للمتأمل في كتاب "الإعراب" أَنْ يستخرج منهج ابن حزم في تعقبه للحنفية، ومن معالم هذا المنهج:
١ - قد يطرد للمؤلف سياق المسائل المُعْتَرَضِ عليها من باب واحد، ومعنى متفق، كما اطرد له ذلك في ذكره لمسائل الديات والجراحات (^٣)، ولبعض مسائل الوضوء (^٤)، لكن الغالب الأعم عدم الاطراد.
٢ - يحيل المؤلف على كتاب "الإيصال" للوقوف على أسانيد الأخبار التي حذفها، واكتفى بإيراد ألفاظها ومتونها (^٥).
٣ - يحيل ابنُ حزم على موضع من كتابه، إذا رأى أن بسط الكلام في الموضع الذي هو فيه، سيكون مخلًا، كقوله عندما عَرَضَ لذكر المسائل العشر التي أوجبا فيها الحنفية السلام فرضا: ". . . وقد
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٧).
(٢) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨٥).
(٣) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٤ - ٥).
(٤) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٨).
(٥) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٦).
[ ١ / ٢٥٠ ]
¬ذكرناها في غير هذا المكان، وعند ذكرنا في هذا الديوان إن شاء الله تعالى مسائلهم الفاسدة المخالفة للقرآن والسنن وأقوال الصحابة والمعقول والقياس" (^١). وقال أيضًا عندما عرض لحكم "الموهوبة": ". . . وقال فيها أبو حنيفة قولا مخالفا لهؤلاء كلهم، إلا أنه في نهاية السخف والطول، سنذكره إن شاء الله تعالى في ذكرنا لطوام أقواله بابا بابا. . ." (^٢).
٤ - اعتمد ابن حزم أسلوب المناظرة في تعقب الحنفية، ومن معالمه عنده:
أ - حكاية مذهب الحنفية، وذكر ما استدلوا به.
ب - بيان ما في استدلال الحنفية على القولِ يقولون به، من ضعف وسقوط: كقوله: ". . . واحتجوا برواية بَقِيَّة - وهو ضعيف - عن زيد بن خالد - وهو مثله - عن يزيد بن محمد - وهو مثلهما - قال عمر بن عبد العزيز، قال: تميم الداري قال رسول الله - ﷺ -: "الوضوء من كل دم سائل". وهذا منقطع فاحش، لأن عمر بن عبد العزيز لم يولد إلا بعد موت تميم بدهر طويل" (^٣).
ت - ذِكْرُ ما قد يعترض به الخصم، وإيراد ذلك والجواب عَنْه، وَدَفْعُ احتمال التعلق به: كقوله: ". . . فإن قالوا: فلأي شيء نهى (عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه
_________________
(١) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٩).
(٢) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٠٢).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٥).
[ ١ / ٢٥١ ]
¬بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولا يسأل مسلمٌ رَبَّهُ تعالى لم أمرتَ بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم ليبلوكم أحسن عملا، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد" (^١).
ج - استعمال أسلوب المخاطبة في المناقشة: ذلك أن ابن حزم كان يورد حجج الحنفية وأقوالهم على سبيل الحكاية بضمير الغيب: "واحتجوا. . ." (^٢)، و"موهوا" (^٣)، و"خالفوا" (^٤)، ثم يلتفت إليهم مناظرا متعقبا فيقول: "أول كلامنا معكم. . ." (^٥)، وقد يَلْتفت إلى القارئ - كأنه يجعله حَكَمًا قاضيا بينه وبين الحنفية فيقول: ". . . فتأملوا - هداكم الله - هل في كلامه ﵇ المذكور شيء من الهذيان الذي أتوا به، أو أثر للتقسيم السخيف الذي دانوا به؟ ! (^٦) أو يقول: ". . . فانظروا يا عباد الله هل في هذا الخبر شيء مما احتجوا به! ! " (^٧) أو يقول: ". . . وهذا كما ترون! ! " (^٨).
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١ - ٢ وغيرهما).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣ و٢٠ وغيرهما).
(٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٤ و٦ وغيرهما).
(٥) الاعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٤٥).
(٦) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٢٠).
(٧) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٨).
(٨) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٩).
[ ١ / ٢٥٢ ]
¬د - مسايرة الخصم في رأيه، ومتابعته في ذلك، ثم تعقبه وبيان أن ذلك الرأي لا يسلم عند تقليب النظر فيه، ولا يثبت عند فرض صحته، ومن الأمثلة التي استعمل ابن حزم فيها هذا الأسلوب قوله: ". . . واحتجوا في مخالفتهم الخبرَ الصحيحَ في تسليم الأنصار على رسول الله - وهو يصلي - فكان ﵇ يرد عليهم بالإشارة بيده". فقالوا: لعل تلك الإشارة كانت نهيا لهم عن السلام عليه في حال الصلاة، فقلنا: وما عِلْمُكُم بذلك؟ وهذا لا يعقل من الإشارة أصلا. ثم هبكم أنه كما قلتم - ومعاذ الله أن يكون كذلك - أتجوز عندكم الإشارة في الصلاة على معنى النهي عن شيء ما؟ ! فَمِنْ قولهم لا يجوز ذلك، فقلنا: فكيف تُحرِّفُون فعله عن المفهوم منه بالظن الكاذب؟ ! وتتأولون فيه تأويلا أنتم أول مَنْ يخالف ذلك التأويل ويبطله؟ ! " (^١).
ر - تعقب قول الخصم، واستخراج ما فيه من الخطأ، أَوَّلًا بأول: وإنما توسل ابن حزم بهذا الأسلوب - كَمَا يرى -، لكي لا يدع للحنفية خطأ من القول إلا بينه وأظهره، ومن أمثلة هذا الضرب قوله: ". . . واحتجوا في مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله أنه قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) بالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ -: (كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل)، قال أبو محمد: "أوَّلُ كذبهم: فهو أَنَّ الاشتراط في الحج منصوص في كتاب الله ﷿ في مواضع منها (من يطع الرسول، فقد أطاع
_________________
(١) انظر: الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣١).
[ ١ / ٢٥٣ ]
¬الله)، ومنها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ومنها: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ومنها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ومنها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ومنها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فعصوا كل هذا، وخالفوا وكلفوا المحرم يَمْرَضُ، أَوْ يَوْحَلُ، أو يعوقه عائق ما ليس في وسعه، وأعظم الحرج والعسر الشاق من أن يبقى محرما حتى يطوف بالبيت، ولعله لا يقدر على ذلك سنين، ثم خالفوا ما احتجوا به حقا فأجازوا به شروط الشيطان التي ليست في كتاب الله تعالى حقا من أن يشترط لامرأته إن تزوج فكل امرأة يتزوجها طالق، وَإنْ تَسَرَّى فكل مملوكة يشتريها حرة، وهذه عظائم مهلكة" (^١).
٥ - قد يعرج ابنُ حزم على بقية أقوال المذاهب الأخرى، وينتقدها كما ينتقد الحنفية سواء بسواء (^٢)، "ولكن إلمامه بها قليل.
٦ - يمسك ابنُ حزم من عنان الكلام في حكاية أقوال الحنفية، وما قد يَردُ عليها من اعتراضات، اكتفاءً بما ذكره منها، وهو إذا فعل ذلك قال: ". . . ومثل هذا كثير جدا لو تتبع لاستوعب عامة تمويههم. . . وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله تعالى به خيرا وبالله نتأيد" (^٣).
ولعله يُحزِّرُ قَدْرَ ما قد يكون من أقوالهم لو تُتُبّعت فيقول:
_________________
(١) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٧ و١٨).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٩).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ١٠٩).
[ ١ / ٢٥٤ ]
¬". . . وفضائحهم ههنا تكثر جدا، ولعلنا نذكر منها طرفا في ذكرنا لشبههم إن شاء الله تعالى، ولعلها لو تُقُصِّيت لبلغت أزيد من مائة مسألة" (^١).
٧ - يَفْصل المؤلف بين كلامه وبين ما يحكيه عن الحنفية من أقوالٍ بقوله: "قال أبو محمد" (^٢)، وقد لا يطرد له ذلك في سائر الكتاب.