فيه ذكر مسائل لهم خالفوا فيها الإجماع المتيقن المقطوع به حقا لا المدعي بالكذب المفترى على جميع أهل الإسلام، أو بالظن الذي أخبر رسول الله أنه أكذب الحديث وحذر منه ونهي عنه (^١).
قال أبو محمد: [علي بن أحمد رحمه الله تعالى] (^٢) قالوا: يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام على المنبر بعرفة، وصح بيقين لا شك فيه أن رسول الله -ﷺ- (^٣) إنما أمر المؤذن بالأذان بعرفة بعد إتمامه ﵇ الخطبة، وأنه ﵇ إنما خطب راكبا على ناقته، لا على منبره (^٤)، وهذا بحضور جميع من أمكنه الحضور من الصحابة -﵃- (^٥)، وهم عشرات الألوف، وبعلم (^٦) كل من غاب عنهم من أهل الإسلام، وهذا هو الإجماع حقا، لأنه أمر ظاهر معلن مهتوف به بحضرتهم لم يرو عن صاحب ولا عن تابع خلاف هذا.
_________________
(١) تقدم تخريج الحديث الذي يفيد هذا المعنى.
(٢) ما بين معكوفين ساقط من (ت).
(٣) سقط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٤) أخرجه مسلم في الحج باب حجة النبي -ﷺ- (ج ٨/ ص ١٧٠) والنسائي في الكبرى برقم ٤٠٠١ (ج ٢/ ص ٤٢١) وأبو داود في المناسك باب صفة حجة النبي -ﷺ- برقم ١٩٠٥. لكن ورد النص في خطبته -ﷺ- على المنبر يوم عرفة في الحديث الذي أخرجه أبو داود في المناسك باب الخطبة على المنبر بعرفة برقم ١٩١٥ عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه قال: "رأيت رسول الله -ﷺ- وهو على المنبر بعرفة".
(٥) سقط لفظ الترضي من (ت). .
(٦) في النسختين: "ويعلم"، ورجَّحت أن تكون كما أثبتها.
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
ثم تناقضوا في ذلك فأسقط أبو يوسف عن المؤذن الإنصات للخطبة مع خلافهم السنة، برأيهم في أمر من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب بأن يركع ركعتين، فقالوا: وأين الإنصات، فراعوا الإنصات حيث لا تجب مراعاته، ولم يُرَاعُوهُ حيث تجب مراعاته (^١).
وقالوا: بإجازة تنكيس الطواف بالبيت، وهو خلاف جميع أهل الإسلام قطعا، لأنه لم يزل أهل الإسلام يطوفون بالبيت في الحج والعمرة، وتطوعا في كل عام جيلا بعد جيل من أول الإسلام إلى يومنا هذا، فما منهم من أحد نكس طوافه قطعا (^٢).
وقالوا: بجواز تنكيس الأذان والإقامة، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام (^٣) قطعا بيقين، لأنه لم يزل المسلمون في كل مسجد في كل قرية، وكل مدينة وكل حَلَّة (^٤) من شرق الأرض إلى غربها، إلى جنوبها إلى شمالها مذ نزل الأذان إلى يومنا هذا، ما كان مؤذن قط في العالم
_________________
(١) انظر: الهداية (ج ١/ ص ٩١) وبدائع الصنائع (ج ١ / ص ٢٦٣ - ٢٦٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ١ / ص ١١٣).
(٢) حكي المؤلف في المحلى (ج ٢/ ص ٦٧) نحو هذا عن الحنفية ثم قال: " وأما أبو حنيفة، فإنه أطرد قولا، وأكثر خطأ، والقوم أصحاب قياس بزعمهم فهلا قاسوا ذلك على ما اتفق عليه من المنع من تنكيس الصلاة؟، على أنه قد صح الإجماع في بعض الأوقات على تنكيس الصلاة وهي حال من وجد الإمام جالسا أو ساجدا، فإنه يبدأ بذلك وهو آخر الصلاة، وهذا ما تناقضوا فيه في قياسهم".
(٣) في (ت): "وهذا خلاف الإجماع".
(٤) الحَلَّة: الجهة والقَصْد: انظر القاموس (ص ١٢٧٤).
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
يعكس أذانه، أو إقامته (^١).
وقالوا في جواز تنكيس الوضوء كلذلك (^٢)، وقد شرع الله تعالى الوضوء قبل هجرته -ﷺ- (^٣) قبل نزول الأذان ورؤياه، وقد علم كل من له أدنى إلمام بالسنن، أن الأذان كان في أثناء الهجرة، والوضوء كان في أول النبوة، وقد نقل الصحابة -﵃- (^٤) وضوءه، ولم ينقلوه منكسا، وروى الصحابة وضوء بعضهم بعضا، ورواه عنهم التابعون، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، فلم يذكر أحد منهم تنكيس الوضوء.
وقالوا: على القارن طوفان وسعيان، وهو خلاف إجماع
_________________
(١) قال الحنفية: إذا قدّم المؤذن في أذانه، أو إقامته بعض الكلمات على بعض جاز، وقالوا الأصل فيه أن ما سبق أداؤه يعتد به حتى لا يعيده في أذانه، وانظر: المبسوط (ج ١/ ص ١٣٩) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٤٩). وقال المؤلف بعد حكاية خلاف أبي حنيفة: " قال علي: لا يشك أحد في أن رسول اللهِ -ﷺ- عَلَّم النَّاسَ الأذان، ولولا ذلك ما تكهنوهما ولا ابتدعوهما فإذْ لا شك في ذلك، فإنما علمهما ﵇ مُرتبين كَمَا هُمَا، فَأَوَّلا يأمر الذي يعلمه بأن يقول ما يلقنه، ثم الذي بعده من القول إلى انقضائهما، فإذ هذا كذلك، فلا يحل لأحد مخالفة أمره -ﷺ- في تقديم ما أخر، أو تأخير ما قدم". وانظر المحلى (ج ٢/ ص ٦٧).
(٢) هذا القول في: المختصر (ص ١٨) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢١) والهداية (ج ١/ ص ١٤) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٦) والمجموع (١/ ٤٤٣) والبحر الزخار (٢/ ٥٩٥٨) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ١٦١ - ١٦٣).
(٣) في (ت): "﵇".
(٤) سقطت من (ت).
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
الصحابة -﵃- (^١) فقد جاء عنهم أن كل مع حج مع النبي -ﷺ- (^٢) فقرن فإنما طافوا طوافا واحدا، وسعوا سعيا واحدا (^٣)، وتعلقوا برواية كاذبة عن علي لم تصح قط (^٤)، ولسنا ندعي في هذا إجماع المسلمين في الأعْصَار، لأنه قد صح عن نفر من التابعين طوافان وسعيان (^٥).
وقالوا: لا يقتل في دار الحرب شيخ كبير ولا عسيف، وقد صح بالإجماع المتيقن أن رسول الله -ﷺ- (^٦) قتل كل من أنبت من بني قريظة (^٧)، وهم جماعات وَمِئُونَ كثيرة، وكان منهم بلا شك العسيف، والشيخ الكبير، وهذا يحضرة جميع الصحابة، وعلم من تخلف بالمدينة لقربها وأنها في طرف المدينة على نحو ميلين من المسجد، ولم يصح خلاف هذا قط، لا عن النبي -ﷺ- (^٨) ولا عن أحد من الصحابة، إنما أتَتْ
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) سقطت من (ت).
(٣) انظر: المبسوط (ج ٤/ ص ١٧٤).
(٤) تقدم تخريج رواية علي.
(٥) من هؤلاء التابعين: الشعبي كما أخرج ذلك عنه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ١٤٣١٥ (ج ٣/ ص ٢٩١).
(٦) سقطت من (ت).
(٧) أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث بني النضير برقم ٤٠٢٨ من حديث ابن عمر ﵁ قال: "حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين ".
(٨) في (ت): "﵇".
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
روايات فاسدة تعلقوا بها.
وقالوا: فيمن أسلم في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الإسلام، ومن أسلم في دار الحرب، وأقام بها حتى فتحت، ومن خرج من دار الحرب كافرًا إلى دار الإسلام، فأسلم فيها، كيف حكم ماله وعقاره وولده الصغار - بأقوال قد ذكرناها فيما لا يعرف أحد قالها قبلهم، وهي خلاف جميع إجماع الصحابة -﵃- (^١) لأنَّه لا يختلف مؤمن ولا كافر ممن له علم بالأخبار أن طائفة من الصحابة أسلموا بمكة، ثم هاجروا كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأن طائفة منهم أتوا إلى المدينة كفارا، فأسلموا فيها كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وغيرهم، وطائفة أسلموا بمكة وبقوا بها مستضعفين لا يطيقون الهجرة إلى أن فتحت، وكلهم بيقين رجع إلى ماله وداره، وولده صغارهم وكبارهم، إلا أن رسول الله -ﷺ- (^٢). (^٣) داره لعقيل، وكره لبني جحش طلب دارهم التي باعها لهم أبو سفيان (^٤)، لا حكما عليهم، بل اختيارا لهم، وهذا أمر مشهور لا خفاء به، وكذلك من أسلم من بني قريظة، فإنهم أحرزوا مالهم وعقارهم وأولادهم (^٥)، وقالوا: إن فتحت أرض من
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) في (ت): "﵇".
(٣) هنا في (ت) بياض بقدر كلمة، والكلام في (ش) مُسْتَرْسَلٌ.
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) تقدم ذلك في حديث ابن عمر.
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
أرض الحرب، وفيها أرض لمسلم ساكن في دار الإسلام، فهي غنيمة كسائر أموال الكفار، وهذا خلاف إجماع جميع [أهل] (^١) الإسلام في تجويزهم أموال المسلمين، وخلاف ما ذكرنا من عمل الصحابة في أموالهم وعقارهم بالطائف ومكة.
وقالوا: قد صح إجماع الصحابة على تضمين الرهن إن هلك، وكذبوا في ذلك على جاري عادتهم في استسهال هذه الدعاوى الكاذبة، وكان كذبهم هذا عائدا على أنفسهم، لأنهم قالوا: إن ولد الرهن وغلة الرهن، وثمرة الرهن رهن الأمهات والمُغلّ والشجر، ثم قالوا: إن تلف شيء من ذلك لم يضمن (^٢)، فلم يحصلوا إلا على إقرارهم على أنفسهم، بأنهم خالفوا الإجماع إجماع الصحابة في تضمين الرهن، وشهدوا على أنفسهم، وعلى أهلها تجني بَرَاقشُ (^٣).
وقالوا: من أكره على قتل ألف مسلم ظلما وعدوانا، بسجن شهر يهدد به، فضرب أعناقهم كلهم بالسيف، فلا شيء عليه لا قود ولا دية. وهذا خلاف مقطوع به، لإجماع أهل الإسلام على تحريم دم المسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس أو حرابة مع قولهم من أكره على الطلاق، أو النكاح أو العتق لزمه،
_________________
(١) زيادة منِّي.
(٢) هذا القول في: المختصر (ص ٩٤ - ٩٥) والهداية (ج ٤/ ص ٤٩٨) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢/ ص ٦٢).
(٣) هذا المثل يضرب لمن يعمل عملا يرجع ضرره عليه وانظر القاموس مادة براقش (ص ٧٥٤).
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
وحُكم عَليه به.
وقالوا: إن زنى الإمام بألف مسلمة محصنة وهو محصن، أو غير محصن، أو شرب الخمور علانية فلا شيء عليه في ذلك لأحد ولا تعزير، فإن كَسَرَ ضرْسَ يهودي، أو ضرس نصراني، لزمه أن يُقْلَعَ ضرسه، أو قَتَلَ نصرانيا، أو يهوديا قُتل به، وهذا خلاف إجماع جميع أهل الإسلام، في إيجاب الحد على الزاني، وشارب الخمر (^١).
وقالوا: لا يجوز بيع المكاتب الذي لم يؤد من كتابته شيئا، وهو خلاف اليقين من إجماع جميع الصحابة إذ بيعت بريرة -وهي مكاتبة- لم تؤد من كتابتها شيئا بمحضر جميع الصحابة، وخطب رسول الله -ﷺ- (^٢) في شأنها الخطبة (^٣).
وقالوا بإباحة المسكر، وإسقاط الحد عمن تعمد السكر من شراب العسل، ومن شراب الذرة، ومن شراب التين، وهذا خلاف إجماع المسلمين يعني إباحة السكر، وأما إسقاط الحد فقد روي عن الحسن وروي عنه خلافه.
وقالوا: يكره أن يتخذ الإنسان سورة يختصها بقراءتها في صلاته، وعَمُّوا بذلك الجمعة وغيرها وهذا خلاف إجماع أهل
_________________
(١) سقطت "الخمر" من (ش).
(٢) سقط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٣) كذا وقد تقدم تخريج حديث بريرة وهذا القول في: الهداية (ج ٣/ ص ٢٨٩). ولم ينفرد الحنفية بالقول في المنع من بيع المكاتب، بل شاركهم فيه أحمد في روايةٍ عنه، ومالك والشافعي في أحد قوليه وانظر المغني (ج ٩/ ص ٣٤٨ - ٣٤٩).
[ ٣ / ١٠٨١ ]
الإسلام، في شرق الأرض وغربها، في كل مصْر وقرية جامعة، من عهد رسول الله -ﷺ- (^١) إلى يومنا هذا جيلا جيلا، في اختصاصهم الركعة الأولى من الجمعة بسورة الجمعة (^٢)، يشهد ذلك الرجلُ والمرأةُ، والعالمُ، والجاهلُ والصغيرُ والكبيرُ.
وقالوا: إنما أعتقنا أمهات الأولاد بفعْل عمر (^٣)، فانظروا يا معشر السامعين، من شدة ظلام وجهل هؤلاء المساكين، إذ في قولهم هذا أن جميع المسلمين كانوا مجمعين على استحلال بيع أمهات الأولاد حتى قضى عمر بخلاف ذلك، وهذا اعتراف منهم على أنفسهم بخلاف الإجماع المتقدم، وليتهم لم يقحموا عمر مع أنفسم في خلاف الإجماع المتيقن، وقد أعاذ الله تعالى عمر من ذلك، ثم اعجبوا لحماقة أخرى لهم في هذا القول إذ جعلوا إجماعا شَيْئًا أقروا أنه رأي من عمر، قد صح خلافه عن ابن مسعود، وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت (^٤)، ولم
_________________
(١) سقط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٢) أخرجه مسلم في الجمعة باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (ج ٦/ ص ١٦٦) والنسائي في الجمعة باب القراءة في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين (ج ٣/ ص ١١١) والترمذي في الجمعة باب ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة برقم ٥١٨، وابن ماجه في الصلاة باب ما جاء فى القراءة في الصلاة يوم الجمعة برقم ١١١٨، والدارمي فى الصلاة باب القراءة فى صلاة الجمعة برقم ١٥٢٩، والبيهقي في الكبرى (ج ٣/ ص ٢٠٠)، والمعرفة (ج ٢/ ص ٤٨٥)، والطيالسي في مسنده برقم ٧٩٥.
(٣) تقدم تخريج فعل عمر في أمهات الأولاد.
(٤) أما الرواية عن ابن مسعود في ذلك: فأخرجها ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢١٥٩٢ (ج ٤/ ص ٤١٠) عن زيد بن وهب قال: "مات رجل من الحي، وترك أم ولد فقام =
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
يجعلوا إجماعًا شيئًا يقرون أن جميع أهل الإسلام كانوا عليه قبل عمر، وأقروا أنه لم يقله أحد قبل عمر، فوا خلافاهُ ويا للعصبية والإفكية، ونسأل الله تعالى العافية آمين.
وقالوا: بِمِثْل هذا سواءً بسواءٍ في حد الخمر، والقولُ عليهم في ذلك كالقول في مسألة أمهات الأولاد، إذ نسبوا إلى عمر خلافَ إجماع كل من قبله بإقرارهم، ولم يروا من الإجماع شيئًا أقروا بألسنتهم أنه لم يكن فيه مخالف ورأوا إجماعا شيئًا أقرِوا بألسنتهم أنه لم يكن فيه مخالف (^١)، ورأوا إجماعا شيئا أقروا أنه رأي مُحْدثٌ من عمر، قد صح خلافه عن عمر نفسه (^٢)، وعن عثمان بعده وعن علي والحسن وعبد الله بن جعفر (^٣) بمحضر الصحابة، فاعجبوا لهذا التخليط، نسأل (^٤) الله العافية.
_________________
(١) = الوليد بن عقبة يبيعها، فأتينا عبد الله بن مسعود فسألناه، فقال إن كنتم لا بد فاعلين فاجعلوها من نصيب ابنها".
(٢) في العبارة تكرار.
(٣) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٨٤٠٨ (ج ٥/ ص ٥٠٣) عن هشام عن الحسن أن عمر ضرب في الخمر ثمانين.
(٤) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٢٤٠٧ (ج ٥/ ص ٥٠٣) عن حصين أبي ساسان أنه ركب الناس من أهل الكوفة إلى عثمان فأخبروه بما كان من أمر الوليد بن عقبة من شرب الخمر، فكلم في ذلك عليا فقال عثمان: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد، فقال: قم يا حسن فاجلده فقال فيم أنت من هذا؟ أَوْلِ هذا غيرك قال: بل ضعفت ووهنت وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر، فجعل يجلده، ويَعد علي حتى بلغ أربعين، فقال: كف وأمسك، جلد رسول الله -ﷺ- أربعين، وأبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين، وكلُّ سنة".
(٥) في (ش): "واسألوا".
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
وزيادة أخرى إقرارهم أن عمر فعل ذلك قياسًا على حد القذف وهم يقولون: إن الحدود لا يحل أن تضرب بالقياس، وأن حكمها أن تُدْرَأَ بالشبهات.
وقالوا: لا يجوز أن تصلى فريضة خلف متنقل (^١)، وهذا خلاف الإجماع المتيقن من جميع الصحابة -﵃- (^٢) وقد ثبت يقينًا أن مُعَاذًا كان يصلي مع رسول الله -ﷺ- (^٣)، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمهم في تلك الصلاة نفسها (^٤).
وقالوا: لا يجوز أن يبتدئ الإمام الصلاة بقوم ثم يأتي الإمام الراتب، فيصير إمامًا لهم، ويصير الإمام الأول مأمومًا (^٥)، وهذا خلاف إجماع جميع الصحابة بيقين، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بالصحابة، ثم جاء رسول الله -ﷺ- (^٦) فَصَارَا في تلك الصلاة، وصار أبو بكر -﵁- (^٧)
_________________
(١) هذا القول في: الهداية (ج ١/ ص ٦٢) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٤١) والبحر الزخار (ج ٢/ ص ٣١٧)، والتحقيق في أحاديث الخلاف (ج ١/ ص ٤٨١) والمحلى (ج ٤/ ص ٢٢٥).
(٢) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٣) سقط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٤) سبق تخريج حديث معاذ.
(٥) هذا القول في: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٥٤) والبحر الزخار (ج ٢/ ص ٣٢٠) والتحقيق في أحاديث الخلاف (ج ١/ ص ٤٨٩).
(٦) سقط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٧) سقط لفظ الترضي من (ت).
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
مأمومًا بحضرة جميع الصحابة، وعلم من غاب منهم بذلك (^١).
وقالوا من سجد في الصلاة على أنفه دون جبهته، ولم يضع يديه ولا ركبتيه على ما هو عليه، ولا مقاعده، فصلاته تامة، وهذا خلاف جميع أهل الإسلام عالمهم وجاهلهم ونسائِهم ورجالهم وَأَحْرَارِهِمْ، وعبيدهم وكبارهم وصغارهم وبررتهم وفساقهم، من كل نِحْلة وفرقة منذ نزلت الصلاة إلى يومنا هذا في جميع الأرض، فما روي مسلم قط يصلي هذه الصلاة ولا جاءت إباحتها عن أحد من المسلمين قبل من قال بها [ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم] (^٢) وإن العجب لَيَكْثُرُ جدًا ممن علم شهرة قوله -ﷺ- (^٣): (إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (^٤). وعلم قوله -ﷺ- (^٥) للمبادر بالركوع الداخل في الصف فيه: (زادك الله حرصًا ولا تعد) (^٦)، ثم يرى مثل هذه الصلاة التي قد قال إنها تسقط عنه فرض
_________________
(١) تقدم تخريج هذا الحديث.
(٢) ما بين معكوفين ساقط من (ت).
(٣) في (ت): "﵇".
(٤) أخرجه البخاري في الأذان باب قول الرجل فاتتنا الصلاة برقم ٦٣٥، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (ج ٥/ ص ٩٨) وأبو داود في الصلاة باب السعي إلى الصلاة برقم ٥٧٢، والنسائي في الإمامة باب السعي إلى الصلاة (ج ٢/ ص ١١٤) والترمذي في المواقيت، باب ما جاء في المشي إلى المسجد برقم ٣٢٦.
(٥) في (ت): "﵇".
(٦) أخرجه البخاري (ج ١/ ص ١٠٨) وأبو داود في الصلاة باب الرجل يركع دون الصف برقم ٦٨٣ و٦٨٤ وسياقه عنده عن زياد الأعلم حدثنا الحسن أن أبا بكرة حدث أنه =
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
الله تعالى المخاطب به، وهو يعلم قوله -ﷺ- (^١): (من عمل عملًا، ليس عليه أمرنا، فهو رد) (^٢).
أفلا يرتدع بِصَحيح هذه الآثار وبما في مدلولها من مخالفة ما نص عليه -ﷺ- (^٣)، وما كان عليه عمله، وما كان عليه عمل الصحابة والتابعين، وكافة أهل العلم إلَّا صاحب هذا القول ولو روي مصل يُصلي هكذا لم شك أحد يَرَاهُ من مؤمن وكافر، في أنه عابث متلاعب متماجن، مستخف بالدين.
وقالوا بجواز قراءة القرآن في الصلاة بالأعجمية، وهذه كالتي قبلها سواءً بسواء، وقد قال تعالى منكرًا على من قال بقولهم من الكفار: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (^٤)، وبالله لو أن امرئًا صلى كما ذكرنا قبل عنهم، وقرأ بالأعجمية لكان بلا شك لاعبًا كلعب أهل الزمر في الأعراس، وأما مصليًا فلا،
_________________
(١) = دخل المسجد ونبي الله -ﷺ- راكع قال: فركعت دون الصف فقال النبي -ﷺ-: "زادك الله حرصا ولا تعد".
(٢) في (ت): "﵇".
(٣) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند برقم ٢٥٠٠٨ (ج ١٧/ ص ٥٢١)، وأخرجه: بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". البخاري في الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود برقم ٢٦٩٧ ومسلم في الأقضية (ج ٣/ ص ١٣٤٣) وأبو داود فى السنة باب لزوم السنة برقم ٤٦٠٦، وأحمد في المسند برقم ٢٤٣٣١ (ج ١٧/ ص ٣٣٤).
(٤) في (ت): "﵇".
(٥) سورة فصلت الآية رقم ٤٤.
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
أفتراهم لم يسمعوا قوله -ﷺ- (^١): (صلوا كما رأيتموني أصلي) (^٢) [وبالله تعالى التوفيق] (^٣)! !؟
ثم عقَّبُوا بقولهم: من عطس في صلاته، فقال: (الحمد لله رب العالمين) بطلت صلاته، فإن لله وإنا إليه راجعون على ظهور هذه الحوادث في الإسلام (^٤).
وقالوا: لا يُصَلَّى على الميت الغائب (^٥)، وهذا خلاف متيقن بإجماع جميع الصحابة -﵃- (^٦) إذ صلى بهم رسول الله -ﷺ- (^٧) على النجاشي -﵁- (^٨) وصفهم خلفه صفوفًا (^٩)، وما يمتري مسلم في أن كل من بلغه ذلك فإنه علم، ودان بأنَّه سنة وحق وفضيلةٌ وليت شعري بماذا يدفعون صحة هذا
_________________
(١) في (ت): "﵇".
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث.
(٣) ما بين معكوفين ساقط من (ت).
(٤) انظر المحلى (ج ٣/ ص ١٤٣).
(٥) هذا القول في: بدائع الصنائع (ج ١/ ص ٣١٢) والتحقيق في أحاديث الخلاف (ج ٢/ ص ١٤).
(٦) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٧) في (ت): "﵇".
(٨) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٩) أخرجه البخاري في الجنائز باب الصفوف على الجنازة برقم ١٣١٨ و١٣٢٠، والترمذي في الجنائز باب ما جاء في صلاة النبي -ﷺ- على النجاشي برقم ١٠٤٤ وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الصلاة على النجاشي برقم ١٥٣٤ و١٥٣٥ و١٥٣٦ و١٥٣٧ و١٥٣٨.
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
الحديث؟ ! ولا مساغ للتأويل فيه إلا بالتعلق بالأماني الباطلة، وكيف يسوغ لمسلم أن يرغب بنفسه عما رضيه الله، شرعا لنبيه فعمل به، وعمل به معه أصحابه، ولا نكير منهم لذلك ولا متعقب، وهل يترفع عن العمل بمثل هذه السنة من ينقاد إلى مثل ما ذكرنا قبل؟ ! اللهم بك الملاذ، وبك العوذ (^١) للعباد ومنك التوفيق.
وقالوا فِيمَا رواه بعضُ متقدميهم. بجواز تنكيس الأذان، وأن يقولوا فيه (الرحمن أعظم) مكان (الله أكبر) (^٢). وهذا خلاف الإجماع المتيقن المقطوع به مِنْ أذان جميع أهل الإسلام، مُنذْ نزل الأذان عصرا عصرا، إلى يومنا هذا في كل مدينة وقرية وحلة للإسلام في شرق الأرض، وغربها، في كل نحلة تنتمي إلى الإسلام يسمعون ذلك علانية خمس مرات، في كل يوم، لا يجهل هذا حر ولا عبد، وَلَا عالم ولا جاهل، ولا امرأة ولا رجل، ولا صبي ولا بار ولا فاسق، نعم ولا نصراني ولا يهودي ولا مجوسي ولا صابئ، ولا زنديق فوالله ما سمع قَطُّ مؤذن يُنَكَّس أذانه، ولا نقول غير: (الله أكبر) حاشا في آخر الآذان، فقد روي: "لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر" (^٣) فقط فاعجبوا واحَمدُوا
_________________
(١) كُتب في هامش النسختين معا: "العياذ"، قلت: وما وقع هنا صحيح إذ العَوْذ كالعياذ وانظر: القاموس (ص ٤٢٨) مادة عوذ.
(٢) لم أقف على ذلك في كتب الحنفية التي بين يدي.
(٣) هذه الجملة من حديث أبي محذورة في صفة الأذان: أخرجه مسلم في الصلاة باب صفة الأذان (ج ٣/ ص ٨٠) وأبو داود في الصلاة باب كيف الأذان برقم ٥٠٠ و٥٠١ و٥٠٢ والنسائي في الصغرى في الأذان باب كيف الأذان (ج ٢/ ص ٤) وابن ماجه في =
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
الله على السلامة.
وقالوا من كانت أيام حيضتها عشرة أيام فرأت الدم الأسود يوما قبل أيامها المعهودة بيوم، ويوما في أول أيامها متصلا باليوم الأول، ثم رأت الطهر في اليوم الثاني، فإن اليوم الذي رأت فيه الدم الأسود هو يوم الطهر تصلي فيه وتصوم ويطؤها زوجها بعلها، وتطوف بالبيت فيه، واليوم الثالث الذي رأت فيه الطهر هو يوم حيض لا تصلي فيه لله تعالى صلاة، ولا تصومه إن كان في رمضان، ويحرم على زوجها وطؤها (^١) وهذا خلاف للمتيقن من الإجماع من أهل الإسلام في حكم الحيض بظهور الدم الأسود، وفي حكم الطهر برؤية النقاء من الدم والكدرة والصفرة.
وقالوا لو أن أبا بكر الصديق، وعمر الفاروق وعثمان وعلي بن أبي طالب -﵃- توضأوا للصلاة، ثم أتى أحدهم إلى بئر مُعيَّنة فوضأ يده فيها، ينوي بها تجديد وضوء لله تعالى، متقربا به إليه، فإن ماء البئر قد تنجس كله، ولا يحل الوضوء منه، ولا بد من نزح البئر، فلو أن نصرانيا اغتسل فيها تبردا، وتنظفا للزنا، أو وضأ فيها يده ليأكل لحم الخنزير، لم يضر ذلك ماء البئر شيئا بل هو طاهر بحسبه يتوضأ منه للصلاة، فواعجبا لهذه الضلالات، وهذا خلاف جميع أهل الإسلام بلا شك ونعوذ بالله من الضلال (^٢).
_________________
(١) = الأذان باب الترجيع في الأذان برقم ٧٠٨.
(٢) انظر المبسوط (ج ٣/ ص ٢٠٩).
(٣) تقدمت هذه المسألة من وجه آخر.
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
وقالوا: من استأجر شهود زور، فشهدوا له في امرأة مسلمة لها زوج مسلم قد عشقها هذا الفاسق، أن زوجها طلقها ثلاثا، وأنها قد اعتدت، وشهدوا أنها قد تزوجت هذا برضاها، ورضا وليها، والزوج وهي والولي منكرون، يبكون ويضجون، أو شهدوا بأنه أعتق مملوكته هذه وأنها تزوجت هذا برضاها ورضا وليها، فقبلهم الحاكم القاضي لجهله بسر القضية، وحكم بما شهد به الفساق عنده فإنها حلال لذلك الفاسق، ووطؤها له مباح عند الله تعالى، وهذا خلاف جميع إجماع أهل الإسلام في أن الفروج لا تحل عند الله تعالى، إلا بما أحلها به من الزواج الصحيح بتراضيهما (^١) إذا لم يكن لها زوج، ولا كانت في عدة منه، وزادوا خلافا، فقالوا: إن صح بعد ذلك أنهم كاذبون مستأجرون لم يفسخ الحكم، فلو أن حاكما حكم عندهم بشهود، بمثل شهادة بلال وسالم مولى أبي حذيفة (^٢) قبل أن يعتقا، وبشهادة جابر بن عبد الله، وعبد الله بن العَبَّاس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب في درهم علموا وجوبه لصاحبه عند يهودي قبل أن يَعْمَوْا، وجب فسخه.
قالوا: فلو شهد به يهوديان وجب الحكم به ولا بد.
_________________
(١) في (ش): "بتراضيهم".
(٢) سالم مولى أبي حذيفة قيل هو أبو عبد الله سالم بن عبيد بن ربيعة وقيل سالم بن معقل القرشي أحد السابقين الأولين شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيدا. انظر: الإصابة (٣/ ١١) وأسد الغابة (٢/ ١٤) وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٦).
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
فقولوا: يا عباد الله، كيف لا تسوء الظنون بقوم هذه مقالاتهم في دينهم؟ أم كيف لا يعذر سلفنا الطيب من أئمة أصحاب الحديث فيما قد قالوه في أبي حنيفة وأصحابه، إذ سمعوا هذه الأقوال الملعونة؟ ونسأل الله العافية مما ابتلاهم به آمين.
وقالوا: جائز أن يكون إنسان واحد ابن أمتين، كل واحدة منهما قد ولدته، وهذا لا نقول فيه أنه خلاف إجماع الصحابة -﵃- (^١) فقط، ولا أنه خلاف أهل الإسلام فقط، بل هو بلا شك خلاف كل من على وجه الأرض من مؤمن وكافر، وخلاف الملائكة والجن، فإن قالوا: لسنا نقول أن كل واحدة منهما ولدته، لكن نحكم لكل واحدة منهما في الميراث والنفقة والبر بحكم أمه - قلنا لهم: أخبرونا عن حكمكم هذا أهو حق، لأن كل (^٢) واحدة منهما أمه، أم لأن فيهما من ليست أمه بلا شك؟ ولا بد من أحد الوجهين ضرورة، فإن قالوا: هو حق لأن كل واحدة منهما أمه التي ولدته، قلنا: هذا الذي أنكرناه عليكم، والذي دفعتم عن أنفسكم قد صرتم إليه، وإن قالوا: بل لأن منهما (^٣) من لم تلده، ولا هي أمه، قلنا: فقد أقررتم أنكم حكمتم بالباطل، وحكمتم لغير الأم بأنها أم، . وفي هذا كفاية.
وقالوا: من تزوج أمه وابنته وأخته، وهو عالم بنسبهن وعالم
_________________
(١) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٢) في (ت): "لأنَّ ثم".
(٣) في (ش): "فيهما".
[ ٣ / ١٠٩١ ]
بالتحريم، ووطئهن، فالولد لَاحِقٌ به (^١)، والمهر لَازِمٌ، ولا حد في ذلك عليه ولا عليهن، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام في تحريم القرائب (^٢)، وهذه المجوسية المحضة جهارًا في دين الإسلام؟ وقالوا: بأن سهم ذي القربى قد انقطع بعد رسول الله -ﷺ- وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام يقينًا.
وقالوا: في جماعة قطعوا الطريق وقتلوا المسلمين وأخذوا أموالهم، وسعوا في الأرض فسادًا أن عليهم حد المحاربة إلّا أن يكون معهم زانية أو صبي بغاء، يفسقون بِه فيسقط عنهم حينئذ خد الحرابة، ويرجعون إلى ضمان المال، وتخيير الولي في القود أو العفو (^٣)، وهذا خلاف جميع أهل الإسلام بلا شك.
وقالوا: يثبت النكاح بشهادة الحجاج بن يوسف، ومسلم بن عقبة (^٤)،
_________________
(١) سقطت: "به" من (ت).
(٢) لم أجد هذا الجمع فيما بين يدي من كتب اللغة ويقال هو قريبي وذو قرابتي، وأقرباؤك وأقاربك وأقربوك، عشيرتك الأدنون وانظر: القاموس مادة قرب (ص ١٥٧ - ١٥٨) ومختار الصحاح مادة قرب (ص ٤١٥).
(٣) هذا القول في: مختصر الطحاوي (ص ٢٧١) والهداية (ج ٢/ ص ٤٢٥) وبدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٩٧)، واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢١٢) والبحر الزخار (ج ٦/ ص ١٩٨).
(٤) مسلم بن عقبة من القادة، وجهه يزيد في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فنزل قرب المدينة وقاتل أهلها وهزمهم في وقعة الحرة، وسار إلى مكة فتوفي بالطريق أنظر: المعارف (ص ٣٥١).
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
أو بشهادة أبي مسلم (^١) وقحطبة (^٢)، أو فاسقين من سائر الفاسقين ولا يثبت بشهادة بِلَالٍ وسالم مولى أبي حذيفة قبل أن يعتقا، ولا بشهادة أبي أحمد بن جحش (^٣)، وجابر بن عبد الله، وابن عباس وابن عمر فيا للمسلمين، هل يشك مسلم في أن هذا قول لا تُقْبِلُ عليه نفسُ مسلم وأنَّه قول إبليس، وخلاف إجماع أهل الإسلام قبلهم! ! (^٤).
وقالوا: بإبطال المساقاة والمزارعة (^٥)، وقولهم هذا (^٦) هو خلاف
_________________
(١) لعله أبو مسلم الخراساني حامل الدعوة العباسية وانظر طرفا من أخباره في المعارف (ص ٤٢٠).
(٢) قحطبة بن شبيب الطائي من أصحاب أبي مسلم الخراساني وانظر المعارف (ص ٣٧٠).
(٣) أبو أحمد بن جحش الأسدي أخو أم المؤمنين زينب اسمه عبد بغير إضافة، وقيل: عبد الله، وهو من السابقين الأولين، وقيل إنه هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مهاجرا إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وقيل مات بعد أخته زينب بنت جحش، وقيل غير ذلك، انظر: طبقات ابن سعد (ج ٨/ ص ٤٦)، والإصابة (ج ٧/ ص ٥ - ٦).
(٤) يعرض المؤلف بما في مذهب الحنفية من أنه ينعقد نكاح المسلمين بحضور شاهدين حرين عاقلين بالغين مسلمين رجلين، أو رجل وامرأتين، عدولا كانوا، أو غير عدول، أو محدودين في القذف. وانظر الهداية (ج ١/ ص ٢٠٦).
(٥) المزارعة باطلة عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان: هي جائزة واستدلا بحديث معاملة أهل خيبر بنصف ما يخرج منها، واستدل أبو حنيفة، بما روي أنه -ﷺ- نهى عن المخابرة وهي المزارعة، قال: ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي -ﷺ- أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وهو جائز، وجوز الصاحبان المساقاة ومنعها أبو حنيفة وانظر تفاصيل ذلك في: الهداية (ج ٤/ ص ٣٨٣ و٣٨٩) وتحفة الفقهاء (ج ٣/ ص ٢٦٥) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢/ ص ٢٢٨ - ٢٣٣).
(٦) سقطت من (ش).
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
إجماع جميع أهل الإسلام، وجميع الصحابة -﵃- (^١) فإن النبي -ﷺ- (^٢) أعطى اليهود خيبر على أن يعملوها بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، بحضرة جميع الصحابة أولهم عن آخرهم، وما منهم أحد إلّا وصل إليه نفع ذلك إما من نصيب في خيبر وإما إذْ بَلَغَهُ الأمر، فَسُرَّ بذلك لأنه أمر مشهور في بلد جليل، لم يكن بالحجاز، أخصب منه، ولا أجمع، وحسبك قول العرب (ريف الحجاز خيبر).
وقالوا: بإبطال التحبيس (^٣)، وهو إجماع متيقن ظاهر عند جميع الصحابة مشهور عندهم، من عملهم كلهم إلّا قَوْلًا قاله عبد الملك بن خبيب (^٤) -وهو مشهور بالكذب- أن جميع الصحابة حبسوا أموالًا، إلّا عبد الرحمن بن عوف فإنه لم يكن يرى التحبيس.
_________________
(١) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٢) سقط لفظ الصلاة والسلام من (ت).
(٣) الأصح عند أبي حنيفة جواز الوقف إلا أنه غير لازم بمنزلة العارية، وقال الصاحبان: حبس العين على حكم الله تعالى، فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته إلى العباد فيلزم وانظر: الهداية (ج ٣/ ص ١٥) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢/ ص ١٨٠ - ١٨١).
(٤) هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان السلمي أبو مروان، تفقه بالأندلس، ثم رحل فلقي أصحاب مالك وغيرهم روى عن عبد الملك الماجشون، ومطرف وغيرهما. وقيل لم يكن له علم بالحديث، ولا كان يعرف صحيحه من سقيمه، وذكر عنه أنه كان يتساهل ويحمل على سبيل الإجازة أكثر روايته، وكان مع ذلك نحويا شاعرا، حافظا للأخبار والأنساب والأشعار، طويل اللسان، متصرفا في فنون العلوم، له "الواضحة" و"تفسير الموطأ". وغير ذلك توفي سنة ٢٣٨ هـ انظر تاريخ ابن الفرضي (ص ٢٢١ - ٢٢٣) وجذوة المقتبس (ص ٤٤٨) وبغية الملتمس (ص ٣٧٧).
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
قال أبو محمد رَحِمَهُ الله تعالى (^١): وهذا باطل، لكن روينا عن رجلين من التابعين إبطال التحبيس عن أحدهما -وهو شريح- (^٢) وعن الثاني: كراهته - وهو المنذر بن ساوى (^٣).
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٤): يكفي من عظيم خلافهم للإجماع، أنَّه لا يختلف أحد ممن له أقل علم بالأخبار من مسلم وكافر، أنَّه لم يكن قط في عصر الصحابة واحد فما فوقه يأتي إلى قول صاحب أكبر منه، فيأخذه كما هو، ويترك قول غيره فلا يلتفت إليه، ثم لا يختلف اثنان في أنه لم يكن قط في عصر التابعين واحد فما فوقه عمد إلى أقوال تابع أكبر منه أو صاحب، فأخذها كما هي، ودان الله تعالى بها وترك قول من سواه، ثم لا يختلف اثنان في أنه لم يكن قط في عصر تابعي التابعين واحد، فما فوقه عمد إلى أقوال تابع، أو صاحب، فأخذها كما هي وحارب دونها كل ما سواها، هذا إجماع عن جميع الصحابة كلهم، وجميع التابعين أولهم عن آخرهم، وجميع تابعي التابعين، لا خلاف فيه عن أحد منهم، فهذا هو الإجماع التام المقطوع به، المتيقن في (^٥) جميع الأعصار الثلاثة المحمودة، وهم يعرفون هذا
_________________
(١) سقط لفظ الترحم من (ت).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) كذا ولم أقف له على ترجمة فيما بين يدي من مصادر.
(٤) سقط لفظ الترحم من (ت).
(٥) في (ش): "من".
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
ويقرون به، ولا يقدرون على إنكاره.
ثم خالف جميع متأخريهم هذا الإجماع وخرقوه وابتدعوا ضلالة لم يسبقهم إليها أحد قبلهم فصاروا فرقتين: إحداهما قَلَّدت أبا حنيفة بلا طلب دليل، ولا تكلف برهان والأخرى جعلت شغلها في دينها البحث عما ينصرون به أقوال أبي حنيفة على تضاربها (^١) وإختلافها، وأن له قولتين: إحداهما تحرم والأخرى تحلل ما حرم في الأخرى، فينصرونهما جميعًا مجاهرةً لله تعالى بهذا الباطل، بِكُلِّ خبر مكذوب يدرون أنَّه غير صحيح، وبكل قياس فاسد، وتعليل بارد، لم يعرفه قط صاحب، ولا تابع، وفيهم طائفة لا ترى الخروج عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزفر، وكل هذا بدعةٌ هتكوا بها إجماع أهل الإسلام قاطبة، ثم تلا هم فيها المالكيون والشافعيون، فهذا خلاف الإجمْاع حقًا لا أكاذيبهم المفضوحة ودعاويهم المفتراة في دعواهم الإجماع، حيث لا إجماع إلى خلافهم الإجماع حقًا وكذبهم على جميع الصحابة -﵃- (^٢) أو على جميع أهل الإسلام أولهم عن آخرهم، فأخذوا طرفي حبل الضلالة، وانتظموا التلبيس معًا، ونعوذ بالله من الضلالة والهلكة.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٣): فهذه أقوالهم في خلاف الإجماع المتيقن، وخلاف الجمهور، وما قالوه مما لا يعرف له
_________________
(١) في (ش): تضادها.
(٢) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٣) سقط لفظ الترحم من (ت).
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
قائل قبلهم، وإن لم يقطع على إنه إجماع بآرائهم لا بنص، ونحن إنْ شاء الله، ذاكرون أقوالهم المتناقضه في القياس، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
* * *
[ ٣ / ١٠٩٧ ]