المراد بهذه المسألة هو: أن الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع وهو راجع إلى الحكم الشرعي بأن يتفق على حكم في حالة، ثم تتغير صفة عليه فيختلفون فيه فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. ومثاله: إذا استدل من يقول إن المتيمم إذ رأى أن الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته، لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة.
وكقول الظاهرية: يجوز بيع أم الولد. لأن الإِجماع انعقد على جوار بيع هذه الجارية قبل الاستيلاء. فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاء وهذا النوع هو محل الخلاف فذهب أبو العباس ابن سريج إلى القوال: بالاحتجاج به. وقال عنه الشوكاني بأنه الراجح١ وحجته في ذلك أن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل قائم في مقام المنع، فلا يجب علبه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك. فمن ادعاه جاء به.
وأورد عبد العزيز البخاري٢ المسألة بقوله: "إذا كان الحكم الثابت ثابتا بدليل مطلق غير معترض للزوال وقد طلب المجتهد الدليل المزيل بقدر وسعه ولم يظهر، فقد اختلف العلماء فيه.
فقال أبو العباس ابن سريج: "إنه حجة ملزمة متبعة في الشرعيات". وقد استدل على قوله هذا بما يلي٣:
_________________
(١) ١ انظر: إرشاد الفحول ٢٠٩. ٢ انظر: كشف الأسرار ٣/١٠٩٧. ٣ انظر: كشف الأسرار ٣/١٠٩٧، وإرشاد الفحول ٢٠٩.
[ ١٨٣ ]
وهو أن الحكم متى ما ثبت شرعا فالظاهر دوامه لما تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية، ولا بتغير المصلحة في زمان قريب وإنما تحتمل التغيير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد الدليل المزيل، ولم يظفر به، فالظاهر عدمه. وهذا نوع اجتهاد، وإذا كان البقاء ثابتا بالاجتهاد لا يترك باجتهاد مثله ترجيح، ويكون حجة على الخصم كمن تعلق بقياس صحيح، فأنكر خصمه، وعارضه بقياس لا رجحان له على الأول. يجب أن يكون المنكر محجوبا به لأن ذلك حكم قد ثبت بقاؤه بالاجتهاد، فلا يزول إلا بدليل بترجح على الأول، وإن كان أوجب شبهة في الأول. وهذا معنى قول الفقهاء ما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله. ألا ترى أن الحكم المطلق في حال حياة النبي ﷺ كان محتملا للنسخ ثم هو ثابت في حق من كان بعيدا عنه في حق وجوب العمل به، والإلزام على الغير، ودعوة الناس في ذلك. فعرفنا أن الاستصحاب حجة ملزمة.
[ ١٨٤ ]