ابن حزم ظاهري جامد، لا يبغي بالنص بدلا، ولا يلتفت إلى دلالة ولا إلى إشارة بعيدة كانت أَوْ قريبة، ولا يأخذ بالقياس ولا يرى البحث عن العلة، وجموده ظاهر في "الإعراب"، فَمِنْ ذلك قوله: ". . . فلما جاء النص بذلك سَمِعْنَاه وأطعنا، ولما لم يأت نص بأن يحرم لدخولها من لا يريد حجا ولا عمرة لم يجب ذلك أصلا" (^١).
وقوله - تعليقا عل حديث مواقيت الصلاة -: ". . . وهذا بيان لا يحتمل تأويلا أصلا" (^٢). وقوله - تعليقا على حديث صلاة النبي - ﷺ - بأصحابه على النجاشي: "وما يمتري مسلمٌ في أن كل مَنْ بلغه ذلك، فإنه عَلِمَ ودان بأنه سنة وحق وفضيلة، وليت شعري بماذا يدفعون صحة هذا الحديث؟ ولا مساغ للتأويل فيه إلا بالتعليق بالأماني الباطلة، وكيف يسوغ لمسلم أن يرغب بنفسه عَمَّا رضيه اللهُ شرعا لنبيه فعمل به، وعمل به معه أصحابُهُ، ولا نكير منهم لذلك ولا متعقب. . ." (^٣).
ولقد ثَبَتَ ابنُ حزم على ظاهريته في الكتاب كله، فتعقب أهل الرأي والقياس وأمعن في ذلك، ولم يدع لهم دليلا يتعلقون به، إلا تكلم عليه، وأظهر الوجه فيه، وحمله الإمعانُ على استقصاء أقوالهم
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٠).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٦).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٣٧).
[ ١ / ٢٧٥ ]
¬ومذاهبهم، ومقارعتهم بالدليل العقلي الذي لا حيلة معه كقوله في التعليق على ما ذهبوا إليه من أن المتوضئ لا يجزئه من مسح الرأس إلا الربع فأكثر، أو إلا ثلاثة أصابع فأكثر -: ". . . وبالضرورة يدري كل ذي فَهْمٍ أنه ليس في هذا الخبر (^١) شيء من المقدارين السخيفين اللَّذيْن حدوا لا بدليل، ولا بنص، ويُحتاج في حديهما المذكورين إلى خيطٍ يُذرع به الرأس! ! " (^٢).
ويستعين ابنُ حزم في تعقب الحنفية، وتصحيح رأيه بدليل المشاهدة، ففي انتقاده لقولهم في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان صلاة المأمومين بقامة، وبطلان صلاته وصلاتهم إن كان وقوفه في موضع أرفع من مكان صلاة المأمومين بأكثر من قامة - قال: ". . . فليت شعري أي قامة هي؟ ! وقد رأينا بعض الناس أكثر من تسعة أشبار بالشبر التام الكبير! ! ورأينا قامة بعضهم لا تتجاوز ستة أشبار إلا بأقل من شبر! ! فاعجبوا لهذه الفضائح! ! " (^٣).
وقال في انتقاده لقول الحنفية أن الإمام يكبر إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، واحتجاجهم في ذلك بالخبر الذي فيه: أن بلالا قال لرسول الله: لا تسبقني بآمين: ". . . وبضرورة المشاهدة يَدْري كل ذي حس سليم أنه لا سبيل إلى إتمام الإمام ثلاث آيات من أم القرآن، فكيف أن يتم جميعها؟ فكيف يسبقه الإمام بآمين؟ ! ! إن هذا لعجب لا
_________________
(١) يعني خبر المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - توضأ فمسح بناصيته وعمامته.
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٧).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٧).
[ ١ / ٢٧٦ ]
¬نظير له! ! " (^١).
وقال في انتقاده لقول الحنفية أن بول الإبل يُنَجِّسُ ما وقع فيه: "وَلَقَدْ أخبرني من لا أمتري في صحة حديثه وثُقُوب معرفته من أهل الإبل، أنه لا سبيل البتة إلى التحفظ من أن يقع في ألبان الإبل عند حلبها بولها فلو قلب هؤلاء القوم مذاهبهم، لأصابوا! ! " (^٢).
وليس يَعْدَمُ ابنُ حزم في انتقاده للحنفية من ملامة ومؤاخذة، فَمِنْ ذلك:
أولا: حدة لسانه، وقسوة ألفاظه، وفظاعة حطه، وشناعة نقده، فلو أن ابن حزم تعقب نصرانيا أو يهوديا أو زنديقا أو دهريا ملحدا بمثل هذا التعقب لكان ذلك شيئا مستهجنا، ونمطا مستغربا، وصنيعا مستقبحا، فكيف والمُتَعقَّبُ من أهل الملة؟ ! والمتكلم فيه من أهل القبلة؟ ! ! .
ولقد حملت الحِدَّةُ ابنَ حزم على التعيير بل التكفير، اسمع إليه يقول: . . . وهذا انسلاخٌ من الإسلام، وإحالةٌ للقرآن، وتحريفٌ لكلام الله تعالى عن مواضعه" (^٣).
ولقد كان الإنصافُ يقتضي من ابن حزم أَنْ يُخْلِيَ كتابَهُ مما شَانَهُ من التعبير القاسي، والحط القبيح، والتكفير الشنيع، ولو أنه فعل ذلك لكان متكلما في الحنفية بالقسط والعدل، ولكنه ابنُ حزم، وَمَنْ ذا الذي سَلِمَ من لسان ابن حزم! ! ! .
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٧).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٧٠).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٦٠).
[ ١ / ٢٧٧ ]
¬ولعل الذي هَيَّجَ ابنَ حزم للنقد اللاذع، ونَشَّطَهُ للاعتراض المقذع، ما وجد عليه الحنفية من إسراف في القياس، وتعصب لأبي حنيفة، ولقد أومأ ﵀ إلى هذين السببين، وكأنه يعتذر مما كان منه، فقال: ". . . فاعجبوا لحماقة هؤلاء القوم في هذه القياسات السخيفة وتلاعبهم بالشرع، والتحريم والتحليل في الدين بمثل هذه الأقوال، ونحن لو أثبتنا الفروق التي يذكرونها لطال الديوان، واشتد النكير (^١)، وامتد عنان التعقب، ومَنْ ذَا الذي يرى لهم ما أثبتوه، ولم يقل بعض ما قد قلناه، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى" (^٢).
وقال أيضًا مشيرا إلى السبب الثاني: ". . . وفيهم طائفة لا ترى الخروج عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزفر، وكل هذا بدعة، هتكوا بها إجماع أهل الإسلام قاطبة. . ." (^٣).
ثانيا: قد يكون في نسبة هذه الأقوال التي يحكيها ابن حزم عن الحنفية نظرٌ، فقد يكون فيها المدخول والمنسوب، وقد يكون فيها ما هو قولٌ لبعضهم لا لجميعهم، أو ما هو قول لمتأخريهم لم يعرفه متقدموهم، فإطلاق ابنِ حزم أَنَّ ذلك قول للحنفية جملةً محلُّ نظرٍ وتأملٍ.
ثالثا: قد لا يسلم اعتراض ابن حزم أحيانا على الحنفية لاختلافٍ في
_________________
(١) قلت: أفأبعد هذا النكير من نكير؟ ! ! .
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٦١).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٧٢).
[ ١ / ٢٧٨ ]
¬فهم النص، ومراعاة مقاصد الشرع، أو وجود دليل آخر راجح، أو إعمالٍ لدليل مختلف فيه كالقياس مثلا، أو غير ذلك مِن الأسباب الموجبة للإختلاف. وفيما يلي بعض الأمثلة من المسائل المنتقدة على الحنفية، مما لا يكاد يُسَلِّمُ منصفٌ لابن حزم في الاعتراض عليها: