نشأت الاتجاهات الفقهية في عصر التدوين والأئمة المجتهدين في القرن الثاني الهجري، وأصبح كل اتجاه منها متميزا، له زعماؤه وأتباعه، وقواعده وأصوله التي دُونت بعدُ في الكتب، وبذلك تكونت المدارس الفقهية (^١).
ولقد كان مِنْ بين هذه المدارس الفقهية، فرقتان عظيمتان:
١ - أهل الحديث والأثر.
٢ - أهل الرأي والقياس (^٢).
_________________
(١) انظر: المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية (ص ١١).
(٢) يجوز أن يضاف إلى هاتين المدرستين، مدرسة أهل الظاهر، وهي فرقة من أهل الحديث وإن كانت تباينهم في أمور تقدم القول فيها. ولقد اضطرب أهل العلم في تحديد أهل الحديث وأهل الرأي، فابن قتيبة يعد كل المجتهدين في أصحاب الرأي، ولم يذكر في المحدثين إلا من له اشتغال بالرواية ممن لم يشتهر بالفقه، ويذكر أبا حنيفة وأصحابه ويسميهم أهل الرأي، وأما المقدسي (محمد بن أحمد ت ٣٨٠ هـ) فيعد أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه من أصحاب الحديث، ولا يعدهما من أهل المذاهب الفقهية، وأحق الناس عنده بالفقه: الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية، واضطرب في موضع آخر فعد الشافعية من أصحاب الحديث خلافا للحنفية، وأما الشهرستاني فيجعل أصحاب الرأي علما على أبي حنيفة وأتباعه فيقول: "ثم المجتهدون من أئمة الأمة محصورون في صنفين. . . أصحاب الحديث، وأهل الرأي، أصحاب =
[ ١ / ٢١٥ ]
¬فـ "أهلُ الحديث قبلتهم السنة باعتبارها مكملا للقرآن، وباعتبارها نصوصا تَعَبَّدَ بها الشارعُ الإسلامي مَنْ دان بالإسلام، من غير نظر إلى علل راعاها في تشريعه، ولا أصول عامة يرجع إليها المجتهد، ولا أصول خاصة بالأبواب المختلفة، فهم المتشرعون الحرفيون، ومن أجل ذلك نراهم إذا لم يجدوا نصا في المسألة سكتوا ولم يُفتوا" (^١).
و"أما أهل الرأي والقياس، فإنهم رأوا الشريعة معقولة المعنى رأوا أصولًا عامة نَطَقَ بها القرآن الكريم، وأيدتها السنة وَرَأَوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولا أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التي تعرض من هذا الباب، ولو لم يكن فيها نص، وهم بالنسبة إلى السنة كالأولين متى وثقوا من صحتها" (^٢).
ولقد كان بين هاتين الفرقتين منافرةٌ عظيمة، وخصومة مستحكمة، امتلأت كُتب التاريخ والسير بأخبارها، وشُحنت كتب الخلاف والجدل بذكر مظاهرها، فمن ذلك:
_________________
(١) = الحديث وهم أهل الحجاز، هم أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي، وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن علي بن محمد الأصفهاني. . .، أصحاب الرأي: وهم أهل العراق أصحاب أبي حنيفة". ويرد بعض المعاصرين هذا الاضطراب في التحديد إلى الاختلاف في اعتماد القياس دليلا في التشريع. وانظر: تأويل مختلف الحديث (ص ١٩ - ٢٠) وأحسن التقاسيم (ص ٣٧ و١٤٣) والملل والنحل (ج ١/ ص ٣٦١ - ٣٦٨) والاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري (ص ٨٦).
(٢) تاريخ التشريع (ص ١٩٧).
(٣) المصدر السابق.
[ ١ / ٢١٦ ]
¬١ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بأنهم أترك الناس للحديث: قال ابن عبد البر: "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة، لرده كثيرًا من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما أجمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك ردوه وسماه شذوذا. . . (^١).
ولم يعب بعضُ أهل الحديث أبا حنيفة - ﵀ - في الرأي قد يراه ولكن على مخالفة الحديث يبلغه، يقول الإمام الأوزاعي: "إنا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى، كلنا يرى، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي - ﷺ -، فيخالفه إلى غيره" (^٢).
ولقد اعتنى ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في "المصنف" ببيان: "ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله - ﷺ -" وَوَضَعَ لذلك كتابا، جمع فيه خمسا وعشرين ومائة مسألة (^٣)، وجاء على أثر ابن أبي
_________________
(١) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص ١٤٩).
(٢) تأويل مختلف الحديث (ص ٦٢). ويرى أبو حنيفة أن ما خالفه من الحديث، لا يعد حديثا ولذلك نقل عنه قوله: "ردي على كل رجل يحدث عن النبي - ﷺ - بخلاف القرآن ليس ردا على النبي - ﷺ - ولا تكذيبا له، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل، والتهمة دخلت عليه، وليس على نبي الله، وكل شيء تكلم به النبي - ﷺ -، فعلى الرأس والعين وقد آمنا به، وشهدنا أنه كما قال، ونشهد أيضا أنه لم يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم يبتدع، ولم يتقول غير ما قال الله، وما كان من المتكلفين" وانظر: المناقب للمكي (ج ١/ ص ٩٩).
(٣) عدد المسائل التي انتقدها ابن أبي شيبة على أبي حنيفة: في الطهارة ١٢ مسألة/ وفي الصلاة ٣٤ مسألة/ وفي الصيام مسألتان/ وفي الزكاة =
[ ١ / ٢١٧ ]
¬شيبة، الإمامُ البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، فأفرد كتابين للرد على أهل الرأي في خلافهم في مسألة، "رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه" (^١)، ومسألة القراءة خلف الإمام (^٢). كما أن له في الجامع الصحيح صنيعا خفيا في الرد عليهم، يُعلم من تراجم أبوابه، عامة، ومن كتاب "الحيل" خاصة (^٣).
_________________
(١) = ٦ مسائل/ وفي الحج ٨ مسائل/ وفي النكاح والطلاق ٩ مسائل/ وفي البيوع ١٧ مسألة/ وفي القضاء والقصاص والحدود ١٧ مسألة/ وفي الكراهية ٨ مسائل/ وفي أبواب مختلفة ١٢ مسألة. وانظر: مصنف ابن أبي شيبة (ج ٧/ ص ٢٧٦ - ٣٢٦). ولقد درس الدكتور عبد المجيد محمود عبد المجيد في "الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري (ص ٤٦٣ - ٥٧٣). هذه المسائل وخلص إلى: "أن كثيرا من المجتهدين غير أبي حنيفة قد خالف بعض الآثار. . . لوجود معارض من آية أو أثر أو للاختلاف في تصحيح الحديث، أو لسبب ذيوع مسائل لا تصح نسبتها إلى أبي حنفية، ثم أخص الدكتور هذه المسائل، فَبَلَغَ بها عشرة مسائل، ثم تَتَبَّع ما ظَنَّه تَعَقُّبٌ على أبي حنيفة، فكان ذلك في عشرين مسألة، ولقد ندب العلامة محمد زاهد الكوثري نفسه للرد على ابن أبي شيبة فألف كتابه الموسوم بـ "النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة". وطبع هذا الكتاب بمطبعة الأنوار سنة ١٣٥٦ هـ.
(٢) وقد طبع هذا الجزء قديما بمصر سنة ١٣٢٠ هـ بعنوان: "قرة العينين برفع اليدين في الصلاة"، وهو ظاهر الصنعة والتكلف، وأما أصل الكتاب فهو للبخاري جَزْمًا.
(٣) وقد طبع هذا الجزء بعنوان: "خير الكلام في القراءة خلف الإمام". بمصر سنة ١٣٢٠ هـ.
(٤) دأب البخاري على تعقب أبي حنيفة وأصحابه وذكرهم بقوله: "وقال بعض الناس"، وهذا ما فهمه غير واحد من صنيعه، كالزيلعي الحنفي فإنه قال في نصب الراية (ج ١/ ص ٣٥٦): "البخاري كثير التتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة، فيذكر الحديث =
[ ١ / ٢١٨ ]
¬٢ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بالجهل بالسنن: وعدم معرفة صحيحها من سقيمها، لأن بضاعتهم في الرواية مزجاة، ونصيبهم من السماع قليل. ويصف الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) فقهاء زمانه بأن "أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما بينهم من غير تثبت فيه، أو
_________________
(١) = ثم يعرض بذكره فيقول: قال رسول الله - ﷺ -: كذا وكذا، وقال بعض الناس: كذا وكذا. يشير ببعض الناس إليه، ويشنع لمخالفة الحديث عليه". وكابن التين المالكي (ت ٦١١ هـ) وكالحافظ ابن حجر الشافعي (ت ٨٥٢ هـ) فإنه قال في فتح الباري (ج ٣/ ص ٣٦٤). تعليقا على قول البخاري: "وقال بعض الناس: المعدن والركاز" وهذا أول موضع ذكره فيه البخاري بهذه الصيغة، وتحمل أن يريد به أبا حنيفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك". وهذه تسمية المواضع التي ذكر فيها البخاري أبا حنيفة:
(٢) الركاز حقيقته. . . في كتاب الزكاة.
(٣) إذا قال إنسان لآخر: "أخدمتك هذه الجارية. . ." من كتاب الهبة.
(٤) إذا قال "إنسان لآخر: حملتك على هذا الفرس". . . من كتاب الهبة.
(٥) حكم شهادة القاذف من كتاب الشهادات.
(٦) حكم إقرار المريض لوارثه بدين من كتاب الوصايا.
(٧) حد الأخرس إذا قذف بإشارة أو كتابة باب اللعان من كتاب الطلاق.
(٨) حقيقة النبيذ من كتاب الأيمان.
(٩) بيع المكره وهبته من كتاب الإكراه.
(١٠) لو قيل: لتشربن الخمر أو لأقتلن أباك من كتاب الإكراه.
(١١) كتاب الحيل. ولبعض علماء الهند تآليف في هذه المسائل سماه: "رفع الالتباس عن بعض الناس" طبع سنة ١٣٣١ هـ.
[ ١ / ٢١٩ ]
¬يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه" (^١).
ويُضيف الخطَّابي قائلًا: "وتَرَى أصحاب أبي حنيفة لا يَقْبَلُون من الرواية عنه، إلَّا ما حَكَاهُ أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعِلْيةُ مِنْ أصحابه، والجلة من تلامذه، فإنْ جَاءَهُمْ عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه روايةُ قولٍ بخلافه، لَمْ يقبلوه ولم يَعْتَمِدُوه" (^٢).
ويختم الخطابي تعقبه بقوله: "فإذا كان هذا دأبهم (^٣)، وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع، وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والتثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة، ورسول رب العزة، الواجب حكمه اللازمة طاعته، الذي يجب علينا التسليم لحكمه، والانقياد لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه. . ." (^٤).
ومن هنا وُجد كلام في أبي حنيفة من جهة قلة الرواية، وقصر الباع في السماع (^٥).
_________________
(١) معالم السنن (ج ١/ ص ٤).
(٢) معالم السنن (ج ١/ ص ٤ - ٥).
(٣) يعني الخطابي أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة ممن يستعمل الرأي ولا يمنع القول بالقياس.
(٤) معالم السنن (ج ١/ ص ٥).
(٥) من العجيب الغريب اغترار ابن خلدون - وهو فيلسوف التاريخ - بما راج من أن أبا حنيفة ليس يعرف من الحديث إلا بضعة عشر حديثا وانظر المقدمة (ج ٣/ ص ١٠٠٩)، وأعجب منه اغترار الخطيب البغدادي بذلك أيضًا، - مع أنه قد أنصف عندما أورد الأخبار المفيدة لذلك بأسانيدها، فأحال على النظر فيها من تلك الجهة - وانظر =
[ ١ / ٢٢٠ ]
¬٣ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بأنهم أطرد الناس للقياس: وأقدرهم على فرض الفروض، وتفريع الفروع، وأجرؤهم على تقديم الرأي على الحديث والأثر، ولقد كان أكابر أهل الحديث ينبهون على ما عرف من ذلك عن أهل الرأي، يقول ابن قتيبة: "ولم أر أحدا ألهج بذكر أصحاب الرأي وتنقصهم، والبعث على قبيح أقاويلهم، والتنبيه عليها من إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وكان يقول: "نبذوا كتاب الله تعالى، وسنن رسوله - ﷺ -، ولزموا القياس" (^١).
وكان بعض أهل الحديث ينهى الناس عن مجالسة أهل القياس، لما يخاف عليهم من الهجوم على أمر عظيم، وخطر جسيم، فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أبي حمزة قال: سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري، ولكن احفظ عني ثلاثا. . . ولا تجالس أصحاب القياس فَتُحِلَّ حراما أو تحرم حلالا" (^٢).
وبالغ الشعبي في النكير على أهل الرأي والقياس حتى قال: "لقد بَغَّضَ إليَّ هؤلاء القوم هذا المسجد، حتى لَهُوَ أبغض إليَّ من كناسة
_________________
(١) = تاريخ بغداد (ج ١٣/ ص ٤٤٤ فما بعدها). ولله در د. مصطفى السباعي، فلقد أباع في رد فرية قلة بضاعة أبي حنيفة من الحديث، فأحسن وأجاد وبلغ المراد وانظر تحقيق ذلك في السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي (ص ٤١١ - ٤١٧). ومن قبله تكلم في ذلك: الشيخ محمد زاهد الكوثري في "تأنيب الخطيب" فتعصب على الخطيب، وأقذع في العبارة، وشنع تشنيعا لا يليق بعالم، ولا يحسن بمنصف، ولذلك تعقبه في "التنكيل" الشيخ المعلمي.
(٢) تأويل مختلف الحديث (ص ٥٣).
(٣) الفقيه والمتفقه (ج ١/ ص ١٨٤).
[ ١ / ٢٢١ ]
¬داري. فقيل له: من هم يا أبَا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون أرأيتَ أرأيتَ" (^١).
ونشأت المعارضات الشعرية بين أهل الحديث وأهل الرأي، فحمي لذلك الخلاف، واستوثقت الخصومة، فهذا شاعر أهل الرأي يقول:
إذا ما النَّاسُ يومًا قَايَسُونا بآبدةٍ من الدُّنيا، طريفة
أتيناهم بمِقياسٍ صحيحٍ تِلادٍ، من طراز أبي حنيفة
فأجابه شاعر أهل الحديث قائلا:
إذا ذو الرأي خاصم عن قياس وجاء ببدعة هَنَّةٍ سخيفة
أتيناهم بقول الله فيها وآثار مُبرزة شريفة
فَكَمْ مِنْ فرجٍ محصنةٍ عفيفٍ أحل حرامه بأبي حنيفة (^٢)
والحق أن اختلاف المنهج والطريقة بين أهل الحديث وأهل الرأي، حَمَلَ بعضًا على اتهام بعض بمخالفة النصوص، والإعراض عن تحكيمها، وعدم النظر في دلالتها وأسرار ألفاظها (^٣).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) المعارف لابن قتيبة (ص ١٦٩ - ١٧٠) ومن هذا الضرب شعر كثير مصنوع.
(٣) تعمدت عدم إيراد ما يعيب به أهلُ الرأي أهلَ الحديث، اكتفاء بما ذكرته من مظاهر منافرة أهل الحديث لأهل الرأي - وذلك أشبه بموضوع "الإعراب" - وهذه لمحة خاطفة بما تعقب به أهلُ الرأي أهلَ الحديث، فمن ذلك: - تعقب أهل الحديث في رواية الحديث الموضوع. - جهل أهل الحديث بما يروون ووقوع اللحن والتصحيف فيه. - تناقض أهل الحديث في الجرح والتعديل. وقد أجاب أهل الحديث عن هذه التعقبات. وانظر: تأويل مختلف الحديث =
[ ١ / ٢٢٢ ]
¬وأما أبو حنيفة - إمام أهل الرأي والقياس - فمعتمده في استنباط الأحكام على أصول بنى عليها أهل الحديث فقههم مع بعض الاختلاف اليسير، وقد نقل عنه أنه قال: "أخُذُ بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله - ﷺ -، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله، أخذت بقول أصحابه من شئت منهم، وأدع قول من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وابن المسيب - وعد رجالا - فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا" (^١).
واشترط أبو حنيفة في قبول خبَرِ الواحد، شروطا خالف بها أهلَ الحديث، كعدم مخالفة الخبر من قِبَلِ راويه، وأن لا يكون مما تعم به البلوى، وأن لا يخالف القياس، فإذا توفرت هذه الشروط، أخذ أبو حنيفة به، ولو كان ضعيف السند، وقدمه على القياس (^٢).
وغاية ما خالف فيه أبو حنيفة جمهور المحدثين، الأخذ بالقياس،
_________________
(١) = (ص ٧ - ١٤) والفقيه والمتفقه (ج ٢/ ص ٧١ - ٧٣).
(٢) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة (ص ٣٤).
(٣) انظر: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (ج ٢/ ص ٤٢٥). ولهذا قدم أبو حنيفة حديث القهقهة - وهو ضعيف - على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس، وقدم الحديث المفيد أن أكثر الحيض عشرة أيام. وفيه ضعف، ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعف. . . وانظر إعلام الموقعين (ج ١/ ص ٨١). وخالف أبو حنيفة جمهور أهل الحديث في العمل بالمرسل إذا كان الذي أرسله ثقة، وذلك حدا به إلى العمل بأحاديث هي عندهم ضعيفة لا معول عليها.
[ ١ / ٢٢٣ ]
¬والتوسع فيه في غير الحدود والكفارات والتقديرات الشرعية، كما أنه توسع في الاستحسان، وتفريع الفروع على الأصول، وافتراض الحوادث التي لم تقع (^١)، وكل ذلك كرهه أهل الحديث، وَنَفَّرُوا منه، وأساءوا الظن بقائليه (^٢).
وما قيل عن أبي حنيفة من أنه يقدم الرأي على الحديث فيه نظر كثير ذلك أنه صح عنه قوله: "إذا جاء عن النبي - ﷺ - فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن أصحاب النبي - ﷺ - نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم" (^٣). وذكر الشعراني في "الميزان" عن أبي حنيفة
_________________
(١) انظر: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (ج ٢/ ص ٤٢٦ - ٤٢٧). ولقد بلغت المسائل التي عرفت في فقه أبي حنيفة مبلغا عظيما وصل بها صاحب العناية في شرح الهداية إلى ألف ألف، ومائتي ألف وسبعين ألفا ونيفا. وذلك وإن كان فيه بعض مبالغة فهو دليل على الكثرة والإتساع، وقال الشعراني في الميزان (ج ١/ ص ٥١): ". . . وقد تتبعت - بحمد الله - أقواله وأقوال أصحابه لما ألفت كتاب أدلة المذاهب، فلم أجد قولا من أقواله، أو أقوال أصحابه إلا وهو مستند إلى آية، أو حديث أو أثر أو إلى مفهوم ذلك، أو حديث ضعيف كثرت طرقه، أو إلى قياس صحيح على أصل صحيح".
(٢) ممَّن كان سَيِّءَ الظَّنِ بأبي حنيفة، الإمامُ الأوزاعي، فَإنَّه قال لابن المبارك: "من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة ويكنى أبا حنيفة؟ فلم يجبه ابن المبارك، وأخذ يذكر مسائل عويصة، وطرق فهمها والفتوى فيها، فقال الأوزاعي: "من صاحب هذه الفتاوى؟ فقال: شيخ لقيته بالعراق، فقال الأوزاعي: هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه قال ابن المبارك: هذا أبو حنيفة. . . ثم اجتمع الأوزاعي وأبو حنيفة بمكة، فتذاكرا المسائل التي ذكرها ابن المبارك فكشفها، فلما افترقا قال الأوزاعي لابن المبارك: "غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله، وأستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلط ظاهر الْزَمِ الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه". وانظر: الخيرات الحسان (ص ٣٣).
(٣) مفتاح الجنة (ص ٣١).
[ ١ / ٢٢٤ ]
¬قَوْلَهُ: ". . . كذب والله - وافترى علينا من يقول، إننا نقدم القياس على النص، وهل يُحتاج بعد النص إلى قياس؟ (^١) ".
وما وجد من مخالفة أبي حنيفة لبعض الحديث محمول على عدة محامل منها:
١ - قد يختلف نظر أبي حنيفة في تصحيح حديث أو تضعيفه، فما رآه صحيحا قد يراه غيره ضعيفا.
٢ - قَلَّ إمامٌ من الأئمة الناصحين إلا وله مخالفة لبعض الحديث، لأدلة أخرى قامت في نفسه، إما لعلة خفية، أو معارضة لدليل أقوى منه، أو لظنه وَهَمَ الراوي، أو نسخ الحديث، أو تخصيص عمومه، أو تقييد مطلقه، فيترك حينئذ العمل به.
٣ - قد يكون خفي على أبي حنيفة بعضُ الحديث، فلما لم يبلغه علمه أفتى على خلافه (^٢).
وأنتَ إذا نظرتَ فيما مضى، ألفيتَهُ كالتَّقدمة للكلام على المعنى الذي من أجله ألف ابنُ حزم كتاب "الإعراب".
ولقد يصح أن يقال بعد هذا، إن موضوع كتاب "الإعراب" تعقب الحنفية في الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، وتتبع تناقضهم - أثناء تنزيل هذه الأصول على الفروع - في الأخذ تارة بالشيء من تلك الأصول، وتركهم العمل بها تارة أخرى، وحيرتهم في ذلك، وتلبيسهم بذلك على الناس إيهاما أنهم على الحق، وأن من عداهم عُدم
_________________
(١) الميزان (ج ١/ ص ٥١).
(٢) هذه المحامل مستفادة من "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" (ص ٤٢٠ - ٤٢٤).
[ ١ / ٢٢٥ ]
¬الصواب، ولم يرزق السداد (^١).
ولقد أومأ المؤلف إلى موضوع كتاب "الإعراب" في غير ما موضع من كتبه فمن ذلك قوله في "الإحكام": ". . . ولا أحصي كم وجدتُ للحنيفيين والمالكيين والشافعيين تصحيح رواية ابن لهيعة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إذا كان فيها ما يوافق تقليدهم في مسألتهم تلك، ثم ربما أتى بعدها بصفحة، أو ورقة، أو أوراق احتجاج خصمهم عليهم برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو برواية ابن لهيعة، فيقولون هذه صحيفة، وابن لهيعة: ضعيف. . . وقد كتبنا في مناقضتهم في هذا الباب، وغيره كتابا ضخما، تقصينا فيه عظيم تناقضهم، وفاحش تضاد حجاجهم وأقوالهم. . ." (^٢).
ثم ذكر ابن حزم طَرَفًا من مظاهر اطِّراد المنهج للمالكية والشافعية والحنفية كالأخذ بقول صحابي تارة، ورد قول ذلك الصحابي بعينه تارة أخرى (^٣).
ثم قال: ". . . ومثل هذا لهم كثير جدا يجاوز المئين من القضايا قد جمعناها - والحمد لله في كتابنا الموسوم بكتاب: "الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (^٤).
ولقد كان قصد المؤلف من تصنيف هذا الكتاب الجليل، والسِّفر
_________________
(١) لما كان كتاب الإعراب مبتور الأول: لم نجد للمؤلف كلاما - في المقدمة - في بيان موضوع الكتاب.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٦١٧).
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٦١٧ - ٦١٨).
(٤) الإحكام في أصول الأحكام (ج ١/ ص ٦١٨).
[ ١ / ٢٢٦ ]
¬العظيم غايات بيَّن القول فيها على هذا النحو:
أولا: بيان عدم اطِّراد أصول وقواعد المذهب الحنفي، في تَنْزِيلها على القضايا والمسائل التي تَنَاولها الحنفيون؛ حيث يعملون بتلك الأصول والقواعد تارة، وَيَدَعُون العَمَل بها تارةً أخرى، فَنَدَبَ المؤلفُ نَفْسَهُ لبيان ذلك ولذلك تراه يقول بعد الذي رَاعَهُ من أخذ الحنفية بالمرسل واحتجاجهم به تارة، وإعراضهم عنه وطرحهم له تارة أخرى: ". . . وإعلانهم في جميع كتبهم بأن المرسل حجة كالمسند أشهر من أن يخفى على من عرف شيئا من مذاهبهم، ففضحنا تمويههم بذلك، وأنهم لا يلتفتون إلى مسند ولا مرسل، ولا نص قرآن، ولا قول صاحب ولا قياس، وإنما هو تقليد أبي حنيفة فقط" (^١).
وإنه ليعجب من غفلة خصوم الحنفية عن التنبيه على تمويههم فيقول: ". . . وإني لأعجب من جواز تمويههم هذا مُذْ أزيد من مائتي عام، وغفلة خصومهم عن التنبه له، والتنبيه عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (^٢).
ثانيا: تعقب الحنفية فيما يَسْتدلون به من أدلةٍ، وبيان شدة تناقضهم في العمل بها، والتنبيه على أن ما يأتون به هو مجرد التحكم بالهوى في متابعة خطأ أبي حنيفة، يقول المؤلف في بيان تناقض الحنفية في الأخذ بدليل الخطاب تارة وتركه تارة أخرى: "ولما بلغنا مكاننا هذا،
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٦).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٤٠).
[ ١ / ٢٢٧ ]
¬اعترضنا بذكر تخاليط لهم أخر، ومناقضات فاحشة. . . مِنْ أخذهم تارة بشيء سموه بدليل الخطاب. . . وتركهم القول به تارة، بلا برهان في كل ذلك إلا التحكم بالهوى في تقليد فاحش خطأ - أبي حنيفة، وفاسد آرائه. . . فرأينا أن نذكر إن شاء الله تعالى من هذه الأعمال طرفا لئلا نُبقي لهم شَغَبًا يلوذون به إلا أريناهم ضلالهم فيه بحول الله تعالى وقوته" (^١).
ثالثا: تتبع الحنفية في عَدَمِ اطِّراد أصولهم، وبيان أنهم قد اضطربوا في تخريج تلك الأصول على الفروع، وفي هذا يقول المؤلف: ". . . وأما ما مَوَّهوا به بتعلقهم بالصحابة، فنحن أيضًا إن شاء الله محتسبون الأجر عند الله تعالى في تجليتهم عن هذا المشرب، وبيان كذبهم في ادعائهم كما فعلت في السنن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (¬٢).