لم يرحل ابن حزم إلى المشرق -على عادة أهل الأندلس في الرحلة إليه طلبا للعلم، واستزادة مِنْهُ: لأنه تهيأ له في قرطبة من أسبابه ما جعله في غُنية عن ذلك.
ولقد كان يتشوق إلى زيارة بغداد - عاصمة العلم والفكر في ذلك الوقت، ولذلك كان يقول:
ولي نحو آفَاقِ العراق صبابة ولا غرو أن يستوحش الكلف الصَّبُّ
فإن ينزل الرحمن رحلتي بينهم فَحينئذ، يبدو التأسُّف والكرب (^١)
ولقد خرج ابن حزم -في أول حياته- من مسقط رأسه مضطرا كارها عندما وقعت الفتنة، واضطرب أمر الناس، وَتَفَلَّتَ الأمنُ، يقول في ذلك: "ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها وتقلبت بي الأمور إلى الخروج من قرطبة، وسكنى مدينة ألمرية" (^٢).
ويحدد ابنُ حزم تاريخَ هذا الخروج من قرطبة فيقول: " فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة " (^٣).
وأقام ابنُ حزم في المرية ثلاث سنوات، اعتقله فيها "خيران" (^٤)
_________________
(١) انظر: جذوة المقتبس (ص ٤٩١) وسبق تخريج هذين البيتين في جملة أبيات أخرى.
(٢) انظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٦١).
(٣) انظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٥٢).
(٤) هو خيران مولى المنصور بن أبي عامر، توفي سنة ٤١٨ هـ. انظر ترجمته في: نفح الطيب (ج ١/ ص ١٤١) والمغرب في حلي المغرب (ج ٢/ ص ١٦٢).
[ ١ / ١٠١ ]
¬حاكم المدينة بضعة أشهر (^١). يقول في ذلك: "ثم أخرجنا على جهة التغريب، فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبو القاسم عبد الله ابن هذيل التجيبي المعروف بابن المقفل، فأقمنا عنده شهورا في خير دار إقامة، وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة، وأكملهم معروفا، وأتمهم سيادة" (^٢).
ثم هاجر ابنُ حزم إلى بلنسية (^٣)، وتقلبت به أمور السياسة، إلى أن ألقى عصا التَّسيار في قرطبة. وانقطع للعلم، ونَبَذَ السياسة، وزهد في الوزارة. لكنه لم يلبث إلا قليلا حتى عاود الرحلة مضطرا كارها، إذ أخرجه قومه، وقد سَفَّهَ أحلامهم، وخالف آراءهم، ونسبهم إلى التقليد، وهو في كل ذلك مُقْذع في الِحجَاج، لاذع في الاعتراض: "حتى استُهدف إلى فقهاء وقته، فَتَمَالؤُوا على بغضه، ورد أقواله، فأجمعوا على تضليله، وَشَنَّعُوْا عليه، وحذَّروا سلاطينهم من فتنته وطفق الملوك يُقصونه عن قُربهم، ويُسَيِّرُونَه عن بلادهم" (^٤).
فخرج إلى شاطبة، ثم تنقل بين مدن الأندلس، فزار قلعة البونب، ودخل جزيرة ميورقة، وكان واليها أحمد بن رشيق (^٥) محبا للعلم وأهله
_________________
(١) انظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٦١).
(٢) انظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٦٢).
(٣) انظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٢٦٢).
(٤) انظر: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ق ١/ ج ١/ ص ١٦٧).
(٥) أحمد بن رشيق الكاتب أبو العباس قال الحميدي في ترجمته: " فكان ينظر في أمور الجهة التي كان فيها نظر العدل والسياسة، ويشتغل بالفقه والحديث، ويجمع =
[ ١ / ١٠٢ ]
¬فأكرمه وأحسن مثواه.
ثم أُجلي عن ميورقة، وذهب إلى إشبيلية، فأُخرج عنها، وانتهى به المطاف إلى لبلة موطن أسرته ومنقطع أثرته، حيث لبث هناك بقية حياته.
وكان أثر هذه الرحلات شديدا على نفس ابن حزم، فاضطرب لها فكره، وتشتت لها همه، يقول واصفا ذلك: " فأنت تعلم (^١) أن ذهني متقلب، وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الأزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار، لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا، وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ، والذي ترك أعظم من الذي تحيف، ومواهبه المحيطة بنا ونعمه التي غمرتنا لا تحد، ولا يُؤَدَّي شكرها، والكل منحه وعطاياه، ولا حكم لنا في أنفسنا ونحن منه، وإليه منقلبنا، وكل عارية فراجعة إلى معيرها وله الحمد أولا وآخرا وعودا وبدءا" (^٢).
_________________
(١) = العلماء والصالحين، ويؤثرهم، ويصلح الأمور جهده، وما رأينا من أهل الرياسة من يجري مجراه مع هيبة مفرطة، وتواضع وحلم عرف به مع القدرة" توفي بعد ٤٤٠ هـ. انظر: جذوة المقتبس (ص ١٠٩).
(٢) يخاطب ابن حزم ههنا صديقه الذي اقترح عليه أن يكتب "طوق الحمامة".
(٣) انظر: طوق الحمامة ضمن رسائل ابن حزم (ج ١/ ص ٣١٠).
[ ١ / ١٠٣ ]
¬ومع الاضطراب في الفكر، والتشتت في الذهن، كانت تسنح لابن حزم أوقات يَدِقُّ فيها فهمه، ويجود نظره، فيقف فيها على حقيقة المشكل الغامض.
اسمع إليه يذكر فرحته بوقوفه على حل مسألة عويصة.
يقول: "واعلم أنك لا تورث العلم إلا من يُكسبك الحسنات وأنت ميت، والذكر الطيب وأنت رميم، ولا يذكرك إلا بكل جميل، ولا تورثه بعدك ولا تصحب في حياتك في طريقه إلا كل فاضل بَرِّ، ولست تصحب في طَلَب المال والجاه إلا أشباه الثعالب والذئاب، وأحدثك في ذلك بما نرجو أن ينتفع به قارئه إن شاء الله تعالى، وذلك أني كنت معتقلا في يد الملقب بالمُسْتكفي في مطبق، وكنت لا آمن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين، كثير الجهل، غير مأمون ولا مُتَثَبِّت.
وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر وكنت مفكرا في مسألة عويصة من كليات الجُمَلِ التي تقع تحتها معان عظيمة كثر فيها الشغب قديما وحديثا في أحكام الديانة، وهي منصرفة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى أن لَاحَ لي وجه البيان فيها، وصح لي، وَحَقَّ لي الحقُّ يقينا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال التي وصفتُ.
فبالله الذي لا إله إلا هو الخالق الأول، مدبر الأمور كلها أقسم، الذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذ وأنا في تلك الحال، بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به، وإشراق الصواب لي
[ ١ / ١٠٤ ]
¬أشد من سروري بإطلاقي مما كنت فيه، وما ألفنا هذا الكتاب وكثيرا من كتبنا إلا ونحن مُغَرَّبون مُبْعدون عن الوطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلما وعدوانا" (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: التقريب لحد المنطق ضمن رسائل ابن حزم (ج ٤/ ص ٣٤٦).
[ ١ / ١٠٥ ]