لم أقف على الباعث لابن حزم على تأليف "الإعراب"، وقد يكون قد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب المفقودة، ولكن المتتبع للكتاب يستطيع أن يستخرج البواعث على تأليفه، وهي في جملتها تعقبات المؤلف للحنفية. فمن ذلك:
١ - تعقب الحنفية في الأخذ بمرسل دون مرسل: ذلك لأن الحنفية يقولون: إن المرسل حجة كالمسند، وهذا عندهم "أشهر من أن يخفى
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧١).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٦).
[ ١ / ٢٢٨ ]
¬على من عرف شيئا من مذاهبهم" (^١)، وقد يكون المرسل الذي احتجوا به "فاسدا" (^٢) أو "ساقطا" (^٣) أو "من أرذل المراسيل" (^٤)، فيجرون على قاعدتهم في الاحتجاج به إذا وافق شيئا من أقوالهم، ويردونه إذا خالف شيئا منها (^٥)، ويتعللون بأن بعض رواة الخبر قد أرسله، بينما يكون ذلك الخبر نفسه مما أسند من طريق أخرى (^٦)، وقد يكون ما طرحوه من "أحسن المراسيل" (^٧).
٢ - تعقب الحنفية في طريقة الاستدلال: ولقد انتقد ابن حزم الحنفية في ذلك من جهتين:
الأولى: في احتجاجهم ببعض الخبر، ومخالفتهم بعضه.
الثانية: في احتجاجهم بخبر، لا يصلح حجة على ما ذهبوا إليه.
ويرى ابن حزم أن "هذا يكثر منهم جدا، بل ما يكاد يسلم لَهُم خبر احتجوا به من صحيح، أو سقيم من أن يكونوا يخالفون ما فيه، وأن لا يكون فيه شيء مما احتجوا به فيه، فهم في ضلال متصل. . ." (^٨).
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٦).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٤).
(٥) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١).
(٦) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣).
(٧) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣).
(٨) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧٠ - ٧١).
[ ١ / ٢٢٩ ]
¬ويعقد ابن حزم في هذا المعنى فصلا قال فيه: "في احتجاج الحَنِيفيِّين بأخبار صحاح أو غير صحاح مموهين بإبدالها جرأة واستحلالا وليس فيها شيء مما احتجوا بها فيه، أو خالفوا نص ما فيها، فهذا عظيم جدا، ومجاهرة قبيحة، وإيهام فاحش" (^١).
ومن أمثلة الجهة الأولى المنتقدة (^٢): قول ابن حزم: "واحتجوا لمذهبهم الفاسد في أن الماء يحرم شربه والتطهر به، ويتنجس بما حل فيه من النجاسات وإن لم يظهر لها فيه أثر - بالآثار الثابتة عن رسول الله - ﷺ -: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب). . . وليس في شيء من هذه الآثار أن الماء ينجس بشيء مما حله، ثم خالفوها كلها فيما أمر به ﵇ فيها جِهَارًا، فقالوا: لا معنى لغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه سبعا، ولا بالتراب، وهذا لا معنى له. . ." (^٣).
ومن أمثلة الجهة الثانية: قول ابن حزم: ". . . واحتجوا أيضًا في مذهبهم الفاسد - الذي ذكرناه آنفا - من أنه لا يجزئ الوضوء بماء قد توضأ به مسلم، أو اغتسل به من الجنابة مسلمٌ طاهر الأعضاء كلها بالخبر الثابت عن رسول الله - ﷺ - في نهيه الجنب عن أن يغتسل في الماء
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧).
(٢) التي تقدمت آنفا من قريب.
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١١).
[ ١ / ٢٣٠ ]
¬الدائم، وكل ذي مسكة من عقل يدري أنه ليس في هذا الخبر من ذلك أثر، ولا دليل! ! " (^١).
وترى ابن حزم في انتقاده الحنفية من هذا الوجه، يُضَيِّق عليهم المخرجَ بالاستدلال بالخبر في غير موضع الاحتجاج، فلا يدع لهم ثلمة قد ينفذون منها، فَيَسْلَمُ لهم الاحتجاج، ولذلك يقول غالبا عند ختام كل اعتراض من هذا الضرب: ". . . ليس منه في الخبر أثرٌ، ولا إشارة، ولا مدخلٌ بوجه من الوجوه" (^٢). أو يقول: ". . . ثم يحتجون به فيما ليس فيه منه أثر ولا دليل" (^٣)، أو يقول: ". . . وليس في هذا الخبر من حكم الفطر، وقصر الصلاة أثر جلي، ولا خفي، ولا نص، ولا إشارة، ولا دليل. . ." (^٤)، أو يقول: ". . . فاحتجوا به فيما ليس فيه أثر، ولا شَبَهٌ، ولا مماثلة" (^٥)، أو يقول: ". . . فاعجبوا وتأملوا هل في هذا الخبر شيء من تقسيمهم السخيف بنص، أو دليل، أو بإشارة، أَوْ بإيهام؟ ! " (^٦).
٣ - تعقب الحنفية في تصحيح خبر، والاحتجاج به ثم مخالفته:
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٤).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٦).
(٥) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٥).
(٦) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٤٩).
[ ١ / ٢٣١ ]
¬وذلك كثير من الحنفية حتى قال المؤلف: "وما يكاد أن يسلم خبر يحتجون به، ويدعون أنهم يأخذون بما فيه، مِنْ أن يخالفوه بآرائهم" (^١).
وتعقبُ ابن حزم للحنفية في هذا الأمر على ضربين:
الأول: انتقادهم في تصحيح خبر ضعيف ومخالفته.
الثاني: انتقادهم في تصحيح خبر وافقهم غيرُهم في تصحيحه، وخالفوه هم بآرائهم.
فمن أمثلة الضرب الأول: قول ابن حزم: "واحتجوا في تصحيح مذهبهم الفاسد في أَنَّ مَنْ صلى، وفي ثوبه أو في جسمه من النجاسات أكثر من قدر الدرهم البغلي بطلت صلاته، فإن كانت قدر الدرهم، فأقل، لم تبطل صلاته، تعمد ذلك، أو لم يتعمد - بالخبر الذي لا يصح أيضًا من طريق ابن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم البغلي. فيا للشهرة والفضيحة في الدنيا والآخرة، يحتجون بهذا الخبر، ويصححونه، وهم يخالفونه فيقولون: لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم. . ." (^٢).
ومن أمثلة الضرب الثاني: قول ابن حزم: "واحتجوا بالنهي عن بيع الغرر في مواضع كثيرة، وصححوه وتبجحوا بالأخذ به، ثم خالفوه، وأجازوا بيع رطل من جملة هذا الدقيق، وصاع من هذا التَّمر
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٠).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٣).
[ ١ / ٢٣٢ ]
¬وأحد هذين الثوبين، أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بغير عينه يختاره المشتري. . ." (^١).
٤ - تعقب الحنفية في إقحام ألفاظ في الأخبار التي يحتجون بها: وهذا الذي غضب له المؤلِّف، فَعَلَا له صوته، وقسا له لفظه، واشتد فيه نقده، ومن الأمثلة عليه: ما استدل به الحنفية لمذهبهم في ترك الركعتين والإمام يخطب يوم الجمعة - بخبر مَنْ دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، قال ابن حزم متعقبا هذا الاستدلال: ". . . هل في شيء من هذه الأحاديث نَهْيٌ عما أمر به ﵇ الداخل في المسجد يوم الجمعة - والإمام يخطب - بأن يصلي ركعتين قبل أن يجلس؟ وهل في الخبر - لو صح وهو لا يصح - أن النبي كان يخطب إذ دخل ذلك الرجل، فهل إقحام أنه كان يخطب في ذلك الخبر إلا كذب ومجاهرة بالزور؟ ! " (^٢).
٥ - تعقب الحنفية في رد أحاديث صحاح: وذلك الذي أكثر المؤلف من التشنيع به، فاشتد في النكير، ومن الأمثلة عليه:
قوله: ". . . واحتجوا لقولهم: لا يجوز الخيار في البيع كثر من ثلاثة أيام بحديث "المصراة"، وهذا من عجائب الدنيا، وهم أشد الناس إنكارا لخبر المصراة، ويقولون هو مخالف للأصول، وهو مضطرب فيخالفون أمر رسول الله فيه جهارا بلا تقية، ثم يحتجون به
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٦٣).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٢).
[ ١ / ٢٣٣ ]
¬فيما ليس منْه أثر ولا دليل" (^١).
٦ - تعقب الحنفية في استنباط الأحكام من النصوص: فالقوم لا يتمسكون بظواهر النص، ويعتمدون الاجتهاد والرأي في فهم كلام الله تعالى، ولما كان المصنف جامدا على النص، معرضا عن استعمال الرأي والقياس انبرى للاعتراض على الحنفية من هذا الوجه.
ومما يُمثَّلُ به على هذه الجهة من الاعتراض: قولُ المصنف: واحتجوا في إيجابهم الخطبة يوم الجمعة فرضا بأنه عمل رسول الله المروي عنه، فقلنا لهم: ذلك العمل المروي عنه لم يختلف فيه أنه كان خطبتين، وهو قائم يجلس بينهما، فلم يروا هذه الصفة فرضا: فاعجبوا لهذا التلاعب، أن يكون بعض عمله ﵇ في قصة واحدة فرضا، وبعضه ليس فرضا، بلا دليل أصلا لا من قرآن ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا معقول" (^٢).
وقد يستنبط الحنفية من خبر حكما، ويرى فيه المصنف غير ذلك، فينبري للتعقب كقوله: ". . . ثم احتجوا في ذلك أيضا بأخبار لا تصح: (من لم يوتر، فليس منا)، وهم لا يقولون بهذا، بل يقولون: ليس فرضا ولا تطوعا بل هو واجب، فكان هذا عجبا، حكمٌ لا واجب، ولا تطوع ولا حرام! ! هذا ما لا يعقل" (^٣).
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٤).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٣).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٥).
[ ١ / ٢٣٤ ]
¬وقد يختلف فهم الحنفية للنص من جهة اللغة، عن فهم المصنف له من تلك الجهة، فيبعثه ذلك على الاعتراض، ومعلوم أن الاختلاف في تفسير النص لغة، قد يوجب الاختلاف في الحكم، ومن أمثلة هذا الضرب من النقد: قول المؤلف: "واحتجوا لقولهم: إن الهبة لا تتم إلا بالحيازة والقبض بالثابت عن رسول الله - ﷺ -: "يا ابن آدم مَالَكَ مِنْ مَالِكَ إلا ما أعطيتَ فأمضيتَ)، وذكر باقي الحديث، قالوا: الإمضاء هو الإقباض. قال أبو محمد: وهذا باطل، لأنه دعوى بلا برهان، بل الإمضاء هو الإعطاءُ نفسُه، وأما من أراد الرجوع فيما أعطى لأنه بَدَا لَهُ، أو لأنه لم يقبض منه، ففي هذا الخبر إبطال إرادته، لأنه ﵇ لم يجعل من ماله ما أعطى، فلم يُمضه، فإن لم يجعله ﵇ من ماله، فلا حق له فيه أصلا. . ." (^١).
٧ - تعقب المؤلف للحنفية في تفسير دلالة النصوص: وهذا التعقب قريب مِنْ سابقه، وإنما أفردته بالذكر، لأن معظم الكتاب فيه، ولقد كان اعتراض المؤلف على الحنفية في هذا الضرب من وجوه:
الأول: اعتراضهم في قَصْر دلالة النص على العموم تارة، وعلى الخصوص تارة أخرى من غير دليل واضح أو برهان ساطع، حتى قال المؤلف - على ما عُلم من مبالغته وتشنيعه -: ". . . فجمعوا في هذه الأقوال التلاعب بالقرآن والسنن وحملها على العموم، ومرة على الخصوص بآرائهم، والكذب على الله تعالى جهارا بتقويل رسول الله
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٦٧).
[ ١ / ٢٣٥ ]
¬ما لم يقل (^١). . ."، ثم يقول: "لم نذكر لهم شيئا خصوه بسنة صحيحة أصلا، لكن إما بخبر ساقط، وإما بتقليد فاسد، وإما بقياس سخيف، وإما برأي ضعيف، ولو تقصينا هذا الباب، لكثر جدا، ولما سلم لهم نص من الأخذ بعمومه خلافا لسنة صحيحة خصته، أو خصوه بالباطل. . ." (^٢).
ولقد تتبع المؤلف ما وقع للحنفية من ذلك، وأفرده بعنوان قال فيه: "القول على طرف يسير من تناقضهم في العموم والخصوص في القرآن والسنة". ومن الأمثلة التي ذكرها من هذا الضرب: قوله: "وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فقالوا: هذا للأحرار والعبيد، إلا أن العبد والحر من زوجتيهما المملوكتين، لا يؤجل لهما إلا شهرين، وهذا فيمن طالبته امرأته، لا من لَمْ لا تطالبه، فمرة حملوا الأمر على عمومه في لزوم الإيلاء، ومرة خصوا كل مولي لم تُطَالِبْهُ امرأته، ومرة خصوا الأجل في بعض المُولين دون بعض كل ذلك بلا دليل أصلا، لا من نص، ولا قول صاحب ولا قياس مطرد. . ." (^٣).
الثاني: اعتراضهم في حمل دلالة النص على الوجوب تارة، وعلى الإباحة تارة أخرى، قال المؤلف: "وهذا يكثر منهم جدا حتى ما
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧٧).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧٧).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧٣).
[ ١ / ٢٣٦ ]
¬يكاد أن يسلم أمر وارد في نص قرآن، أو سنة من تناقضهم فيه، وتحكمهم بالباطل" (^١).
ومن الأمثلة على هذا الضرب: قول المصنف: "وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة فرضا بأمر ورد فيهما، وتركوا له قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وهذه ألفاظ مسقطة لوجوب الطواف بهما، وأسقطوا وجوب العمرة، وَقَدْ قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. . .﴾ " (^٢).
الثالث: اعتراضهم في تناقضهم بالقول بدليل الخطاب (^٣) وتركه، قال المؤلف: "ومثل هذا لهم كثير" (^٤).
ومن الأمثلة التي أوردها المؤلف في هذا الضرب: قول الحنفية في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، قالوا ما عدا المسفوح ليس حراما. قال المؤلف: وخالفوا بذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (^٥). ويرى المؤلف وجوب التزام بنصوص الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله التزاما واحدا، والعمل بكل شرع زائد،
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨١).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧٩).
(٣) يعرف ابن حزم دليل الخطاب بقوله: "أن يحكم للمسكوت عنه بخلاف حكم المنصوص عليه". وانظر: الإحكام (ج ١/ ص ٤٥).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٣).
(٥) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٢).
[ ١ / ٢٣٧ ]
¬وعدم إبطاله بشرع آخر منهما، إذا جاء كلاهما بلفظ النهي، أو جاء كلاهما بلفظ الأمر، ووجوب استثناء الأقل من الأكثر إذا جاء أحدهما بإيجابٍ والآخر بنهي، والإمساك عن التلاعب بالدين مرة هكذا ومرة هكذا (^١).
٨ - الاعتراض على الحنفية في أخذهم بالمنسوخ وتركهم الناسخ المتأخر: قال المؤلف: "من ذلك احتجاجهم في سقوط الحج عن العبد بقوله ﵇: (إذا حج العبد، ثم أعتق، فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي ثم هاجر فعليه حجة أخرى)، وهذا خبر كان قبل الفتح بلا شك، وتركوا الخبر الثابت من قوله ﵇ في حجة الوداع: "أيها الناس كتب عليكم الحج، فحجوا"، فعم ﵇، ولم يخص" (^٢).
٩ - الاعتراض على الحنفية في دعوى التواتر في أخبار لموافقة آرائهم: وهم إذ يصنعون ذلك يخالفون أخبارا صحاحا قد تُيُقّنَ فيها التواتر (^٣)، وقد أورد المؤلف ههنا جملة صالحة من الأخبار التي الأحناف أنها متواترة (^٤).
١٠ - الاعتراض على الحنفية في دعوى إسقاط الحدود بالشبهات: وإثبات حدود لم يأمر الله تعالى قط بها ولا رسوله بالشبهات، ويرى
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٣).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨١).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٣).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٣).
[ ١ / ٢٣٨ ]
¬المؤلف أن ذلك من التناقض، وفيه تعطيل للحدود الواجبة التي أمر الله في القرآن بها، وأمر رسوله بإيقاعها (^١). ومن الأمثلة التي ذكرها المؤلف ههنا، قوله: "أسقطوا حد الخمر الواجب عمن أقر بشربه اليوم، إلا أنه لا يوجد ريحها من فيه: وأسقطوا الحد عن السكران جملة، وأسقطوا الحد عن كل ذلك، عمن قامت عليه بينة عادلة بأنهم شاهدوه اليوم يشربها إلا أنهم لم يأتوا به سكران. . ." (^٢).
١١ - تعقب الحنفية في تعلقهم برواية صاحب صحيحة أو غير صحيحة، ومخالفتهم لنص القرآن والسنن: وقولهم: مثل هذا لا يقال بالرأي فهو توقيف، وقد فسر المؤلف مراد الحنفية من هذا الصنيع فقال: "كلامهم في هذا الباب، احتجاجٌ وإلزام للقول به، إذ جعلوه توقيفا من رسول الله بظن كاذب، فأول ما حصلوا عليه من هذا، فالكذبُ على رسول الله، إذ قولوه ما لم يقل، ونسبوا إليه ما لم يذكره عنه أحد من الرواة، وما ليس لهم به علم. . . ثم التناقض العظيم في تركهم ما قطعوا أنه توقيف" (^٣).
ولقد تتبع المؤلفُ الحنفية في هذا الباب، فوجدهم تارة يأخذون بقول الصحابي ويقولون: مثل هذا لا يقال بالرأي، إذا كان ذلك موافقا لرأى أبي حنيفة، ويطرحون قوله إذا خالف المأثور عن إمامهم فمن الضرب الأول: أنهم تابعوا ما رُوي عن عمر وعائشة وابن عمر: من أن
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٤).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٤).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٨).
[ ١ / ٢٣٩ ]
¬المطلقة ترث ما دامت في العدة، إذا طلقها - وهو مريض - ومات من مرضه ذلك، وقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (^١).
ومن الضرب الثاني: أنهم لم يتابعوا ابن عمر في قوله: فيمن تتابع عليه رمضانان وهو مريض - لم يصح بينهما - أنه يقضي الآخر منهما بصيام، ويطعم عن الأول ولا يصومه، قال المؤلف: "فلم يأخذوا بهذا، ولا قالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي" (^٢).
وكان الحنفية يعمدون إلى قول صحابي واحد، فتارة يأخذون بقوله في مسألة بعينها إذا وافق مذهبهم، ويطرحون تارة أخرى قول ذلك الصحابي بعينه إذا خالف مذهبهم، فيشتد نكير ابن حزم عليهم فيقول: ". . . فليت شعري مَنْ جعل قول علي - الذي لم يصح عنه - في عين الدابة: ربع ثمنها. . . أولى من هذا الذي صح عنه (^٣). ولم يقولوا مثل هذا لا يقال بالرأي" (^٤).
ويلخص المؤلِّف صنيع الحنفية في هذا الباب قائلا: "ليس لهم قصة مَوَّهُوا فيها بمثل هذا إلا وقد خالفوا مثله، وأدخل منه في بابه مرارا جمة، وكثير مما احتجوا فيه بما ذكرناه لم يصح، أو قد خولف فيه ذلك الصاحب، كتوريث المبتوتة في المرض. . .
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٩).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٨).
(٣) يشير ابن حزم إلى قول علي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، قال: هو ربع الكتابة. وانظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٢).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٢).
[ ١ / ٢٤٠ ]
¬وتأجيل العنين. . ." (^١).
١٢ - الاعتراض على الحنفية في ادعائهم موافقة روايةٍ جاءت عن صحابي: ويبين ابنُ حزم غَرَضَ الحنفية من الاستدلال بأقوال الصحابة فيقول: ". . . قولهم في هذا الباب إنما هو ليتكثروا بالصاحب الذي ذكروا قوله وليروا مخالفيهم أن لهم سلفا في تلك المقالة" (^٢).
ولقد اعترض المؤلف على الحنفية في هذا الباب من وجهين:
الأول: مخالفة الحنفية لتلك الرواية التي أَوْهَموا أنهم موافقون لها.
الثاني: احتجاج الحنفية برواية الصحابي، في غير موضع احتجاج.
فمن أمثلة الضرب الأول: قول ابن حزم: ". . . فاحتجوا لقولهم في الوضوء بالنبيذ برواية من طريق أبي العالية أن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - ركبوا البحر، فلم يجدوا ماء غير ماء البحر، ومعهم نبيذ فتوضأوا به. . . ولم يتوضأوا بماء البحر". قال ابن حزم: "وهذا خلاف قولهم جهارا، لأنهم لا يجيزون الوضوء بالنبيذ ما دام ماء البحر موجودا" (^٣).
ومن أمثلة الضرب الثاني: قول المؤلف: ". . . واحتجوا لقولهم في الفأر يموت في البئر برواية عن علي أن البئر تُنْزَحُ وهو خلاف قولهم، لأنه لا تنزح عندهم البئر من الفأر، إلا أن ينتفخ أو يتفسخ،
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٣).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٧).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٨).
[ ١ / ٢٤١ ]
¬وليس في الخبر عن علي شيء من هذا" (^١).
١٣ - الاعتراض على الحنفية في ادعائهم اتِّباع رواية جاءت عن صحابي، وقولهم: إنه لا يعرف له مخالف من الصحابة. يقول ابن حزم موضحا غرض الحنفية من هذه الدعوى: "غرضهم في هذا الباب الإيهام بأنه إجماع مَنْ خالفه، خالف الإجماع، فَأَوَّلُ ما حَصَّلوا عليه، فالكذب على جميع الصحابة، إذ نسبوا إليهم ما لم يأت إلا عن واحد منهم، أو عدد محصور، وهذه عظيمةٌ. . . ثم عظيمةُ التَّناقض إذْ خالفوا الإجماع بإقرارهم على أنفسهم" (^٢).
وذكر ابنُ حزم ههنا أمثلة مما تعلق به الحنفية من أقوال بعض الصحابة، وَرَأوْا أنه لا مخالف لهم من الصحابة، بينما عند البحث والتفتيش وجد المخالف. ويستنكر المؤلف صنيعهم ذلك، فيقول: "فلا أدري من أين وقع لهم التعلق بتلك الرواية، دون سائر ما ذكرناه" (^٣). أو يقول: ". . . فقلدوا عمر وخالفوا عائشة لا ندري لماذا؟ " (^٤).
١٤ - الاعتراض على الحنفية في خلافهم لجمهور السلف: يرى ابنُ حزم أن الحنفية قد خالفوا في بعض آرائهم الجمهورَ، وَ"جسر بعضُ مَنْ هان عليه الكذب في الدين منهم، فقال (في بعض المسائل):
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩٨).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١١٣).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١١٨).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٨٤).
[ ١ / ٢٤٢ ]
¬هو إجماع الأمة" (^١)، وفي بعض أقوال الحنفية أيضًا مخالفة للقرآن والسنن الثابتة والضعيفة (^٢).
ولقد أورد المؤلف في الفصل الذي عقده لهذا الاعتراض، جملة صالحة من مخالفات الحنفية لصريح القرآن والسنن والمأثور عن جمهور السلف، ثم قال: "ومثل هذا لهم كثير جدا لو تتبع، إلا أن جمهور ما خالفوا فيه الجمهور، فبآرائهم الفاسدة، وينكرون على من خالفهم لكتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله - ﷺ -، ممن لا يرى قول أحد دون ذلك حجة. . ." (^٣).
ثم ذكر المؤلف طرفا يسيرا مما قاله الحنيفيون لا يعرف أحدٌ من أهل الإسلام قاله قبلهم (^٤)، واستوعب في التتبع، واشتد في النكير حتى قال مرة: ". . . ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم مع عظيم الرعونة في هذا التحديد (^٥)، الذي إن قام به إقليدس كانت من غوامضه العجيبة. . ." (^٦).
١٥ - الاعتراض على الحنفية في مخالفة الإجماع المتيقن المقطوع به: ذكر المؤلف في هذا الاعتراض مسائل خالف فيها الحنفيةُ صحيح
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٠٣).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٩٦).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٠٩).
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) يشير ابن حزم إلى القدر الذي حدده الحنفية في انكشاف فخذ المرأة في الصلاة.
(٦) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢١١).
[ ١ / ٢٤٣ ]
¬الإجماع (^١)، ثم بين الباعث لهم على هذه المخالفة بقوله: ". . . ثم خالف جميع متأخريهم هذا الإجماع، وخرقوه، وابتدعوا ضلالةً لم يسبقهم إليها أحدٌ قبلهم، فصاروا فرقتين: إحداهما قَلَّدَتْ أبا حنيفة بلا طلب دليل، ولا تكلف برهان، والأخرى جعلت شُغلها في دينها البحث عما ينصرون به أقوال أبي حنيفة، على تضاربها واختلافها. . ." (^٢).
١٦ - الاعتراض على الحنفية في استعمال القياس: تَعَقَّبَ ابنُ حزم الحنفية في استعمالهم القياس "الذي به يفخرون وإليه ينتسبون، وله يتركون القرآن وسنن رسول الله ﵇ وإجماع المسلمين" (^٣): من جهتين:
الأولى: في تركهم في المَسْألة التي قاسوا فيها قياسا مثل الذي قاسوه.
الثانية: في تركهم في المسألة التي قاسوا فيها قياسا أقوى وأظهر من القياس الذي قاسوه.
ويرى ابنُ حزم أن ما تركه الحنفية من قياس "أصح قياس في العالم، لو كان شيء من القياس صحيحا" (^٤): وأنه "إن كان القياس حقا، فقد تركوه، وإن كان باطلا فقد استعملوه" (^٥).
_________________
(١) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٣٣).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٤٠).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٤٠).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٤٠).
(٥) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٥١).
[ ١ / ٢٤٤ ]
¬ويخلص ابنُ حزم إلى أن الحنفية أجهل الناس بالقياس (^١)، وذلك لأنهم يقيسون بلا موجب للقياس، بل قد يقيسون "الشيء على ضده، وعلى ما لا يشبهه، ولم يجمعه والمقيس عليه علة" (^٢).
ويختم ابنُ حزم هذا الاعتراض بقوله: "وبالجملة فما يَسْلَمُ لهم قياس أصلا من تركهم لمثله في تلك المسألة نفسها، أو تركهم لأقوى منه. . ." (¬٣).