قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما ليس فيه خلاف فليس إجماعًا».
نقل هذه العبارة ابن حزم (^٢) ﵀ وسيأتي الكلام عليها؛ لكن ظاهر هذه العبارة أن المسألة التي يقال لا خلاف فيها فليست إجماعًا وهذه على ظاهرها قوية في الدلالة على أن قول العالم لا أعلم فيه خلافا أو ليس فيه خلاف إلخ أنه لا يفيد الإجماع.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الذي نقل هذه العبارة هو ابن حزم في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» وفي غيره، ولم أر أحدًا سبق ابن حزم إلى نقل هذه العبارة عن
_________________
(١) انظر: «الرسالة» للشافعي (ص:٤٧١ - ٤٧٥).
(٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٤/ ١٨٨).
[ ٥٩ ]
الإمام الشافعي، وابن حزم قد نسبها إلى كتاب «الرسالة»، وهي ليست موجودة في كتاب «الرسالة» الذي بين أيدينا، بل إنني لم أر الشافعية ينقلون هذا القول وينسبونه إلى الشافعي، وإنما رأيت الزركشي في «البحر المحيط» (^١) نقل هذا القول ونسبه إلى ابن حزم، ومن بعد ابن حزم إذا نقل هذه الكلمة عن الشافعي إما أنه يذكر الواسطة وهو ابن حزم، أو يأتي بنص عبارة ابن حزم، فالعمدة في نقل هذا القول هو ابن حزم، ومن البعيد للغاية أن يكون هذا النص للإمام الشافعي رحمه الله تعالى ويغفل عنه أهل العلم، والشافعي له منزلته الكبيرة عند العلماء وله أصحابه الذين نصروا أقواله ومذهبه، فلو كانت المقولة ثابتة عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لرأيت أصحابه يتواردون عليها، بل لرأيت العلماء يذكرون مثل هذه المقالة؛ لأن للشافعي رحمه الله تعالى مكانته العظيمة عند العلماء.
الوجه الثاني: أن الإمام الشافعي ﵀ نفسه قد احتج في مسائل غير قليلة بنفي الخلاف، فقال رحمه الله تعالى في كتاب «الأم»: «ولا أعلم اختلافا في أن ليس في الذهب صدقة حتى يبلغ عشرين مثقالًا فإذا بلغت عشرين مثقالًا ففيها الزكاة» (^٢).
وقال أيضًا: «والعاقلة في الحر والعبد مالا أعلم فيه خلافا» (^٣).
وقال في كتابه «اختلاف الحديث»: «لأن الكتاب ثم السنة ثم مالا أعلم فيه خلافًا يدل على أن المتمتع بالعمرة إلى الحج إلخ» (^٤).
وقال أيضًا في كتابه «الأم»: «قال عن الحسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ إذا أنكح الوليان فالأول أحق - إلخ ثم مما ذكر الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال - فنكاح الأول
_________________
(١) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٨٨).
(٢) انظر: «الأم» للشافعي (٢/ ٤٣).
(٣) انظر: «الأم» للشافعي (٣/ ٢٦٢).
(٤) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (٨/ ٦٧٩).
[ ٦٠ ]
ثابت؛ لأنه ولي موكل ومن نكحها بعده فقد بطل نكاحه هذا قول عوام الفقهاء لا أعرف بينهم فيه خلافًا، ولا أدري اسمع الحسن منه أم لا» (^١).
يعني هو لم يعتمد على الخبر المروي الضعيف على هذا الرجل، وإنما اعتمد على أنه ليس في المسألة خلافٌ.
فالشافعي نفسه يحتج بنفي الخلاف.
الوجه الثالث: أن قول العالم «لا أعلم خلافًا أو لا خلاف بين العلماء» إلى آخر تلك العبارات إنما تدل على الإجماع؛ لأن معنى الإجماع يتساوى مع معنى قولهم أن العلماء لم يختلفوا. أي أنهم مجمعون، إلا أنها ليست في درجة جزم العالم إذا قال أجمعوا بخلاف إذا قال لا أعلم فيه خلافًا أو ليس بين العلماء خلاف، وقول لا أعلم أقل درجة من قول ليس في المسألة خلاف، وأقل منهما جمعيًا قوله هذا قول كل من أحفظ عن أهل العلم إلخ، وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) وسيأتي الكلام في هذه إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: أن المسألة التي يقول فيها عالم من العلماء ليس فيها خلاف أو لا أعلم فيها خلافًا إلخ.
يقال: سبيل المؤمنين فيما يحكيه هذا العالم باستقرائه هو كذا وكذا، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فإذن لا يصح أن نخرج عن هذا الذي ذكره العالم إلا إذا ثبت لدينا أن ما حكاه مخروم وأن سبيل المؤمنين في هذه المسألة ليس ما ذكره هذا العالم، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين من باب الظن الغالب، يعني ما علمنا أنه سبيل المؤمنين فنتبعه من باب الظن الغالب ولو كان أقل درجات الظن الغالب.
_________________
(١) انظر: «الأم» للشافعي (٥/ ١٩٢).
(٢) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (١/ ٥٩٨ - ٥٩٩).
[ ٦١ ]