هذه المسألة تسمى عند علماء الأصول بمسميات كثيرة منها: "مفهوم المخالفة" ومنها:
[ ١٦٧ ]
"دليل الخطاب". ومنها: "العمل بالوجوه الفاسدة". ومثلها قوله الرسول ﷺ: "في سائمة الغنم زكاة" ١.
وهل معنى هذا نفي الزكاة عن المعلوفة من الغنم أم لا؟. اختلف علماء الأصول في ذلك:
فقال أبو العباس ابن سريج: "تعليق الحكم على صفة لا يدل على انتفاء الحكم فيما لم توجد فيه تلك الصفة٢ إلا إذا جاء بلفظ الشرط". وقد استدل على قوله هذا بالأدلة الآتية٣:
أولا: استدل بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ٤.
وجلا الاستدلال: أنه لو كان كما قلتم لكان في الآية دليل على جواز القتل عند انتفاء خشية إملاق وهو الفقر، وليس كذلك، بل هو حرام.
ثانيا: لو دل تخصيص الحكم بالصفة على نفيه عما عداه لدل تخصيصه بالاسم على نفيه عما عداه. لكن التخصيص بالأسماء لا يدل على نفيه عما عداه. فالتخصيص بالصفة وجب أن لا يدل على نفيه عما عداه.
ثالثا: ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه ثبوت الحكم في الصورة الأخرى والإِخبار عن ثبوت ذلك الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه الإِخبار عنه في الصورة الأخرى، فإذن الإخبار عن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يدل على حال الصورة الأخرى ثبوتا وعدما.
رابعا: ليس في كلام العرب كلمة تدل على شيئين متضادين وهذا اللفظ يدل على إثبات الحكم ونفيه، وهذا خلاف اللغة.
خامسا: لو كان تعليق الحكم على الصفة للشيء يدل على نفيه عما عداه لوجب أن لا يحسن فيه الاستفهام، كما لا يحسن في نفس النطق.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري - باب الزكاة الغنم - ٣/٣١٧ وتلخيص الحبير ٢/١٥٦ ومختصر سنن أبي داود - باب في زكاة السائمة - ٢/١٨٢، والمعتبر/١٧٠. ٢ انظر: الوصول إلى علم الأصول ١/٣٤٢، وتنقيح المحصول ١/١٥١، والإبهاج شرح المنهاج ١/٣٧١، ونهاية السول ١/٣٢٠، والملخص في الجدل في أصول الفقه ١/٦٩، وأحكام الفصول ٥٢٢، وقواطع الأدلة /لوحة رقم٧١، وشرح مختصر روضة الناظر٢/ ٥٥١، وشرح اللمع ١/٤٢٨، وكشف الأسرار ١/١٠٧، والتبصرة ٢١٨. ٣ انظر: المراجع السابقة. ٤ سورة الإسراء آية: ٣١.
[ ١٦٨ ]
سادسا: بأن نفي الحكم عن غير المنصوص لا يفهم من مجرد الإثبات إلا بنقل متواتر من أهل اللغة، أو جار مجرى التواتر كعلمنا بأن قولهم ضروب وقتول وَأمثالهما للتكثير، وإن قولهم عليم وقدير وأقدر للمبالغة. ونقل الآحاد لا يكفي إذ الحكم على اللغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط، لا سبيل إليه، ولم يوجد.
سابعا: أهل اللغة فرقوا بين العطف وبين النقض. وقد قالوا أضرب الرجال الطوال والقصار عطف، وليس بنقض. ولو كان قوله أضرب الرجال الطوال يدل على نفي ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا.
ثامنا: الخبر عن ذي الصفة لا يبقي غير الموصوف، فإن الرجل إذا قال: قام أسود، أو خرج، لم يدل على نفيه عن الأبيض. بل هو مسكوت عن الأبيض فكذلك الأمر.
تاسعا: بمفهوم الاسم واللقب. فإن الأسماء موضوعة لتمييز الأجناس والأشخاص كإنسان وزيد. والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال كطويل وقصير، وقائم وقاعد. فإذا كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه، فإنه إذا قيل في الإبل الزكاة لا يدل ذلك على نفيها عن البقر. وجب أن يكون التقييد بالصفات بمثابته.
عاشرا: كان دليل الخطاب يقتضي الحكم لكان ذلك مستنبطا من اللفظ، وما استنبط من اللفظ لا يجوز تخصيصه كالعلة.
حادي عشر: ما روي عن عروة بن الزبير ﵁ أنه قال: "قلت لعائشة أم المؤمنين ﵂، وأنا يومئذ حديث السن. أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ١ فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما". قالت عائشة ﵂: "كلا يا ابن أخي لو كان كما قلت لكانت "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما". فهذه عائشة وهي من أهل اللسان لم تحكم للمسكوت عنه ضد حكم المنطوق به، واعتذر عروة ﵁ ما اعتقد ذلك بحداثة سنه، وأنه لم يكن فقه بعد. وإذا كان هذا طريقه اللغة. وجب أن يرجع إلى قول عائشة ﵂. والله أعلم وأحكم.
ثاني عشر: لو دل الخطاب المقيد بالصفة على نفي ما عداه لدل عليه إما بصريحه ولفظه، وإما بفائدته ومعناه. وليس يدل علية من كلا الوجهين. فإذا ليس يدل عليه. أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكير لما عدا الصفة. ألا ترى أن قول القائل "أدوا عن الغنم السائمة الزكاة" ليس فيه ذكر للمعلومة أصلا.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٥٨.
[ ١٦٩ ]
وأما المعنى: فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت الزكاة في غير السائمة كهي في السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف لما لا فائدة فيه.
[ ١٧٠ ]