يوجد كثير من الفقهاء المتأخرين من لا يعتد بالإجماع السكوتي بحجة أنه تكلم طائفة ولم يتكلم الباقون، وإنما غاية ما في الأمر أن الباقين سكتوا، وتقدم بيان الكلام في هذه المسألة، لكن أنبه على أمرين:
الأمر الأول: أن العلماء إذا حكوا الإجماع السكوتي وتطاول الزمان على حكايته ولم يخالف أحد فإن هذا الإجماع السكوتي حجة بالإجماع، ذكر هذا التلمساني (^١) والزركشي (^٢) وجماعة من أهل العلم، وهذا يستفاد منه في كثير من الإجماعات التي يريد كثير من المتأخرين أو من تأثر بالمتكلمين أن يسقطها.
ومن أمثلة ذلك: تحريم الغناء المصحوب بآلات اللهو.
فائدة: توارد العلماء من قرون على حكاية الإجماع على حرمة الغناء المصحوب بآلات اللهو فعارض بعض المتأخرين وقال: إنه ليس في المسألة إجماع بحجة أن غاية ما فيها الإجماع السكوتي، والإجماع السكوتي ليس حجة.
_________________
(١) انظر: «شرح المعالم في أصول الفقه» للتلمساني (٢/ ١٢٢).
(٢) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٧٢).
[ ٥٧ ]
فيقال: إنه لو سلم بعدم حجية الإجماع السكوتي فإن مثل هذا لا يقال في الإجماع السكوتي على حرمة الغناء المصحوب بالمعازف؛ لأنه مما تطاول الزمن على ذكر أهل العلم له، ولم يخالفوه فمثله حجة بالإجماع.
الأمر الثاني: مما يعلم يقينًا أن الشافعي لا يريد بذلك رد الإجماع السكوتي وذلك أن الإمام الشافعي نفسه أصَّل الإجماع وأنه حجة وقال: والإجماع حجة على كل شيء؛ لأنه لا يمكن فيه الخطأ (^١). وهذا لا يوجد إلا في الإجماع السكوتي.
ويؤكد ذلك أن الشافعي نفسه احتج بالإجماع عمليا فقد ذهب إلى أن العبد والصبي إذا حجا فأعتق أو بلغ بعد ذلك فإن هذا لا يجزئه عن حجة الإسلام حكى على ذلك الإجماع في «الأم» (^٢)، ومثل هذا غاية ما فيه الإجماع السكوتي والأمثلة على هذا كثيرة عن الشافعي وغيره.
إذن قول الشافعي قطعًا لا يحمل على إنكار الإجماع السكوتي؛ لأنه يقرر الإجماع.
تنبيه: ذكر العلائي (^٣) ثم الزركشي (^٤) أن من أصحاب الشافعي من حمل قوله: (لا ينسب إلى ساكت قول) على غير إجماع الصحابة لكن فيه نظر؛ لأن الشافعي حكى الإجماع في مسائل كثيرة وأصله ولم يبين أنه خاص بإجماع الصحابة.
ومن الشافعية من حمل هذا على الإجماع السكوتي الذي لم يتطاول الزمن على ذكره (^٥)؛ لأن ما تطاول الزمن على ذكره فإنه حجة بالإجماع كما تقدم.
_________________
(١) انظر: «العلم» للشافعي ص ٢٢.
(٢) انظر: «الأم» للشافعي (٢/ ١٢٠).
(٣) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص:٢٤).
(٤) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٩).
(٥) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص:٢٤)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٩).
[ ٥٨ ]
فيقال: وإن كان الشافعي قطعًا يحتج بهذا النوع من الإجماع لكن حصر قوله في مثل هذا يحتاج إلي بينة ودليل، ولو كان كذلك لقرر هذا في «الرسالة»، فإنه تكلم في «الرسالة» على حجية الإجماع، ولم يشترط تطاول الزمن على ذكره، ولو كان هذا شرطًا عنده لبينه بوضوح في «الرسالة» أو غيره من كتبه لاسيما وهو مما أصل فيه حجية دليل الإجماع (^١)، ومما يقطع به يقينًا أن مثل هذا الكلام من الشافعي لا يصح أن يستند عليه لرد كل إجماع سكوتي، وإن كان قد يستند عليه الشافعي -﵀- في رد إجماع لا يراه صحيحًا، وإذا قيل له: إنه قد قال بهذا القول فلان وفلان فالشافعي يرى بقرائن أن غير هؤلاء لم يتكلموا في هذه المسألة، وعدم كلامهم لا يدل على إقرار من تكلم لقرائن، أما أن يجعل هذا الكلام من الشافعي أصلًا في رد الإجماع السكوتي فلا يصح بحال - والله اعلم -.
* * *