يفهم من عبارة المؤلف أنه وضع لكتاب "الإعراب" مقدمة بَيّنَ فيها فصوله ومضمونه، وخطته في التأليف، فلولا أنه فعل ذلك ما كان يحيل في تضاعيف الكتاب على مسائل سيذكرها في فصول تأتي بعدُ، كقوله: ". . . وقالوا في الدقيق بالقمح، وفي اللحم بعضه ببعض أقوالا، لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم قد نُوردها في شُنَع أقوالهم إن شاء الله تعالى" (^١)، وقوله أيضًا: ". . . وقالوا فيما ينجس من الماء، وما لا ينجس بأقوال لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، سنذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكرنا شنع أقوالهم. . ." (^٢).
ويرى المتأمل في الكتاب أن ابنَ حزم رَتَّبَهُ على فُصول، قد تتفرع عنها تنبيهات، أو مطالب، وقد وضع ابنُ حزم لهذه الفصول والتنبيهات، والفروع عناوين، أطال فيها النفس، ومد فيها من عنان الكلام.
كقوله: "الفصل السابع: في احتجاج الحنيفيين بأخبار صحاح، أو غير صحاح مموهين بإبدالها جرأة واستحلالا، وليس فيها شيء مما احتجوا بها فيه، أو خالفوا نص ما فيها، فهذا عظيم جدا، ومجاهرة
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٢١).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٢٢).
[ ١ / ٢٤٨ ]
¬قبيحة، وإيهام فاحش" (^١). أو كقوله: "تنبيه: في ذكر مسائل لهم خالفوا فيها الإجماع المتيقن المقطوع به حقا، لا المدعى بالكذب المفترى على جميع أهل الإسلام، أو بالظن الذي أخبر رسول الله أنه أكذب الحديث، وحذر منه، ونهى عنه" (^٢). أو كقوله: "القول في طرف من تناقضهم في أوامر الله تعالى في القرآن وعلى لسان رَسُولِهِ - ﷺ -، فحملوا بعضها على الوجوب، وبعضَها على الإباحة، تحكما بالباطل، بلا برهان من نص آخر ثابت أصلا" (^٣).
وقد يمهد ابنُ حزم لفصول الكتاب بتوطئة، يبين فيها مقصد الحنفية من المسألة التي اعترضهم فيها كقوله في أول الفصل التاسع: "قال أبو محمد: قولهم في هذا الباب إنما هو ليتكثروا بالصاحب الذي ذكروا قوله، وَلْيُرُوا مخالفيهم أن لهم سلفا في تلك المقالة، وَرُبَّمَا أوردنا الشيء من ذلك على سبيل قصدهم في الفصل الذي قبل هذا من أنه توقيف. . ." (^٤).
وقد يختم ابنُ حزم الفَصْلَ من الكتاب بخلاصة، يصف فيها صنيع الحنفية، ويذكر رأيه ومذهبه، كقوله عند تمام كلامه على تناقض الحنفية في أخذهم بمرسل دون مرسل: "قال أبو محمد: لو تتبعنا ما تناقضوا فيه في هذا الباب لكثر جدا. . . وإعلانهم في جميع كتبهم بأن
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٣٣).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧٨).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٧).
[ ١ / ٢٤٩ ]
¬المرسل حجة كالمسند أشهر من أن يخفى على مَنْ عرف شيئا من مذاهبهم. . . والحق في هذا الباب هو أن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلا، فإنه لا يحل الأخذ به أصلا. . . (^١) "، وقد تكون هذه الخلاصة تمهيدا للانتقال من فصل إلى فصل آخر (¬٢).