نقلت بعض المصادر٧ أن أبا العباس ابن سريج ينظم الشعر بل سريع البديهة في
_________________
(١) ٧ انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٣/٢١ وتاريخ بغداد ٤/٢٨٧.
[ ١٥٥ ]
ذلك كما هو الحال في موقفه مع أبي بكر محمد بن داود كما سنرى قريبًا.
وهذا بيان لبعض ما ذكر من شعره:
أولا: شعره في الرد على أبي بكر محمد بن داود الظاهري:
إذ أنشد قائلا:
وساهر بالغنج من لحظاته فذبت أمنعه لذيذ سنانه
مننا بحسن حديثه وعتابه وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ولى بخاتم ربه وبراته
ثانيا: ما روي عنه أنه ركب شعرا في دخول "لو": تركيبا غير عربي فقال:
ولو كلما كلب عوى ملت نحوه أجاوبه أن الكلاب كثير
ولكن مبالانى بمن صاح أو عوى قليل فإني بالكلاب بصير
والذي عاب على أبي العباس ابن سريج هذا التركيب هو الشيخ أبو حيان ﵀ وقد أجاب السبكي في طبقاته على أبي حيان بقوله:
"لم يبين الشيخ أبو حيان وجه خروج أبي العباس عن اللسان في هذا التركيب الشعري. فإن أراد تسليطه حرف "ولو" على الجملة الاسمية فهو مذهب كثير من النحاة منهم الشيخ جمال الدين بن مالك. جوزوا أن يليها اسم ويكون معمول فعل مضمر ففسر بظاهر بعد الاسم".
ثم أضاف قائلا: وقال في التسهيل: "وإن وليها اسم فهو معمول فعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم، وربما وليها اسمان مرفوعان".
ومثال ما إذا وليها اسم: ما روي في المثل من قولهم "لو ذات سوار لطمئني" وقول عمر ابن الخطاب ﵁ "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة".
وقال الشاعر:
أخلان لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ما على الدهر معتب
وقال شاعر آخر:
لو غيركم علق الزبير بحبله أدنى الجواز إلى بنى العوام
وقال آخر:
فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما
فالأسماء التي وليت "لو" في هذا كله معمولة لفعل مضمر يفسره ما بعده، كأنه قال:
[ ١٥٦ ]
ولو لطمتني ذات سوار لطمتني. وكذا نقول في قول ابن سريج: "ولو كلما كلب" المعنى ولو كان كلما كلبا عوى.
ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ ١.
ويلزم من رد أبي حيان لهذا المذهب ودعواه أنه غير مذهب البصريين أن يكون مردودا في نفسه.
وإن أراد حذف الجواب إذ التقدير: ولو كان كلما عوى كلب ملت نحوه، كي أجاوبه لسئمت أو تعبت، أو نحو ذلك لأن الكلاب كثير. فقد نص هو وغيره على جواز حذف جواب "لو" لدلالة المعنى عليه، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ ٢. وشواهده كثيرة.
ثالثا: من شعر أبي العباس ابن سريج في مختصر المزني:
لصيق فؤادي منذ عشرين حجة
وصقيل ذهني والمفرج عن همي
عزيز على مثلي إعارة مثله
لما فيه من علم لطيف ومن نظم
جموع لأصناف العلوم بأسرها
فأخلق به أن لا يفارقه كمي
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية:١٠٠. ٢ سورة الأَنعام آية: ٢٧.
[ ١٥٧ ]