أدلة الإجماع
تنوَّعت الأدلة وتضافرت على حجية الإجماع، وإليك بعضها:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
استدل بهذه الآية جمع من الأصوليين كالآمدي في كتابه «أصول الإحكام» (^٢)، وابن قدامة في «الروضة» (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٤)، بل أكثر من كَتبَ في الأصول إذا أورد مسألة الإجماع أتى بهذه الآية (^٥)، وقد نسب هذا الاستدلال للشافعي بعضهم (^٦)، ونازع آخرون في هذا الاستدلال (^٧).
_________________
(١) انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٢٥١).
(٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢٢٨).
(٣) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٧٨)، و(١٩/ ١٩٢).
(٥) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٧)، و«التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٢٥١)، و«المحصول» للرازي (٤/ ٣٥ - ٣٦)، و«التحبير شرح التحرير» للمرداوي (٤/ ١٥٣١ - ١٥٣٢)، و«الكوكب المنير» لابن النجار (٢/ ٢١٥) وغيرهم.
(٦) انظر: «أحكام القرآن» للشافعي (١/ ٣٩)، وانظر قصة استدلاله في «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٠/ ٨٣ - ٨٤). وممن نسبه له: الآمدي في «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٢٠٠)، والغزالي في «المستصفى» (١/ ١٣٨)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٧٨) وغيرهم.
(٧) انظر: «المستصفى» للغزالي (١/ ١٣٨).
[ ١٣ ]
وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله رتب العقوبة على ترك سبيل المؤمنين، فدل هذا على أن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فإذن إذا كان المؤمنون من أهل العلم من المجتهدين على قول في هذه المسألة فإن قولهم حجة وهذا هو المقصود.
الدليل الثاني: قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
استدل بهذه الآية أبو الحسين (^١)، والآمدي (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٣) وغيرهم.
ووجه الدلالة: أنه يعمل مباشرة بما لم يحصل فيه نزاع بخلاف ما حصل فيه نزاع فإنه يرد للكتاب والسنة.
الدليل الثالث: قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
استدل بهذه الآية أبو الحسين (^٤)، والآمدي (^٥)، والطوفي (^٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٧) وغيرهم.
ووجه الدلالة: أن الأمة إذا أجمعت على قول فإن هذا القول خير؛ لأنها أمرت به، ولو لم يكن خيرًا لوجد في الأمة من ينكر ذلك، ولا يمكن أن يُنقل لنا القول المرجوح والخطأ دون القول الراجح.
_________________
(١) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ١٥).
(٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢١٨).
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ٩)، و(١٩/ ٦٧)، و(١٩/ ٩١).
(٤) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٦).
(٥) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢١٤).
(٦) انظر: «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ١٧).
(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٧٦).
[ ١٤ ]
الدليل الرابع: قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
والمراد بالوسط أي العدل والخيار، فإذا أجمع العلماء على قول فهذا هو القول الحق وهو الخيار الذي يحبه الله، وقد استدل بهذه الآية أبو الحسين (^١)، والآمدي (^٢)، والطوفي (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) وغيرهم.
الدليل الخامس: أخرج الشيخان من حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (^٥).
وأخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة (^٦)، ومسلم من حديث جابر (^٧)، وثوبان (^٨)، وسعد بن أبي وقاص (^٩)، وغيرهم من صحابة (^١٠) رسول الله - ﷺ -.
وجه الدلالة من هذا الحديث: أن الأمة إذا أجمعت على قولٍ فحتمًا ولا بد أن يكون من بينها تلك الطائفة المنصورة التي لا تكون إلا على الحق؛ فبهذا يتبين أن هذا القول حقٌ، وهذا هو المراد إذ يدل على حجية الإجماع.
_________________
(١) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٤).
(٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢١١).
(٣) انظر: «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ١٥).
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٧٧).
(٥) أخرجه البخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧/ ١٧٤) - واللفظ له -.
(٦) أخرجه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١).
(٧) أخرجه ومسلم (١٥٦)، و(١٩٢٣).
(٨) أخرجه ومسلم (١٩٢٠).
(٩) أخرجه ومسلم (١٩٢٥).
(١٠) مثل عقبة بن عامر كما عند مسلم (١٩٢٤)، وأبو هريرة كما عند ابن ماجه (٧)، وقرة بن إياس كما عند الترمذي (٢١٩٢)، وابن ماجه (٦).
[ ١٥ ]
ولنفرض أن الأمة في وقت أجمعت على قول معين فقطعًا هذا القول هو الراجح وهو الذي يحبه الله؛ لأن من بين المجمعين تلك الطائفة المنصورة.
الدليل السادس: ثبت عند أحمد وغيره عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» (^١).
هذا دليل على حجية الإجماع كما أفاده ابن حزم (^٢)، وابن القيم في «الفروسية» (^٣)، والشاطبي في «الاعتصام» (^٤)، وغيرهم من أهل العلم.
ورواه الخطيب البغدادي (^٥) مرفوعًا عن أنس ﵁، لكنه لا يصح من حديث أنس، كما بينه ابن حزم (^٦)، وابن القيم في كتابه «الفروسية» (^٧)، وابن عبد الهادي فيما نقله عنه العجلوني (^٨)، والعلامة الألباني (^٩).
الدليل السابع: ثبت عند ابن أبي عاصم عن أبي مسعود البدري أنه قال: «عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة» (^١٠)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٦٠٠)، والبزار (١٨١٦)، وابن الأعرابي في «المعجم» (٨٦١)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ١١٢)، والحاكم (٤٤٦٥) وصححه، وغيرهم.
(٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٦/ ١٨ - ١٩).
(٣) انظر: «الفروسية» لابن القيم (ص:٢٩٩).
(٤) انظر: «الاعتصام» للشاطبي (٣/ ٤٦، ٣٢٥).
(٥) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٧٠).
(٦) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٦/ ١٨).
(٧) انظر: «الفروسية» لابن القيم (ص:٢٩٨).
(٨) انظر: «كشف الخفاء» للعجلوني (٢/ ٢٢١).
(٩) انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٥٣٢).
(١٠) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٥)، وابن أبي شيبة (٣٧٦١٥)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٢٢)، والحاكم (٨٥٤٥) وصححه.
[ ١٦ ]