فإن قيل: ماذا يقال في قول الإمام أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»؟
فيقال: الجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن الإمام أحمد قطعًا لم يردْ إنكار الإجماع، بدليل أن الإمام أحمد نفسه استدل بالإجماع في مسائل كثيرة، منها:
١ - قول الإمام أحمد: «أجمعوا على أن التكبير - أي المقيد -، يبتدئ من غداة يوم عرفة» (^٣).
٢ - وقوله: «أجمعوا على أن أولاد المسلمين في الجنة» (^٤).
_________________
(١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٣٧)، حيث قال: «، أنه لو لم يكن هذا إجماعًا: لتعذر وجود الإجماع؛ إذ لم ينقل إلينا في مسألة قول كل علماء العصر مصرحًا به».
(٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٣١٠) بمعناه.
(٣) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١٠٦١)، و«المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٩٢)، و«فتح الباري» لابن رجب (٩/ ٢٢،٢٤).
(٤) انظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (١/ ١١) بلفظ: «ليس فيه خلاف»، و«المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٧) بلفظ: «ليس فيه اختلاف».
[ ٢٠ ]
٣ - وقوله: «أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز» (^١).
٤ - وقوله: «إجماع العلماء والأئمة المتقدمين على أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، هذا الدين الذي أدركت عليه الشيوخ، وأدرك الشيوخ من كان قبلهم على هذا» (^٢).
٥ - وقوله: «أجمعوا على أن من تذكر صلاة حضر في سفر فإنه يصلي صلاة حضر» (^٣).
٦ - وقوله في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: «أجمع الناس أن هذِه الآية في الصلاة» (^٤).
٧ - وقوله: «أجمعوا على أن الدم نجس» (^٥).
٨ - وقوله: «لم يختلف الناس أن الرجل إذا أسلم أنه على نكاحه» (^٦).
وغير ذلك من المسائل التي نقل فيها الإمام أحمد الإجماع وعدم الخلاف، فالمقصود أن الإجماعات عن الإمام أحمد ليست قليلة، فكيف ينكر الإجماع وهو نفسه استدل بالإجماع؟!
الوجه الثاني: أن أصحاب الإمام أحمد لم يفهموا إنكار الإمام أحمد للإجماع؛ لذا انقسموا طوائف في توجيه كلامه كالتالي:
_________________
(١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٥١).
(٢) انظر: «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ١٧٢).
(٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٠٨)، بلفظ: «أما المقيم إذا ذكرها في السفر، فذاك بالإجماع يصلي أربعا».
(٤) انظر: «مسائل أبي داود» (٤٨).
(٥) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ١٠٥)، و«إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٥١).
(٦) انظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (٥٠٩)، و(٥٠٧).
[ ٢١ ]