اختلف العلماء في الحكم الذي يعلل أصله لتعديته إلى محل آخر هل يشترط فيه أن يكون شرعيا؟.
فقال أبو العباس ابن سريج: "لا يشترط فيه أن يكون شرعيا بل يجرى القياس في الأسامي واللغات"١.
وقبل ذكر أدلة ابن سريج في المسألة لابد من تحديد محل الخلاف لذا قال العلماء ليس الخلاف في إطلاق اسم علم تعميمه للأفراد بالنقل على ما سكت عنه، أي لم يسمع إطلاقه عليه من أهل اللغة. مثل "رجل" فإنه وضع لواحد من ذكور بني آدم، وعلم تعميمه بالنقل. فإذا أطلق على واحد لم يسمع من العرب إطلاقه عليه، لا يقال إنه إثبات بالقياس. إذ تناول اللفظ لذلك الواحد علم بالنقل، وليس أيضا الخلاف في نحو رفع فاعل لم يسمع من العرب رفعه، فإنه لا نزاع في جواز رفعه.
ولا يقال أيضا أنه إثبات بالقياس إذ علم تعميم رفع الفاعل بالاستقراء. فإنا لما استقرأنا الكلام وجدنا كل ما أسند الفعل، أو شبهه إليه مقدما عليه مرفوعا، حصل عندنا قاعدة وهي: أن كل فاعل مرفوع. بحيث لم يبق شك، فإذا جعل فاعل لم يسمع رفعه من العرب مرفوعا لم يكن ذلك قياسا إذ علم بالاستقراء أن الرفع وضع لكل فاعل.
بل إنما الخلاف في أنه هل يسمى مسكوت عنه مثل النبيذ مثلا الحاقا بتسمية، أي باسم مثل اسم الخمر موضوع لمعين، مثل ماء العنب المخصوص لأجل معنى، مثل التخمير. يستلزم ذلك المعنى الاسم وجودا وعدما. أي متى وجد المعنى المذكور وجد الاسم ومتى عدم عدم أم لا؟ لأنه هو القياس في اللغة وبعبارة أخرى إذا وضع اسم لمعنى دار المعنى مع اللفظ وجودا وعدما كخمر النبيذ.
فبهذا وأمثاله: قال ابن سريج بأن اللغة تثبت بالقياس وقد استدل بالأدلة الآتية٢:
أولًا: التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ٣ فإنه يتناول كل الأقيسة واعتمادهم
_________________
(١) ١ انظر: شرح اللمع ٢/ ٧٩٦، والمحصول جـ٢/ ق١/٤٥٧، والمعتمد٢/ ٨٠٧، ومسائل الحلاف في أصول الفقه ٤٣١، ومعاني البديع/جـ ا/ ق ١/ ٣٨٨/، وكشف الأسرار٣/١٠٣٣، وبيان المختصر ١/٥٦ والوصول إلى علم الأصول ١/ ١١٠. ٢ انظر: شرح اللمع ٢/ ٧٩٦، والمحصول جـ ٢/ ق١/ ٤٥٧، والمعتمد٢/ ٨٠٧، ومسائل الخلاف في أصول الفقه ٤٣٣، ومعاني البديع جـ ٢/ ق١/ ٣٨٨، وكشف الأسرار٣/١٠٣٣، وبيان المختصر ١/ ٢٥٦، والوصول إلى علم الأصول ١/ ١١٠. ٣ سورة الحشر آية: ٢٠.
[ ١٨١ ]
في الفرق على أن المعاني لا تناسب الألفاظ فامتنع جعل المعنى علة للاسم، بخلاف الأحكام الشرعية فإن المعاني قد تناسبها، لكنا قد بينا سقوط هذا الفرق.
ثانيا: قضاء الرسول ﷺ بالرجم في حق ماعز لا يتناول غيره لأنه خاص به. وقضاؤه بالكفارة على الأعرابي المجامع في نهار رمضان لا يدخل فيه غيره ممن جامع في رمضان. لأن لفظه مقصور عليه، وإنما يوجب الرجم على غير ماعز في الزنى بالقياس عليه. وتثبت الكفارة في حق غير الأعرابي المجامع بالقياس عليه.
ثالثا: إن العرب وضعت اسم الفرس للحيوان الذي كان في زمانهم موجودا ثم انقرض، وحدث حيوان آخر فسمي بذلك بطريق الإلحاق والقياس.
رابعا: إذا جاز إجراء القياس في الأحكام الشرعية عند فهم المعنى جاز إجراء القياس في الأسامي اللغوية عند فهم المعنى، لأن المقصود من تسمية النبيذ خمرا إثبات التحريم وإيجاب الحد.
خامسا: لما جاز إثبات أسماء الأعلام من غير رجوع إلى أهل اللغة فلا يمتنع مثله من الأسماء اللغوية.
سادسا: وجدنا بأن العصير إذا حصلت فيه الشدة سمي خمرا، وإذا زالت الشدة لم يسم خمرا. فعلمنا أن الأسماء تجري في بابها مجرى الأحكام التي تثبت بوجود معان وتزول بزوالها.
سابعا: قد ثبت بالتواتر عن أهل اللغة أنهم جوزوا القياس في اللغة. ألا ترى أن كتب النحو والتصريف والاشتقاق مملوءة من الأقيسة وأجمعت الأمة على وجوب الأخذ بتلك إذ لا يمكن تفسير القرآن والإخبار إلا بتلك القوانين فكان ذلك إجماعا بالتواتر.
[ ١٨٢ ]