من مُنح الإنصاف، ولم يرد على فطرته ما يغيرها عن أصلها، وليس هو مذهب داود الظاهري وأتباعه فقط بل هو مذهب أكابر العلماء المتقيدين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الآن، وداود واحد منهم، وإنما اشتهر عنه الجمود في مسائل وقف فيها على الظاهر حيث لا ينبغي الوقوف، وأهمل من أنواع القياس ما لا ينبغي لمنصف إهماله، وبالجملة: فمذهب الظاهر هو العمل بظاهر الكتاب والسنة بجميع الدلالات وطرح التعويل على محض الرأي الذي لا يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة، وأنت إذا أمعنتَ النظر في مقالات
_________________
(١) الدرر الكامنة (ج ٤/ ص ١٨٧). وأبو حيان هو محمد بن يوسف بن علي بن حيان الغرناطي أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجياني ولد سنة ٦٥٤ هـ وسمع الكثير بالأندلس وإفريقية ثم قدم إلى مصر، فقرأ بها القراءات على مشايخها، كان ثبتا عارفا باللغة والأدب والنحو، مفسرا، ألف "البحر المحيط" (ط) و"الأنور الأجلى في اختصار المحلى". وكان ظاهريا وانتمى إلى الشافعية توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الدرر الكامنة (ج ٤/ ص ١٨٥ - ١٨٩)، والبدر الطالع (ج ٢/ ص ٢٨٨ - ٢٩٠).
[ ١ / ١٩٢ ]
¬أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة وجدتها من مذهب الظاهر بعينه: بل إذا رزقت الإنصاف، وعرفتَ العلوم الاجتهادية كما ينبغي، ونظرت في علوم الكتاب والسنة حَقَّ النظر كنتَ ظاهريا أي عاملا بظاهر الشرع، منسوبا إليه لا إلى داود الظاهري، فإن نسبتك ونسبته إلى الظاهر متفقة، وهذه النسبة هي مساوية للنسبة إلى الإيمان والإسلام، وإلى خاتم الرسل عليه أفضل الصلوات والتسليم وإلى مذهب الظاهر بالمعنى الذي أوضحناه أشار ابن حزم بقوله:
وما أنا إلا ظاهري وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل (^١)
_________________
(١) البدر الطالع بمحاسن مَنْ بعد القرن السابع (ج ٢/ ص ٢٩٠).
[ ١ / ١٩٣ ]