حكى المصنف عن الحنفية أن الماء ينجس إذا وقعت فيه نجاسة، واستدلوا بحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس)، وقال متعقبا: "وهم أول مخالف لهذا الخبر وموهن له" (^٢).
وحقيقة الحال في المسألة: أن الفقهاء اتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة أحد أوصافه من طعم أو لون أو ريح لا يجوز الوضوء به ولا الطهور، كما اتفقوا على طهارة الماء الجاري الكثير إذا خالطته نجاسة لم تغير شيئا من أوصافه، لكنهم اختلفوا في غير ماء البحار والأنهار، فقال قوم: هو طاهر، سواء كان كثيرا أو قليلا، وهي رواية عن مالك وبه قال أهل الظاهر، وذهب قوم آخرون: إلى الفرق بين قليل الماء وكثيره إذا وقعت فيه نجاسة، فقالوا إن كان قليلا ينجس، وإن كان كثيرا لا ينجس، ومن هؤلاء أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، واختلفوا في حد الكثرة، فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هجر، أَخْذًا بالحديث الوارد، وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه، إلى أن حد الكثرة يعتبر فيه أغلب رأي
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار (ج ١/ ص ١٢ - ١٥) وفتح القدير (ج ١/ ص ٧٥) والعارضة (ج ١/ ص ١٣٥ - ١٣٦) وبداية المجتهد (ج ١/ ص ٢٢ - ٢٤).
(٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٥).
[ ١ / ٢٨١ ]
¬المبتلى، إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر، لا يجوز الوضوء به، وإلَّا جاز، وعنه اعتبار الكثرة بالتحريك أي إذا حرك أحد طرفي الماء إما بالاغتسال، أو بالوضوء أو باليد - لم يتحرك طرفه الآخر، وقد رجح الحنفية الرواية الأولى عن أبي حنيفة لأنها الأليق بأصله (^١).
وضعف الحنفيةُ حديث القُلَّتين، ونقلوا تضعيفه عن علي بن المديني، ووافقهم على تضعيفه ابن دقيق العيد من الشافعية، وابن عبد البر وإسماعيل بن إسحاق القاضي وابن العربي من المالكية (^٢).
٤ - وجوب صلاة الوتر: حكى المصنف عن الحنفية أنهم أوجبوا الوِتْرَ، واستدلوا بخبر: "أوتروا. فقال أعرابي: ما قلت يا رسول الله فقال: ليس لك ولأصحابك"، وبخبر: "من لم يوتر فليس منا". قال: وهم لا يقولون بهذا، بل هو عندهم على الأعرابي، كما هو على غيرهم". ثم ذكر أنهم يقولون في الوتر ليس فرضا، ولا تطوعا، بل هو واجب قال: "فكان هذا عجبا: حكمٌ لا واجبٌ ولا تطوع ولا حرام! ! هذا ما لا يعقل" (^٣). وروي عن أبي حنيفة في الوتر ثلاث روايات:
الأولى: أنه واجب وهو الظاهر من مذهبه.
الثانية: أنه سنة وبه قال أبو يوسف ومحمد.
_________________
(١) انظر: فتح القدير (ج ١/ ص ٦٣) والمغني (ج ١/ ص ٢٣ - ٢٤).
(٢) انظر: العارضة (ج ١/ ص ٨٤) وبداية المجتهد ج ١/ ص ١١٨ - ١٢٠).
(٣) الإعراب عن الحيرة والالتباس (ج ١/ ل ٣٥).
[ ١ / ٢٨٢ ]
¬الثالثة: أنه فرض وبذلك قال زفر (^١).
ويستفاد من الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ -، والآثار المروية عن الصحابة التأكيد على الوتر والحث عليه، ولذلك حذر بعض الأئمة من تركه. قال مالك: "الوتر ليس فرضا، لكن من تركه أدب، وكان جرحة في شهادته". وقال أحمد: "من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل شهادته" (^٢).
ولقد حمل ذلك أبا حنيفة على أن يجعل الوتر فوق النفل ودون الفرض على الأظهر مما روي عنه، ولقد رد ابنُ رشد سبب الخلاف في الوتر إلى تعارض الآثار، بين ما يُثبت منها وُجوب الوتر، وبين ما يُقصر الوجوب على الخمس الصلوات (^٣).
وبعد: فليس القصد الإمعان في تتبع ابن حزم في تعقبه للحنفية، لأن ذلك لو اسْتُقْصي لخرج منه مجلد حافل، وحسبنا هنا أن ننبه إلى أن أبا حنيفة يصيب ويخطئ، فما أصاب فيه فقد وافق الحق، وما أخطأ فيه وجب النظر في مستنده، والبحث هل وافقه فيه غيره، ثم تخريج ذلك على أحسن الوجوه وأقرب المحامل.
ولله دَرُّ ابن عبد البر عندما قال: "أفرط أصحابُ الحديث في ذم
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (ج ١/ ص ٣٠٠).
(٢) انظر: النكت الطريفة (ص ١٧٣) بواسطة الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري (ص ٤٩٦).
(٣) انظر: بداية المجتهد (ج ١/ ص ٧٠).
[ ١ / ٢٨٣ ]
¬أبي حنيفة وتَجَاوَزُوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر، وكان رده لما ورد من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثيرا منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وَجُلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان إلا اتباعا لأهل بلده كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فأتى منه من ذلك خلاف كبير للسلف، وَشُنَعُ هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رَدَّ من أجل ذلك المذهب سنةً بتأويل سائغ، أو ادعاء نَسْخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا، وهو يوجد لغيره قليل (^١): . . . لم يُعْنَ أحد بنقل قبيح ما قيل فيه، كما عُنُوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا - مع هذا - يُحسد وينسب إليه ما ليس فيه. . . وكان يقال: يُستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه.
قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبب طالب أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط، ومبغض فَرَّط. . . وهذه صفة أهل النباهة، ومَنْ بلغ في الدين والفضل الغاية" (^٢).
_________________
(١) كذا قال ابن عبد البر، وفيما قال نظر.
(٢) جامع بيان العلم (ج ٢/ ص ١٤٨).
[ ١ / ٢٨٤ ]
¬وحسبنا أن نقول أيضًا: بمقالة الذَّهبي في ابن حزم: "ابنُ حزم رَجُلٌ من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة، تقع له المسائل المحررة، والمسائل الواهية كما يقع لغيره، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -" (^١).
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (ج ٣/ ص ١١٥٣ - ١١٥٤).
[ ١ / ٢٨٥ ]