في ذكر طرف من تناقضهم في القياس الذي به يَفْخَرُون وإليه ينتسبون وله يتركون القرآن، وسنن رسول الله -ﷺ- (^١)، وإجماع المسلمين، إما بتركهم في المسألة التي قاسوا فيها قياسا مثل الذي قاسوه، وإما بتركهم فيها قياسا أقوى وأظهر من القياس الدي قاسوه، وإما بتركهم القياس في مسألة أخرى مثل المسألة التي قاسوا فيها سواءً، وطرفِ مما خالفوا فيه الأصول التي يرون خلافها بزعمهم حراما في الدين.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٢): أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقالوا: هو ماء استضاف إليه تمر طاهر (^٣)، قياسا على كل ما اختلط به شيء طاهر، وقاسوا في أحد قوليهم عليه أيضا سائر الأنبذة، ولم يقيسوا عليه في قولهم الثاني سائر الأنبذة، ثم لم يقيسوا عليه الخل، فإن كان القياس حقا فقد تركوه، وإن كان باطلا فقد استعملوه، فإن ادعوا الإجماع على المنع من الخل، قلنا: كذبتم، لأن الحسن بن حي يجيز الوضوء به، وبماء العصفر (^٤)، وكذلك حميد ابن
_________________
(١) في (ت): "﵇".
(٢) سقطت من (ت).
(٣) انظر: المختصر (ص ١٥) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٩) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٥).
(٤) العصفر: بضم العين والفاء: صبغ، ويقال عصفر الثوب فتعصفر انظر: مختار الصحاح مادة عصفر (ص ٣٤٤).
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
عبد الرحمن (^١)، صاحبه (^٢)، وبعض السلف الطيب يجيز الغسل من الجنابة بحنا رقيق (^٣)، فهبكم أنكم صدقتم في أنه إجماع، فهلا قستم ما اختلف فيه من النبيذ، على ما صدقتم أنه إجماع من المنع من الوضوء من الخل، وهذا مما خالفوا فيه الأصول التي يعظمون خلافها، وذلك أنه يقال لهم: في أي الأصول وجدتم ماء يجوز التطهر به في خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهر به في المصر والقرية، وهذا هو خلاف الأصول حقا.
فإن قالوا: إنما اتبعنا في ذلك فعل النبي -ﷺ- (^٤) فلم يفعله إلا خارج القرية، قلنا لهم: ولم يفعله ﵇ إلا خارج مكة، فلا تتعدوا به خارج مكة، وإلا فلم قستم على ذلك الموضع سائر
_________________
(١) حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي أبو عوف الكوفي عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش، وهشام بن عروة والحسن بن صالح وغيرهم، وعنه أحمد وأبو خيثمة وابنا أبي شيبة، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات توفي سنة ١٩٢ هـ وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ٢٩) والتقريب (ص ١٨٢)، والخلاصة (ص ٩٤).
(٢) انظر: المختصر (ص ١٥) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٩) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٥) وحكى المؤلف في المحلى (ج ١/ ص ٢٠٢) هذا المذهب عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، لكن حكى ابن المنذر في الإشراف وكتاب الإجماع، كما نقله عنه النووي في المجموع (ج ١/ ص ٩٣) اتفاق أهل العلم على أنه لا يجوز الوضوء بماء الورد والشجر والعصفر وغيره مما لا يقع عليه اسم الماء.
(٣) الرواية عنهم بذلك في المحلى (ج ١/ ص ٢٠٠).
(٤) في (ت): "﵇".
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
المواضع، ولم تقيسوا عليه ما بين منازل القرية، فتأملوا جهلهم بالقياس، وتلوثهم فيه وأين وجدوا في الأصول: ما لا يجزئ الوضوء به إذا وجد ماء آخر، ويجزئ الوضوء به إذا لم يوجد ماء غيره، وكيف قاسوا الغسل في ذلك على الوضوء الذي جاء به الخبر، ولم يقيسوا داخل القرية على خارجها، وكيف قاسوا جميع الموزونات في الربا على الذهب والفضة، ولم يقيسوا سائر الأنبذة على ما صححوه عن النبي -ﷺ- (^١)، ونسبوه إليه أنه قال: (تمرة طيبة وماء طهور) (^٢)، فهلّا قالوا في الخل: (عنبة طيبة وماء طهور)؟ ! وفي المرق: (لحم طيب وماء طهور) (^٣)؟ ! وهلّا اقتصروا على الأصناف الستة، كما اقتصروا على التمر ههنا؟ ! !
وقاسوا على الفأر يقع في السمن، وعلى البائل في الماء الراكد، كل مائع يقع فيه نجس، ولم يقيسوا على نبيذ التمر كل مَاءٍ ممزوج بسائر الطاهرات.
وقاسوا -بزعمهم- على خبر مكذوب: (يا بني عبد المطلب، إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس) (^٤) فحرموا بذلك الوضوء بالماء الذي توضأ به مسلم طاهر الأعضاء، وهم يبيحون لبني عبد المطلب غسالة
_________________
(١) في (ت): "﵇".
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) لا يخفى ما في كلام المؤلف من سخرية واستهزاء بالحنفية.
(٤) تقدم تخريج هذا الحديث.
[ ٣ / ١١٠٠ ]
أيدي الناس، فهل سمع بأحمق من هذا القياس؟ وهل يأتي المَمْرورُ (^١)، إلا بمثل هذا؟ ! !
وتركوا قياس الماء المستعمل في الوضوء، على الماء الذي يأخذه كل مسلم يتوضأ -لا نحاشي (^٢). (^٣) أحدًا من المسلمين- بيده فيوضئ به يده فيصير مستعملًا في الوضوء عيانًا، ثم يُمِرُّهُ على ذراعه فيوضئها به، فهذا الوضوء بالماء المستعمل جهارًا مجمعًا على جوازه، وهذا أصح قياس في العالم لو كان شئ من القياس صحيحًا! !
وقالوا: قسنا الماء المستعمل في إزالة الحدث على الماء المستعمل في إزالة النجاسة، قلنا: كان الماء المستعمل في إزالة النجاسة ينتقل إليه بحكم النجاسة، صار الماء المستعمل في إزالة الحدث ينتقل إليه حكم الحدث (^٤). قلنا: إليه يا للمسلمين هل سمعتم بأحمق من هذا الكلام؟ فأول ذلك: من أين وجب أن ينتقل حكم الحدث إلى الماء الذي يزال به حكم الحدث، من أجل انتقال حكم النجاسة إلى الماء الذي يزال به حكم النجاسة، فهذه قضية سخيفة لا دليل على صحتها، ثم وجه آخر، وهو: أننا لا نصحح لهم أن الماء الذي تزال به النجاسة
_________________
(١) يقال: مُرَّ الرّجُلُ فهو ممرور: هاجت به المرَّة: وانظر أساس البلاغة (ص ٥٨٩) مادة مرر.
(٢) في النسختين: "لا يحُاشى" وصححتها بما تراه.
(٣) لا نحاشي: لا نستثني.
(٤) كذا.
[ ٣ / ١١٠١ ]
ينتقل إليه حكم النجاسة، بل هي قضية فاسدة باطلة (^١)، إذ لو كان ذلك لما زالت النجاسة أبدًا، لأنَّه كان الماء الذي يلاقيها يتنجس بملاقاتها، فكيف تزال النجاسة بالماء النجس؟ بل الماء الذي تزال به النجاسات طاهر مطهر، ولولا ذلك ما طهر النجاسات، إلا أن تظهر فيه عين النجاسة، فيكون حينئذ حرامًا غير مطهر للنجاسة، ولا بد من ماء آخر مطهر للنجاسة، مزيل لها جملة، ولا يظهر فيه عينها. ثم وجه ثالثٌ وهو أن قولهم: وجب أن ينتقل حكم الحدث إلى الماء الذي يرفع به الحدث أحمق كلام على وجه الأرض، ولا يعقله أحد، ولا يفهم له معنى، لأن الحدث هو الذي تنتقض به الطهارة بعد صحتها، فكيف ينتقل هذا الحكم إلى الماء؟ هذا جنون! والحدث إنما هو خروج أشخاص، من الجسد، أو عمل موصوف، أو حال محدودة، ومن المُحَالِ الذي لا يفهم أن يكون مَاءٌ لم يخرج من الجسد حدثًا! ! ! وقائلُ هذا الكلام نشهد بشهادة الله الذي لا إله إلّا هو أنَّه فاسد الدماغ، أو ممخرق (^٢) بما يدري أنّه باطل لرقة دينه. ثم وجه رابع: وهو: أنَّ الماء الذي توضأ به يد المسلم المتوضئ التام الطهارة، يصير حرامًا استعماله عندهم في التطهر، ولم يرفع به حدث قط.
ثم إذا قاسوا هذا القياس السخيف البارد، وتركوا أصح قياس على ظهر الأرض لو كان القياس حقا، وهو أن يقاس الماء الذي يؤدى به
_________________
(١) فى النسختين: "باطل".
(٢) من التخرق وهو لغة في التخلق: وهو الكذب انظر مختار الصحاح مادة خرق (ص ١٣٤).
[ ٣ / ١١٠٢ ]
فرض رفع، الحدث على الثَّوبِ الَّذي يؤدى به فرض سَتْر العورة في الصلاة، فلا يَصْنَعُ ذلك من أنْ يؤدى به فرضُ سترها في صلاة أخرى، وهل الأحجار التي يؤدى (^١) بها فرض رمي الجمار، فلا يمنع ذلك، من أن يؤدى بها (^٢)، فرض رميها مرة أخرى؟ ! وعلى التراب (^٣) الذي يرفع به الحدث بالتيمم للصلاة، فلا يمنع ذلك من رفع الحدث به مرة أخرى لصلاة أخرى، وعلى الماء يستنجى (^٤) به مرة، فلا يمنعون من الاستنجاء به مرة ثانية إذا لم يكن فيه نجاسة، فهذه المقاييس التي تعقل لو كان القياس حقا، فاعجبوا لجهلهم بالقياس، ولسخف كلامهم فيه! ! وقالوا: قسنا على قول ابن عباس ماء الحوض يقع فيه الجنب، فيغتسل فيه (^٥)، فقسنا على الجنب غير الجنب، فقلنا: هذا قياس في غاية السخف، لأنكم قستم شيئا على ما لا يشبهه، إذ قستم طاهرا متوضئا على جُنب، ثم قستم على باطل لم يصح قط عن ابن عباس، لأنه من طريق عمر بن عامر (٢٥٠/ ت)،
_________________
(١) في (ش) فوقها: "الذي".
(٢) في النسختين: "به" وصححتها بما تراه.
(٣) قوله: "وعلى التراب معطوف على قوله: "وهو أن يقاس ".
(٤) قوله: "وعلى الماء يستنجى معطوف على قوله: "وهو أن يقاس ".
(٥) لعل المؤلف يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٣٠٤ (ج ١/ ص ٩٠) عن معمر عن رجل من أهل الكوفة أن ابن عباس قال: "إن أصابتك جنابة ومررت بغدير، فاغترف منه اغترافا فأصببه عليك، وإن سال فيه فلا تبال ولا تدخل فيه إن استطعت". لكن ليس فيه عمر بن عامر كما ذكره المؤلف بعد ذلك.
[ ٣ / ١١٠٣ ]
وهو ضعيف (^١) ولم يقيسوا (^٢) الماء الوارد على النجاسة لإزالتها، على الماء الذي لم ترد عليه النجاسة، وكلاهما مُماسٌّ للنجاسة (^٣) بلا شك، فجعلوا أحدهما يزيل حكم النجاسة، والآخر قَابِلٌ لحال النجاسة، وحالهما واحدة.
ولم يقيسوا الماء المتجدد الذي بيل فيه، فأجازوا شربه، والتطهر به للوضوء وإن (^٤) كان أسفل من البائل، على الماء الراكد يبال فيه، وكلاهما ماء قد بيل فيه بضرورة الحس، ولم يقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غَرْبِيِّهِ نجاسة، على الجانب الجنوبي والشمالي منه، فكل ذلك مُماسٌّ لما نجس عندهم، فهل في الأرض أحمق من هذه المقاييس، وممن يقيس في دينه بها، ويترك المقاييس المخوفة (^٥) التي ربما أشكلت على ذي الفهم إذا لم ينعم النظر في بطلان القياس إذ ابتلاهم الله تعالى ببلية الضلال بالقياس، ثم نسألهم في أي الأصول وجدتم عملا إذا عمل به على وجه الطاعة لله تعالى (^٦)، والتقرب إليه، وأداء ما افترض، أفسد ما
_________________
(١) عمر بن عامر السلمي أبو حفص البصري القاضي عن قتادة وعنه عباد بن العوام، ويزيد بن زريع، قال ابن المديني: "صالح" وضعفه أبو داود والنسائي، أخرج له مسلم والنسائي انظر: الميزان (ج ٣/ ص ٢٠٩) وتهذيب التهذيب (ج ٤/ ص ٢٩٣ - ٢٩٤) والخلاصة (ص ٢٨٤).
(٢) في (ش): "تقيسوا".
(٣) في النسختين: "لنجاسة" وأحسنُ منها ما أثبتُّهُ.
(٤) سقطت "إن" من (ت).
(٥) كذا قرأتُها؛ ولعلها في (ت): "المحرفة"، وفي (ش): "المحرقة".
(٦) في (ش): "﷿".
[ ٣ / ١١٠٤ ]
به كان تمامه وقذره، فإن عمل ذلك العمل نفسه على وجه المعصية لله تعالى، والطاعة لإبليس لم يفسد ما به كان تمامه ولا قذره؟ ! هذه أصول الهوس والضلالة، لا أصول الإسلام ونسأل الله تعالى (^١) العافية.
وقاسوا في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، باطن الأنف وداخل الفم، على غسل الأعضاء الظاهرة فأوجبوا لكل ذلك فرضا (^٢)، لأن ما أدخل في الفم، وفي الأنف في حال الصوم لم ينقص الصوم، كما لو جعل في الأعضاء الظاهرة، ولم يروا هذا الحكم نفسه موجبا للقياس في باطن الفم، وباطن الأنف؛ على أعضاء الوجه الظاهرة من الوجنتين والخدين والجبهة والشارب والذقن في إيجاب المضمضمة والاستنشاق في الوضوء، لأن ما أدخل في باطن الفم، وباطن الأنف لا يبطل الصوم، كما لو جعل في ظاهر الوجه، وقد أمرنا بغسل الوجه في الوضوء، كما أمرنا بغسل الجسد للجنابة ولا فرق.
وقاسوا النسيان على العمد فيما تبطل به الصلاة من الكلام، كالعمل الممنوع منه في الصلاة (^٣).
وقاسوا -مَهَارةً- النسيانَ على العمد، فيما يوجب الجزاء من قَتْل الصيد للمحرم، وفي الحرم، وفيما أوجبوا فيه الصدقة أو الدم، أو
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) انظر: المختصر (ص ١٩) والهداية (ج ١/ ص ١٦) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢١).
(٣) انظر: الهداية (١/ ٦٦) وبدائع الصنائع (١/ ٢٢١) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٤١٦) والمحلى (٤/ ١٦٤).
[ ٣ / ١١٠٥ ]
من اللباس، والطيب للمحرم، ولم يقيسوا النسيان في السلام قبل تمام الصلاة؛ فلم يبطلوا به الصلاة؛ على تعمد السلام قبل تمامها فأبطلوا به الصلاة؛ ولم يقيسوا النسيان على العمد فيما يبطل به الصوم من الأكل والشرب والجماع، ولم يقيسوا النسيان في الجلوس في موضع القيام في الصلاة على تعمده.
وقاسوا القيام لركعة زائدة في الصلاة في موضع الجلوس ناسيا؛ على تعمده؛ فأبطلوا الصلاة بكليهما (^١).
ولم يبطلوها بالنسيان في الجلوس مكان القيام فيها، وأبطلوها بتعمده؛ ولا قاسوا النسيان لذكر الله تعالى على التذكية، على تعمد ترك ذكره ﷿ عليها، فاعجبوا أيها الناس من هؤلاء واختلاطهم؛ ولتسكعهم في ضلالات القياس جهلًا به، وإقدامًا على القول بالجهل المظلم في الدين.
وقاسوا فعل الإنسان ناسيا ما حلف أن لا يفعله، على فعله إياه عمدا، فأوجبوا الكفارة والحنث في كل ذلك.
وقاسوا على كون النَّجاسة المتيقنة في الثوب والبدن والمكان؛ وإن لم يظهر عينها فيه متصلا للصلاة كذلك كون النجاسة في الماء، وإن لم يظهر عينها، فأوجبوا بذلك أن يكون متصلا؛ بذلك الماء، فجعلوا الثوب والبدن أصلا، وجعلوا الماء فرعا مقيسا عليهما في كون النجاسة في كل ذلك، ثم لم يقيسوا الثوب والبدن على الماء؛ ولا
_________________
(١) انظر: المحلى (٤/ ١٦٠ - ١٦١) والبحر الزخار (٢/ ٣٣٦).
[ ٣ / ١١٠٦ ]
الماء عليهما في قليل النجاسة وكثيرها، بل قالوا لا يمتنع من الصلاة في الثَّوْبِ أن يكون فيه قدر الدرهم البغلي من النجاسة، ويُفسد الماءَ قليلُها وكثيرُها (^١)، ألا فاعجبوا لهذ التلوث (^٢)! !
فقال قائلهم: قد صح الإجماع على أن الثوب لا ينجس بظهور أثر النجاسة فيه بعد غسلها، وصح الإجماع في الماء بخلاف ذلك - قلنا: كذبتم، قد سئلت عائشة أم المؤمنين عن الثوب يكون فيه الدم فيغسل فلا يزول أثره، فأمرت أن يُغَيَّرَ بزعفران (^٣) فَبَطَلَتْ دعواكم في الإجماع، ثم لو صدقتم في ذلك لكان ذلك حجة عليكم، إذ قد أقررتم بالإجماع على التفريق بين حكم الماء، وحكم الثوب؛ وعلى إبطال قياس أحدهما على الآخر، فقيسوا ما اختلف فيه من قياس حُكْمِ أحدهما على الآخر، على ما اتفق عليه من منع قياس أحدهما على الآخر؛ فهذا أصح قياس يوجد لو كان القياس [الشرعي] (^٤) حقا! !
وقاسوا البئر تقع فيها الفأرة والسنور والعصفور، على السمن الجامد تموت فيه الفأرة، فتؤخذ وما حولها؛ ويؤكل سائر السمن (^٥)؛ ولم
_________________
(١) انظر: المختصر (ص ١٦) والهداية (١/ ١٩) وبدائع الصنائع (١/ ٧٣).
(٢) التلوث من اللوثة بالضم وهو الحمق ومس الجنون، وانظر القاموس مادة لوث (ص ٢٢٥).
(٣) أخرجه الدارمي في الطهارة، باب المرأة الحائض تصلي في ثوبها إذا طهرت برقم (١٠٠١) عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: "إذا غسلت المرأة الدم، فلم يذهب فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران".
(٤) ما بين معكوفين ساقطٌ من (ت).
(٥) انظر: الهداية (١/ ٢٢ - ٢٣)، وبدائع الصنائع (١/ ٦٦).
[ ٣ / ١١٠٧ ]
يقيسوا ماء البئر المذكور على السمن المائع يموت فيه الفأر فيحرم أكله كله، فهذا القياس أصح من قياسهم المذكور، لأن ماء البئر مائع؛ وليس جامدا، فهو يشبه السمن المائع لا الجامد بلا شك؛ ولم يقيسوا ماء البئر تقع فيه الميتة؛ على السمن الجامد تقع فيه الميتة.
بل قالوا: تخرج الميتة أي ميتة كانت وما حولها؛ ويؤكل الباقي؛ وأوجبوا نزح البئر من الشاة تموت فيها؛ ومن الفأر ينتفخ فيها (^١)؛ ولم يقيسوا الماء في الإناء، أو في الجُب (^٢) يقع فيه الفأر، فيموت فيه على السمن الجامد في الإناء يقع فيه الفأر، فيموت فيه، بل أوجبوا هرق كلِّ نقطة في الجب، أو الإناء بخلاف السمن الجامد، فاعجبوا لشدة استخفاف هؤلاء القوم بالديانة؛ أو لشدة سخفهم، لا مخلص لهم -والله- من إحدى الحالتين؛ ومن التورط في هاتين الخُطَّتين، نعوذ بالله من كلتيهما.
وقاسوا الذي لَاقَى النجاسة، أو ما لاقاه من الماء على النجاسة فحرموه كله؛ ولم يقيسوا على النجاسة، ولا على الماء الذي لاقاها الماء الذي في طرف الغدير، الذي إن حُرِّك طرفه، لم يتحرك الطرف الآخر (^٣).
وقاسوا ما شرب فيه الخنزيرُ والحمارُ والبغلُ والسَّبع، على ما ولغ فيه
_________________
(١) انظر: المختصر (ص ١٦) والهداية (١/ ٢٣).
(٢) الجب: بضم أوله: البئر التي لم تطو. وانظر مختار الصحاح مادة جب (ص ٦٧).
(٣) انظر: المختصر (ص ١٦) والهداية (١/ ١٩ - ٢١) وبدائع الصنائع (١/ ٧٢).
[ ٣ / ١١٠٨ ]
الكلب، ولم يقيسوا ذلك على ماء ولغ فيه السنور، أو شرب فيه الفأر، وهو حرام كالخنزير والسبع، فإن قالوا: خَصَّصْنا السنور بالأثر أنها لا تنجس إنما هي من الطوافين علينا (^١)، فقلنا: والبغل والحمار كذلك، وقد صح الأثرُ بغسل الإناء من ولوغ الهر فيه (^٢)، فَلِمَ خالفتموه وهو أصح من الذي تعلقتم به (^٣).؟
وقاسوا كل ما ليس له -بزعمهم- دمٌ سائلٌ كالعقرب والخنافس والصرار (^٤) إذا مات في الماء، فلا يُنجِّسه عندهم، على الذباب الذي ورد فيه الخبر بمقله في الطعام (^٥)؛ وعلى صحة الإجماع على أكل الباقلا المطبوخ وفيه الدود الميت، على أكل الخل وفيه البعوض الميت، ودود الخل الميت؛ وعلى أكل العسل وفيه النحل الميت (^٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب سؤر الهرة برقم (٧٥)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة برقم (٩٢)، والنسائي في الطهارة، باب سؤر الهرة (١/ ٥٥)؛ وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك برقم (٣٦٧) والدارمي في الطهارة، باب الهرة إذا ولغت في الإناء برقم (٧٣٦) والدارقطني في الطهارة، باب سؤر الهرة (١/ ٧٠)، والحاكم في المستدرك برقم ٥٦٧ (١/ ٢٦٣)؛ والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٤٥)، والشافعي في مسنده (ص ٩)، قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٤١): "وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني".
(٢) تقدم تخريج هذا الأثر.
(٣) انظر: المختصر (ص ١٦) والهداية (١/ ٣١ - ٣٢) وبدائع الصنائع (١/ ٦٤).
(٤) صرار الليل: بالفتح والتشديد: الجدجد وهو أكبر من الجندب وبعض العرب يسميه الصدى انظر مختار الصحاح مادة صرى (ص ٢٨٥).
(٥) تقدمت تخريج هذا الخبر.
(٦) انظر تفاصيل مذهب الحنفية فيما له دم سائل في: المختصر (ص ١٦) والهداية =
[ ٣ / ١١٠٩ ]
وقاسوا الحلم (^١)، وكل مالَهُ دَمٌ سائل (^٢) إذا مات في الماء ينجسه، على الفأر يموت في السمن، فهلا قاسوا على الذباب والبعوض والنحل ودود الباقلا؛ كل ماله جناحان؛ وقاسوا على الفأر كل ذي أربع؛ وإلا فمن أين قصدوا إلى مراعاة الدم السائل، والدم كله حرام سائله، وغير سائله، وللذباب دم مُشَاهَدٌ، وللبراغيث كذلك، وكل ذلك ميتة حرام أكله، فَلِمَ لم يقيسوا بعض الميتات على بعض؟ ! !
فقالوا: إنما عولنا على الخبر الذي فيه عن النبي -ﷺ- (^٣): "كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فهو الحلال أكلُهُ وشرابُه ووضوؤُه" (^٤).
قلنا أول كلامنا معكم: أن هذا خبرٌ مكذوب مفترى على رسول الله -ﷺ- (^٥)، لأنه إنما رُوي من طريق بقية (^٦) -وهو ضعيف- عن مجهول (^٧) لا يدرى من هو، ومن قِبَلِهِ جاءت الداهية، عن علي بن
_________________
(١) = (١/ ٢٠) وتبيين الحقائق (١/ ٢٣) وبدائع الصنائع (١/ ٦٢) والمجموع (١/ ١٣١) والمحلى (١/ ١٤٨).
(٢) الحَلَم: محركة جَمْع حلمة وتحلمة: دودة تقع في الجلد فتأكله، انظر القاموس (ص ١٤١٧) مادة حلم.
(٣) في (ش): "نفس سائلة".
(٤) في (ت): "﵇".
(٥) تقدم تخريج هذا الخبر.
(٦) سقطت من (ت).
(٧) تقدمت ترجمته.
(٨) في (ت): عن مَنْ لا يُدرى
[ ٣ / ١١١٠ ]
زيد (^١) -وهو ضعيف- عن سعيد بن المسيب عن سلمان، ولم يلق سعيد سَلمان قطٌّ.
ثم هبكم أنه صحيح -ومعاذ الله تعالى من ذلك- فمن أين وقع لكم أن تقيسوا على ما فيه من الاقتصار على الطعام والشراب ما ليس طعاما؛ ولا شرابا كالطيب والبان (^٢) والصابون، وقدور الصَّبَّاغين وغير ذلك ولم تقيسوا (^٣) على ما فيه من ذكر ما لا دم له، ما له دم، كما قستم المتغوط الذي لم يُذكر في الخبر على الثابت البائل الذي اقتُصر على ذكره فيه؛ وكما قستم الكلب يموت في ماء الوَرْد، على الفأر يموت في السَّمن، ولم يُذكر الكلبُ، ولا ماءُ الوَرْدِ في الخبر؛ ومِنْ أين وقع لكم هذا التحكم البارد؟ وهلا اقتصرتم على ما فيه من ذكر الطعام والشراب، كما زعمتم، أنكم اقتصرتم على ما فيه من ذكر ما ليس له دم لَوْ عَقَلْتُم! ! .
وثالثةٌ وهي: أنّ الذُّباب والبُرغوث لهما دَمٌ؛ وليس في هذا الخبر ذكر دم سائل كما زعمتم في تفسير أقوالكم الفاسدة؛ وقد علمنا
_________________
(١) هو علي بن زيد بن جدعان التيمي البصري الضرير الحافظ عن أبيه وابن المسيب، وعنه قتادة والسفيان والحمادان وخلق قال أحمد وأبو زرعة: "ليس بالقوي" وقال ابن خزيمة: "سيئ الحفظ". ورماه شعبة بالاختلاط، توفي سنة ١٢٩ هـ. أخرج له مسلم والأربعة. انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣) والتقريب (ص ٤٠١) والخلاصة (ص ٢٧٤).
(٢) البان: نوع من الشجر، ثمره طيب ذو دهن. انظر القاموس مادة بان (٤/ ٢٠٣).
(٣) في النسختين: "ولم يقيسوا".
[ ٣ / ١١١١ ]
وعلمتم ضرورةً، أنَّ كُلَّ دابة ماتت، فلا دم لها بعد موتها، وإنما لها دم في حياتها فقط، فقد صار الدم الذي جعلتم علامة للنجاسة، وموجبا للتنجيس إنما لم ينجس إذا عُدم وبَطل، لا إذا وجد وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله تعالى سلامة الأديان والعقول.
فإن ادَّعوا إجماعًا في الفرق، كذبوا، لأن الشافعي في أشهر قوليه يرى كُلَّ ما مات في المائعات مما لَهُ دَمٌ سائل، أو غير سائل، أو لا دم له، فإنه ينجسها حاشا، ما كان حلالا بغير تذكية كالسمك والجراد (^١)، فإن قالوا: لم يقل هذا أحد قبله، قلنا: ولا قسَّم أحدٌ قطُّ هذه التقاسيم قبلكم؛ فما الفرق؟ !
ولم يقيسوا (^٢) ما شرب فيه الحَنَشُ (^٣)، وكُلُّ طائر لا يؤكل لحمه من البُزاة والصُّقور والعُقْبان والأحدية، على ما يشرب فيه سِبَاعُ ذوي الأربع، وقد روى الطحاوي عن أحمد بن عبد الله الكندي (^٤) عن علي ابن معبد (^٥)، عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف أنه سأل أبا حنيفة
_________________
(١) انظر: المجموع للنووي (١/ ١٢٧) والمحلى (١/ ١٣٤).
(٢) في النسختين: "ولم تقيسوا".
(٣) الحنش - بفتحتين: كل ما يصاد من الطير والهوام والجمع: الأحناش. والحنش أيضا: الحية وقيل الأفعى. وانظر: مختار الصحاح مادة حنش (ص ١٢٢).
(٤) أحمد بن عبد الله بن محمد أبو علي اللجلاج الكندي الخراساني، حدث بأحاديث مناكير لأبي حنيفة، وهي بواطيل عن أبي حنيفة، ولا يعرف أحمد بن عبد الله هذا إلا بهذه الأحاديث. انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٢٢٦) ولسان الميزان (١/ ١٩٩).
(٥) علي بن معبد بن شداد العبدي أبو الحسن بن عبيد الله بن عمرو الرقي وعتاب بن بشر ومالك والليث وابن عيينة ومحمد بن الحسن الفقيه وطائفة وعنه يحيى بن معين ويونس =
[ ٣ / ١١١٢ ]
عن الفرق في هذا بين سباع الطير، وسباع ذوات الأربع، فقال له أبو حنيفة: "أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا".
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^١): أف لهذا الورع؛ وَتَبًّا لهذا العمل في الدين، والله قسمًا برًّا، لئن كان القياس حقا، فما يحل استحسانُ تركه، ونعوذ بالله تعالى من ترك الحق؛ ولئن كان باطلا، كما أنه عند الله تعالى باطلٌ - فما يحلُّ القول به، ونعوذ بالله تعالى من القول بالباطل.
ثم إن بعض من ابتلي بتقليده من متأخريهم قال: "إنما كان ذلك، لأنه لا يُستطاع أن يُتحفَّظ من سباع الطير فكانت كالسِّنَّور".
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٢): فكان هذا التخريج برهانا قاطعا على عدم الحياء من وجه قائله، لمُجَاهرته بالكذب الفاضح، تالله ما علمنا قط في العالم من ولغ في إنائه عُقاب؛ أو حَدَأَةٌ، أو بازي، أو صقرٌ، وأما مَنْ ولغ في إنائه حَنَش، فيكاد أن يكون وجوده كوجود بيض الأنواق (^٣)، وإن ولوغ الفأر لقريب منه.
_________________
(١) = ابن عبد الأعلى ودُحَيم، وأبو عبيد القاسم بن سلام وخلق. وثقه أبو حاتم وابن حبان أخرج له أبو داود والنسائي، توفي سنة ٢١٨ هـ انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢) والتقريب (ص ٤٠٥) والخلاصة (ص ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٢) سقط لفظ الترحم من (ت).
(٣) سقط لفظ الترحم من (ت).
(٤) يقال هو أعز من بيض الأنوق: والأنوق: العقاب ومعنى ذلك أن العقاب تحرز بيضها =
[ ٣ / ١١١٣ ]
ولو قال قائل: إن أهل البادية وأصحاب الصيد؛ لا يُمكنهم التحفظ من ولوغ الكلب في في آنيتهم لصدقوا أو لصدق، فاعجبوا واحمدوا الله تعالى على السلامة، واسألوه العافية مما ابتلاهم به.
وهم يقولون: إن بول الإبل يُنَجِّسُ ما وقع فيه (^١)، ولقد أخبرني من لا أمتري في صحة حديثه، وثُقُوبِ معرفته من أهل الإبل، أنه لا سبيل ألبتة إلى التحفظ من أن يقع في ألبان الإبل عند حلبها بَوْلُها، فلو قَلَبَ هؤلاء القوم مذاهبهم لأصابوا! !
وقاسوا لحم البغل في التحريم على لحم الحمار، والبغل ليس حمارًا؛ وقد صَحَّ عن الزُّهري إباحة لحم البغل، وتحريم لحم الحمار؛ وإنما أوردناه لئلا يبادروا إلى دعوى الإجماع في التسوية بينهما، ولم يقيسوا ما أسكر من نبيذ التين، ونقيع العسل على ما أسكر من نبيذ الزبيب، ونبيذ التمر؛ ولا قاسوا ما طبخ من نبيذ الزبيب، ونبيذ التمر على ما طبخ من عصير العنب، إذ حدوا في طبيخ عصير العنب ذهاب الثلثين، ولم يحدوا ذلك في طبيخ نبيذ الزبيب ونبيذ التمر.
وقالوا: من كان عنده في السفر إناآن من ماء، أحدهما نجس لا يدريه بعينه، ففَرْضٌ عليه هرقهما والتيمم؛ ولا يحل له التحري في أحدهما فيتوضأ به، ومن كان معه في السفر والحضر ثوبان أحدهما
_________________
(١) = فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها في القلل الصعبة، انظر: القاموس مادة الأنق (ص ١١١٧). وهذا المثل يُضرب في الشيء النَّادر الذي لا يُظْفَرُ به.
(٢) هذا القول في: تبيين الحقائق (١/ ٧٣) وبدائع الصنائع (١/ ٦١) والمحلى (١/ ١٨٠).
[ ٣ / ١١١٤ ]
نجس لا يدريه بعينه، ففرضه أن يتحرى في أحدهما فيصلي فيه (^١)؛ وكذلك لو وجد شاتين: إحداهما ذبيحة وثني أو ذبيحة عيار (^٢) بعد أن ماتت لا يشك في ذلك، والأخرى ذَكِيَّةٌ؛ فإن له أن يتحرى في إحداهما فيأكلها؛ ولم يقس (^٣) الثوبين والشاتين على الإنائين، فاحتج بعضهم في ذلك بأن قال: الفرق بين الإنائين وبين الثوبين، وبين الشاتين هو أن الثوب الذي فيه النجاسة كقدر الدرهم البغلي فأقل تجوز الصلاة فيه، وإن وجد غيره، ولا يجوز الوضوء بِمَاءٍ فيه نَجَاسَةٌ قلت أو كثرت؛ فقلنا: كَذَبَ قائلُ هذا، وعَكَسَ الصواب، بل الماء الذي لا تظهر فيه النجاسة حلال شربه والوضوء به؛ وأما الثوب الذي تُوقَنُ فيه النجاسة فالصلاة فيه حرام قلت أو كثرت، ثم هبكم كما ذكرتم؛ فكان ماذا؟ ! ومن أين وجب من ذلك أن يتحرى في الثوبين والشاتين، ولا يتحرى في الإناءين؛ وهو موقن أن في أحد الثوبين، قدر نصفه نجاسة غير ظاهرة العين؟ ! !
وكيف تقولون في الشاة الميتة أيحل أيضا منها القليل، أو كيف الأمر؟ ! ألا حَيَاءَ من الله تعالى في مثل هذا التمويه البارد؟ ! !
ولم يقيسوا حكم مَنْ ذكرنا ممن بين يديه في السفر إناآن: أحدهما نجس لا يعرفه بعينه، على من بين يديه ثلاثة آنية فيها ماء أحدهما:
_________________
(١) انظر: المجموع (١/ ١٨٠) والبحر الزخار (٢/ ٣٩).
(٢) العيار: الكثير المجيء والذهاب، والذكي الكثير التطواف، وانظر القاموس مادة عير (٢/ ٩٨).
(٣) قوله: "ولم يَقِسْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِه: " من كان عنده ".
[ ٣ / ١١١٥ ]
نجس لا يعلمه بعينه، ولا قاسوا صاحب الثلاثة الآنية على صاحب الإناءين، بل أوجبوا على مَنْ بين يديه الثلاثة أن يتحرى في أحدهما، فيتوضأ به للصلاة ويشرب منه.
فاحتج لهذا بعضُ متأخريهم بأن قال إن الثلاثة قد حصل لها حكم الغلبة، فوجب التحري كمسلم دخل أرض الحرب؛ فله أن يقتل من لقي ولعله (^١) مسلما، ولا يحل له ذلك في أرض الإسلام، وقد يكون فيهم المرتد.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٢): هذا من أطْرَف ما سُمع: قياسُ الآنية بالماء على القتل، ولا يقاس عليه آنية بماء بها مثلها، ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق (^٣) أرأيتم تشبيهكم الثلاثة من الآنية بالداخل في أرض الحرب، أوَ تَرَون أهل دار الحرب ثلاثة نفر فقط؛ فتقيسون عليهم الثلاثة الآنية، دون أن تقيسوا عليهم الإثنين، أَمْ ترون المرتدين في أرض الإسلام اثنين هم فقط؛ فشبهتم به الإثنين، إن هذا لَهَوَسٌ ما له من نظير! ! ونسأل الله تعالى العافية؛ فهذه صفة مقاييسهم، ومقدار منازلهم في العلم بالقياس! !
وقاسوا على الخبر في جلد الشاة الميتة (^٤)، جلد كل ميتة من كَلْبٍ
_________________
(١) كذا.
(٢) سقطت من (ت).
(٣) سقطت من (ت).
(٤) يشير المؤلف إلى حديث ابن عباس قال تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله -ﷺ- فقال: "هلا أخذتم إهابها فبعتموه فانتفعتم به؟ قالوا: إنها ميتة قال: =
[ ٣ / ١١١٦ ]
وسَبُع وحمار وغير ذلك حاشا جلد الخنزير فقط، فلم يقيسوه على ذلك (^١)، وما فرَّق الله تعالى قط بين الميتة ولحم الخنزير، بل حرم تعالى كل ذلك تحريما واحدا في نص القرآن، ولا فَرَّقَ تعالى قط على لسان رسوله -ﷺ- (^٢)، وفي بيان لكتاب ربه جل وعلا (^٣)، أن كل إهاب دبغ فقد طهر (^٤)؛ فاحتج لهذا بعض متأخريهم بأن قال: الخنزير لا تعمل فيه الذكاة أصلا، فقلنا لهم: والكلب والحمار والسبع عندكم، تعمل فيها الذكاة شيئا؟ !، فإن قالوا: نعم تركوا مذهبهم؛ وإن قالوا: لا سَوَّوْا بين الخنزير وبين الكلب والسبع، والبغل والحمار، فقال بعضهم: تعمل فيها الذكاة لدباغ جلودها، فقلنا: كذبتم إنَّه لا فرق بين جلودها مذكاة وبين جلودها وقد ماتت حتف أنفها، فقال آخر منهم: للإنسان أن يذكيها ليطعمها بُزَاتَهُ وفُهُودَه، فقلنا: وله أن يطعمها إياها غير مذكاة، لأن الشرائع لا تلزم البزاةَ والفهودَ؛ وللإنسان أن يُطلقَ دجاجه للرَّعْي؛ وليس عليه أن يحرسه عن أكل العذرات والميتات؛ مع أن تذكية ما لا يحل أكله باطلٌ وكذبٌ؛ لأن التذكية إنما هي
_________________
(١) = "إنما حرم أكلها" أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب جلود الميتة برقم (٥٥٣١) ومسلم في الطهارة، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (٤/ ٥١).
(٢) انظر: تبيين الحقائق (١/ ٢٦ - ٢٧) والمختصر (ص ١٧) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٨٢) وبدائع الصنائع (١/ ٨٥ - ٨٦) والهداية (١/ ٢٢).
(٣) سقط لفظ الصلاة والسلام على رسول الله من (ت).
(٤) كذا.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١١١٧ ]
للأكل بنص القرآن فقط؛ لا لمعنى آخر أصلا.
وقاسوا عصب (^١)، الميتة على جلدها في أنها لا يجوز أن تستعمل إلا حتى تُدبغ؛ ولم يقيسوا صُوفها ولا عَظْمَها ولا شعرها على جلدها، بل قالوا: كل ذلك طاهر بلا دباغ (^٢)، وفرَّقَ بعضُهم بين ذلك بأن قال: الصوف والشعر والعظام لا يلحقها حكم الموت، لأنه لا حياة فيها، وأما الجلد والعصب فيلحقها حكم الموت؛ فقلنا: ومن أين لكم هذا؟ ! فلو قال لكم قائل: الجلد والعصب لا يلحقها حكم الموت، ويلحق الصوف والشعر والعظام، واحتج بقول الله تعالى: ﴿يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (^٣)، فصح أنها تموت إذ لا يحيا إلا ما مات، واحتج في ذلك بأن الصوف والشعر ينمو كما ينمو اللحم - أفكان يكون أقوى كلامًا منكم؟ ! !
وقال بعضهم: الصوف والشعر والعظم ليس من الحيوان، وليس ميتة، فقلنا: والذَّنب والألية قد يُقطعان من البهيمة الحية؛ فليست ميتة على أصلكم البديع في السُّخف، والبولُ والروث والدم يَبِينُ عن البهيمة وهي حية، فليست منه أيضا على أصلهم البديع؛ فإن قالوا: قسنا سائر العظام على القرن؛ قلنا: فقيسوا البول على لبن ما هو منه، كما فعل المالكيون ولا فرق، فتأملوا قياسهم واعجبوا! !
_________________
(١) العصب: محركة أطناب المفاصل وانظر القاموس (ص ١٤٨) مادة عصب.
(٢) انظر: الهداية (١/ ٢٢) وتبيين الحقائق (١/ ٢٦).
(٣) سورة يس، الآية رقم ٧٨.
[ ٣ / ١١١٨ ]
وقاسوا ما خرج من الجسد من دم أو ماء، أو قَيْح على البول في أنه ينقض الوضوء (^١)؛ ولم يقيسوا الجشوة (^٢)؛ المنتنة على الفسوة، وكلاهما ريح منتنة؛ وقد وضح أن ما خرج من الريح من أعلى الجسد، وهو الفم كان جُشاءً، وما كان من أسفله من الدُّبُرِ كان فَسْوًا، والكل ريحٌ واحدة، وإنما اختلفت أسماؤها باختلاف المخرج فقط من الجوف، ولا قاسوا البلغم يخرج من الحلق على القيء والقَلَسْ.
وقاسوا قولهم: أن الوضوء والغسل يُجْزِئَانِ بلا نية لهما للصلاة؛ لكن بنية التبرد، أو العَوْم في الماء على غسل النجاسة يُجزئ بلا نية؛ ولم يقيسوا التيمم على ذلك، بل قالوا لا يجزئ إلا بنية القصد به للصلاة.
وقاسوا التيمم على الوضوء في أنهما إلى المرفقين (^٣)؛ وكان أولى في القياس أن يقيسيوا المسح في التيمم على مسح الرأس في الوضوء؛ ومسح الخفين في أن يجزئ كل ذلك بلا نية.
فقالوا: إنما قلنا ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^٤). قلنا: وكذلك قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
_________________
(١) هذا القول في: الهداية (١/ ١٤) وبدائع الصنائع (١/ ٦٠) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ١٨٦) وتبيين الحقائق (١/ ٨) والبحر الزخار (٢/ ٨٦).
(٢) الجشوة واحدة تجشأ تجشؤا: تنفس المعدة انظر القاموس مادة جشأ (ص ٤٥).
(٣) هذا القول في المبسوط (١/ ١٠٧) والمختصر (ص ٢٠) وتبيين الحقائق (١/ ٣٨) وبدائع الصنائع (١/ ٤٥) والتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٢٣٥).
(٤) سورة المائدة، الآية ٦.
[ ٣ / ١١١٩ ]
وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^١)؛ ولم يقل إلى المرافق.
وكذلك قال تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٢)، ولا فرق.
وقالوا: الحج يجزئ عن الفرض إذا عُمِلَ بنية التطوع.
وقالوا: يجزئ صومُ نصف النَّهار في كل يوم من رمضان بنية التطوع عن الفرض (^٣)، ولم يروا أن تجزئ الصلاة عن الفرض بنية التطوع، ولم يقيسوا بعضَ ذلك على بعض، ثم تناقضوا ههنا أقبح تناقض، فقال أبو يوسف: "إن انغمس الجنب في بئر، لإخراج دلو؛ ولم ينو الغسل للجنابة، لم يُجزِه ذلك من غسل الجنابة". فنقض أصله في أنَّ مسَّ الماء للجسد يجزئ من غسل الجنابة بلا نية، وقال محمد بن الحسن: "بل يُجزئه، ولا يفسد الماء". فنقض أصله في أن الماء الذي يتطهر به يَفْسُدُ.
وقاسوا إزالة النجاسات في الثياب بجميع المائعات على إزالتها بالماء (^٤)؛ ولم يقيسوا إزالتها بالمائعات في الجسد على إزالتهما في الجسد بالماء؛ ولم يقيسوا إزالة الغائط والبول من الجسد
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) سورة المائدة، الآية ٦.
(٣) هذا القول في: الهداية (١/ ١٢٧) وتبيين الحقائق (١/ ٣١٤ - ٣١٥) واللباب في شرح الكتاب (١/ ١٦٣).
(٤) هذا القول في: الهداية (١/ ٤٠) وبدائع الصنائع (١/ ٦٢ - ٨٥) وتبيين الحقائق (١/ ٧٠).
[ ٣ / ١١٢٠ ]
على إزالتهما من المخرجين، إذ قالوا يُزَالان من مخرجهما بكل شيء، ولا يُزالان من سائر الجسد إلا بالماء، ولم يقيسوا إزالة النجاسة من المخرج بالرجيع اليابس على جواز إزالتها منه بالرَّوث اليابس، وكل ذلك عندهم نجس، فاحتج بعضهم لذلك بأن الرَّوث يجوز استعماله في الطبخ به، وتَزْبيل (^١) الأرض به، فقلنا ومَنْ منع قط من الطبخ بالرجيع اليابس، ومن تسميد الأرض بالرجيع اليابس، إلا من منع في ذلك من الروث ولا فرق؟ ! .
ولم يقيسوا إزالة النجاسة من الثياب على إزالتها من الخُفَّين والنعلين، فاحتج في ذلك بعضُ زعمائهم بأن قال: إنما ذلك لأن الثوب يُنَشِّفُ (^٢) النجاسة إلى نفسه؛ ولا ينشف الخُفُّ النجاسة إلى نفسه؛ فكان هذا الاحتجاج في غاية السخف، لأنه لو عُكس؛ فقيل بأنَّ الثوب لا ينشف النجاسة إلى نفسه؛ والخف ينشفها إلى نفسه، لما كان بينهما فرقٌ.
فإن قالوا: فعلنا ذلك، لأن رسول الله -ﷺ- (^٣) أمر بغسل الإناء من وُلوغ الكلب؛ ولم يقل بالماء ويُغْسل الثوب من المحيض، ولم يقل بالماء! !، قلنا: وقد أمر بغسل آنية أهل الكتاب بالماء (^٤)؛ وقد أمر
_________________
(١) يقال زَبَّل زرعه يزبله: سمده وانظر القاموس مادة زبل (٣/ ٣٨٧).
(٢) نشف الثوب العرق كسمع ونصر: شربه وانظر القاموس مادة نشف (ص ١١٠٦).
(٣) سقطت الصلاة والسلام من (ت).
(٤) يشير المؤلف إلى حديث أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله -ﷺ-. قال: "إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير .. " فقال رسول الله -ﷺ-: "إن وجدتم =
[ ٣ / ١١٢١ ]
فيما مسَّ الثوب من المذي بأن يُنضح بكفٍّ من ماء (^١)؛ وأمر بغسل اليد قبل إدخالها الإناء (^٢)، ولم يقل بالماء! ! وأمر بذنوب من ماء فصُبَّ على بول الأعرابي في الأرض (^٣).
وقاسوا مقدارَ ما تبطل به الصلاةُ عندهم من النَّجاسات؛ بكونه أكبرَ من مقدار الدرهم البغلي، على قدر دَوْرِ (^٤) الدُّبر مع خَرْتِ (^٥) الإحليل معا، فلم يبطلوا الصلاة بأقل من ذلك، ولا أوجبوا إزالته، وهم يوجبون إزالة البول من خرت الإحليل، فلم يقيسوا عليه مقداره من النجاسة.
وقاسوا القيء والقلس على الحدث يخرج من المخرجين (^٦)، ولم يقيسوا قليلهما على قليل الحدث؛ فصار بعضُ ذلك حدثا؛ وبعضُه غير حدث.
_________________
(١) = غيرها فكلوا فيها واشربوا؛ وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء، وكلوا واشربوا" أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب الأكل في آنية أهل الكتاب برقم ٣٨٣٨.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري في الوضوء، باب ترك النبي -ﷺ- والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد برقم ٢١٩ و٢٢٠ وأبو داود في الطهارة، باب الأرض يصيبها البول برقم ٣٨٠، والنَّسائيُّ في الطَّهارة باب ترك التوقيت في الماء (١/ ٤٧) وابنُ ماجه في الطهارة، باب الأرض يُصيبها البول كيف يغسل برقم ٥٢٨ و٥٢٩ والدارمي في الطهارة، باب البول في المسجد برقم (٧٤٠).
(٥) يقال دار دورا إذ صار كهيئة الدائرة انظر مادة دور في مختار الصحاح (ص ١٦٩).
(٦) يقال خرت الإبرة: ثقبها انظر مجمل اللغة مادة خرت (١/ ٢٨٦).
(٧) انظر: المختصر (ص ٣٢) والهداية (١/ ١٥) وبدائع الصنائع (١/ ٢٢٠) وتبيين الحقائق (١/ ٩١).
[ ٣ / ١١٢٢ ]
وقاسوا قليل ذلك على كثيره في أنه كله نجس، ولم يقيسوه عليه في أنه ينقض الوضوء، كما ينقض كثيره (^١).
وقاسوا نَوْم التورك على نوم المضطجع في انتقاض الوضوء به، ولم يقيسوا عليه نوم الساجد والراكع.
وقاسوا مسح الذِّراعين في التيمم على غسلهما في الوضوء، وهما عضوان يسقطان في التيمم؛ ولا قاسوا الأذنين في الاكتفاء بمسحهما في الوضوء على مسح سائر الرأس، وهما عندهم من الرأس، وهما أكثر من ثلاثة أصابع، على الاكتفاء بمسح مقدار أقل من مقدارهما من الرأس.
وقاسوا ما لا يجوِّز القصر والفطر في أقل منه من الأسفار، على ما ادعوا أنه أكثر؛ ما ورد فيما نُهيت عنه المرأة من السفر إلا مع زوج؛ أو ذي محرم؛ ولم يقيسوا على ذلك ما لا يجوز التيمم في أقل منه من الأسفار (^٢).
وقاسوا امسح الوجه واليدين في التيمم؛ على غسل كل ذلك في الوضوء في إيجاب استيعاب جميع ذلك (^٣)، ولم يقيسوا المسح في ذلك على مسح الخفين، ومسح الرأس في إسقاط وجوب استيعاب كل ذلك ولا شك في أن قياس المسح على المسح أولى؛ من قياسه على الغسل.
_________________
(١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٢٤).
(٢) انظر: المبسوط (١/ ٢٣٥) والمختصر (ص ٣٣) والهداية (١/ ٨٦) وتبيين الحقائق (١/ ٢٠٩).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٤٦) وتبيين الحقائق (١/ ٣٨).
[ ٣ / ١١٢٣ ]
وقاسوا وجود المتيمم الماءَ في الصلاة؛ على وجوده إياه في غير الصلاة؛ أنَّ وضوءه ينتقض بكل ذلك (^١)، ولم يقيسوا القهقهة في الصلاة، على القهقهة في غير الصلاة؛ في انتقاض الوضوء بكل ذلك أو في أن لا ينتقض بكل ذلك. ولم يقيسوا قولهم أنَّ الصلاة تنتقض بما ينتقض به الوضوءُ، من الحدث ناسيًا على قولهم أنَّ الصلاة لا تنتقض بما ينتقض به الوضوء، من غلبة الحدث في الصلاة، ولم يقيسوا قَوْلَهُم أنَّ الصَّلاة تنتقض بما تنتقض به الطهارة؛ من غلبة البول والغائط والفَسْو؛ والريح المُصوِّتة.
وقاسوا إيجابهم الوضوء لدخول وقت كل صلاة على مَنْ به سلس البول، وذي الجرح السائل على إيجابهم الوضوء لدخول وقت كل صلاة على المستحاضة (^٢)؛ وهذا قولهم في انتقاض طهارة المسح على الخفين بانقضاء اليوم والليلة للمقيم، وانقضاء الثلاث للمسافر مما خالفوا فيه الأصول؛ فما وجدوا في الأصول قط طهارةً تنتقض بانقضاء وقت؛ ولم يقيسوا المسح عل الجوربين على المسح على الخفين؛ وقاسوا على ذلك المسح على الجرموقين (^٣)، ولم يقيسوا مَنْ أتم صلاته، وقعد أكثر من مقدار التشهد؛ إلا أنه لم يسلم بعدُ في قولهم بانتقاض صلاته تلك كلها، ووجوب ابتدائها من أولها، بأن
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٥٧) وتبيين الحقائق (١/ ٤١) والبحر الزخار (٢/ ١٢٨).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٧) وتبيين الحقائق (١/ ٥٠).
(٣) انظر: المختصر (ص ٢٢) والهداية (١/ ٣١) وبدائع الصنائع (١/ ١٢).
[ ٣ / ١١٢٤ ]
طلع أول قُرص الشمس؛ أو بأن يكون متيمما فيرى الماء، أو كان عريانا فوجد ثوبا، أو كان لا يحسن القرآن فتعلم سورة؛ أو برئ من جرح مسح عليه أو ذكر خمس صلوات فائتة فأقل؛ أو تم له وقت المسح على خفيه أو كانت مستحاضة فانقضى وقت وُضُوئِهَا؛ أو كانت صلاة جمعة فدخل وقت العصر؛ على أن من صلى جميع صلاته، وقعد في آخرها مقدار التشهد ثم بال عامدًا أوْ ناسيا، أوْ مَغْلوبًا، أوْ تَغَوَّطَ كذلك، أو خرجت منه ريحٌ كذلك، أوْ تَكَلَّمَ كذلك، أو جامع، أو كانت أمة فأعتقت حينئذ ورأسها مكشوف، فهؤلاء كلهم صلاتهم تامة ولم يقيسوا تنكيس بعض الصلاة في تقديم السجود قبل الركوع، والركوع قبل القيام، والقعود قبل السجود؛ إذ أبطلوا الصلاة بكل ذلك على ما أجازوه؛ ولم يبطلوا به الصلاة من تنكيس سجدة من كل ركعة لمن نسيها؛ فليس عليه إلا أن يسجدها متتابعة في آخر صلاته فقط، ولا قاسوا ذلك على ما أجازوه من تنكيس الوضوء وتنكيس الطواف، وتنكيس الأذان؛ وتنكيس الإقامة؛ وهذه أقوال مَنْ نكَّس الله تعالى قلبَه؛ فاعجبوا لجهل هؤلاء القوم بالقرآن والسنن والآثار وبالقياس، أو مِنْ تعمدهم خلاف ما يعلمونه من ذلك.
وقالوا من عَمل في صلاته، أو حجه عملا مُحرَّما فيهما ناسيا، فهو كالعامد تبطل بذلك صلاته وحجُّه؛ ومن عمل ذلك في صلاته مغلوبًا لم تبطل صلاتُه، وإن أكل في صيامه (^١)، فإن كان ناسيا لم تبطل وإن
_________________
(١) فى (ش): "صلاته" ثم كأنَّ النَّاسخ لمَّا قابل كتب عليها، في حروفها: "صيامه".
[ ٣ / ١١٢٥ ]
أطعم مغلوبا، أو جُومعت مغلوبة، بطل صيامها (^١)؛ وكذلك يبطل حجه بالغلبة.
وقاسوا على الخبر الذي فيه النهي عن سفر المرأة إلا مع زوجها (^٢)؛ أو ذي محرم، السَّفَرَ الذي يكون فيه القصر والفطر للرجل والمرأة الحرة والأمة؛ ولم يقيسوا عليه السفر الذي يتيمم فيه؛ لا في أقل منه؛ والذي يتوضأ منه بالنبيذ لا في أقل منه؛ ولم يقيسوا الأمة في ذلك على الحرة في السفر دون ذي محرم.
ولم يقيسوا على اللفظ الأعم في ذلك الحديث وهو: "لا تسافر أكثر من ثلاث" (^٣)؛ ولا قاسوا على اللفظ الأخص فيه، وهو: "لا تسافر بريدا" (^٤)، واعتلوا في تركهم السنة في المصراة بأنه لم يُقس عليه، نظراؤه، وقالوا بزكاة الخيل، ولم يقيسوا على صفتها عندهم نظراءها من البقر والحمير الذي لا نص فيها.
وقالوا بخبر الوضوء من النبيذ، والوضوء من القهقهة في الصلاة؛ ولم يقيسوا عليهما نظراءهما من الخل؛ وسائر الأنبذة واللبن الممزوج
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ١٧٠) والهداية (١/ ١٣٢) وتبيين الحقائق (١/ ٣٢٢) وبدائع الصنائع (١/ ٢٢٢).
(٢) في (ش): "زَوْج".
(٣) أخرج قريبا من هذا اللفظ مسلمٌ في المناسك، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره (٩/ ١٠٢) عن أبي سعيد الخدري "لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال ".
(٤) أخرج هذا اللفظ أبو داود في المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم برقم (١٧٢٥) عن سعيد ابن أبي سعيد عن أبي هريرة.
[ ٣ / ١١٢٦ ]
بالماء، والكلام في الصلاة والعمل فيها.
وقاسوا الذهب والفضة في أن جعلوا فيهما أوقاصًا، على الماشية، قالوا لأن الزكاة تتكرر في الذهب والفضة والمواشي بخلاف الزرع والثمرة (^١)، ولم يقيسوهما في ذلك على ما يخرج من الأرض من الزرع والثمار، والذهبُ والفضةُ أشبهُ بما يخرج من الأرض منهما بالماشية، لأن الذهب والفضة ليسا حيوانا كالمواشي، بل موات كالزرع والثمرة وهما خارجان من الأرض كالزرع والثمرة، وتركوا القياس القوي وقالوا بقياس في غاية الفساد ثم تناقضوا في ذلك تناقضا آخر، فلم يقيسوا ماشية اليتيم ولا ذهبه ولا فضته على زرعه في وجوب الزكاة فيهما، ثم لم يقيسوا ما يؤخذ من معادن الذهب والفضة على ما يؤخذ منهما في الزكاة وقاسوه على الغنيمة من الرِّكاز وغيره، وهذا خَطَأٌ لا حيلةَ فيه، لأنَّه لا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا.
وقاسوا على الذهب المعدني فيما يؤخذ منه معادن الذهب والقزدير والنحاس والرَّصَاصِ والحديد، واختلف قولهم في الزئبق، فمرة قاسوه على ذلك؛ ومرة لم يقيسوا (^٢)، ولم يقيسوا على ذلك معادن
_________________
(١) انظر: المختصر (ص ٤٧).
(٢) قال أبو حنيفة: في الزئبق الخمس، وقال أبو يوسف: "لا خُمُسَ فيه". وكان يقول: "كان أبو حنيفة يقول: "لا خمس فيه؛ وكنت أقول فيه الخمس، فلم أزل أناظره حتى قال فيه الخمس، ثم رأيت أنه لا خمس فيه". وأما محمد فمع أبي حنيفة وانظر: المختصر (ص ٤٩) والمبسوط (٢/ ٢١١) والهداية (١/ ١١٦ - ١١٧) والمغني (٣/ ١٨).
[ ٣ / ١١٢٧ ]
الزرنيخ (^١)، والكبريت والإثمد (^٢)، والشب (^٣)، واللازورد (^٤)، والكهرب (^٥) وسائر المعادن.
وقاسوا الوقص في الخمسين من البقر على ما قبلها، وما بعدها في أحد قوليهم؛ ولم يقيسوا ما زاد على الثلاثمائة من الغنم في وَقْصه على ما قبله وما بعده؛ وكلا القولين في البقر والغنم مذكور عن إبراهيم النخعي، فإنه رُوي عنه: "يحاسب صاحب البقر فيما زاد على الفريضة"، هكذا مجملا، وفيما زاد على الثلاثمائة من الغنم ثلاث من الغنم، ثم في كل مائة تزيد شاة.
وسووا بين البقر والإبل في أن كل واحد يجزئ عن سبعة، ولم يقيسوا زكاة البقر على زكاة الإبل.
وقد قال بذلك جابر بن عبد الله صاحب رسول الله -ﷺ- (^٦). (^٧)،
_________________
(١) الزرنيخ: بالكسر: حجر منه أبيض وأحمر وأصفر، انظر: القاموس مادة زرنيخ (ص ٣٣٢).
(٢) الإثمد: حجر للكحل وانظر القاموس مادة ثمد (ص ٣٤٥).
(٣) الشب: حجارة الزاج وانظر القاموس مادة شب (ص ١٢٧).
(٤) اللازورد: بسكون الزاي: كلمة فارسية أطلقها العرب على حجر عندهم سماوي اللون يؤتى به من جبال خراسان من ختل، ويعمل كما يعمل العقيق انظر: الجواهر وصفاتها ليحيى بن ماسويه (ص ٦٠).
(٥) كذا ولم أقف عليه في المعاجم القديمة وفي المعجم الوسيط (٢/ ٨٠٢): "كهرب الشئ: شحنه أو أمده بالقوة والفعل بمختلف معانيه محدث".
(٦) سقطت من (ت).
(٧) الرواية عنه بذلك في مصنف عبد الرزاق برقم ٦٨٥٢ (٤/ ٢٤).
[ ٣ / ١١٢٨ ]
وسعيد بن المسيب، والزهري (^١) وقتادة، وجاء في ذلك مرسل رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل (^٢) أن رسول الله -ﷺ- (^٣) كتب إلى المصعبيين باليمن كتابا فيه: "وفى البقر ما في الإبل" (^٤).
وكلا القولين عن إبراهيم خلاف السنة، فَلا بالسنة تعلقوا، ولا القياسَ طَرَدوا.
وقاسوا النساء التغلبيَّات على رجالهم؛ في إضعاف الصدقة عليهن -قالوا- قياسا على الزكاة، ولم يقيسوهن عليهن (٥) فى إيجاب الجزية عليهن (^٥)، وإنما إضعاف الصدقة على بني تغلب عوض من الجزية، لا عوض من الصدقة.
وقاسوا إسقاطهم الزكاة عن ماشية الصغار المجانين على سقوط الصلاة عنهم (^٦)؛ ولم يقيسوا قولهم في جواز تقديم الزكاة قبل وجوبها؛ على المنع من تقديم الصلاة قبل وجوبها؛ ولا على المنع في
_________________
(١) الرواية عنه بذلك في مصنف عبد الرزاق برقم ٦٨٥٤ (٤/ ٢٥).
(٢) سماك بن الفضل الخولاني اليماني صاحب الفتوى عن مجاهد وعنه شعبة ومعمر، وثقه النسائي، وابن حبان أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. لم أقف على وفاته. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢) والتقريب (ص ٢٥٥) والخلاصة (ص ١٥٦).
(٣) سقطت من (ت).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ٦٨٥٥ (٤/ ٢٦).
(٥) كذا ولعل الصواب: "عليهم" ذهابًا إلى الرِّجال.
(٦) انظر: المختصر (ص ٤٥) والهداية (١/ ١٠٣) واللباب في شرح الكتاب (١/ ١٣٧).
[ ٣ / ١١٢٩ ]
قولهم من تقديم كفارة اليمين قبل وجوبها، ولا على المنع من تسليم الشفعة قبل وجوبها، ولا على المنع من تقديم الصوم الواجب قبل وقته ولم يقيسوا قولهم في إسقاط زكاة الفطر عن الشريكين في الرقيق جملة على قولهم في إيجاب زكاة التجارة على الشريكين في الرقيق للتجارة، وفي إيجاب الزكاة في المواشي من الشركاء، وأعجب شيء جوازهم (^١) إسقاط الزكاة في الفطر عن الرقيق بَيْنَ الشركاء على من لم يجد إلا بعض الصاع. فاعجبوا لهذا الهوس؛ ولفساد هذا القياس! !
وقاسوا الآكل عمدا، على المجامع عمدا في نهار رمضان في وجوب الكفارة عليهما؛ ولم يقيسوا من بلع حصاةً أو عجينا على آكل الخبز في ذلك؛ وقاسوه عليه في أنه مفطر؛ ولم يقيسوا اللائط على المجامع في الفرج في إيجاب الكفارة عليهما؛ وقاسوه عليه في أنه مفطر إذا أمنى.
وقاسوا المحتفن والمُقَطِّرَ في أذنه، على الآكل في إيجاب القضاء خاصة (^٢)؛ ولم يقيسوه عليه في إيجاب الكفارة.
ولم يقيسوا إيجاب الهدي عن المرأة؛ على الزوج؛ على قولهم في إيجاب الأضحية عنها عليه؛ ولا قاسوا إيجابهم الأضحية عنها عليه؛ على إسقاطهم عنه زكاة الفطر عنها. ولا قاسوا إيجابهم زكاة الفطر على الأب عن صغار ولده على إسقاطهم ذلك عنه، عن زوجته؛ ولم
_________________
(١) كذا وأحسنُ منها: "تجويزهم".
(٢) انظر: المختصر (ص ٥٦) والهداية (١/ ١٣٥) وتبيين الحقائق (١/ ٣٢٩) واللباب في شرح الكتاب (١/ ١٦٧).
[ ٣ / ١١٣٠ ]
يقيسوا الواطئ ناسيا - وهو صائم -على الواطئ ناسيا- وهو محرم بحج أو عمرة إذ أبطلوا الحج بذلك؛ ولم يبطلوا الصوم بذلك.
وقاسوا المُحْتَقِن بالخمر؛ على شاربها في الإفطار بذلك في الصوم؛ ولم يقيسوه عليه في إيجاب الحد؛ ولم يقيسوا مَنْ أُغْمِيَ عليه الشَّهْرَ كلَّه على من جُنَّ الشهر كله، فرأوا على المغمى عليه القضاء، ولم يروه على المجنون، ولا قاسوا الموصي بالصوم عنه على الموصي بالحج عنه، وكلاهما من عمل الأبدان، وكلاهما للمال في إصلاحه مدخل (^١).
ولا قاسوا أمرهم بالصلاة ركعتين عند المقام؛ على الموصي بأن يحج عنه على نهيهم عن الصلاة عن الموصي بها عنه، ولا قاسوا العبد يحضر الجمعة، فيصير من أهلها؛ وتجزئ عنه، وهو إن لم يحضرها ليس من أهلها؛ عندهم؛ على حج العبد فلا يجزئ عنه؛ ولا يصير بذلك من أهله؛ وقالوا: نقيس حج العبد على صوم الحائض وصلاتها، فقلنا: فقد تناقضتم إذ جعلتم حج العبد قُربةً وأجرًا؛ وفعلًا حَسَنًا ولم تَرَوْا ذلك في صلاة الحائض وصومها؛ وكلاهما عندكم غير مخاطب بما فعل مِنْ ذلك؛ ولم يقيسوا الوقوف بعرفة قبل وقته وفي غير عرفة، على إجازتهم تقديم الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؛ وقبل الميقات المحدود لذلك.
وقاسوا الخنازير المحرمة والأسد والسباع، وكل ذي مخلب من الطير على الصيد الحلال، في إيجاب الجزاء في كل ذلك على المحرم، وفي
_________________
(١) في (ت): "في إصلاحه مدة تنقضي".
[ ٣ / ١١٣١ ]
الحرام، وإنما جاء النص في المحلل وحده، بعد الإحلال، وقبل الإحرام بنص القرآن.
وقاسوا المخطئ في قتل الصيد على النص في العامد، وهذا كله من باب قياس الشئ على ضده، وما لا يُشْبِهُهُ، ولم يجمعه والمقيس عليه علة.
وقاسوا الرصاص والحديد والجير (^١) والقطن، على القمح والتمر والشعير والملح والذهب والفضة، ولا نص في سوى هذه الست، ثم لم يقيسوا جميع المحرمات في إباحة قتلها في الإحرام، على الحية والعقرب، والفأر والحدأة، والغراب والكلب العقور.
وقاسوا المحرم في منعهم له من تغطية وجهه بزعمهم على حكم المرأة بمنعها من ذلك.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٢): وكذبوا، ما هي ممنوعة من ذلك أعني من تَغْطِيَةِ وجهها، إنما هي ممنوعة من النقاب فقط.
وقاسوا الذئب على الكلب العقور في إباحة قلته للمحرم، وفي الحرم، ولم يقيسوا سائر السِّباع على الكلب في ذلك، ولا شكَّ أنَّ ضُرَّ الأسد والنَّمر أكثر من ضُرِّ الذئب، ولا قَاسُوا سباع الطير على الحدأة في إباحة قتلها في الحرم والإحرام، وهذا طريف جدا، ولا قاسوا من فسد حجه، على من فَسَدَتْ صلاته في أمرهم من فسد حجه
_________________
(١) كذا وفي القاموس مادة جير (ص ٤٧٢): وحوض مجير: مُصَغَّرٌ أو مقعر أو مجصص.
(٢) سقط لفظ الترحم من (ت).
[ ٣ / ١١٣٢ ]
بالتمادي على ما لا يجزئه من ذلك، ولم يأمروا بذلك من فَسدَتْ صلاته وجاءت النصوص بايجاب الهدي في الفدية أو الجزاء على المتمتع ممن كان ساكنا بأهله في الحرم، وحالق رأسه لأذى مرض أو قمل، وقاتل الصيد عمدا والمحصر فقط (^١)، ثم عوض الله تعالى الصيام من الهدي للمتمتع ممن لم يجد هديا، وبتخيير لحالق رأسه لمرض أو قمل، ولقاتل الصيد عمدا، وعوض الله تعالى الإطعام من الهدي في حالق رأسه لأذى قمل، أو مرض، وفي قاتل الصيد عمدا، والواحد من هؤلاء الأربعة محسنٌ عمله، أفضل من عمل غيره، وهو المتمتع، واثنان من الأربعة معذوران، وهما حالق رأسه لأذى: مرضٍ أو قملٍ، والمحصر بعدوٍّ؛ أو مرضٍ؛ أو عجز، والرابع: عاصي وهو قاتل الصيد عمدا، فقاسوا في إيجابهم الهدي، أو الصدقة، أو الصوم في ذلك من يطول ذكره ممن لا شبه بينه وبين هؤلاء الأربعة أصلًا، فَمِنْ ذلك إيجابهم الهدي على القارن، ولا شبه بينه وبين المتمتع؛ ثم قاسوا القارن ممن بينه وبين مكة ميقات على المتمتع، ممن بينه وبين مكة ميقات ولم يقيسوا القارن ممن هو بين الميقات، وبين مكة على المتمتع الذي بينه وبين مكة ميقات.
_________________
(١) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة البقرة، آية ١٩٦.
[ ٣ / ١١٣٣ ]
وقاسوا قاتل الصيد ناسيا في الحرم؛ أو في الحل وهو محرم على قاتله كذلك عمدا؛ ولم يقيسوا قاتله في الحرم وهو محل عمدا، أو ناسيا على قاتله وهو محرم في الحرم، أو الحل عمدا؛ أو ناسيا، ولم يقيسوا بعض الصيد على بعضه، ففرقوا بين النعامة والحمار الوحشي، والأَيْل والظَّبْي، وبين الفيل والقرد والخنزير والأسد بعد أن قاسوا بعض ذلك على بعضه في إيجاب الجزاء في جميع ذلك؛ ولم يقيسوا المحصر بمرض، أو بعجز لحقه على المحصر بعدو، وقاسوا المحصر بعدو مَنْ لا شبه بينه وبينه، كمن تطيب يوما إلى الليل لغير عذر، أو لبس قميصا لغير عذر يوما إلى الليل أو لبس سراويل لغير عذر يوما إلى الليل، أو لبس عمامةً لغير عذر يوما إلى الليل، أو لبس بُرْنُسًا يومًا إلى الليل أو وطئ قبل عرفة، أو قرنَ، وهو بين الميقات، وبين مكة، أو لبس جبَّةً يومًا إلى الليل، أو حلق رأسه لغير عذر أو قصَّ أظفارَ يدٍ، أو رجلٍ لغير عُذر، في غير هذا، فأوجبوا في كل ذلك هديا لا يجزئه له صوم، ولا إطعام كالمحصر، فقاسوا عصاةً على معذور، ولم يقيسوهم على العاصي، هذا مع قولهم وإصفاقهم أن الكفارات لا يحل وضعها بالقياس.
وقاسوا على حالق رأسه لمرض، أو أذًى مَن تَطيَّبَ يومًا إلى الليل لعذر، أو لبس كذلك قميصا أو جبة أو بُرنسا، أو سراويل لعذر، أو قَلَّمَ أظفار يد، أو رِجلٍ لعذر؛ ولم يقيسوا عليه من تَطَيَّبَ لعذر، أو لغير عذر أقل من يوم، أو لبس أقل من يوم لعذر، أو لغير عذر، وفضائحهم ههنا تكثر جدًّا، ولعلنا نذكر منها طَرَفًا في ذكرنا
[ ٣ / ١١٣٤ ]
لِشُبَهِهِمْ إن شاء الله تعالى، ولعلها لو تُقُصِّيَتْ لبلغت أزيد من مائة مسألة.
فإن ذكر ذاكر ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس العذري (^١)، حدثنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فراس (^٢)، حدثنا علي بن أحمد المقدسي، حدثنا أحمد بن علي بن سهل بن عبد الله المروزي، حدثنا علي بن الجعد (^٣)، حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: "من ترك أو نسي شيئا من نسكه، فليهرق دما" (^٤).
قلنا: علي بن أحمد المقدسي مجهول، والمروزي مثله؛ والخبر لا يصح. وأنتم أول مخالف لهذا الخبر. فلستم ترون ذلك في أكثر من
_________________
(١) أحمد بن عمر بن أنس العذري يعرف بابن الدلائي من أهل المرية أبو العباس رحل إلى المشرق فسمع بالحجاز من أبي العباس الرازي وعلي بن بندار، وسمع بالعراق وخراسان وكان مُعْتَنِيًا بالحديث ونقله وروايته وضبطه مع ثقته وجلالة قدره، وعلو إسناده حدث عنه ابن عبد البر وابن حزم وأبو الوليد الوقشي، وأبو علي الغساني، توفي سنة ٤٧٨ هـ. انظر ترجمته في: جذوة المقتبس (ص ١٣٦ - ١٣٩) وبغية الملتمس (ص ٣٦) والصلة (١/ ٦٩ - ٧٠).
(٢) لم أجده.
(٣) علي بن الجعد بن عبيد الجوهري أبو الحسن البغدادي، عن شعبة والثوري ومالك وابن أبي ذئب، وعنه البخاري وأحمد ويحيى بن معين، قال أبو زرعة: "كان صدوقا في الحديث" وقال أبو حاتم: "كان متقنا صدوقا ولم أر من المحدثين من يحفظ، ويأتي بالحديث على لفظ واحد غيره". مات سنة ٢٣٠ هـ. أخرج له البخاري وأبو داود. وانظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١٨٣ - ١٨٥). والتقريب (ص ٣٩٨) والخلاصة (ص ٢٧٢).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١١٣٥ ]
نسي من نسكه أو تركه. وقاسوا وقت الأذان يوم عرفة على وقت الأذان يوم الجمعة (^١). وخالفوا الإجماع في ذلك؛ والسنن الثابتة ولم يقيسوا من وَطِئ بعد عرفة؛ على مَنْ وَطئ قبل عرفة؛ والعجبُ كلُّه أنهم قالوا: إنْ وطئ قبل عرفة، فحجه باطل، وعليه هدي يجزئه فيه شاة، فإن وَطئ بعد عرفة فحجه تام؛ ولا تُجزئه إلا بدنة فَحين بطل حجُّه وعظُم جُرمه أجزأته شاة، وإذا تمَّ حجُّه ولم يَكْدَح (^٢) فيه ما يبطله لم يتجزئه إلا بدنة.
فإن قالوا: إن وَطْأَهُ قَبْلَ عرفة ليس كوطئه بعدها، كما لم تخالفونا فيه قلنا لهم: فإذْ وقد فسد حجه، والدم إنما يكون جبرا، فماذا تصنع الشاة لَوْلَا التحكم في الدين؟ ! والله الموفق.
وأطرف شي إقدامهم على الكذب، وادعاؤهم الإجماع على ذلك، وما نعلم قولهم هذا في تقسيمهم ذلك عن أحد، فكيف يكون إجماعا؟
صح عن ابن عباس في ذلك هدي فقط بتخيير أيضا بين صومه ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين، روينا ذلك من طريق حجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وروينا عن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه (^٣) قضاء الحج دون ذكر هدي (^٤).
_________________
(١) انظر: المغني (٣/ ٢٨٩) وتبيين الحقائق (٢/ ٢٣).
(٢) يقال كَدَحَ وجهه: خَدَشَ، أو عمِلَ به ما يشينه، كَكَدَّحَهُ، أو أفسده، وانظر القاموس (ص ٣٠٤) مادة كدح.
(٣) سقط لفظ الترضي من (ت).
(٤) أخرجه عنه مالك في الموطأ بلاغا برقم ٣٨ (ص ٩٤).
[ ٣ / ١١٣٦ ]
وقاسوا صداق الأمة على صداق الحرة، ولم يقيسوا الأمة على الحرة، في منعها من السفر ثلاثا فصاعدًا، إلا مع زوج، أو ذي محرم، ولم يقيسوا صيام التسعة الأيام للمتمتع على صيامه الثلاثة الأيام، فأباحوا له أن يصوم الثلاثة الأيام بعد إحرامه بالعمرة، وقبل دخوله في الحج خِلَافًا للقرآن، ولم يبيحوا له صوم السبعة الأيام إلا إذا رجع من عمل الحج كما في القرآن.
وقاسوا فساد حجه بالوطء في الفرج بفساد صومه بالوطء في الفرج، ولم يقيسوا وطء المحرم ناسيا، على وطء الصائم ناسيًا، فأبطلوا الحج به، ولم يبطلوا الصوم به، ولا قاسوا اللائط في الصيام ينزل على اللائط في الحج ينزل، فأبطلوا الصوم بذلك، ولم يبطلوا الحج، فاعجبوا لهذا التلوث في الضلال، وَلَا قاسوا واطئ امرأته نهارًا وهو صائم ذاكر عامد دون الفرج، فينزل على واطئها، وهو محرم دون الفرج فيُنزل، فأبطلوا الصوم بذلك، ولم يجعلوا فيه كفارة، ولم يبطلوا الحج بذلك، وأوجبوا فيه الهَدْيَ.
وقاسوا إيجاب الكفارة على قاتل الصيد محرما ناسيا على وجوب الكفارة، على قاتل المؤمن خطأ، ثم لم يقيسوا ذلك إذ جعلوا كفارة قتل المؤمن على الترتيب، وكفارة قتل الصيد على التخيير، ولم يقيسوا وجوب الكفارة على قاتل المؤمن عمدا، على وجوبها على قاتله خطأ.
وقاسوا العبد على الحر فيما يلزمه سَتْرُهُ في الصلاة، وفيما تبطل به
[ ٣ / ١١٣٧ ]
صلاته بانكشافه منه (^١)، ولم يقيسوا الأمة في ذلك على الحرة، ولا على العبد، وهم يقولون إنهم قاسوا العبد على الأمة في الحدود، وقاسوا الأمة على العبد في عتق بعضها.
وقاسوا قاطع شجر الحرم على قاتل صيده في إيجاب الجزاء في ذلك، ولم يقيسوه عليه في تخييره بين الهدي، والإطعام، والصيام، بل خيروه في الهدي والإطعام، ولم يبيحوا له في ذلك صوما أصلا، ولا قاسوا قاتل صيد الحرم بالمدينة على قاتله بمكة، ولم يقيسوا حكم الحربي يشتري العبد المسلم، أو الأمة المسلمة، ويحملها إلى بلد الحرب على حكمها إذا غصبها من مسلم، وَحَمَلَهُمَا إلى دار الحرب، فقالوا: إن غصبهما وأدخلهما أرض الحرب، فقد ملكهما، وملكهما من وهبهما له، أو اشتراهما منه من المسلمين، ولا سبيل لسيدهما عليهما إلا بالثمن، وأما إذا اشتراهما من مسلم فساعة يدخلهما أرض الحرب سقط ملكهما عنه، وصارا حرين.
ولا قاسوا اختلاف دين الزوجين يسلم أحدهما، والآخر وثني على اختلاف دينهما بارتداد أحدهما، فقالوا إن ارتد أحدهما وقعت الفرقة للوقت أسلم بعد ذلك، أو لم يسلم، فإن أسلم أحدهما والآخر وثني أو أسلمت المرأة وزوجها كتابي، فهما في ذلك على الزوجية، حتى يعرض الإسلام على الذي لم يسلم منهما، فإن أسلم فهما على
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١١٦ - ١١٧) والهداية (١/ ٤٧) وتبيين الحقائق (١/ ٩٤) والبحر الزخار (٢/ ٢٢٨).
[ ٣ / ١١٣٨ ]
زَوْجِيَّتِهِمَا كما كانا، وإن أبى وقعت الفرقة للوقت (^١)؛ ولم يقيسوا إسلام عبد الذمي على إِسْلام عَبْدِ الحربي يَخْرُجُ إلينا، وكلاهما مهاجر إلى الله تعالى عن ملك كافر.
وقاسوا إباحتهم حلق الشعر والظفر، بعد استهلال ذي الحجة، على مريد التضحية على إباحة النساء والطيب وخالفوا السنة في ذلك وهي ثابتة (^٢)، ولم يقيسوا جواز الصلاة بالكلام فيها نسيانا، على جواز الصلاة مع السلام فيها نسيانا، ولا قاسوا قولهم في القهقهة في الصلاة على الكلام فيها اتباعا لخبر فاسد لم يصح (^٣) قط (^٤).
وقاسوا من حلف فقال أنا يهودي أو نصراني إن فعلتُ كذا، على من حلف بالله تعالى (^٥) في إيجاب الكفارة في كل ذلك بالحنث (^٦)، ولم يقيسوا ذلك على من حلف فقال: "عليه لعنة الله إن فعل (^٧)
_________________
(١) انظر: الهداية (٢/ ٢٣٩) واللباب في شرح الكتاب (٣/ ٢٧).
(٢) أخرج النسائي في الصغرى في الأضاحي (٧/ ٢١١) عن أم سلمة عن النبي -ﷺ- قال: "من رأى هلال ذي الحِجَّة، فأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره حتى يضحي" وأخرج أبو داود في الضحايا، باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي نحوه برقم (٢٧٩١).
(٣) تقدم تخريج هذا الخبر.
(٤) سقطت "قط "من (ت).
(٥) في (ش): "﷿".
(٦) انظر: الهداية (٢/ ٣٥٧).
(٧) في (ش): "فعلتُ".
[ ٣ / ١١٣٩ ]
كذا" (^١) أو قال: "أنا زاني إنْ فعلت كذا" (^٢)، وقد سوى طاووس بين من قال: "علي لعنة الله إن دخلت دار زيد" وبين من قال "أنا يهودي إن دخلت دار زيد" فأوجب الكفارة لكل ذلك (^٣).
وقاسوا من حنث ناسيًا، على من حنث متعمدا في إيجاب الكفارة عليه (^٤)، ولم يقيسوا من حلف متعمدا للحنث على ذلك، فلم يوجبوا عليه كفارة.
وقاسوا المنع من جواز إذن الورثة بالوصية بأكثر من الثلث قبل موت الموصي، على المنع من جواز كفارة الظهار (^٥) قبل الظهار ولم يقيسوا على ذلك الطلاق قبل النكاح والعتق قبل الملك بل أجازوا كل ذلك إذْ قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وأي أمة اشتريتُها فهي حرة (^٦)، ولم يقيسوا أيضا على ذلك جواز تقديم جزاء الصيد بعد
_________________
(١) قالوا لأنه دعاء على نفسه، ولا يتعلق ذلك بالشروط، ولأنه غير متعارف وانظر: الهداية (٢/ ٣٥٨).
(٢) وكقوله: "فأنا شارب أو شارب خمر أو آكل ربا، قالوا لأن حرمة هذه الأشياء تحتمل النسخ والتبديل فلم تكن في معنى حرمة الاسم، ولأنه ليس بمتعارف". وانظر: الهداية (٢/ ٣٥٨).
(٣) أخرج عبد الرزاق في المصنف برقم ١٥٩٧٥ (٨/ ٤٨٠) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: من قال: "أنا كافر أو أنا يهودي، أو نصراني أو مجوسي أو أخزاني الله أو شبه ذلك، فهي يمين، يكفرها".
(٤) قالوا لأن الفعل الحقيقي لا ينعدم بالإكراه وهو الشرط. وانظر: الهداية (٢/ ٣٥٦).
(٥) انظر: الهداية (٤/ ٥٨٧) واللباب في شرح الكتاب (٤/ ١٦٧).
(٦) انظر: الهداية (ج ٢/ ص ١٥٥ - ٢٥٦).
[ ٣ / ١١٤٠ ]
جراحته وَقَبْلَ موته، ولا تقديم الكفَّارة في قتل الخطأ بعد جراحته وقبل موته بل أجازوا تقديم الجزاء والكفارة في ذلك.
وقالوا إن طاف أربعة أشواط من العمرة ثم وطئ، فعمرته تامة، فلو طاف منها ثلاثة أشواط، ثم وطئ فعمرته فاسدة.
وقالوا: إن قطع ثلاثة من أعضاء الذكاة، وهي الودجان والحلقوم والمريء، فهي ذكاة تامة، فإن قطع أقل فهي ميتة (^١)، ولم يقولوا إن صام في كفارة اليمين من لا يقدر على رقبة، ولا على كسوة، ولا على إطعام أكثر من الثلاثة الأيام، ثم أيسر تمادى وأجزأه، ولا قالوا من توضأ أكثر وضوئه أجزأه، ولا قالوا من صلى أكثر صلاته تمت وأجزأه، ولا قالوا من صام أكثر يومه أجزأه لكن قالوا: من لم ينو الصوم نصف نهاره الأول أجزأه، ولم يقيسوا بعض ذلك ببعض، فإن قالوا: النصوص جاءت بصفة الصلاة والصوم والذكاة والطهارة قلنا: والنصوص جاءت بانقضاء العدة بوضع الحمل، وبعدد طواف العمرة، وبأنه لا يحل له إلا ما ذكينا، وبستر العورة وبسائر ما حددتم فيه تلك الحدود السخيفة.
وقالوا: من غسل عضوا كاملا في بئر بنية الوضوء أفسد البئر، فإن غسل فيها بعض العضو بنية الوضوء لم يفسد البئر (^٢).
_________________
(١) انظر الهداية (ج ٣/ ص ٣٩٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) هذا القول في: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٥) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٦٩).
[ ٣ / ١١٤١ ]
وقالوا: إن حلق المحرم عضوا تاما فعليه الفدية، فإن حلق أقل فصدقة، فإن حلق ربع رأسه فالفدية، فإن حلق أقل فصدقة (^١).
وقالوا من اغتسلت إلا عضوا كاملا، فلزوجها عليه الرجعة، فإن اغتسلت إلا بعض عضو سقطت رجعته عنها، ولم تحل لها الصلاة بذلك حتى تتم جميع جسدها (^٢).
وقالوا: من مسح ثلاثة أصابع من رأسه أجزأه، ولا يجزئ أقل، ومن مسح أربعة أصابع من كل خف أجزأه، ولا يجزئ أقل، ومن انكشف من خفه قدر ثلاثة أصابع لم يجز المسح عليه، فإن انكشف أقل أجزأه المسح عليه (^٣).
وقالوا: من قص أظفار عضو كامل، فعليه الفدية، فإن قص أقل فصدقة (^٤).
وقالوا: إن التعن هو وهي خمس التعانات (^٥)، ففرق الحاكم بينهما فهي فرقة صحيحة، فإن التعنا أقل فلا يكون تفريق الحاكم
_________________
(١) هذا القول في: الهداية (ج ٢/ ص ١٧٥) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٢٠٥).
(٢) هذا القول في: الهداية (ج ٢/ ص ٢٨٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٥٧).
(٣) هذا القول في: الهداية (ج ١/ ص ١٢) و(ج ١/ ص ٣٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٣٨).
(٤) هذا القول في: الهداية (ج ١/ ص ١٧٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٢٠٥).
(٥) يقال التعن ملاعنة ولعانا وتلاعنا والتعنا: لعن بعض بعضا، وانظر: القاموس مادة لعن (ج ٤/ ص ٢٦٧).
[ ٣ / ١١٤٢ ]
بينهما فرقة (^١)، وقال محمد بن الحسن ولم يذكر في ذلك خلافا بين أصحابه: إن وضعت المتوفى عنها، أو المطلقة أكثر من نصف ولدها مما بين آخر عنقه إلى آخر مقاعده، لا يعد في ذلك الرأس، ولا الفخذين والساقين، فقد انقضت عدتها، وحل لها الزواج فإن وضعت أقل من ذلك لم تنقض عدتها.
وقالوا: إن انكشف من بطن الحرة أو فخذها، أو مقاعدها أو ظهرها، أو ساقها، أو عنقها، أو شعرها أو صدرها الربع فأكثر في الصلاة بطلت صلاتها، فإن انكشف أقل من الربع فصلاتها (^٢) تامة، فإن انكشف منفرجها أكثر من قدر الدرهم بطلت صلاتها، فإن انكشف منه قدر الدرهم فأقل فصلاتها تامة (^٣)، ولم يقيسوا بعض ذلك ببعض فاعجبوا لهذه الوساوس! ! .
وقاسوا ما يتزوج العبد من النساء (^٤)، وَبِكَمْ تحرم الأمة على زوجها من الطلاق (^٥) وكم أجل المُوليِ الحر، والعبد من زوجته
_________________
(١) هذا القول في المختصر (ص ٢١٥) وبدائع الصنائع (ج ٣/ ص ٢٤٥) والمغني (ج ٧/ ص ٢٩٢).
(٢) في (ش): "فصلاُته".
(٣) هذا القول في المبسوط (ج ١/ ص ١٨٧) و(ج ١/ ص ١٩٧) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١١٧) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٩٦).
(٤) انظر تبيين الحقائق (ج ٢/ ص ١١٣) والمختصر (ص ١٧٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢٣).
(٥) انظر اللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٤٨).
[ ٣ / ١١٤٣ ]
المملوكة (^١)، وعدة الأمة التي لا تحيض في الطلاق، وعدتها من الوفاة (^٢) على حدود العبد، والأمة في القذف والزنا والخمر، ولم يقيسوا على حدودهما في القذف والخمر والزنا حدهما في السرقة، ولا حد العبد في المحاربة، ولا أجل العَبْدِ بين الحرة في الإيلاء ولا أجل العبد من الأمة في العنانة (^٣)، ولا صيام العبد في الظهار، ولا صيامه في الكفارة ولا عدد طلاق العبد للحرة، ولا أَجل الأمة المطلقة الحامل، أو المتوفى عنها وهي حامل من العبد والحر، بل جعلوا كل ذلك حكم العبد والحر والأمة والحرة في ذلك سواء، ولم يقيسوا أيضا على ذلك دية العبد ولا عدة الأمة التي تحيض، بل جعلوا عدتها ثلثي عدة الحرة (^٤)، وجعلوا دية الأمة دون دية الحرة بخمسة دراهم فقط (^٥)، ودية العبد دية الحر إلا عشرة دراهم، ولا قاسوا حكمها جملة فيما عدا الحدود والميراث، وما جاء فيه النص على استواء حكم العبد مع الحر في مقدار صداقه عندهم الطهارة والصلاة وصيام رمضان، وما يحرم عليه من المطاعم
_________________
(١) انظر المختصر (ص ٢٠٧).
(٢) انظر: تحفة الفقهاء (ج ١/ ص ٢٤٧)، واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٨٠).
(٣) يقال العنانة والتَّعنين والعنينة بالكسر والتعنينة وَعُنَّ عَنْ امرأته وانظر. مادة عن في القاموس (ج ٤/ ص ٢٤٩).
(٤) انظر الهداية (ج ٢/ ص ٣٠٨) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٨١).
(٥) انظر: الهداية (ج ٤/ ص ٥٥٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٦٥).
[ ٣ / ١١٤٤ ]
والمشارب (^١)، فاعجبوا لهذا الضلال، ولضلال قياساتهم وفسادها.
وقاسوا حكم من لزمته كفارة الإفطار عمدا في رمضان أو في كفارة ظهاره، أو كفارة قتل (^٢) خطأ، أو كفارة يمين فلم يجد رقبة، ولا ما يطعم في الكفارة في اليمين، ولا ما يكسو فصام، أنَّه متى وجد ما عجز عنه من ذلك قبل أن يتم الصوم بطل صومه، وعاد إلى العتق، أو الإطعام، أو الكسوة فإن وجد وأيسر بعد تمام صومه أجزأه، بعض ذلك على بعض، ولم يقيسوا على ذلك من تمتع بالعمرة إلى الحج، فلم يجد النسك فصام، فإنه وإن أتم صومه الثلاثة الأيام في الحج، إلا أنه لم يحل بعد حتى أيسر، فإن صومه يبطل ويلزمه النسك، فإن أيسر بعد أن حل إلا أنه لم يصم السبعة الأيام، أجزأه صومه وصام السبعة الأيام الباقية.
وقاسوا رقبة الكفارات من الظهار واليمين والقتل، ورمضان على الأضحية في أن لا يجوز فها عيوب ذكروها أيضا من سلامة اليدين والرجلين والعينين، ثم خالفوا في قياسهم هذا الفاسد، فأجازوا فيها ما لا يجوز في الأضاحي كالعور التام، والعرج التام، والعجف الظاهر والمرض (^٣)، فاعجبوا لهذه الفضائح والجهل المظلم.
_________________
(١) كذا وفي العبارة شيء.
(٢) في ش: "قبل".
(٣) انظر: الهداية (ج ٣/ ص ٤٠٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢٣٥).
[ ٣ / ١١٤٥ ]
ولم يقيسوا رقبة الظهار واليمين، ورمضان إذ أجازوا فيها عتق الكافر، على رقبة قتل الخطأ التي لا يجوز فيها الكافر، أليس أعجب العجب قياس عتق رقبة على أضحية، وترك قياس رقبة على رقبة.
وقاسوا صوم كفارة اليمين، فلم يجيزوه متفرقا على صوم الشهرين في كفارة رمضان، والظهار والقتل (^١).
ولم يقيسوا صوم الشهرين في قتل الخطأ على صومهما في كفارة رمضان، والظهار في تعويض الإطعام منهما.
فإن قالوا: لم يأت التعويض بالإطعام منه في النص، قلنا: ولا جاء في صوم الثلاثة الأيام في كفارة اليمين التتابع في النص، فقالوا، نزل في قراءة أُبي (^٢) فقلنا: فاقرؤوا بها، واكتبوها في مصاحفكم، وإلا فلا تكذبوا على أُبي، ولا على الله تعالى، فقالوا نُسخ لفظها قلنا: ومن أين لكم أن حكمها بقي، وقد أقررتم بنسخها، ولم يقيسوا إباحة إقراض زيد عمرا جارية ثُمَّ يردها هي، أو غيرها إذ حرموا ذلك على إجازتهم أن يبيعها منه، أو أن يهبها له، ثم يبتاعها منه بعد وطئه لها إذا حاضت، ولا فرق بين الأمرين في انتقال الملك، ثم رجوعه بغير اشتراط رجوعه، ولم يقيسوا حكم من له
_________________
(١) قال الحنفية صوم كفارة اليمين متتابع واستدلوا بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات وانظر: الهداية (ج ٢/ ص ٣٨٥) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ٨).
(٢) قال ابن كثير: "قال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود وانظر: تفسير ابن كثير (ج ٢/ ص ٩٣).
[ ٣ / ١١٤٦ ]
على آخر دين من قرض حال، فأجله إلى أجل مسمى وأشهد له بذلك، فلم يجيزوا هذا التأجيل أصلا على قولهم فيمن له على آخر حق حال من غير قرض فَأَجَّلَهُ إلى أجل مسمى أن التأجيل يلزمه.
ولم يقيسوا قولهم في جواز ضمان دين المريض بغير محضر صاحب الدين على منعهم من ذلك في سائر المواضع، وقاسوا ذلك في المنع منه بغير محضر صاحب الدين، على منعهم من ذلك في سائر المواضع، وقاسوا ذلك في المنع منه بغير محضر صاحب الدين على النكاح، فاعجبوا لسخف هذا القياس.
وقاسوا المخاطرة في الضمان مثل أن يقول: ما وجب لك على هذا من حق، فأنا ضامنه عنه لك (^١)، ولعله يجب له عليه ما لا وفاء عند الضامن به، ولا يجب له عنده حق أصلا على المخاطرة في الولايات والوكالات مثل أن يقول الإمام: فلان أميركم فإن مات، ففلان، ولعل ذلك المستخلف يموت قبل الذي سمي قبله، ولم يقيسوا ذلك على منعهم من المخاطرة في البيوع وفي الإجارة، وفي النكاح، ولا شبه بين الإمارة وضمان المال أصلا، والمخاطرة في الوكالة لا تجوز وإنما جاز ذلك في الأوصية (^٢)، لأنها عقود يرجع فيها إذا شاء، ولم يقيسوا ولد الأمة المغصوبة يستحق عند غير الغاصب، على ولد سائر الحيوان المغصوب يستحق عند غير الغاصب، ولم يقيسوا كلابا تقتل
_________________
(١) انظر: الهداية (ج ٣/ ص ١٠٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢/ ص ١٥٥).
(٢) في ش: "الأوصيا".
[ ٣ / ١١٤٧ ]
لمسلم، أو خنازير لذمي، تبلغ (^١) أزيد من عشرة آلاف درهم، فيلزموا جميع قيمتها الجاني، على عبد يقتل يساوي مائة ألف درهم، فلا يزيدوا سيده على عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم شيئا، فإن قالوا: هي دية، قلنا: وفي أي الديات وجدتم دية مردودة إلى القيمة لا تستقر على حال؟ ! !
وقاسوا خراج العبد من ثمنه على خراج الحر من ديته، وديات الأحرار لا تختلف وأثمان العبيد مختلفة اختلافا متفاوتا شديد التفاوت، ثم لم يقيسوا (^٢) حاجب العبد ينتف فلا ينبت أو أذنه تقطع على جناية ذلك على الحر، بِنِسْبَتِهِ من ثمن العبد كنسبة ذلك من دية الحر، بل جعلوا فيه ما نقصه فقط.
وقاسوا خروج الدم من الفم، ومن الحجامة، ومن حيث ما خرج من الجسد على دم الاستحاضة في أنه ينقض الطهارة (^٣)، ولم يقيسوه على الحيض في أنه ينقض الصوم، إلا إن خرج من الحلق إلى الفم، فإنه ينقض الصوم، ولم يقيسوا على ذلك خروج الدم من سائر الجسد، ولم يقيسوا قولهم في المرء يعتق عبده المرهون، أو تحمل منه أمته المرهونة، أو يبيع مَا رَهَنَ، أو يؤاجره، فلم يقيسوا شيئا من ذلك كله
_________________
(١) في ش: "فيَبْلُغ".
(٢) في ش: "تيقيسوا".
(٣) انظر هذا القول فى: الهداية (ج ١/ ص ١٤ - ١٥) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٧ - ٨) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢٤).
[ ٣ / ١١٤٨ ]
بعضه على بعض، بل قالوا في كل ذلك أقوالا متخاذلة سخيفة، ولا فرق بين شيء من ذلك، إما جواز كل ذلك، وإما رد كل ذلك، ولم يقيسوا جواز المساقاة والمزارعة على جواز المضاربة، ولم يقيسوا إجازتهم الرجوع عن الإقرار بحقوق الله تعالى على منعهم من الرجوع من الإقرار بحقوق اليهود والنصارى.
وقاسوا الإقرار بالسرقة لم يجيزوه إلا حتى يكون مرتين، على أنْ لا يقبل في ذلك إلا شاهدين (^١) وعلى الإقرار بالزنا لا يكون إلا أربع مرات على عدد شهوده (^٢)، ولم يقيسوا الإقرار بحقوق الناس على ذلك، وانكروا على من لم ير الظهار إلا حتى يعاد مرة أخرى أخذا بالقرآن (^٣)، وقالوا به حيث لم يأت به قط نص، وذلك في عدد الإقرار بالسرقة، ثم لم يقيسوا حكم الإقرار في ذلك كله على حكم الشهود إذا قالوا لا يكون الإقرار إلا في مجالس متفرقة، ولا يكون الشهود في ذلك إلا في مجلس واحد (^٤). وقالوا من ادعى مع آخر لقيطا، فأتى أحدهما بعلامات في بدن اللقيط قُضِيَ له به (^٥)، ولم يروا ذلك في المتداعيين في جارة أو عبد، ولم يقيسوا
_________________
(١) هذا عند أبي يوسف وأما عند أبي حنيفة ومحمد: فيجب القطع بإقرار السارق مرة واحدة وانظر الهداية (ج ٢/ ص ٤١٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢٠٢).
(٢) انظر: الهداية (ج ٢/ ص ٣٩٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٨١).
(٣) انظر: الهداية (ج ٢/ ص ٢٩٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٦٧).
(٤) انظر: الهداية (ج ٢/ ص ٤١٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٢٠٢).
(٥) انظر: الهداية (ج ٤/ ص ٤٦٧).
[ ٣ / ١١٤٩ ]
أحدهما على الآخر! ! !
وقالوا: إن تداعى الزوجان في متاع البيت فما أشبه أنه للرجال فللرجال وما أشبه أنه للنساء فهو للنساء (^١)، ولم يقولوا ذلك في أخ وأخت، ساكنين في بيت تداعيا في متاع فيه، ولم يقيسوا هذه على تلك! ! !
وقالوا: إن اختلف الساكن وصاحب الدار في جذوع ومصراع، فإن كانت الجذوع تشبه جذوعا أُخَرَ في الدار قضي به لصاحب الدار، وإلا فكل ذلك للساكن، ولم يقولوا ذلك في المتداعيين في مهر عند أحدهما رمكة (^٢)، تشبه ذلك المهر، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولا فرق بين شيء من ذلك وقالوا طلاق النائم يتكلم به في نومه لا يلزمه (^٣)، قالوا: فإن أكل وهو نائم في صومه لزمه القضاء، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولا فرق بين الأمرين.
وقاسوا فعل المريض في مرض موته في ماله على الوصية، فلم يجعلوا له أكثر من الثلث، وهذا فاسد من القياس، لأن وصية المريض والصحيح سواء لا فرق بينهما، ثم أخطأوا أيضا خطأ آخر في ذلك، فتناقضوا إذ جعلوا نفقة المريض على نفسه وأهله وبيعه وابتياعه وإقراره
_________________
(١) انظر: المختصر (ص ٢٢٨) وبدائع الصنائع (ج ٢/ ص ٣٠٩).
(٢) الرمكة محركة: الفرس، والبرذونة تتخذ للنسل، وجمعها رمك وانظر القاموس مادة رمك (ص ١٢١٥).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (ج ٣/ ص ١٠٠).
[ ٣ / ١١٥٠ ]
ونكاحه كالصحيح من رأس ماله، ولا فرق، ولم يقيسوا طلاق المريض في مرض موته، ولم يقيسوا طلاق المكره ونكاحه ورجعته وعتقه وخلعه ويمينه ونذره، فأجازوا كل ذلك على هبته وصدقته وإجازته ورهنه وبيعه وابتياعه وإقراره وردته إذ أبطلوا كل ذلك، ولا ندري قولهم في ظهاره ولعانه، ولا فرق بين شيء من ذلك إما إلزامه الكل وإما إبطال الكل عنه، وزعم أبو حنيفة أن القياس كان أن المتابعين إذا اختلفا أن يكون القول قول المشتري، لكن تركه للأثر، وأن القياس كان بيع المدبر، ولكن تركه لا ندري لماذا؟ وأن القياس أن يقضي الصائم يأكل ناسيا، لكن تركه للأثر، وأن القياس كان لا يتوضأ من القهقهة في الصلاة، لكن تركه للأثر، فواعجبا يترك القياس الذي هو عنده دين وحق لأثر فاسد لم يصح قط، حاشا جواز صوم الآكل ناسيا، ثم يترك الآثار الصحاح في المصراة والقرعة في الأعبد المعتقين في الوصية (^١)، وَوَاجِد سلعته عند مفلس (^٢)، ومعتق أمته ومتزوجها على أنها لا صداق لها إلا عتقها (^٣)،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرج البيهقي في الكبرى (ج ٢/ ص ٤٦) وعبد الرزاق في المصنف برقم ١٥١٥٨ (ج ٨/ ص ٢٦٤) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أيما رجل باع رجلا متاعا، فأفلس المبتاع، ولم يقبض الذي باعه من الثمن شيئا، فإن وجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها، وإن مات المشتري فهو فيها أسوة الغرماء".
(٣) أخرجه البخاري في النكاح باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها برقم ٥٠٨٣ وأبو داود في النكاح باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها برقم ٢٠٥٣ و٢٠٥٤.
[ ٣ / ١١٥١ ]
لقياس سخيف في غاية الفساد؟ ! ! !
ولم يقيسوا قولهم في المنع من جواز بيع لحم كبش قبل ذبحه، أو بيع نوى قبل إخراجه، والجمل الشارد والعبد الآبق على قولهم في جواز بيع الغائب المجهول بغير صفة كالجزر والفجل (^١) في الأرض، وليس بين شيء من ذلك فرق! !؟
ولم يقيسوا منعهم من جواز بيع حلية السيف دون نصله، ومن بيع ذراع معينة في مثلها من هذا الثوب من الجهة منه، أو مثل ذلك من هذه الخشبة ليقطع كل ذلك، على إجازتهم بيع ما ظهر من هذا الجدل (^٢) على الأرض ليقطع، ولا فرق بين شيء من ذلك، نَعَمْ وأجازوا بيع الحب في سنبله، وعلى البائع درسه وتصفيته (^٣)، فأي فرق بين هذا، وبين بيع النوى في التمر؟
ولم يقيسوا منعهم من جواز عشرة أذرع في مثلها مشاعا في هذه الأرض، التي هي مائة ذراع في مثلها، على إجازتهم بيع عشرة أسهم مشاعا في هذه الأرض التي هي مائة سهم، ولم يقيسوا قولهم في رد البيع بعيب يحط من الثمن ما لا يتغابن (^٤) بمثله، على منعهم من رد البيع بغبن أضعاف ذلك في ثمنه، وهذا ذاك نفسه الذي منعوا! ! !
ولم يقيسوا قولهم في جواز تسليم الذهب والفضة في سائر الموزونات،
_________________
(١) الفجل: بالضم وبضمتين واحدتها بالهاء وانظر القاموس مادة فجل (ص ١٣٤٥).
(٢) يقال جدل الحب في السنبل: وقع انظر مادة جدل من القاموس (ص ١٢٦١).
(٣) انظر: الهداية (ج ٣/ ص ٣٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٢٣٥).
(٤) من الغبن وهو الخداع وانظر القاموس مادة غبن (ص ١٥٧٣).
[ ٣ / ١١٥٢ ]
في موزون من غير صنفه.
ولم يقيسوا منعهم من جواز بيع إناء ذهب، بعينه بدنانير بغير عينها، تُقْبَضُ الدنانير قبل التفرق ويتأخر قبض الإناء، على إجازتهم بيع قمح بعينه بقمح بكيله، بغير عينه يُقبض الذي ليس بعينه ويتأخر قبض المعين، ولا فرق بين الأمرين لا في نص ولا في قياس! ! !
ولم يقيسوا إجازتهم إناء نحاس بأوزن منه من نحاس، على منعهم من إناء فضة بِأَوْزَنَ منه من فضة، وهم معتقدون أن الربا في النحاس كما هو في الفضة، ولم يقيسوا قولهم أن الدنانير، لا يتعين على قولهم أن نقار الذهب والفضة، وسبائكها يتعين، ولم يقيسوا قولهم من باع من المسلمين سلعته من مسلم بخنزير أو خمر، أو بثمن لم يسمياه، ثم قبض السلعة بإذن البائع فأعتق العبد أو باع السلعة، جاز ذلك، على قولهم من باع من المسلمين عبده من مسلم بالكعبة (^١) أو بالربح، أو لم يذكروا (^٢) ثمنا أو بميتة، أو بدم، ثم قبضه بإذن البائع فأعتقه، أو كانت سلعة فباعها، بطل العتق والبيع، فيا للمسلمين، أي فرق بين الدم والميتة؟ وبين الخمر والخنزير؟ فهل لوسواس هؤلاء القوم دواء؟ ! ! !
وقاسوا وَلَدَ المكاتبة وولد المدبرة، وولد أم الولد من غير ساداتهن
_________________
(١) أحسبها ضربا من اصطلاحات الحُسَّاب وانظر القاموس مادة كعب (ص ١٦٨).
(٢) في ش: يذكرا.
[ ٣ / ١١٥٣ ]
بمنزلتهن، وكذلك ولد المرهونة من غير سيدها، وهؤلاء كلهم عندهم إماء، وقاسوا أولادهن عليهن ولم يقيسوا ولد المعتقة إلى أجل، ولا ولد الموصى بعتقها، ولا ولد المعتقة بصفة على أمهاتهم، فأي فرق لولا الرعونة بين المدبرة والموصى بعتقها، والمعتقة إلى أجل بصفة؟ وبالله تعالى (^١) التوفيق.
ولم يقيسوا منعهم من باع سلعة بثمن مسمى إلى أجل مسمى بدنانير، أو بدراهم من أن يبتاعها منه بدراهم نقدا أقل من تلك الدراهم، ولا بدنانير نقدا تكون (^٢) قيمتها أقل من قيمة الدراهم المؤجلة، على إجازتهم له أن يبتاعها منه بسلعة تكون قيمتها أقل من قيمة الدراهم المؤجلة.
ولم يقيسوا إبطالهم بيع من باع دارا بفنائها، أو باع عبدا وحرا معا، لأنه باع ما يملك وما لا يملك، على إجازتهم بيع من باع دارًا، فاستحق نصفها، فأجازوا ذلك البيع في النصف الباقي وهذا أيضا باع ماله، وما ليس له.
ولم يقيسوا حكمهم (^٣) في المنع من بيع سمكة قد صيدت، وألقيت في بركة من ماء (^٤)، على إجازتهم بيع شاة ترعى في الصحراء،
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) في النسختين معا: "يكون" وصحتها بما تراه.
(٣) في ش: "قولهم".
(٤) انظر: الهداية (ج ٣/ ص ٤٨) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٢٥١).
[ ٣ / ١١٥٤ ]
والمؤنة في أخذها أشد منها في أخذ تلك السمكة، ولم يقيسوا على حكمهم في الشفعة في العقار، وتعليلهم لذلك بدفع الضرر، منعهم من الشفعة في الصداق (^١) في العقار ومنعهم من الشفعة في البيع في غير العقار، والضرر في كل ذلك كالضرر في البيع في العقار، وربما أشد بكثير.
وقاس بعضهم المدة التي يكون فيها للشفيع الأخذ بالشفعة على مدة (^٢) فهل سمع بأحمق من هذا القياس إذ قاسوا شيئا على ما لا يشبهه؟ !
وقاسوا أيضا حكم باطل على حكم باطل، ولم يقيسوا قولهم بتوريث خيار الولاية في القصاص على إبطالهم توريث خيار الشفعة (^٣)، ولم يقيسوا منعهم من رهن المشاع فيما لا ينقسم وفيما ينقسم، لا عند الشريك، ولا عند غيره، على إجازتهم أن يرتهن اثنان من واحد وهذا رهن مشاع ولا ينقسم، والذي لا ينقسم من الشريك وغيره (^٤)، فهل سُمِعَ بأحمق من قياساتهم، أو هل في العالم أجهل بالقياس منهم؟ وعلتهم في كل ذلك تَعَذُّرُ القبض لا علة لهم غيرها، وهذه العلة بعينها موجودة فيما أجازوه من بيع المشاع، ومن هبته في بعض المواضع.
_________________
(١) كذا.
(٢) كذا.
(٣) انظر الهداية (ج ٤/ ص ٣٦٠) والمختصر (ص ١٢٠) وبدائع الصنائع (ج ٥/ ص ١١).
(٤) كأن في العبارة شيئا.
[ ٣ / ١١٥٥ ]
وقاسوا إباحتهم السلم في المعدود والمذروع، على جواز السلم في المكيل والموزون، ولم يقيسوا السلم الحال على السلم المؤجل (^١)، ولا قاسوا دخول الربا في المعدود والمذروع على دخوله عندهم في المكيل والموزون، فاعجبوا لهذه الضلالات الممزوجة بالجهالات، واحمدوا الله تعالى على السلامة مما امتحنهم به، ولم يقيسوا السلم في الحيوان على المكيل والموزون، بجواز السلم في المعدود والمذروع قياسا على ذلك عندهم.
وقاسوا [هبة الثواب على البيع، فأجازوها وهم لا يجيزون البيع بغير ثمن ولا بالقيمة هكذا دُونَ ذكر ثمن ثم يقيسون عليه] (^٢)، فهل سمع قط بأحمق من هذا العمل، إذ جوزوا حكما قياسا على بطلان جواز ما يشبهه، تبارك الله رب العالمين الذي هيأ هؤلاء للتعبد بالقياس على ما لا يجمع بين المقيس، والمقيس عليه علة جامعة! ! !
وقاسوا الصدقة بالهبة في قولهم لا تتم إلا بالحوز (^٣)، على العارية والقرض والوصية، وهذا قياس سخيف لأن الصدقة والهبة تمليك مال بغير عوض في الدنيا ولا تأجيل فيه.
وأما القرض فإنَّما هو تمليك مال بعوض في الدنيا إما إلى أجل، فهو
_________________
(١) انظر المختصر (ص ٨٦) والهداية (ج ٣/ ص ٧٨) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٢٧٠).
(٢) ما بين معكوفين ساقط من ت.
(٣) الحوز الجمع وضم الشيء كالحيازة والاحتياز، وانظر مادة حوز من القاموس المحيط (ص ٦٥٥).
[ ٣ / ١١٥٦ ]
أجله، وإما إلى غير أجل فهو حال يأخذه صاحبه متى أحب بعد القبض، كما يمتنع منه قبل القبض، وأما الوصية فتمليك مال لا مدخل للقبض فيه، ولا للحوز أصلا، ولا تملك إلا بعد موت الموصي، وخروج جميع المال عن ملكه، وأما العارية فللمعير الرجوع فيها قبل القبض وبعده، ولم يملكها المعار له قط.
ولو قاسوا الهبة والصدقة على النذر اللازم باللفظ، لكان أولى في القياس، ولكنهم قوم لا يفقهون! ! !
ولم يقيسوا قولهم مَنْ وهب لآخر عبدا كافرا فأسلم عنده، فلا رجوع للمواهب فيه، لأنها زيادة خير، على قولهم: لو وهب له عبدا فعلمه القرآن كان له الرجوع فيه لأنه لم يزده خيرا، وهذا والله كلام لا يقوله مسلم، وهل الخير كله إلا في القرآن والسنن؟ ! !
قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^٢) والأحاديث على أن الخير كله في الكتاب قراءة وفهما أشهر من أن يتكلف إيرادها [وبالله تعالى التوفيق] (^٣).
ولم يقيسوا بعض أقوالهم على بعض فيمن قال لامرأتيه: "إحدكما طالق" فوطئ إحداهما، فإن الأخرى تكون طالقا،
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢٦٩.
(٢) سورة الأحزاب، آية ٣٤.
(٣) ما بين معكوفين ساقط من (ت).
[ ٣ / ١١٥٧ ]
وفيمن قال لأمتيه: "إحداكما حرة" فوطئ إحداهما لم تكن الأخرى بذلك حرة.
ولم يقيسوا قولهم فيمن قال لأمة له، وأمة لغيره: "إحداكما حرة" فقالوا لا عتق لأمته بذلك أصلا لا بسعاية ولا بغيرها.
وقالوا فيمن قال لأمته الحامل إن كان أول ولد تلدينه ذكرا، فأنت حرة فولدت توأمين: أنثى وذكر، أو اتفقوا على أنه لا يعرف أيهما ولدت قبل، فإن نصفها ونصف الإبنة حران بلا سعاية، ونصفهما حران باستسعائهما في نصف قيمتهما، وأما الإبن فمملوك، قالوا: لأنها يجب لها العتق لو كان الولد أولا، ولا يجب لها العتق إنْ كان الولد آخرا.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^١): والمسألة الأولى كذلك، لأنها (^٢) إن كان أراد أمته فهي حرة، وإن كان لم يردها، فليست حرة، فهي تعتق في حال، ولا تعتق في حال كهذه سواء بسواء.
ولم يقيسوا في قولهم: إنْ شهد عدلان على زيد أنه أعتق أمته هذه وعبده هذا والأَمَة والعبد والسيد منكرون لذلك، فإن الأمة تعتق، ولا يعتق العبد، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر فكانت حجتهم طريفة جدًا وهي: قَالوا: احتطنا للفرج، فقلنا: إن كان القياس حقا -كما تزعمون- فلا يكون الاحتياط في خلاف الحق أصلا، ولئن كان باطلا
_________________
(١) سقط لفظ الترحم من ت.
(٢) كذا وأحسن منها: "لأنَّه".
[ ٣ / ١١٥٨ ]
وهو في الشرع باطل كله، فلو احتطتم هذه الحياطة (^١)، لأنفسكم، فلم تقولوا به في دين الله تعالى كان أسلم! !
ثم العجب في هذا الاحتياط الفاسد بالضد، فهلا احتطتم لفرجها، فلا تُبِيحُوا لها الزواج، ولعلها أمة كالعبد، فأبحتم فرجها بالباطل لغير سيدها، وهلا احتطتم في تملك العبد ولعله حر والقوم محرومون (^٢)، ونسأل الله العافية.
ولم يقيسوا المدبر على الموصي لعتقه، في إباحته بيعهما وهما عندهما من الثلث وعبدان ما لم يمت السيد، فلم يكن عندهم أكثر من أن قالوا: لما اختلف اسْمَاهمُا وجب أن يختلف حكمهما.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٣): فأبطلوا بهذا القول كل قياس يمكن أن يقولوه هم أو غيرهم، إذ جعلوا الحكم على الأسماء لا على اتفاق الصفات، وهذا نص قولنا في إبطال القياس ولا مزيد.
وقاسوا كتابة العبد الصغير على الهبة للصغير، وعلى عتقه بصفةٍ، ولم يقيسوا كتابة العبد المجنون قياسا على جواز الهبة للمجنون، وعلى عتقه بصفة، ولم يقيسوا كتابة الصغير لعبده، على جواز كتابة العبد الصغير، وكلا الأمرين سواء في أن الكتابة فعل من فاعلين، فلا تجوز إلا من اثنين جائزي التصرف والفعل، ولم يقيسوا قولهم: من كان له
_________________
(١) يقال حاطه حوطا وحيطة وحياطة: حفظه وصانه وتعهده وانظر القاموس المحيط مادة حوط (ص ٨٥٦).
(٢) أراد المؤلف أن الحنفية محرومون من الهداية للحق في هذه المسألة.
(٣) سقط لفظ الترحم من "ت".
[ ٣ / ١١٥٩ ]
مال غائب فأخرج زكاته وقال: إن كان سالما فهذه زكاته، وإن كان هالكا فهي تطوع، فقالوا: يجزئه من الزكاة إن كان سالما، على قولهم من شك أصلى صلاة الظهر أمس أم لا، فصلاها وقال: إن كنت لم أصلها فهذا قضاؤها، وإن كنت قد صليتها فهذه تطوع، فإنها لا تجزئه أصلا إذا صح عنده أنه لم يُصَلِّهَا ولا فرق بين الأمرين! ! !
ولم يقيسوا قولهم: من حج ينوي التطوع أجزأه من الفريضة، على قولهم: من صلى في آخر الوقتِ وقتِ الظهر أربع ركعات تطوعا لم تجزئه من الظهر، ولم يقيسوا من وضأ يده، أو وجهه أو رجله في بئر بنية الوضوء، تنجست البئر، على قولهم إن من مسح رأسه وخفيه في البئر بنية الوضوء لم تفسد البئر بذلك، ولم يقيسوا قولهم: من توضأ ثم حلق رأسه وقص أظفاره فوضوؤه تام، كما كان، فَلَوْ خلع خفيه انتقض الوضوء عن رجليه، فأي فرق بين الأمرين؟ وفي أي الأصول وجدوها طهارة تامة يصلي بها، ثم تنتقض عن بعض أعضاء الوضوء دون سائرها؟ !
ولم يقيسوا قولهم: من خاف فوت صلاة الجنازة -وهو في المصر- فليتيمم وَلْيُصَلِّيَها (^١) على قولهم: من خاف فوت صلاة الجماعة في المصر أو خاف فوت وقت الصلاة في المصر لم يجز له التيمم (^٢).
_________________
(١) انظر: اللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٣٤).
(٢) هذا القول في: الهداية (ج ١/ ص ٢٨) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٤٢ - ٤٣).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
وقاسوا من وجد ماء يقدر على تطهير بعض أعضائه، والغسل دون سائرها (^١)، فقالوا: لا يجوز له ذلك، على واجد بعض الرقبة الواجبة، فلا يجزئه عتق بعض رقبة، ولم يقيسوه على نظيره حقا ممن قدر على تطهير بعض أعضائه دون بعض، إما لأنها مقطوعة، أو مقرحة قرحا لا يقدر على مسه وكان ذلك في أصبع واحدة، أو نحو ذلك، أو على قدر (^٢) من قدر على بعض فروض صلاته وعجز عن بعضها كالقيام والركوع والسجود والجلوس، ولا شبه بين الطهارة والرقبة، لأن كل عضو في الطهارة حكمه حُكْمِ غير حُكْمِ سائر الأعضاء، إما من مسح عليه كالرأس أو مسح على ساتر عليه كالرجلين أو غسل كالوجه والذراعين، وليست أبعاض الرقبة كذلك لا سيما وهم يقولون: من أطعم في كفارة اليمين خمسة مساكين، وكسا خمسة أجزأه.
ولم يقيسوا قولهم: من تكلم ناسيا في الصلاة بطلت صلاته، فلو أكل ناسيا في نهار رمضان لم يبطل صومه، ومن تيمم في السفر ناسيا الماء معه أجزأته صلاته، ومن صلى ناسيا بنجاسة، لم تجزئه صلاته ومن ذبح فنسي أن يسمي الله تعالى أجزأه، وحل أكل ذبيحته، ومن حنث ناسيا فعليه الكفارة ومن وطئ في نهار رمضان ناسيا، فصومه تام، ومن وطئ في الحج ناسيا بطل حجه فهل
_________________
(١) انظر تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٤١) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٤٦).
(٢) القدر هنا القوة وانظر القاموس المحيط مادة قدر (ص ٥٩١).
[ ٣ / ١١٦١ ]
في الحمق أشد من هذه المناقضات؟ ! !
وقاسوا إجازتهم المسح على الجبائر على المسح على الخفين (^١)، ولم يقيسوا المسح على الجوربين على المسح على الخفين، ألا فاعجبوا لشدة جهلهم بالقياس! !
ولم يقيسوا منعهم غير المتوضئ والجنب من مس عود المصحف والجلد الذي عليه على (^٢) إباحتهم لهما مس كتاب فيه آيات من القرآن وبعض القرآن قرآن عند كل مسلم (^٣).
واحتجوا في إسقاط الترجيع في الأذان بقياس طريف جدا، وهو أن قائلهم قال: لما كان سائر الأذان لا ترجيع فيه من: "حي على الصلاة وحي على الفلاح، والصلاة خير من النوم"، وجب أن تكون شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أنَّ محمدًا رسول الله كذلك (^٤)، أفترى إن عارضهم من يرى الترجيع بأن يقول: "لما كان التكبير في أول الأذان عندكم مُرَبَّعًا، وجب أن تكون الشهادتان أيضًا مُرَجَّعَتين"، فهذا أحسن من قياسكم، أو مثله على السواء، وأيضا قياس آخر، وهو أنه لما كان آخر الأذان مفردا، وهو لا إله إلا الله وكان قبله ثلاثة أذكار
_________________
(١) هذا القول في المختصر (ص ٢١) والهداية (ج ١/ ص ٣٢) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٥٣).
(٢) في ت في.
(٣) انظر: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٥٧).
(٤) هذا القول في: المختصر (ص ٢٥) والهداية (ج ١/ ص ٤٤) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٩٠) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٤٧ - ١٤٨) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٥٩).
[ ٣ / ١١٦٢ ]
مثناة وهي: التكبير، وحي على الصلاة، وحي على الفلاح، وكان أول الأذان مربعا عندكم، وجب أنْ تكون الشهادتان بعده مربعتين، لتكون ثلاثة أذكار، وثلاثة أذكار مثناة، والسابع مفردا وليكون المبدأ ضعف ما بعده، كما كان الذي يلى الآخر ضعف ما بعده، فهذا قياس أدخل في الشغب من قياسهم، على أن كل ذلك ضلالة وتلاعب بالدين، وإنما نريهم تشعب جهالتهم، وأنهم منها كالقابضين بأيديهم على ظلمة الليل! !
والعجب أنهم بهذا القياس نفسه الذي عارضناهم به (^١)، احتجوا في تربيع التكبير في أول الأذان (^٢).
وقاسوا إباحتهم للجنب أن يؤذن، على إباحتهم ذكر الله تعالى (^٣)، ولم يقيسوه على منعهم له قراءة القرآن وهي ذكر.
وقاسوا امتداد وقت العشاء الآخرة إلى وقت صلاة الصبح، على امتداد سائر أوقات الصلوات من الظهر إلى وقت التي بعدها، وتركوا أن يقيسوا على ذلك اتصال آخر وقت صلاة الصبح إلى أول وقت الظهر.
_________________
(١) كررت به في ش مرتين.
(٢) هذا القول في: المختصر (ص ٢٤) والمبسوط (ج ١/ ص ١٢٨) والهداية (ج ١/ ص ٤٤) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٩١) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٤٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٥٩).
(٣) هذا القول في الهداية (ج ١/ ص ٤٦) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٩٣) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٥١) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٦٠).
[ ٣ / ١١٦٣ ]
واحتجوا لتجويزهم أن يقيم الصلاة غير الذي أَذَّنَ (^١) بأن قالوا: إن الإقامة ليست مضمنة (^٢) بالأذان، لأن العصر، يصلى بعرفة بإقامة دون أذان، ولم يقيسوا الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر في سائر الأزمنة، وفي سائر الأمكنة على حكم ذلك يوم عرفة.
وقالوا - محتجين لقولهم: أنَّ الشفق هو البياض لما كانت الحمرة، والبياض اللذان بعد غروب الشمس وقتا لصلاة المغرب التي يتصل أولها بغروب الشمس (^٣).
وقالوا أيضا لما كان الشفق شفقينْ والفجر فَجْرَيْن، فكان الحكم لدخول صلاة الفجر، بطلوع الفجر الثاني، وجب أن يكون الحكم لصلاة العشاء الآخرة بغروب الشفق الثاني، فإن عارضهم خصومهم، فقالوا: لما كان الحكم لدخول وقت صلاة الفجر، مع وجود الفجر الثاني، وجب أن يكون الحكم لدخول وقت العشاء الآخرة مع وجود الشفق الثاني (^٤).
_________________
(١) لكن قالوا لا بأس بأن يؤذن واحد ويقيم آخر وانظر: المبسوط (ج ١/ ص ١٣٢) وبدائع الصنائع (ج ١/ ١٥١).
(٢) كذا والذي فهمته: إن الإقامة لا تتبع الأذان دائما، بل يتصور عدم الجمع بينهما كما في عصر يوم عرفة يكون دون أذان كما ذكر المؤلف. والله أعلم.
(٣) هذا القول في المختصر (ص ٢٣) والمبسوط (ج ١/ ص ١٤٥) والهداية (ج ١/ ص ٤٢) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٨٠) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٢٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٥٦).
(٤) انظر المبسوط (ج ١/ ص ١٤٤ - ١٤٥) والهداية (ج ١/ ص ٤١) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٢٢ - ١٢٤) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٧٩ - ٨١) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٥٥).
[ ٣ / ١١٦٤ ]
وقالوا: لما كانت الطوالع ثلاثة - وهي الفجر الأول، والفجر الثاني والشمس، وكانت الغوارب ثلاثة: الشمس والحمرة والبياض، وكان دخول وقت صلاة الصبح بطلوع الأوسط من تلك الثلاثة، وجب أن يكون دخول وقت صلاة العشاء الآخرة بغروب الأوسط من هذه الثلاثة (^١)، أكان يكون بين هذه إلا هذا الفرق لمن نصح نفسه.
وقاسوا وقت اصفرار الشمس على ما قبله متصلا به، في جواز قضاء الفرائض فيه، ولم يقيسوا عليه في جواز التطوع فيه، لمن لم يكن صلى العصر، ولم يقيسوا جواز التمادي في صلاة العصر، مع أَخْذِ الشمس في الغروب، على ما منعوه من التمادي في صلاة الصبح مع أخذ الشمس في الطلوع، وقد جاء النص الثابت بالتسوية بين الأمرين، ونص آخر بالنهي عن الصلاة في كلا الوقتَيْن (^٢)، والإختلاف موجود في إباحة كل ذلك، وفي المنع منه، فلم يكن عندهم غير أن قالوا: مُصَلِّى الصبح حينئذ يخرج إلى وقت، لا تجوز به فيه الصلاة فقيل لهم: ومُصَلِّي العصر كذلك سواء ولا فرق.
وقاسوا رفع اليدين في التكبيرات الأخر من العيدين على رفع اليدين في أول تكبيرة الإحرام (^٣)، ولم تأت بذلك سنة قط، وَلَمْ يقيسوا ذلك
_________________
(١) انظر المبسوط (ج ١/ ص ١٤٤).
(٢) تقدم تخريج النص المفيد ذلك وكأنَّ المؤلف يشير إلى خبرين مفترقين، وما أحلت عليه آنفا جمع بين الأمرين: ورود التسوية والنهي عن الصلاة في كلا الوقتين.
(٣) انظر: المختصر (ص ٤٢) والمبسوط (ج ٢/ ص ٣٩) والهداية (ج ١/ ص ٩٣) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ١١٦).
[ ٣ / ١١٦٥ ]
في تكبير سائر الصلوات، وقد صحت السنن بذلك، ولا في تكبير الجنازة.
وقاسوا الدعاء في الصَّلاة على التكبير وعلى القراءة، وعلى التشهد فقالوا لكل ذلك موضع معروف من الصلاة، كذلك الدعاء له موضع معروف منها (^١)؛ ثم نقضوا قياسهم هذا فجعلوا الركعتين الآخرتين موضعا للدعاء، ولم يقيسوهما على الركعتين الأوليين، وهما أشبه بهما منهما بالقعود وبالسجود، ثم نقضوا قياسهم هذا، فجعلوا الركعتين الأخرتين مكان القراءة ولا بد إن كان لم يقرأ في الأوليين، وإنْ شاء (^٢) أيضا، وإن كان قرأ في الأوليين، ولم يقيسوا ذلك على الدعاء.
وقاسوا سجود التلاوة في منعهم منها، في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جملة (^٣)، فرضها وتطوعها، ولم يقيسوا القراءة في هذه الأوقات على الصلوات، بل أباحوا القرءة فيها ولا فرق، والسجود وحده ليس صلاة، والقراءة وحدها ليست صلاة، والوقوف أيضا من الصلاة، والجلوس أيضا من الصلاة، والقوم في خبط وتخليط! !
وقاسوا إباحة الصلاة على الجنازة، على إباحة سائر الصلوات المفروضات في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة جملة، ولم يقيسوا ذلك على الصلاة المنذورة، وهي عندهم فرض، بل قاسوها على النوافل،
_________________
(١) انظر الهداية (ج ١/ ص ٥٨) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١١١).
(٢) كذا.
(٣) انظر هذا القول في: المختصر (ص ٤٢) والهداية (ج ١/ ص ٤٣) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٣١٦ - ٣١٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٨٨).
[ ٣ / ١١٦٦ ]
ولم يقيسوا إباحتهم الصلاة من المتنفل خلف مصلي الفرض على منعهم من صلاة الفرض خلف المتنفل (^١)، وكلاهما نيته (^٢) مخالفة لنية الإمام.
فإن قالوا: الفرض أعظم حرمة، فأوقفناها على الإمام فقلنا فقد أجزتم صلاة المتوضئ خلف المتيمم وهي منزلة ضرورة.
ولم يقيسوا من صلى، وفي ثوبه نجاسة كثيرة فيما عدا ما يقابل فرجه من ثوبه، فأبطلوا صلاته على من صلى واضعا يديه وركبتيه ومقاعده على نجاسة، فأجازوا صلاته، واحتجوا بأن وضعه لهذه الأعضاء على ما يصلي عليه كتركه وضعها، فهلا قالوا: هنالك، إن ستره جسده كلا (^٣) سترة حاشا العورة فقط.
ولم يقيسوا المغمى عليه، لا على النائم في إلزامه قضاء كل صلاة نام عنها، ولا على المجنون في سقوط كل صلاة في حال جنونه عنه، ولم يقيسوا إلزامهم صيام رمضان على المجنون على إسقاطهم عنه الصلاة، وزكاة ماشيته وناضه.
ولم يقيسوا إبطال السجدة ممن أحدث فيها مغلوبا، وإبطالهم الركعة إذا أحدث فيها مغلوبا، على إجازتهم سائر صلاته تلك التي أبطلوا عليه بعضها، وأجازوا له بعضها، فأين القياس لو عقلوا؟ !
واحتجوا لقولهم الملعون الخبيث في إسقاط الرفع من الركوع من
_________________
(١) انظر: الهداية (ج ١/ ص ٦٢) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٤١).
(٢) في النسختين: "نِيَّةٌ" ولعل الصواب ما أثبتُّه.
(٣) كذا. ولعلها: كُلًّا كَسَتْرِهِ ".
[ ٣ / ١١٦٧ ]
الصلاة كلها (^١)، خلافا على الله تعالى في أمره، فقال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (^٢) و﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٣) ولرسوله -ﷺ- (^٤) في قوله: "لا تجزئ صلاة، لا يقيم صلبه فيها في الركوع والسجود" (^٥) وقوله ﵇: " ثم اركع حتى تعتدل راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن رافعا". وإبطاله ﵇ صلاة من صلى كذلك (^٦)، وخلافا على جميع أهل الإسلام في صفة صلاتهم، منذ كان الإسلام في كل زمان، وكل مكان إلى وقتنا هذا، فأتوا في خلاف ذلك كله بقياس سخيف، وهو أن قالوا: إن المصلي يخرج من القيام إلى الركوع، ومن السجود إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى القيام، بلا فاصل، وكذلك
_________________
(١) انظر تبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٠٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٦٥ - ٦٧).
(٢) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة الحج، الآية رقم ٧٧.
(٣) من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ سورة البقرة الآية رقم ٢٣٨.
(٤) في ت: "﵇".
(٥) أخرجه أبو داود فى الصلاة باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود برقم ٨٥٥ والترمذي في الصلاة باب ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود برقم ٢٦٤، والنسائي في الافتتاح باب إقامة الصلب في الركوع (ج ٢/ ص ١٨٣) وابن ماجه في إقامة الصلاة باب الركوع في الصلاة برقم ٨٧٠ و٨٧١ والدارمي في الصلاة باب في الذي لا يتم الركوع والسجود برقم ١٣٠١ وابن حبان في صحيحه برقم ٥٠١ (موارد الظمآن) (ص ١٣٥) وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٦) تقدم تخريج هذا الخبر في حديث المسيء صلاته.
[ ٣ / ١١٦٨ ]
ينبغي أن يخرج من الركوع إلى السجود بلا فاصل، فَجَمَعَ قياسُهم هذا وجوهًا خمسة من المخازي، أولها: أنه موجب لإسقاط الرفع من الركوع ولا بد، وليس هذا قول مسلم أصلا، لا هم ولا غيرهم، وهم إنَّما قصدوا بهذا القياس المنتن، عذر من فعل ذلك، لا تصويب فعله، فكيف إيجاب فعله، فعاد قياسهم عليهم.
وثانيها: أن هذا القياس يوجب عليهم ما فروا منه، وأنكروه من أن يستوي كل ساجد جالسا، ثم يقوم يخرج من السجود إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى القيام، فنسوا أنفسهم: "نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ" (^١).
وثالثها: أن يقال لهم، وكذلك كل مصل قائما، يخرج من القيام إلى الركوع، ومن الركوع إلى السجود بقياسكم هذا البديع، لا يعتد ركوعا آخر، فكذلك ينبغي أن يخرج من السجود إلى الجلوس لا يعيد سجودًا آخر، ولا فرق، فعلى كل عمل يؤدي إلى هذه إلا الأعباث في الديانة لدين الله تعالى لَعَائِنُهُ تعالى تترى (^٢).
وقاسوا تغليب النهي عن الصلاة في الأوقات المنصوص عليها، على الأوامر الواردة بقضاء الصلاة متى ذكرها ناسيا، والنائم عنها (^٣)، وعلى النص الوارد بأن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع
_________________
(١) سورة التوبة، الآية رقم ٦٧.
(٢) لم يذكر المؤلف الوجه الرابع والخامس كما أشار إلى ذلك في أول الكلام.
(٣) تقدم تخريج الحديث المفيد ذلك.
[ ٣ / ١١٦٩ ]
الشمس، فقد أدرك صلاة الصبح (^١)، وعلى إباحة التطوع بعد العصر (^٢)، على تغليبنا النهي عن صيام يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق على الأوامر الواردة بقضاء أيام أخر وبالحض على الصيام.
ثم لم يلبثوا أن نقضوا قياسهم هذا وأبطلوه، ورفضوه فأجازوا صلاة العصر في الوقت المنهي عنه، وأجازوا قضاء الفرائض كلها بعد صلاة الصبح، ما لم تأخذ الشمس في الطلوع، وإثر تمام طلوعها، وبعد العصر إلى أن تأخذ الشمس في الغروب (^٣)، فغلبوا الأوامر كلها ههنا على النهي ورجعوا إلى ما أنكروا، فاعجبوا لفهاهتهم (^٤) وجهلهم.
ثم لم يقيسوا القصر في السفر على الفطر في السفر، فأوجبوا القصر ولم يروا الإتمام أصلا، واختاروا الصوم في السفر على الفطر، وقد قاسوا المدة التي يفطر فيها المسافر على المدة التي يقصر فيها، فاعجبوا لتلاعب الشيطان بهم في مقاييسهم هذه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) كأن المؤلف يشير إلى حديث عائشة لعروة: ابن اختي، "ما ترك النبي -ﷺ- السجدتين بعد العصر عندي قط". أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها برقم ٥٩١.
(٣) انظر: المبسوط (ج ١/ ص ٢٣٩) والمختصر (ص ٣٣) والهداية (ج ١/ ص ٨٧) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢١٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ١٩٦).
(٤) الفهاهة والفهفهة: العي وقد فهه كفرح: عيي وانظر القاموس المحيط (ج ٤/ ص ٢٩٠) مادة فهه.
(٥) سورة النساء الآية رقم ٨٢.
[ ٣ / ١١٧٠ ]
وقالوا: من نسي صلاة الجمعة حتى خرج وقتها لم يصلها، إلا ظهرا أربعا، لا كما فاتته (^١). ولم يقيسوا ذلك على قولهم من نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر فإنَّه لا يصليها إلا سفرية كما فاتته ومن نسي صلاة في حضر، فذكرها في سفر لم يصلها إلا حضرية كما فاتته ولم يقيسوا منعهم الخائف المقاتل أن يصلي وهو يقاتل مدافعا عن نفسه، على إجازتهم له أن يصلي، وهو هارب يجري راجلا، وراكبا يركض فرسه.
وقالوا من صلى مؤمنا لخوف -وهو راكب- ركعة، ثم زال الخوف، فإنه ينزل فيصلي ما بقي من صلاته بانيا على ما صلى راكبا، فإن صلى ركعة على الأرض فدهمه خوف شديد، فركب فرسه، فإنه يقطع صلاته ولا بد، ويبتدئها مومئا (^٢)، ولم يقس (^٣) إحداهما على الأخرى، فاعجبوا لضلال قياساتهم وفساد أقوالهم، وأيما أولى عند كل ذي فهم أن يكون بعض صلاته مُوَفَّى حَقَّه عند الضرورة، أو أن تكون كلها في حكم الضرورة؟ ! إن هذا لاختيار فاسد.
ولم يقيسوا الجلوس الآخر في الصلاة على الجلوس الأول فيها، فجعلوا الثاني فرضا، والأول غير فرض (^٤)، ولم يأت قط نص ولا
_________________
(١) هذا القول في الهداية (ج ١/ ص ٨٩). وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٢٢) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢٦٩) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ١١٣) والمحلى (ج ٥/ ص ٧٥).
(٢) انظر بدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٠٨) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٠١).
(٣) كذا ولعل الصواب: ولم يقيسوا.
(٤) هذا القول في الهداية (ج ١/ ص ٤٩) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٠٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٦٦).
[ ٣ / ١١٧١ ]
برهان بالتفريق بين حكمهما، وخَالَفَهُم الطحاوي في هذا فقاس الآخر على الأول، وجعلهما معا تطوعا، فطرد قياسه، وتضاعف خطأه وكذلك خالفهم في إجازتهم صلاة العصر عند غروب الشمس فلم ير ذلك، وسوى بين العصر في ذلك وبين الصبح عندهم (^١).
وقاسوا قدمي المرأة على كفيها في أنهما ليسا عورة (^٢)، ولم يقيسوا القدمين على الرأس في ذلك، وهو أدخل في القياس، لأن القدمين والرأس طرفان، وقياس الطرف على الرأس أشبه من قياس الطرف على الوسط، وأيضا فإن القدمين والرأس عضوان يسقطان من الوضوء في التيمم، وليس اليدان كذلك.
وقاسوا البول في الصلاة بالغلبة والغائط بالغلبة والريح بالغلبة، على قولهم الفاسد بالأثر الفاسد الوارد فيمن رعف أو قاء أو قلس (^٣) ولم يقيسوا على من أجنب في الصلاة مغلوبا، أو نائما، ولا من أغمي عليه في الصلاة، بل أبطلوا بذلك صلاته، وصلاة من خلفه.
وقاسوا الجمعة على الحدود في أن لا يقيمها إلا سلطان (^٤) وهذا أسخف قياس في الأرض، ولم يقيسوا الجمعة على سائر الصلوات في إقامتها بغير السلطان فيا لعباد الله، أيما أشبه الصلاة
_________________
(١) انظر المختصر للطحاوي (ص ٢٤).
(٢) هذا القول في المختصر (ص ٢٨) والهداية (ج ١/ ص ٤٧) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٩٦) والتحقيق لابن الجوزي (ج ١/ ص ٣٢٣) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٦٢).
(٣) مضى تخريج هذا الأثر.
(٤) ما ذكره المؤلف في: اللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ١٠٨).
[ ٣ / ١١٧٢ ]
بالصلاة؟ ! أم الصلاة بضرب السياط؟ ! وقطع الأيدي والأرجل، والقتل بالحجارة، أيكون في السخف أكثر من هذا؟ !
ولم يقيسوا قولهم من سلم في صلاته، ساهيا لم تبطل صلاته، فإن سلم عامدا بطلت صلاته، ومن نسي سجدة أوْ سجدتين أو ثلاثا أو أربعا لم تبطل صلاته، ولو تعمد ترك سجدة واحدة، بطلت صلاته، على قولهم من تكلم ساهيا بطلت صلاته كالعامد، ومن عمل أو أكل ساهيا، أو شرب ساهيا بطلت صلاته كالعامد، ولم يقيسوا إجازتهم وضع الجبائر على غير طهارة، ثم أجازوا المسح عليها كذلك، على منعهم من المسح على الخفين الملبوسين على غير طهارة (^١)، ولم يقيسوا تكفين من مات في سبيل الحج، على تكفين من قتل في الجهاد بخلاف تكفين سائر الموتى.
وقال متأخروهم: الزكاة لا تجب بالحول، لكن تجب بابتداء الملك، ثم أجل الدفع فيها إلى انقضاء الحول كالديون المؤجلة، ولم يقيسوا على ذلك كفارة الأيمان، فهلا قالوا إن الكفارة لا تجب بالحنث، لكن تجب باليمين بنص القرآن ثم أجل الدَّفع فيها إلى انقضاء الحول.
فإن قالوا: لو كان هكذا لم تسقط الكفارة بالبر في اليمين.
فقيل لهم: ولو كان ما قلتم لم تسقط الزكاة بهلاك المال قبل الحول.
فإن قالوا: سقطت في ذلك بدليل، فقيل لهم، وكذلك سقطت الكفارة بالبر بدليل.
_________________
(١) انظر بدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٣٦ - ٤١).
[ ٣ / ١١٧٣ ]
واحتجوا أن الكدرة والصفرة والحمرة حيض، بأن قالوا: السواد حيض، والحمرة جزء من السواد، والصفرة جزء من الحمرة والكدرة جزء من الصفرة (^١)، فهلا قلبوا كلامهم.
فقالوا: البياض طهر، والكدرة جزء من البياض، والصفرة جزء من الكدرة، والحمرة جزء من الصفرة (^٢) فكل ذلك طهر، وَهَلَّا قالوا: الكدرة بياض غير صافي والصفرة كدرة مشبعة، والحمرة صفرة مشبعة، فهل بين هذه التقاسيم فرق لمن عقل؟ ! !
ثم قالوا: إن اسودَّت السن، أو اخضرت، أو احمرت، ففيها ديتها كاملة فإن اصفرت ففيها حكومة فقط، ففرقوا ههنا بين الصفرة، وبين الحمرة، والسواد، وسووا بين كل ذلك في الحيض، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
وقاسوا موضع وقوف المصلي على الميت في وسطه بموضع وقوف الإمام، وسط الصفوف في سائر الصلوات (^٣)، وهذا أبرد قياس في الأرض، لأن الصفوف في الجنازة وفي غيرها (^٤) خلف الإمام، والميت أمام الإمام، ليس بينه وبين الصفوف شِبْهٌ، ولم يقيسوا وجوب
_________________
(١) هذا القول في الهداية (ج ١/ ص ٣٢) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٣٩) ومختصر الطحاوي (ص ٢٣) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٤٢).
(٢) في ش كتب الناسخ في الحاشية: "في الأصل الحمرة جزء من الحمرة".
(٣) انظر الهداية (ج ١/ ص ٩٩) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٤٢) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٣١٢).
(٤) كتب فوقها في ش: كذا.
[ ٣ / ١١٧٤ ]
القراءة في صلاة الجنازة (^١) على وجوبها في سائر الصلوات كوجوب الطهارة فيها، ووجوب الصفوف خلف الإمام فيها، ووجوب التكبير لها والتسليم منها، واستقبال القبلة فيها وغير ذلك، وهذا أصح قياس في العالم لو صح شيء من القياس! !
ولم يقيسوا منعهم الإمام من الصلاة على المرجوم، على إباحتهم الصلاة عليه للذين تولوا رجمه، ولا فرق بين الأمرين، فلم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولم يقيسوا قولهم لا يصح الاعتكاف إلا بصوم على إجماعهم مع غيرهم على جواز الصوم بلا اعتكاف، ولا فرق بين الأمرين في المنع من افتراقهما، أو في إباحة افتراقهما.
وقاسوا ميراث البنتين على ميراث الأختين، وهذا قياس فاسد لأنهم قالوا: إذا ورثت الأختان الثلثين فالبنتان أولى بذلك لقربهما.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^٢): وقد اتفقوا على أنه قد ترث الأخت أكثر مما ترث البنت، لأنهم يقولون فيمن ترك عشر بنات وأُخْتًا لأب أو شقيقة أن للأخت الثلث كاملا، وليس لكل واحدة من البنات إلا ثلثا عشر المال، فهي من خمسة عشر: للأخت خمسة، ولكل واحدة من البنات واحد واحد، فقط، فهلا قاسوا فقالوا: فقد اتفقوا على أن الأربع من البنات لا يرثن إلا ما يرث من قبلهن، وهُنَّ الثلاث، فكذلك ينبغي أن لا يرث البنتان إلا ما ترث التي قبلها وهي
_________________
(١) في ش: في الصلاة خلف الجنازة.
(٢) سقطت من ت.
[ ٣ / ١١٧٥ ]
الواحدة، فهذا أدخل في القياس من قياسهم المنحل.
وأيضا فقد قالوا: حكم الثلاثة فصاعدا في الوقوف في الصلاة غير حكم الإثنين، لأن الاثنين يقف أحدهما وهو: المأموم عن يمين الآخر وهو الإمام في صف واحد معه، وأما الثلاثة فصاعدا، فإن الاثنين يقفان خلف الإمام (^١).
وقالوا: حكم الثلاثة سوى الإمام في الجمعة حكم من زاد على الثلاثة، وحكم الاثنين سواء، الإمام خلاف ذلك (^٢)، فهلا فرقوا بين ميراث الابنتين، وبين ميراث الثلاث قياسا على ما ذكرنا.
وقالوا: تحجب الأم عن الثلث باثنين من الإخوة فصاعدا، بخلاف الواحد (^٣)، وهم يقولون فيمن قال لفلان: "علي دراهم" بأنه يقضى له بثلاثة دراهم، لا بدرهمين، فهلا قاسوا أحدهما على الآخر، ولم يقيسوا الإخوة والأخوات للأم على الإخوة والأخوات للأب، فجعلوا الذين للأب للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعلوا الذين للأم الذكر والأنثى سواء، وقد روي التسوية بينهم وبين حكم الأشقاء عن ابن عباس وهذا من أحسن القياس لو صح منه شيء، ولم يقيسوا ميراث
_________________
(١) انظر الهداية (ج ١/ ص ٦١) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١٥٨) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٣٦).
(٢) كذا، وفي العبارة شي.
(٣) انظر مذهب الحنفية في ذلك في: المختصر (ص ١٤٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٩٤).
[ ٣ / ١١٧٦ ]
الجدات علي ميراث الأجداد، إذ لم يورثوا من الأجداد إلا واحدا، وهو أبو الأب وآباؤه (^١)، وورثوا كل جدة ليس بينها، وبين الموروث أبو أم (^٢)، فهلا قالوا: لا ترث من الجدات إلا واحدة، وهي أم الأم وأمهاتها، قياسا على الأجداد، فإن ادعوا إجماعا كذبوا، لأنه قد روي هذا عن أبي بكر وعمر ﵄، فإن قالوا: قد رجعا عن ذلك، قلنا لهم: فكان ماذا؟ ! وقلنا: وحاشا لله لهما أن يكونا ساعةً من الدهر على خلاف الإجماع.
ولم يقيسوا توريث المرأة ممن أعتق أبوها، على توريثها ممن أعتقت، أو أعتق من أعتقت، ولا على كونها عصبة مع أخيها، ولا على قولهم الأخوات عصبة البنات، وورثوا ولد المرأة ولاء من أعتقته أمهم (^٣)، ولم يورثوا عصبتهم منهم ما ورَّثُوهُمْ عن أمهم، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب وجماعة من السلف، ولا فرق بين الأمرين بوجه من الوجوه، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، ولو صح شيء من القياس لَكَانَ هذا منه صحيحًا.
ولم يقيسوا منعهم من لم يتخلف (^٤) وارثه إلا ابنة واحدة، أو زوجة فقط، أو زوجا فقط، من أن توصي بما فضل عنها وهو النصف، أو
_________________
(١) تفاصيل ذلك في: المختصر (ص ١٤٧) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٩٩).
(٢) القول بذلك في: المختصر (ص ١٤٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٩١).
(٣) تفاصيل ذلك في المختصر (ص ١٤٢) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٩٤ - ٢٠٢).
(٤) هكذا قرأتها.
[ ٣ / ١١٧٧ ]
ثلاثة أرباع ماله على إباحتهم لمن لم يتخلف أن يوصي بماله كله، وقاسوا هذا على الإمام يضع ذلك المال حيث رأى، فقلنا: وكذلك الإمامِ يضع ما فضل للزوج والزوجة لا وارث له سواهما حيث رأى ولا فَرْقَ! ! !
وقاسوا فرج المسلمة فيما يستحل به من الصداق، على ما تقطع فيه يد السارق (^١) فهل سُمِعَ بأسخف من هذا القياس؟ ! وأي شبه بين فرج مسلمة، وبين يد سارق؟ !
فإن قالوا: كلاهما عضو يستباح، قلنا: كذبتم، لأن استباحة يد السارق بالقطع، وإبانتها عن جسده، وليس كذلك فرج الحرة، ولم يَقِيسُوهُ على ما يستباح به فرج المسلمة بالمِلْكِ في جواز ذلك بدرهم وأقل، ولا على ما يستباح فيه ظهر المسلم من خمر لا يساوي حبة فضة، وهو أشبه باستباحة الفرج من قطع اليد.
وقالوا: لا تؤخذ الحدود قياسا، ثم صححوا قياسا فاسدًا مكذوبا على الصحابة ﵃ (^٢)، لم يقله أحد منهم قط من قياس حد الخمر على حد القذف، والشارب يزني ويقتل فهلا أقاموا عليه حد الزنا أو حد القتل؟ ! نعم ويسرق فَهَلَّا أَقَاموا عليه حد السرقة؟ ! .
ولم يقيسوا إباحتهم نكاح المريض في مرض موته على توريثهم المطلقة
_________________
(١) انظر بسط ذلك في المختصر (ص ١٨٦) وتحفة الفقهاء (ج ١/ ص ١٣٦) والهداية (ج ١/ ص ٢٢٢) وبدائع الصنائع (ج ٢/ ص ٢٧٦) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ١٣٦).
(٢) سقط الترضي من ت.
[ ٣ / ١١٧٨ ]
منه ثلاثا (^١)، وكلاهما مدخل ضيم على وارث، ولم يقيسوا على توريثها منه توريثه منها، وقد قال بذلك طائفة من السلف.
ولم يقيسوا على قولهم: من أقر بأحد أولاد لأمته ثلاثة، ولم يعينه، فَقَالُوا في ذلك بتنزيل الأحوال: أن الكبير يعتق إن كان هو المقر به، فيعتق في حال ويرق في حالين، فأعتقوا ثلاثة بلا استسعاء في الثلثين وقد قالوا في الأوسط أنه يعتق إن كان هو المقر به، أو الأكبر ويرق إن كان الأصغر هو المقر به فأعتقوا ثلثيه بلا استسعاء، واستسعوه في الثلث، وأعتقوا الأصغر بتة، لأنه يعتق بكل حال، فهلا قاسوا على هذا ميراث الغرقى، فقالوا: فلان يرث من فلان إن كان مات بعده ولا يرثه إن كان مات معه أو قبله، فهلا ورثوا بعضهم من بعض على ذلك التنزيل السخيف، فهي أشبه بتلك من الماء بالماء من نهر واحد، وقد وَرَّثَ بَعْضَهُم من بعض عمرُ وعلي وطائفةٌ من التابعين! ! !
وقاسوا ذهاب سمع الأذنين على ذهاب العينين، وقاسوا أيضا على ذلك الحاجبين ينتفان، فلا ينبت شعرهما (^٢)، ولم يقيسوا على ذلك الترقوتين تكسران، فلم يوجبوا فيهما إلا حكومة، ولم يقيسوا قولهم من قتل وله ولد كبير وصغار، فللكبير أن يَسْتَقِيد (^٣)، ولا ينتظر
_________________
(١) انظر الهداية (ج ٢/ ص ٢٨١) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ٢٤٧).
(٢) انظر المختصر (ص ٢٤٥) والهداية (ج ٤/ ص ٥٢٥).
(٣) أقاد القاتل بالقتيل: قتله به، واستقاد طلب القود، وانظر القاموس المحيط مادة قود (ص ٤٠٠).
[ ٣ / ١١٧٩ ]
بلوغ الصغار (^١)، على منعهم الحاضرين أن يستقيدوا إن كان فيهم غائب واحد ولا فرق بين الأمرين؟ !
وقالوا: تحمل العاقلة دية النفس فما دونها إلى نصف عشر الدية ولا تحمل أقل (^٢)، ولم يقولوا إذا حملت الأكثر فأولى أن لا تحمل الأقل قياسا على قولهم إذا هدم زواج المطلقة طلاق الثلاث، فهو لِمَا دونه أهدم، وكذلك نقضوا هذا القياس أيضا في قولهم: إذا وجب القود في النفس بين البعل والمرأة وبين الحر والعبد، فهو فيما دونهما أوجب وهو في اللطمة أوجب! ! !
وقاسوا دية جنين الأمة في أن جعلوا فيه إن كان ذكرا نصف عشر قيمة أمه، وإن كان أنثى فعشر قيمة أمه (^٣)، على قيمة أمه، ولم يقيسوا على حكم نفسه فيجعلوا في الذكر مثل قيمة الأنثى، كما يكون في ديتها، أو أن يقولوا: في الذكر عبد ذكر، وفي الأنثى أمة أنثى كما قال ابن عباس، ولم يقيسوا قولهم في المنع من توريث الحميل بالإقرار، وحكمهم بتوريثه بالبينة على توريثهم غير الحميل بالإقرار، كما يورثونه بالبينة، والعلة واحدة! !
_________________
(١) انظر المختصر (ص ٢٣٨ - ٢٣٩) والهداية (ج ٤/ ص ٥٠٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٠).
(٢) هذا القول في المختصر (ص ٢٣٣) والهداية (ج ٤/ ص ٥٧٩) وبدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٣٢٢) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٨٠).
(٣) هذا القول في المخنصر (ص ٢٤٤) والهداية (ج ٤/ ص ٥٣٦) والبحر الزخار (ج ٦/ ص ٢٥٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٧١).
[ ٣ / ١١٨٠ ]
ولم يقيسوا قولهم: من لا يرث لا يحجب، على ما أجمعوا عليه معنا من حجب الأم عن الثلث إلى السدس بالإخوة، والأب حي، وهم لا يرثون، وهذا جهل بالقياس مظلم! !
وقاسوا ما روي من أن رسول الله -ﷺ- (^١) أعطى الخثعميين المعتصمين بالسجود فقتلهم خالد - نصف الديات (^٢)، قولهم في تنزيل الأحوال في العتق إذ يقولون هذا يعتق في حال كذا، ولا يعتق في حال كذا، فيعتق نصفه بغير استسعاء، ويعتق باقيه بالإستسعاء، فأخطأوا في القياس إذ قاسوا على ما لا يشبه المقيس عليه، وإذ قاسوا على طريق مكذوب على رسول الله -ﷺ- (^٣) -ليس في الخبر- أنه ﵇ فعل ذلك من أجل ما طلبوه من أنه ﵇ شك هل أسلموا أم لا! .
ولم يقيسوا قولهم: في الخنثى فيجعلونه يرث الكل في حال، ويرث النصف في أخرى، ولا قاسوا على ذلك مَنْ شَكَّ هل أَدَّى زكاته أم لا، فيلزمونه نصفها فقط، لأنه إن كان أداها فلا شيء عليه وإن كان لم يؤدها فهي عليه، فيجعلون عليه نصفها، ويلزمهم هذا القياس الأحمق أن يقولوا: من شك في صلاة أصلاها أم لا، فليس عليه إلا نصفها، ومن شك في صيام يوم فليس عليه إلا نصفه، ومن شك أقتل خطأ أم عمدا، فعليه نصف دية العمد في ماله، ونصفها
_________________
(١) في ت: ﵇.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) سقط لفظ الصلاة والسلام من ت.
[ ٣ / ١١٨١ ]
على العاقلة، وضرب مثل هذا من الحماقات كثير، فأف لقياس عاري من السداد، أدى إلى مثل هذا الفساد في دين الله تعالى (^١).
ولم يقيسوا على منعهم من توريث الحربي من أبيه الذمي، أو توريث الذمي من أبيه الحربي، قولهم في توريث الأسير في دار الحرب ممن مات له في دار الإسلام (^٢)، ونسألهم عن تجار ساكنين في بلاد الهند وبلاد الصين وبلاد الروم وبلاد السودان وهم مسلمون سكان في دار الحرب أيورثونهم، ويورثون منهم ورثتهم السكان في دار الإسلام أم لا؟ ولم يقيسوا وجوب عتق الذمي يسلم، أو عبد (^٣) الحربي يسلم في أرض الحرب، على قولهم يعتق عبد الحربي يخرج إلينا مسلما، وعلى قولهم يعتق عبد مسلم اشتراه حربي ساعة يصير في دار الحرب، وهذا أصح قياس في العالم لو صح شيءٌ مِنْهُ، لا قياس فرج المسلمة المتزوجة، على قطع يد السارق الملعون، ولا قياس القطن على الذهب، وبعصير الدمل (^٤) على البول، والغائط، وسائر قياساتهم الغثة الباردة السخيفة! ! !
ولم يقيسوا ما تزال به النجاسة من الجسد على ما تزال به من الثوب، ولا مقادير بعض النجاسات على بعض وهي كلها عندهم نجاسة،
_________________
(١) في ش: ﷿.
(٢) انظر اللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٨٨).
(٣) في ش عند وهو تحريف.
(٤) الدُّمْل: الخُراج وانظر القاموس المحيط مادة دمل (ص ١٢٩٣).
[ ٣ / ١١٨٢ ]
وقاسوا ما يمتنع بوجوده المسح على الخفين من الخرق في أحدهما، على ما يجزئ عندهم من مسح الرأس (^١)، فهل سمع بأحمق من هذا القياس وهل يَسْبِقُ إلى سامع ذلك، إلا أنهم قوم متطايبون (^٢)، متماجنون، أو سخفاء ممرورون (^٣)!
ولم يقيسوا مسح الرأس في أن يكون مرتين، أو ثلاثا على عدد تطهير سائر الأعضاء، وكل ذلك وضوء وطهارة للصلاة، ولم يقيسوا قولهم بتنكيس الوضوء، وتنكيس السجود المنسي في الصلاة، وتنكيس الطَّواف، وتنكيس الأذان، على منعهم من تنكيس أول الصلاة، وعلى منعهم من تنكيس خطبة الجمعة بعد صلاة الجمعة، ولم يقيسوا إجازتهم بيع اللحم بالحيوان من جنسه، وَإنْ كان ذلك اللحم أقل مما في ذلك الحيوان في اللحم، على منعهم من بيع الزيت بالزيتون، والنوى بالتمر، واللبن باللبون (^٤)، والصوف بالشاة، إلا أن يكون الزيت والنوى واللبن والصوف، أكثر منها في الزيتون، وفي التمر وفي اللبون وفي الشاة! !
وقاسوا الوضوء على ستر العورة، وعلى إزالة النجاسة في إسقاط
_________________
(١) انظر المبسوطَ (ج ١/ ص ١٠٠) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٤٩) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ١١) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٣٨).
(٢) يقال طايبه: إذا مازحه والمتطايب: الممازح وانظر القاموس مادة طاب (ص ١٤١).
(٣) الممرور: المصاب بالمرارة وانظر القاموس مادة مرر (ص ٦١٠).
(٤) اللبون محب اللبن وشاربه وشاة لَبُون: ذات لبن وانظر القاموس مادة لبن (ص ١٥٨٦).
[ ٣ / ١١٨٣ ]
وجوب التسمية في ابتدائِها وفي أنها لا تجزئ إلا بنية (^١)، ولم يقيسوا قولهم بأن الأذنين من الرأس فى الوضوء على قولهم بأنهما ليسا من الرأس في وجوب حلق الرأس، أو التقصير منه في الحج.
وقاسوا عادم الماء والصعيد للصلاة بعادم الرقبة وما يطعم منه، وعادم القوة على الصيام في الظهار والكفارات، ولم يقيسوه على عادم القوة على الركوع والسجود في الصلاة، وعلى عادم ما تستر به عورته في الصلاة، وهو أشبه بعادم ما تكون به الطهارة، لأن كل ذلك من أعمال الصلاة، التي لا تتم إلا بها، ولا قاسوا على عادم معرفة ما يقرأ في الصلاة من القرآن! ! !
ولم يقيسوا منعهم من أن يؤم المومئ لمرضه الأصحاء، على إجازتهم أن يؤم القاعد لمرض الأصحاء (^٢)، وهذا أصح قياس في العالم! !
[وقاسوا] (^٣) التيمم على الوضوء فى تبليغه إلى المرافق، وفي وجوب استيعاب الوجه والذراعين فيه، ولم يقيسوه على مسح الرأس، وعلى الخفين في سقوط الاستيعاب في كل ذلك، وكل ذلك مَسْحٌ، وَمَسْحٌ والمسحُ بالمسح أشبه منه بالغسل، ولم يقيسوه على ما يقطع من السارق كما قاسوا صداق الزواج على ما تقطع فيه السُّرَّاق، ولم يقيسوه على
_________________
(١) انظر الهداية (ج ١/ ص ١٣) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٤) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ١/ ص ٩).
(٢) انظر الهداية (ج ١/ ص ٦٢) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٤٣).
(٣) زيادة لا بد منها.
[ ٣ / ١١٨٤ ]
الوضوء في أن يجزئ بغير نية، ولم يقيسوا التيمم على الوضوء في عدد تطهير الأعضاء، ولم يقيسوا سقوط ما لم يذكر من الذراعين إلى المرافق في التيمم في النص، على ما اتفق عليه من سقوط ما لم يذكر في النص من الرأس والرجلين في التيمم، فانظروا عظيم جهلهم بالقياس وبرد قياساتهم! !
وقاسوا النفساء على الحائض في المنع من الصلاة والصيام والوطء والطواف، واجتناب قراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول المسجد ولم يقيسوها عليها في عدد الأيام، ولا في إباحتهم الطلاق في دم النفاس، ولا في الاعتداد به قُرْءًا وقد أرينا بطلان تعلقهم بالأثر الضعيف في أمد النفاس، وبما روي في ذلك عن بعض الصحابة ﵃ (^١) فيما سلف من كتابنا هذا، وأرينا خلافهم لما رووا في ذلك، فأغنى عن إعادته.
ولم يقيسوا إجازتهم الوصية للعبد بالثلث، على منعهم من الوصية له بشيء مسمى.
وقاسوا منع الوصية للقاتل بمنعه من الميراث، ولم يقيسوا على ذلك إيجابهم له ميراث الولاء.
وقاسوا قاتل الخطأ على قاتل العمد في المنع من الميراث، ولم يقيسوا قاتل العمد على قاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه، وهو أحوج إليها من قاتل الخطأ، ولم يقيسوا الرجوع في الوصية بالعتق على الرجوع في
_________________
(١) سقط لفظ الترضي من ت.
[ ٣ / ١١٨٥ ]
التدبير، وهم مقرون بأنها من الثلث بعد الموت.
وقالوا لا يقضي القاضي على الغائب بالبينة، ويقضي عليه فيما علمه بعد ولايته القضاء، ويقضي في الحدود بالبينة، ويقضي فيها بعلمه فيما علمه (^١) بعد القضاء، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولا فرق بين شيء من ذلك! !
ولم يقيسوا ما أسقطوا فيه التغليظ في التحليف في الدعاوى بالمصحف، وبعد العصر (^٢)، على ما أوجبوا فيه التغليظ في التحليف من الزيادة على الحلف بالله، ولم يقيسوا منعهم من الحكم بشهادة النساء في الحدود والقصاص، على حكمهم بشهادتهن في الفروج في النكاح والطلاق والأموال، وتحريم كل ذلك سواء وإباحته بالحق سواء ولم يقيسوا تحليفهم في الطلاق والدماء والأموال والقصاص على منع تحليفهم في النكاح والرجعة والفيء والإيلاء، ودعوى الرق والولاء والنسب، وكلاهما سواء.
فإن قالوا: بقبح إخراجها بيمين من تحت زوجها إلى آخر، فقلنا: وأي فرق بين إخراجها بيمين وبين إخراجها من تحته بالبينة؟ ! وأي فرق بين إخراجها من تحته بنكوله عن اليمين في دعواها عليه الطلاق، وبين إخْراجها من تحته بنكولها عن اليمين الواجبة؟ !
ولم يقيسوا قبولهم شهادة الكفار بعضهم على بعض، على منعهم من
_________________
(١) في ش: عليه بعلمه.
(٢) كذا.
[ ٣ / ١١٨٦ ]
قبولها على مسلم، ولا فرق بين ذلك أصلا، لا في نص، ولا في معقول، ولم يقيسوا ردهم شهادة الأبوين لابنهما، والابن لهما على جواز شهادة الأخ لأخيه.
ولم يقيسوا إباحتهم الفروج المحرمة بشهادات الزور إذا قضى بها القاضي على تحريمهم الأموال بشهادة الزور، وإن قضى بها القاضي، فاعجبوا لهذه الحماقات، ولم يقيسوا أمرهم الحاكم بأن يحكم بما علم بعد ولايته الحكم، على نهيهم إياه عن الحكم بما علم قبل ولايته، وما علم ذو عقل قط فرقا بين شيء من ذلك! !
ولم يقيسوا أمرهم الحاكم بأن يحكم بعلمه في الأموال، وحد القذف على نهيهم إياه عن الحكم بعلمه في الحدود، ولا فرق بين شيء من ذلك، ولم يقيسوا أمرهم بقبول كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الناس من النكاح والطلاق، وإباحة الفروج، وتحريمها، وفي الأموال على نهيهم عن قبول كتاب القاضي إلى القَاضي في الحدود والقصاص، ولا فرق بين تحريم، وبين إباحته بالحق.
وقاسوا ما تباح به الدماء المحرمة من عدد البينة، على ما يقبل (^١) من ردهم، ولم يقيسوا ذلك على ما تباح به النفس في الزنا، ولم يقيسوا المنع من قبول النساء في ذلك، على ما يقبلن فيه من سائر الحقوق في الفروج والأموال، ولا فرق بين تحريم شيء من ذلك، وبين إباحته بالحق! !
_________________
(١) كذا في ت، وفي ش: يقتل: ولم يتضح لي معناهما.
[ ٣ / ١١٨٧ ]
وقالوا: لا تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر، لأنه لا يقطع فيما سرق من ماله (^١)، ثم قالوا: يقبل الأخ لأخيه ولا يقطع فيما سرق من ماله، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، والعلة بزعمهم واحدة! !
وقالوا: إن شهد اثنان بالزنا على زيد وهند، وقالا: "زنى بها في أول البيت"، وشهد آخران عليهما بالزنا وقالا: "بل زنى بها في آخر البيت"، فالشهادة تامة ويقام على زيد وهند حد الزنا، قالوا: فلو قال اثنان منهم: "زنى بها في قرية كذا"، وقال الآخر "بل في قرية كذا"، بطلت الشهادة، وبطل الحد عن الشهود، وعن المشهود عليهما، ولم يقيسوا هذا الاختلاف في الشهادة على الاختلاف في تلك الشهادة، ثم قالوا: لو شهد اثنان على زيد أنه قذف عمرًا وقال أحدهما: "يوم الخميس"، وقال الآخر: "يوم الجمعة" أقيم عليه حد القذف، وتمت الشهادة، ولم يقيسوا ذلك على الشهادة المذكورة في الزنا! !
وقالوا إن شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا ألف دينار، أو بأنه شجه، أو بانه قذفه، وشهد آخر بإقرار زيد بذلك، بطلت الشهادة، ثم قالوا [إن] (^٢)، شهد أحدهما بأنه طلق امرأته، أو بأنه أعتق أمته
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في: الهداية (ج ٣ ص ١٣٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٤ ص ٦٠).
(٢) زيادة يقتضيها السياق والله أعلم.
[ ٣ / ١١٨٨ ]
أو بأنه باعها من زيد، وشهد آخر بإقراره بذلك، تمت الشهادة، وقضي بكل ذلك، ولم يقيسوا بعض ذلك ببعض، فاعجبوا لظلام جهلهم بالقياس وبغثاثة قياسهم إذا قاسوا! !
وقالوا إن شهد عدول بقضية ما، ثم ماتوا قبل أن يحكم الحاكم بشهادتهم، فعلى الحاكم أن يحكم بها في القتل، وفي سائر القصاص، وفي الأموال والفروج والنكاح، والطلاق والقذف والقطع في السرقة والحرابة وحد الخمر إلا في الزنا وحده، فلا يحكم بها في الزنا فقط، فلو عموا قبل أن يحكم بشهادتهم، بطلت الشهادة جملة، ولم يجز له أن يحكم بشيء منها في شيء أصلا.
قالوا: فلو حكم الحاكم بها، ثم عموا قبل أنْ ينفذ الحكم بها، لزمه أن ينفذ الحكم بها في الحقوق كلها من الدماء وغير ذلك، حاشا الحدود، فلا ينفذ الحكم بها فيها.
ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، فيا للعجب لحمق هذه المقاييس، والأخذ بها، وفي تركها! !
وقالوا: إن تداعى اثنان في حائط على الحائط لأحدهما خشبتان، وعليه للآخر ثلاث خشبات، فهو كله لصاحب الثلاث خشبات، ولا شيء فيه لصاحب الخشبتين.
وقالوا: فلو كان لأحدهما على الحائط ثلاث خشبات وللآخر عليه مائة خشبة، فالحائط بينهما بنصفين، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولا فرق بين الأمرين عند ذي حس.
وقالوا: لا يحد الذمي بالزنا وإن زنى بمسلمة، ولا في الخمر، ولا
[ ٣ / ١١٨٩ ]
في سب رسول الله -ﷺ- (^١)، ولا يمنع من نكاحه حرائمه، ولا من الزمزمة (^٢)، ثم قالوا: يقطع في السرقة من ذمي سرق، أو من مسلم، ويحد في قَذْفِةِ المسلم (^٣)، وَيَمْنَعُونَ من إنفاذ أحكام دينهم في القتل والقطع وأطلقوهم على سائر أحكامهم في الكفر بالله تعالى، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
وقالوا: إن تزوج ذمي ذمية على خمر بعينها، أو خنزير بعينه، ثم أسلما، فليس لها عليه إلا تلك الخمر، وذلك الخنزير، فلو تزوجها على خمر في ذمته، أو خنزير في ذمته موصوف، ثم أسلما قضي لها بقيمة الخمر، وقضي لها في الخنزير بمهر مثلها (^٤)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
وحرموا الحكم بشهادة أعميين أو فاسقين، أو محدودين في قذف، وأجازوا النكاح بشهادة اثنين ممن ذكرنا، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
_________________
(١) سقطت من ت.
(٢) الزمزمة: الصوت البعيد له دوي وتراطن العلوج على أكلها وهم صموت، لا يستعملون لسانا ولا شفة لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها وانظر القاموس مادة زمه (ص ١٤٤٤).
(٣) انظر بسط ما ذكره المؤلف هنا في: المختصر (ص ٢٦٦) والهداية (ج ٦ ص ٤٠٤) وبدائع الصنائع (ج ٧ ص ٦٧) والبحر الزخار (ج ٦ ص ١٧٥) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣ ص ١٨٢ - ٢٠٠).
(٤) انظر تفاصيل ذلك في: المختصر (ص ١٨٧) وتحفة الفقهاء (ج ١ ص ١٣٨) وبدائع الصنائع (ج ٢ ص ٢٧٨).
[ ٣ / ١١٩٠ ]
ولم يجيزوا النكاح بشهادة عبدين، وإن كانا من أفضل الناس (^١)، ولا أنفذوا بشهادتهما شيئا أصلا إلا في رؤية هلال رمضان فقط (^٢)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، فاعجبوا لهذه الأهواس (^٣).
وقالوا: من خلا بامرأته في نهار رمضان وهو صائم ثم طلقها، فليس عليه إلا نصف الصداق فلو خلا بها وهو صائم نذرا، أو في قضاء رمضان أو في صوم ظهار، أو كفارة قتل، ثم طلقها، فعليه لها الصداق كله، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
وقالوا: من تزوج حرة فقتلت نفسها قبل الدخول بها، فعليه الصداق كله، فلو تزوج أمة فقتلت نفسها قبل الدخول، فليس عليه شيء من صداقها، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
وقالوا إن تزوج ذمي ذمية، فمات فتزوجت مسلما في عدتها من زوجها الميت، جاز ذلك النكاح، فلو كانت حاملا فسخ النكاح، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر.
وقاسوا السعوط في الأنف بلبن امرأة، في أنه يحرم على الرضاع، ولم يقيسوا على ذلك التقطير بلبن في العين، أو في الأذن، ولا قاسوا على ذلك الحقنة باللبن، ولا مداواة الجائعة به على ذلك [الحقنة باللبن
_________________
(١) انظر: المبسوط (ج ٥ ص ٣١ - ٣٢) وتبيين الحقائق (ج ٢ ص ٩٨) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢ ص ٣).
(٢) انظر القول بذلك في: الهداية (ج ١ ص ٢٠٦) وتبيين الحقائق (ج ٢ ص ١٠١) واللباب في شرح الكتاب (ج ٢ ص ٣).
(٣) الأهواس جمع هوس وهو الجنون وانظر القاموس مادة الهوس (ص ٧٥١).
[ ٣ / ١١٩١ ]
ولا مداواة الجائفة (^١) به] وتقطيره، ولا تقطيره في الإحليل ولم يروا شيئا من ذلك يحرم! !
وقاسوا تقطير الدهن أو اللبن في الأذن، وفي الأنف، والحقنة به، ومداواة الجائفة به، وتقطيره في الإحليل على الأكل في انتقاض الصوم بكل ذلك، وهكذا قاسوا كل ذلك على الأكل في الإفطار بالإكراه عليه حاشا التقطير في الإحليل فإنهم لم يقيسوه إذا أُكْرِهَ عليه على الأكل، فلم يروا الفطر به، ولم يقيسوا التقطير في العين على شيء من ذلك، بل قالوا لا يفطر أصلا، فاعجبوا لحماقة هؤلاء القوم في هذه القياسات السخيفة وتلاعبهم بالشرع والتحريم والتحليل في الدين بمثل هذه الأقوال، ونحن لو أثبتنا الفروق التي يذكرونها لطال الديوان، واشتد النكير، وامتد عنان التعقب، ومن ذا الذي يرى لهم ما أثبتوه، ولم يقل بعض ما قد قلناه، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.
وقاسوا من حلف بالطلاق أو بالعتاق، أو بنذر حج، أو بنذر صدقة أو بنذر عمرة، أو بنذر صيام أن لا يقرب امرأته فهو مُولي، وعليه حكم الإيلاء، على من حلف على ذلك بالله ﷿، ولم يقيسوا على ذلك من حلف بنذر صلاة ركعتين، أو بنذر طواف أسبوع، أو بنذر تسبيح مائة مرة، أو بنذر اتباع جنازة، أو بنذر قراءة سورة، أو بنذر سجدة تلاوة.
فقالوا: ليس موليا، ولا عليه حكم الإيلاء، وأطرف شيء
_________________
(١) الجائفة: الطعنة إذا وصلت إلى الجوف انظر: وما بين معقوفين ساقط من (ت) مقاييس اللغة مادة جوف (ج ١ ص ٤٩٥).
[ ٣ / ١١٩٢ ]
احتجاجهم في ذلك، بأن الصيام والعتق والصدقة من كفارة الأيمان وليس سائر ما ذكرنا من كفارة الأيمان، فقلنا لهم: أترون الحج والعمرة والطلاق، أمن كفارة الأيمان هي؟ ثم ليت شعري أين رأوا أن الصدقة من كفارة الأيمان إلا في الكسوة والإطعام فقط، فاعجبوا لهذا التخليط، واحمدوا الله تعالى على السلامة! !
وقاسوا من قال: "أنا أنحر ابني إن قربتك أربعة أشهر" على من حلف بالله تعالى أن لا يقربها، وقالوا: هو مولي، ولم يقيسوا على ذلك من قال: "وحق الله تعالى لا قربتك" فقالوا: ليس هذا موليا، فكان هذا عجبا من العجب! !
وقالوا: تقع الفرقة في الإيلاء بمضي أربعة أشهر، ولا معنى لتوقيف الحاكم ولا لتفريقه، ثم قالوا إذا التعن الزوجان، لم تقع الفرقة بينهما إلا حتى يفرق الحاكم بينهما، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولو عكسوا هذا الحكم لوفقوا وأصابوا! !
وقاسوا على لزوم الصلاة والصيام والطهارة للعبد، لزوم النكاح له، ولزوم الطلاق لَهُ، ولزوم الظهار له، ولزوم الإيلاء له، ولم يقيسوا ذلك على لزوم الزكاة له، ولزوم الحج له وشهادته، وقد اختلف في جواز طلاقه، وايلائه وظهاره، فأسقط عنه كل ذلك بعض التابعين، وقد ألزمه الزكاة بعض الصحابة، وأجاز حجه عن الفريضة بعض التابعين نبهنا على ذلك لئلا يسارعوا إلى مج (^١) الكذب
_________________
(١) يقال مج الشراب من فيه: رماه وانظر القاموس مادة مج (ص ٢٢٦).
[ ٣ / ١١٩٣ ]
في دعواهم الإجماع جرأة على الباطل! !
وقاسوا من وطئ ليلا في خلال صيام الظهار، ابتدأ الصيام من أوله ولا بد، فإن وطئ في خلال الإطعام لم يبتدئ الإطعام (^١)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض! !
وقاسوا الإطعام على الصيام في ذلك، في أن لا يطأها حتى يطعم الكفارة المذكورة! !
وقالوا: من عليه عتق رقبة من ظهار، وعتق رقبة من قتل خطأ، فأعتق رقبة واحدة ينوي بها عن الظهار، وقتل الخطأ معًا لم يُجْزِئْهُ عنهما ولا عن واحد منهما (^٢)، قالوا: فلوا كان عليه كفارتان من ظهارين من امرأتين له فأعتق رقبة ينوي بها عن الظهارين معا، فإنها تجزئه عن أحد الظهارين أيهما شاء (^٣)، قالوا: والقياس أن لا يجزئه شيء من ذلك، قالوا: ولكنا ندع القياس للاستحسان، فأقروا بتركهم الحق عندهم، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ !
فإن قالوا: إنما اردنا بالاستحسان، استحسان قياس غير الذي تركناه قيل لهم: ليس هذا مرادكم، وإنما هو تمويه من متأخريكم، ولو كان ذلك لكان صواب العبارة أن يقول متقدموكم وَلَكُنَّا ندع القياس لأصح منه أو لأظهر علة، أو لغير ذلك مما يتعلق
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في المختصر (ص ٢١٤) وتحفة الفقهاء (ج ١ ص ٢١٥) والهداية (ج ٢ ص ٣٠٠) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣ ص ٦٨ - ٧٢).
(٢) انظر: الهداية (ج ٢ ص ٣٠٢) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣ ص ٧٤).
(٣) انظر: الهداية (ج ٢ ص ٣٠٢).
[ ٣ / ١١٩٤ ]
بتصحيح الأقيسه [وبالله تعالى التوفيق] (^١).
وقاسوا الظهار من الأمة على الإيلاء منها (^٢) ولم يقيسوا الظِّهار بالأب على الظهار بالأم، ولا قاسوا الظهار بصدر الأم على الظهار بظهرها، ولا قاسوا الظهار ببطنها على الظهار بظهرها، وقاسوا الظهار بابنة الزوجة المدخول بها، وإن لم تكن في حجره على الظهار بالأم (^٣) لم يقيسوا الظهار بأم امرأة زُنَيِ بها على الظهار بالأم (^٤) وكلاهما عندهم حرام، كالأم، وكلاهما مختلف فيه عند الصحابة ﵃ (^٥).
وقاسوا مكيلة الإطعام في الظهار، وفي كفارة رمضان على مكيلة الإطعام في فدية الأذى في الحج (^٦)، فانظروا رحمكم الله تعالى بعد ما بين ذلك من الشبه، ولم يقيسوا رقبة الظهار، وكفارة رمضان، واليمين على رقبة قتل (^٧) الخطأ في أن تكون مؤمنة ولا بد.
_________________
(١) ما بين معكوفين ساقط من ت.
(٢) انظر: المبسوط (ج ٦ ص ٢٢٧) وبدائع الصنائع (ج ٣ ص ٢٣٢).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (ج ٣ ص ٢٣٣).
(٤) انظر: بدائع الصنائع (ج ٣ ص ٢٣٣).
(٥) سقط لفظ الترضي من ت.
(٦) فقالوا: ولو كفر بالإطعام أطعم ستين مسكينا كل مسكين نصف صاع، من بر أو دقيق أو سويق أو صاعا من تمر أو شعير. وانظر: المختصر (ص ٢١٤) وتحفة الفقهاء (ج ١/ ص ٢١٥).
(٧) سقطت من ت.
[ ٣ / ١١٩٥ ]
ولم يقيسوا على تفريقهم بالعنانة عندهم (^١) في الجماع، على منعهم من التفريق بعدم النفقة، وعدم النفقة أشد في الضرر، ولم يقيسوا من عُنَّ عنها زوجها (^٢) بعد أن وطئها مرة، على من عُنَّ عنها قبل أن يطأها مرة، والعلة واحدة والضرر واحد، ولم يقيسوا الواطئ للحائض على الواطئ في نهار رمضان، وكلاهما واطئ محرم، وكلاهما قد جاءت فيه آثار، وكلاهما قد أوجبه بعض الصحابة ﵃ (^٣).
ولم يقيسوا سائر العيوب في التفريق بها على التفريق بالعنانة، ولم يقيسوا النكاح في رده بالعيوب على البيع في رده بالعيوب، وكان أشبه به من قياسهم الصداق، على ما تقطع فيه اليد في السرقة، ولم يقيسوا تحريم الرجل امرأته على ظهاره منها، وهو أشبه من القطن بالذهب.
وقاسوا الزنا بأم الزوجة وفي تحريم أم المزني بها، وببنتها على وطء الرجل امرأته حائضا فتحرم عليه ابنتها (^٤)، ولم يقيسوه عليه في إلحاق الولد في الزنا، كما يلحق في وَطْءِ الحائض.
وقالوا: من أقام شهود زور، أن زيدا طلق امرأته فحكم الحاكم بذلك، فهي حلال لمن تزوجها من الشهود، وكذلك لو أقام شهود زور أن فلانة تزوجته بولي رضا، فقضى القاضي بذلك، فهي له
_________________
(١) في النسختين: "عندكم".
(٢) سقطت من ش.
(٣) سقط لفظ الترضي من ت.
(٤) هذا القول في الهداية (ج ١/ ص ٢٠٩) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ١٠٦) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ٦).
[ ٣ / ١١٩٦ ]
حلال، وكذلك لو شهدوا عليه، بأنه أعتق جاريته هذه، فقضى القاضي بذلك لمن تزوجها ممن لا يدري باطن الأمر.
قالوا: فلو شهدوا له بأنه وهب له مملوكته هذه.
فمرة قالوا: هي حلال له إذا قضى بذلك القاضي.
ومرة قالوا لا تحل له.
وقالوا: إن شهدوا بأنه تزوج هذه المرأة بعد تمام عدتها إلا أنها في العدة فيه (^١)، فإنها لا تحل له، ولو شهدوا بأنه باع أمته منه، فقضى القاضي له بذلك فإنها لا تحل له، ولو شهدوا له بأنه قتل أباه بالسيف عمدا، فأقاده القاضي، فإنه لا يحل لَهُ قتله، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض! !
وقالوا: لا يلاعن العبد ولا المحدود في قذف، ولا الكافر لأن شهادتهم لا تقبل، ثم قالوا: ويلاعن الأعمى والفاسق وشهادتهما غير مقبولة (^٢)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، فإن قالوا قد اختلف في شهادة الأعمى قلنا: وقد اختلف في شهادة العَبْدِ والأمة، وأنتم تجيزون شهادة الكافر على الكافر، فقالوا هي مردودة عن المسلم.
قلنا: والفاسق مردود بكل حال، وكل أحد عندكم ترد شهادته لأبيه وابنه، فأبطلوا اللعان عن كل أحد! ! وقاسوا عتق جميع الأمة بعتق أحد سيديها منْها شِقْصًا، على عتق الشقص من العبد، ولم
_________________
(١) كذا.
(٢) هذا القول في: المختصر (ص ٢١٥) وبدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٢٤١ - ٢٤٢).
[ ٣ / ١١٩٧ ]
يقيسوا ظهار المرأة من زوجها، على ظهاره منها.
وقاسوا حد العبد بزعمهم على حد الأمة، فسووا بينهما (^١)، ثم لم يقيسوا ما يؤخذ من قاتلها، على ما يؤخذ من قاتل العبد، وقيمتها أكثر من خمسمائة دينار.
وقاسوا انفساخ النكاح بعد صحته في إيجاب العدة فيه، ونصف الصداق على الطلاق (^٢)، ثم لم يقيسوه على الطلاق في إيجاب المتعة فيه! !
وقالوا: إن أبى الزوج اللعان، أو البغي وأبت المرأة، حبس الآبي ولم يحد (^٣)، وكذلك من ادعي عليه قتل، فإن ادُّعِيَ عليه قطع يد عمرو، أو قطع يدين ورجلين كذلك، أو فَقْءُ عينين كذلك، فنكل قضي عليه بكل ذلك، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.
وقالوا: إن أسلم الكافر وامرأته مجوسية، أو أسلمت المرأة، أو زوجها لم يفرق بينهما حتى يعرض الإسلام على الذي لم يسلم منهما، ولو بعد سنين (^٤)، ثم قالوا: فلو ارتد أحد الزوجين وقعت الفرقة للوقت، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولا فرق بين شيء من ذلك! !
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: المختصر (ص ٢٦٢) والهداية (ج ٢/ ص ٣٨٤) وبدائع الصنائع (ج ٧/ ص ٥٧).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (ج ٢/ ص ٢٩٧ وما بعدها).
(٣) هذا القول في تحفة الفقهاء (ج ١ / ص ٢٢٣).
(٤) هذا القول في: تحفة الفقهاء (ج ١ / ص ١٣٠) والهداية (ج ١ / ص ٢٣٩ - ٢٤١) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ١٧٤).
[ ٣ / ١١٩٨ ]
وورثوا ورثة المرتد من المسلمين منه إذ قتل (^١)، أو لحق بدار الحرب (^٢)، ولم يورثوه منهم ولا ورثوا منه ورثته الكفار، ولا ورثوا مسلما من كافر أصلا، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، وليت شعري في أي الأصول وجدوا حيا يورث؟ ! !
وقاسوا دعوى الاثنين الولد، فألحقوه بهما على دعواهما في المال، فيقضى به بينهما (^٣)، ولم يقيسوا على ذلك دعوى الأربعة للولد، فأبوا أن يلحقوه بهم، وكل ذلك في دعوى المال سواء! ! !
وأما تركهم قياس ألفاظ الطلاق بعضها على بعض، فكثير جدا يطول ذكره، وقد نبهنا عليه فلينظر فيه من أراد أن يعرف مقدار نعمة الله تعالى عليه، وعنده إذْ لم يجعله منهم، أو أراد نصح نفسه في تداركها بالتوبة فسيرى وَاللهِ فضائح الأبد، وتركا للقياس، وللمعقول وللقرآن والسنن، ولأقو ال السلف، وللاحتياط ظهريا (^٤)! !
وقالوا من قال: "أنت طالق ثلاثا إن دخلت دار زيد"، لم يلزمه طلاق إلا بدخولها دار زيد (^٥)، ولم يقولوا طلقها، ثم ندم، ثم قالوا من قال: "أنت طالق" ثم وصل كلامه بأن قال: "أردت أن أقول:
_________________
(١) في ش: قبل. وهو تحريف.
(٢) انظر: اللباب في شرح الكتاب (ج ٤/ ص ١٥٠).
(٣) انظر: المختصر (ص ٣٥٦).
(٤) كتب في ش في الهامش بخط مغاير لخط النسخ: تشنيع على ".
(٥) هذا القول في: الهداية (ج ١ / ص ٢٧٣) وبدائع الصنائع (ج ٣/ ص ١٢٧) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ٢٣٣ - ٢٣٤).
[ ٣ / ١١٩٩ ]
أنت ظالمة، فأخطأ لساني" أن الطلاق قد لزمه، وأنه ندم منه، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولا فرق بينهما عند ذي عقل! ! ! (^١).
وقالوا من قال: كان لزيد عليّ درهم، وصرفت إليه نصفه، فإنه يغرم الدرهم كله، فلو قال له: علي درهم غير ثلث، صُدّقَ في نقصان الثلث، ولم يقيسوا على الآخر، ولا فرق بينهما! !
وقالوا الأحكام كلها لازمة للسكران، من النكاح والطلاق والعتاق والبيع والزنا، والقذف إلا الردة، فإنها لا تلزمه، ولا تبين امرأته منه ولم يقيسوها على سائر الأحكام.
وقالوا من قال إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها طلقت، قالوا: فلو قال: إن تزوجت فلانة فأنا مرتد كافر بالله تعالى فتزوجها لم تلزمه الردة، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض (^٢)! ! !
وقالوا: من طلق امرأته على مائة دينار، لم يبرئه ذلك من باقي صداقها عليه، قالوا: ولو بارأها على مائة دينار، تأخذها منه، فقد سقط عنه باقي صداقها عليه، ولم يسقط عنه دين إن كان لها عليه، فتركوا قياس بعضها على بعض، مع قياسهم الخص (^٣) على التمر، والكتان على الذهب! ! ! .
_________________
(١) كتب في ش في الحاشية: تعليقا على هذا: هذا كلامٌ سخيفٌ يَعْرفه ".
(٢) علّق قارئ ش على هذا الموضع بقوله: "وفي كتب الحنيفية فيه تفصيل، والمصف لم يطلع على حقيقة مذاهبهم".
(٣) كذا والخص: بالضم البيت من القصب، انظر القاموس مادة خصه (ص ٧٩٦).
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
وقاسوا المطلقة ثلاثا على المتوفى عنها، في الإحداد، ولم يقيسوا الملاعنة على المتوفى عنها في ذلك.
وقاسوا على خبر فاسد مكذوب: "كل شيء خطأ إلا السيف" (^١) فقاسوا على السيف النار وَلِيطَةَ القصب، والخنق بعد المرتين، ولم يقيسوا على السيف التغريق حتى يموت، ولا الخنق أول مرة ولا شدخ الرأس بالحجارة عمدا (^٢).
وقاسوا من قتل اثنين على من قذف اثنين أو سرق من اثنين، ولم يقيسوا على ذلك من قطع يدي رجلين يمنى ويسرى، وقالوا يقص (^٣) للكافر من المؤمن في النفس، فما دونها، ولا يقص للعبد من الحر إلا في النفس، لا فيما دونها ولا للمرأة من الرجل إلا في النفس فما دونها، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض! ! !
وفرقوا بين حكم رجلين قطع كل واحد منهما يد رجل، ثم قطع قاطع إبهام أحد هذين القاطعين، وذهبت إبهام الآخر بعلة من عند الله (^٤) تعالى (^٥) ولم يقيسوا أحد الأمرين على الأخر وهما سواء! ! !
وقالوا إن اشترك محلون في قتل صيد الحرم، فعليهم كلهم جزاء
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) علق قارئ ش على هذا الموضع بقوله: "لا قياس من الخنق بعد مرتين عند الإمام على السيف، بل فصله (كذا) الإمام سياسة".
(٣) كذا والأوْجه: "يُقْتَصُّ".
(٤) انظر: اللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥١).
(٥) سقطت من ت.
[ ٣ / ١٢٠١ ]
واحد، فإن اشتركوا في قتل إنسان وَاحِدٍ خطأ، فعلى كل واحد منهم كفارة، غير الذي على صاحبه، ولم يقيسوا بعغى ذلك على بعض.
فإن قالوا: قسمنا الصيد على الدية.
قلنا: أخطأتم القياس، لأن جزاء الصيد بنص القرآن كفارة، وقال تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^١) وقياس الكفارة أولى من قياس الكفارة على الدية، التي لا تشبهها، والدية في الخطأ تحملها العاقلة، ولا تحمل الكفارة.
وقاسوا بعض الجنايات على الأعضاء [في الوجوب] وجوب الدية كاملة فيها، إذا أصيبت خطأ على النفس (^٢)، ولم يقيسوها على النفس في إيجاب الكفارة في ذلك، وبالله تعالى (^٣) التوفيق.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى: قد ذكرنا من تناقضهم في القياس كما وعدنا بحول الله تعالى وقوته، ما فيه كفاية لمن نصح نفسه، وتالله لو تتبعناه لكان أضعاف ما ذكرنا.
وبالجملة فما يسلم لهم قياس أصلا من تركهم لمثله في تلك المسألة نفسها، أو تركهم لأقوى منه.
وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد رب العالمين.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية رقم ٩٥.
(٢) كأن قالوا في النفس الدية، وفي المارن - وهو ما لان من الأنف وفي اللسان الدية. انظر: الهداية (ج ٤/ ص ٥٢٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٤).
(٣) سقطت من (ت).
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
في ت: هنا تم الجزء الأول من كتاب الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس ويتلوه إن شاء الله تعالى، ذكر طرف يسير من شنع أقوالهم في الدين، لم يتعلقوا في شيء منها، لا بكتاب ولا بسنة، والحمد لله أولا وباطنا وظاهرًا.
علق هذا الجزء لنفسه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن إبراهيم الدمشقي الأصل، الشهير بالبدر البشتكي لطف الله تعالى به، وعفا عنه في شهر رجب سنة ٧٨١ هـ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي ش: هنا تم هذا الجزء المبارك، ولله تعالى الحمد وبه جل وعلا (^١) وكان في آخر ما هذا نصه: تم هذا الجزء الأول، والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وحسبنا الله ونعم الوكيل يتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى طرف يسير من شنع أقوالهم في الدين، لم يتعلقوا في شيء منها لا بقرآن ولا بسنة. وفيه بلغت المقابلة بأصل المؤلف بخطه، ومنه نُسِخَ.
أقول: ومنه علقت هذا الأصل إلا اليسير في أوله، وصلوات الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه [وسلم]، وتاريخ الأصل المذكور يوم السبت رابع عشر شهر شعبان من سنة ستين وخمسمائة، وانتهى تعليق هذا الأصل يوم الأحد ثامن عشر شهر جُمادى الأولى سنة ٧٦١.
* * *
_________________
(١) كذا.
[ ٣ / ١٢٠٣ ]